Indexed OCR Text

Pages 161-180

فِي إِسْنَادِهِ إِلَى شَيْخِ مُصَنَّفِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مُصَنَِّ الكِتَابِ، وَلَوْ
أَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْمُصَنِِّ لَزَادَ عَدَدُ رِجَالِ السَّنَدِ.
قَالَ الحَافِظُ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): مِثَالُهُ:
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ قُتُبَةَ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثاً، فَلَوْ رَوَيْنَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ
- أَيٍ: الْبُخَارِيِّ - كَانَ بَيْنَا وَبَيْنَ قُتِيْبَةً ثَمَانِيَةٌ، وَلَوْ رَوَيْنَا ذَلِكَ الحَدِيثَ
بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي العَبَّاسِ السَّرَّاجِ عَنْ قُتَُّةَ مَثَلاً لَكَانَ بَيْنَا وَبَيْنَ فُتِبَةً
فِيهِ سَبْعَةٌ، فَقَدْ حَصَلَتْ لَنَا المُوَافَقَةُ مَعَ الْبُخَارِيِّ فِي شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ مَعَ عُلُوِّ
الإِسْنَادِ إِلَيْهِ - أَيْ: إِلَى البُخَارِيِّ -.
وَهَذَا النَّوْعُ سَمَّاهُ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ عُلُوَّ التَّنْزِيلِ، لِكَوْنِهِ نَازِلاً بِالنِّسْبَةِ
لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَعَالِياً بِالنِّسْبَةِ لِلْكِتَابِ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ
وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مُصَنِِّهِ.
الثَّانِي: البَدَلُ: وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَ المُحَدِّثُ حَدِيثاً مَوْجُوداً فِي أَحَدٍ
الكُتُبِ المُعْتَمَّدَةِ بِإِسْنَادٍ لِنَفْسِهِ، فَيَصِلَ فِي إِسْنَادِهِ إِلَى شَيْخِ شَيْخِ
المُصَنِّفِ لِذَلِكَ الكِتَابِ.
قَالَ الحَافِظُ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): كَأَنْ يَقَعَ لَنَا ذَلِكَ الإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ
- أَيٍ: الإِسْنَادُ السَّابِقُ لِلْبُخَارِيِّ - عَنْ قُبَةَ عَنْ مَالِكٍ إلخ، مِنْ طَرِيقٍ
أَخْرَى إِلَى القَعْنَِيِّ(١)، فَيَكُونُ القَعْنَبِيُّ بَدَلاً فِيهِ عَنْ قُتُبَةَ اهـ.
(١) شَيْخِ البُخَارِيِّ.
١.٦٠

الثَّالِثُ: المُسَاوَاةُ: وَهِىَ: أَنْ يَتَسَاوَى عَدَدُ رِجَالِ الإِسْنَادِ مِنَ
المُحَدِّثِ إِلَى آخِرِ السَّنَدِ مَعَ إِسْنَادٍ أَحَدِ الأَئِمَّةِ المُصَنِّفِينَ.
قَالَ الحَافِظُ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): كَأَنْ يَرْوِيَ النَّسَائِيُّ حَدِيثاً يَقَعُ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ نَفْساً، فَيَقَعَ لَنَا .
لِلْحَافِظِ وَأَمْتَالِهِ - ذَلِكَ الحَدِيثُ بِعَيْنِهِ بِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ
وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ يَقَعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ
نَفْساً، فَنُسَاوِي النَّسَائِيَّ مِنْ حَيْثُ العَدَدُ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُلاَحَظَةِ ذَلِكَ
الإِسْنَادِ الخَاصِّ(١).
الرَّابِعُ: المُصَافَتَةُ: وَهِيَ: أَنْ يَزْوِيَ المُحَدِّثُ حَدِيثاً بِسْنَادٍ لِنَفْسِهِ،
فَيَقَعُ عَدَدُ رِجَالِ إِسْنَادِهِ زَائِداً بِوَاحِدٍ عَلَى عَدَدِ رِجَالِ أَحَدِ الأَئِمَّةِ
المُصَنِّفِينَ، فَيَكُونُ المُحَدِّثُ كَأَنَّهُ قَابَلَ صَاحِبَ الكِتَابِ فَرَوَى عَنْهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: حَدِيثُ عَلِيِّ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ فِي النَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ
المُتْعَةِ .
فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةُ
رِجَالٍ .
وَرَوَاهُ العِرَاقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ النَّسَائِيِّ فَوَقَعَ لَهُ أَنَّ شَيْخَهُ فِيهِ سَاوَاهُ،
(١) وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ فِي جُزْءٍ صَغِيرٍ سَمَّاهُ
(العَشْرُ العُشَارِيَّةُ)، وَقَدْ كَانَ هَذَا النَّوْعُ مُمَكِنَ الوُقُوعِ فِي عَصْرِ ابْنِ حَجَرٍ وَمَنْ
وَافَاهُ، أَمَّا الْيَوْمَ بَعْدَ طُولِ العَهْدِ وَتَعَدُّدِ الأَجْيَالِ فَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنِ الوُقُوعِ.
١٦١

وَأَمَّا العِرَاقِيُّ نَفْسُهُ فَلَمْ يُسَاوِ النَّسَائِيَّ فِي هَذَا الِمِثَالِ بَلْ صَافَحَهُ، فَكَأَنَّ
العِرَاقِيَّ لَقِيَ النَّسَائِيَّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ
عَشَرَةٌ فَأَخَذَ عَنْهُ وَصَافَحَهُ(١).
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ فِي (التَّقْرِيبِ): وَالمُصَافَحَةُ أَنْ تَقَعَ هَذِهِ
المُسَاوَاةُ لِشَيْخِكَ فَيَكُونَ لَكَ مُصَافَحَةً.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَتِ المُسَاوَةٌ لِشَيْخِ شَيْخِكَ كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ
لِشَيْخِكَ، وَإِنْ كَانَتْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِكَ فَالمُصَافَحَةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ اهـ.
وَإِنَّمَا سُمِّي هَذَا النَّوْعُ بِالمُصَافَحَةِ لأَنَّ التَّلاَقِيَ سَبَبٌ يَطْلُبُ
المُصَافَحَةَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ كَمَا هُوَ حُكْمُ الشَّرِيعَةِ.
القِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ العُلُوِّ تَقَدُّمَ وَفَاةِ الرَّاوِي عَنْ شَيْخٍ،
عَلَى وَفَاةِ رَارٍ آخَرَ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ؛ وَإِنْ تَسَاوَى السَّنَدَانِ عَدَداً.
قَالَ فِي (التَّقْرِيبِ): فَمَا أَزْوِيِهِ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنِ البَيْهَقِيِّ عَنِ الحَاكِمِ،
أَعْلَى مِمَّا أَزْوِيِهِ عَنْ ثَلاَثَةٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَفِ عَنِ الحَاكِمِ ، لِتَقَدُّمِ
وَفَاةِ الْبَيْهَِيِّ عَلَى ابْنِ خَلَفِ اهـ.
وَهَذَا عُلٌُّ بِسَبَبٍ تَقَدُّمٍ وَفَاةِ شَيْخٍ عَلَى شَيْخٍ آخَرَ.
وَرُبَّمَا اعْتَبَرُوا تَقَدَّمَ وَفَاةِ الرَّاوِي مُطْلَقاً لاَ بِالنِّسْبَةِ لِتَقَدُّمِهَا عَلَى وَفَاةٍ
شَيْخِ آخَرَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي حَدِّ هَذَا القِدَمِ، فَقِيلَ: يَكُونُ لِخَمْسِينَ سَنَةً
(١) وَهَذَا النَّوْعُ أَيْضاً لاَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ فِي عَصْرِنَا هَذَا.
١٦٢

مَضَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَمْضِيَ خَمْسُونَ سَنَةً عَلَى وَفَاةٍ شَيْخِهِ ثُمَّ
يَرْوِيَ عَنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: يَكُونُ هَذَا الْقِدَمُ لِثَلاثِينَ سَنَةً.
الْقِسْمُ الخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ العُلُوِّ تَقَدُّمَ سَمَاعٍ أَحَدِ الرُّوَاةِ،
بِالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ شَارَكَهُ فِي السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ، أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ
سَمِعَ مِنْ رَفِيقِ شَيْخِهِ، فَالأَوَّلُ أَعْلَى:
وَمِثَلُهُ: أَنْ يَسْمَعَ شَخْصَانِ مِنْ شَيْخِ وَاحِدٍ وَلَكِنَّ سَمَاعَ أَحَدِهِمًا
سَابِقٌ عَلَى سَمَاعِ الآخَرِ ، وَيَتَكَّدُ هَذَا العُلُّ فِي حَقِّ مَنِ اخْتَلَطَ شَيْخُهُ أَوْ
خَرِفَ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَسْمَعَ شَخْصٌ عَنْ شَيْخِهِ، وَآخَرُ عَنْ رَفِيقِ شَيْخِهِ
وَيَكُونَ سَمَاعُ الأَوَّلِ مُتَقَدِّماً عَلَى سَمَاعِ الثَّانِي.
النُّزُولُ وَأَنْوَاعُهُ: التُّزُولُ ضِدُّ العُلُوِّ. وَهُوَ خَمْسَةُ أَفْسَامِ أَيْضاً، كُلُّ
قِسْمٍ مِنْ أَفْسَامِهِ يُقَائِلُ قِسْماً مِنْ أَفْسَامِ العُلُوِّ.
حُكْمُ العَالِ وَالنَّزِلِ: العَالِي أَفْضَلُ وَأَقْوَى مِنَ النَّازِلِ، مَا لَمْ
يُوجَدْ لِلسَّنَدِ النَّازِلِ أُمُورٌ تَجْبُ مَا فِيهِ مِنَ النُّزُولِ، فَحِينَيِّذٍ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةً
أَرْقَى مِنْ دَرَجَةِ السَّنَدِ العَالِي.
وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ رِجَالُ السَّنَدِ النَّازِلِ أَحْفَظَ وَأَضْبَطَ، أَوْ أَفْقَهَ مِنْ
رِجَالِ السَّنَدِ العَالِي، أَوْ كَانَ النَّازِلُ مُتَّصِلاً بِالسَّمَاعِ وَفِي العَالِي حُضُورٌ
١٦٣

أَوْ إِجَازَةٌ أَوْ مُنَاوَلَةٌ، أَوْ كَانَ العَالِي قَدْ أُعْطِيَ صِفَةَ العُلُوِّ بِسَبَبٍ تَقَدُّمٍ
السَّمَاعِ مِنْ شَيْخِهِ؛ لَكِنْ قَبْلَ بُلُوغِهِ دَرَجَةَ الإِثْقَانِ وَالضَّبْطِ، وَكَانَ الثَّانِي
المُتَأَخِّرُ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ بَعْدَ بُلُوغِهِ دَرَجَةَ الإِثْقَانِ وَالضَّبْطِ،
فَالأَفْضَلِيَّةُ فِي هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ لِلنَّازِلِ، وَيُسَمَّى هَذَا النُّزُولُ وَأَمْثَالُهُ
عُلُوَّاً مَعْنَوِيّاً.
فَالعُلُقُّ حِينَئِذٍ نَوْعَانٍ: عُلُوٌّ فِي المَعْنَى كَمَا فِي هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاَثَةِ،
وَعُلُّوٌّ فِي الظَّاهِرِ وَهُوَ مَا سَبَقَ.
قَالَ العِرَاقِيُّ:
وَالصِّحَّةُ العُلُوُّ عِنْدَ النَّظَرِ
وَحَيْثُ ذُمَّ(١) فَهْوَ مَا لَمْ يُجْبَرِ
° س (١) ،ه
وَقَالَ الحَافِظُ السِّلَفِيِّ(٢).
لَيْسَ حُسْنُ الحَدِيثِ قُرْبَ رِجَالٍ عِنْدَ أَزْبَابِ عِلْمِهِ النَّقَّادِ
و
ـظِ وَالإِتْقَانِ: صِحَّةُ الإِسْنَادِ
بَلْ عُلُوُّ الحَدِيثِ عِنْدَ أُولِي الحِفْـ
فَاغْتَنِمْهُ فَذَاكَ أَقْصَى المُرَادِ
وَإِذَا مَا تَجَمَّعَا فِي حَدِيثٍ
(١) أَيِ: التُّزُولُ.
(٢) هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ أَبُو طَاهِرِ السِّلَفِيُّ، بِكَسْرِ السِّينِ وَقَتْحِ اللَّمِ،
نِسْبَةً إِلَى سِلَفَةَ لَقَبٍ جَدِّهِ.
قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَثِقَةٌ وَرِعٌ مُتْقِنٌ حَافِظْ تُوُفِّيَ سَنَةَ / ٥٧٦/هـ.
١٦٤

المُدَبّجُ
وَمَا رَوَى كُلَّ قَرِينٍ عَنْ أَخِةْ
مُدَبَّجٌ فَاعْرِفْهُ حَقّاً وَانْتَخِهْ(١)
المُدَبَّجُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ هُوَ: مَا رَوَاهُ كُلٌّ مِنَ القَرِينَيْنِ عَنِ الآخَرِ،
سَوَاءٌ كَانَا مِنَ الصَّحَابَةِ، أَوِ التَّابِعِينَ، أَوْ أَتْبَاعِهِمْ، أَوْ أَتْبَاعِ
أَتْبَاعِهِمْ ... إلخ.
فَمِثَالُ الصَّحَابَةِ: رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَرِوَايَتُهَا عَنْهُ.
وَمِثَالُ التَّابِعِينَ: رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ وَرِوَايَةُ عَطَاءٍ عَنِ
الزُّهْرِيِّ.
وَمِثَالُ أَتْبَاعِهِمْ: رِوَايَةُ مَالِكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ وَرِوَايَةُ الأَوْزَاعِيِّ عَنْهُ.
وَمِثَالُ أَتْبَاعِ أَنْبَاعِ التَّاسِعِينَ: رِوَايَةُ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ المَدِينِيِّ وَرِوَايَةٌ
ابْنِ المَدِينِيِّ عَنْهُ.
وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِلاَ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ، أَوْ
بِوَاسِطَةٍ كَرِوَاَةِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الهَادِ عَنْ مَالِكٍ، وَرِوَايَةٍ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ
عَنِ اللَّيْثِ.
وَالأَصْلُ الجَامِعُ لِهَذَا النَّوْعِ وَأَضْرَابِهِ كَمَا فِي (النُّخْبَةِ وَشَرْجِهَا):
(١) أَيِ: اقْتَخِرْ.
١٦٥

إِنْ تَشَارَكَ الرَّاوِي وَمَنْ رَوَى عَنْهُ فِي أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّوَايَةِ .
مِثْلِ السِّنِّ وَاللُّغِيِّ وَهُوَ الأَخْذُ عَنِ المَشَارِخِ - فَهُوَ النَّوْعُ الَّذِي يُقَالَ لَهُ:
رِوَايَةُ الأَقْرَانِ، لأَنَّهُ حِينِّذٍ يَكُونُ رَاوِياً عَنْ قَرِينِهِ، وَإِنْ رَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا .
أَيٍ: القَرِينَيْنِ - عَنِ الآخَرِ فَهُوَ: المُدَبَّجُ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الأَوَّلِ، فَكُلُّ
مُدَبَّجِ أَقْرَانٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ أَقْرَانٍ مُدَبَّجاً.
وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ التَّذِيجَ مَأْخُوٌ مِنْ دِيبَاجَتَي الوَجْهِ، فَيَقْتَضِي
أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُسْتَوِياً مِنَ الجَائِتَيْنِ. وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ بِذَلِّكَ الدَّارَ قُطْنِيُّ.
وَإِنْ رَوَى الرَّاوِي عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ فِي السِّنِّ كَالزُّهْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ، أَوْ دُونَهُ فِ العِلْمِ وَالمِقْدَارِ كَمَالِكِ عَنْ عَبْدِالله بْنِ
دِينَارٍ، وَكَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ مُوسَى، أَوْ دُونَهُ فِي الچِهَتَيْنِ
كَرِوَايَةِ العَبَادِلَةِ عَنْ كَعْبٍ، وَرِوَايَةٍ كَثِيرٍ مِنَ العُلَمَاءِ عَنْ تَلاَمِيذِهِمْ كَرِوَايَةٍ
البُخَارِيِّ عَنْ تِلْمِيذِهِ أَبِي العَبَّاسِ السَّرَّاجِ، فَهَذَا النَّوْعُ يُسَمَّى رِوَايَةَ: الأَكَابِرِ
عَنِ الأَصَاغِرِ.
وَالأَصْلُ فِيهِ رِوَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَمِيمٍ
الدَّارِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ خَبَرَ الجَسَّاسَةِ كَمَا فِ (صَحِيحِ) مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
وَمِنْ رِوَايَةِ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ رِوَايَةُ: الآبَاءِ عَنِ الأَبْنَاءِ، وَالصَّحَابَةِ
عَنِ الأَتْبَاعِ.
وَإِنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي الأَخْذِ عَنْ شَيْخِ، وَتَقَدَّمَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا عَلَى
الآخَرِ فَهُوَ: السَّابِقُ وَاللَّحِقُ وَذَلِكَ كَأَبِي عَلِيِّ الْبَرَدَانِيِّ سَمِعَ مِنْ تِلْمِيذِهِ
السِّلَفِيِّ حَدِيثاً، وَرَوَاهُ عَنْهُ وَمَاتَ عَلَى رَأْسِ الخَمْسِمِائَةِ، وَكَانَ آخِرَ
١٦٦

أَصْحَابِ السِّلَفِيِّ سِبْطُهُ أَبُو القَاسِمِ بْنُ مَكِّيٍّ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةً خَمْسِينَ
وَسِتّمِائَةٍ .
فَقَدْ شَارَكَ أَبَا عَلِيٍّ فِي الرِّوَايَةِ عَنِ السِّلَفِيِّ، وَبَيْنَ وَفَاتَيْهِمَا مِنَّةٌ
وَخَمْسُونَ سَنَةً.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا أَكْثُرُ مَا وَقَقْنَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
فَوَائِدُ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ: لِمَعْرِفَةِ الأَنْوَاعِ المُتَقَدِّمَةِ فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ فِي
هَذَا الفَنِّ:
فَمِنْ فَوَائِدِ مَعْرِفَةِ الأَقْرَانِ: أَنْ لَا يَتَوَهَّمَ النَّاظِرُ فِي الحَدِيثِ الَّذِي
مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِ المُتَقَارِنَيْنِ قَدْ وَقَعَ خَطَأْ فِي السَّنَدِ مِنْ أَحَدِ
الزُّوَاةِ .
وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَفْهَمَ أَنْ (عَنْ) فِي السَّنَدِ خَطَأٌ، وَأَنَّ صَوَابَهَا وَاوُ
العَطْفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي كَوْنٍ كُلِّ مِنْهُمَا قَدْ حَدَّثَ عَمَّنْ
ذُكِرَ فِي الإِسْنَادِ قَبْلَهُمَا .
وَمِنْ فَوَائِدِ مَعْرِفَةِ الأَكَابِرِ عَنِ الأَصَاغِرِ: أَمْنُ الخَوْفِ مِنْ ظَنّ
الاِنْقِلاَبِ فِي السَّنَدِ، وَأَنْ لاَ يُتَوَهَّمَ كَوْنُ المَرْوِيِّ عَنْهُ أَكْبَرَ وَأَفْضَلَ مِنَ
الرَّاوِي؛ نَظَراً إِلَى أَنَّ الأَغْلَبَ كَوْنُ المَرْوِيِّ عَنْهُ كَذَلِكَ.
وَمِنْ فَوَائِدٍ مَعْرِفَةِ السَّابِقِ وَاللَّحِقِ: الأَمْنُ مِنْ ظَنِّ سُقُوطٍ شَيْءٍ مِنْ
إِسْنَادِ المُتَأَخِّرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْخِهِ، لأَنَّ النَّاظِرَ لَمَّا يَرَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ عَنِ
الشَّيْخِ قَدْ مَاتَ فَرُبَّمَا يَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ وَاسِطَةً بَيْنَ هَذَا الرَّاوِي وَالشَّيْخِ.
١٦٧

المُتَّفِقُ وَالمُفْتَرِقُ
وَضِدُّهُ فِيمَا ذَكَرْنَا المُفْتَرِقْ
مُتَّفِقٌ لَفْظَاً وَخَطّاً مُتَّفِقْ
يَنْبُغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِالحَدِيثِ أَنْ تَكُونَ لَهُ عِنَائَةٌ تَامَّةٌ بِمَعْرِفَةِ قِسْمِ
المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ.
وَهُوَ: مَا أَتَّفَقَ لَفْظُهُ وَخَطُّهُ وَافْتَرَقَ مَعْنَاهُ، بِأَنْ تَعَدَّدَ مُسَمَّاهُ. فَهُوَ مِنْ
قَبِيلِ المُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ(١).
وَهُوَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ:
الأَوَّلُ: أَنْ تَتَّفِقَ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، كَالخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ - سِنَّةُ
رِجَالٍ ، أَوَّلُهُمْ شَيْخُ سِيبَوَتِهِ.
الثَّانِي: أَنْ تَتَّفِقَ أَسْمَاؤُهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، نَحْرُ: أَحْمَدَ
ابْنِ جَعْفَرَ بْنِ حَمْدَانَ - أَرْبَعَةٌ مُتَعَاصِرُونَ فِي طَقَةٍ وَاحِدَةٍ .
الثَّالِثُ: أَنْ تَتَّفِقَ الكُتْيَةُ وَالنِّسْبَةُ مَعاً، نَحْوُ: أَبِي عِمْرَانَ الجُونِيِّ -
رَجُلاَنِ .
(١) رُبَّمَا تُوهِمُ عِبَارَةُ المُصَنَّفِ أَنَّ المُتَّفِقَ وَالمُفْتَرِقَ قِسْمَانِ، وَلَيْسَ الأَمْرُ
كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ قِسْمٌ وَاحِدٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَّفِقٌ فِي اللَّفْظِ وَالخَطِّ
وَمُفْتَرِقٌ فِي المُسَمَّى.
١٦٨

الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّفِقَ الاسْمُ وَاسْمُ الأَبِ وَالنِّسْبَةُ، نَحْوُ: مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِالله الأنْصَارِيُّ - اثْنَانِ .
وَالخَامِسُ: أَنْ تَتَّفِقَ كُنَاهُمْ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ، كَأَيِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ -
ثَلاَثَةٌ .
السَّادِسُ: أَنْ تَتَّفِقَ أَسْمَاؤُهُمْ وَكُنَى آبَائِهِمْ، نَحْوُ: صَالِحُ بْنُ أَبِي
صَالِحٍ - أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
السَّابِعُ: أَنْ تَتَّفِقَ أَسْمَاؤُهُمْ أَوْ كُنَاهُمْ.
فَمِثَالُ الأَسْمَاءِ: عَبْدُ اللهِ إِذَا أُطْلِقَ فَإِذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَابْنُ الزُّبَيْرِ، أَوْ
بِالمَدِينَةِ فَابْنُ عُمَرَ، أَوْ بِالكُوفَةِ فَابْنُ مَسْعُودٍ، أَوْ بِالبَصْرَةِ فَابْنُ عَبَّاسٍ،
أَوْ بِخُرَاسَانَ فَابْنُ المُبَارَكِ، أَوْ بِالشَّامِ فَابْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله
عنهم أجمعين.
وَمِثَالُ المُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ فِي الكُنَى: أَبُو حَمْزَةَ، وَهُوَ كُنِيَّةٌ لِسَبْعَةٍ؛
وَكُلُّهُمْ بِحَاءٍ وَزَاٍ، إِلَّ وَاحِداً فَهُوَ بِالحِيمِ وَالرَّاءِ، وَكُلُّ هَؤُلاَءِ يَرْوُونَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
الثَّامِنُ: أَنْ يَتَّفِقَا فِي النَّسَبِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَيَفْتَرِقَا فِي المَنْسُوبِ
إِلَيْهِ، كَالحَنَفِيِّ نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةٍ وَالحَنَفِيِّ نِسْبَةً إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ.
وَفَرَّقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَدِيثِ بَيْنَهُمَا، فَادُوا فِي النِّسْبَةِ لِصَاحِبِ
المَذْهَبِ يَاءً بِأَنْ يُقَالَ: حَنِيفِيٍّ.
وَفَائِدَةٌ مَعْرِفَةِ المُتَّفِقِ وَالمُفْتَرِقِ: الأَمْنُ مِنَ اللَّيْسِ، فَرُبَّمَا يُظَنّ
المُتَعَدِّدُ وَاحِداً، وَرُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُ المُتَّفِقِينَ ثِقَةً وَالآخَرُ ضَعِيفاً.
١٦٩

المُؤْتَلِفُ وَالْمُخْتَلِفُ
مُؤْتَلِفٌ مُتَّفِقُ الخَطِّ فَقَطْ وَضِدُّهُ مُخْتَلِفٌ فَاخْشَ الغَلَطْ
المُؤْتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ هُوَ: الَّذِي اتَّفَقَ مِنْ جِهَةِ الخَطِّ وَالكِتَابَةِ ،
وَاخْتَلَفَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْشَأَ الاخْتِلاَفِ النَّقْطَ أَم الشَّكْلَ (١)
و
وَأَشَدُّهُ مَا كَانَ فِي أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ.
وَلاَ سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةٍ ذَلِكَ إِلاَّ بِالنَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ،
وَلاَ يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الكَلاَمِ أَوْ سِبَاقِهِ، وَلِذَلِكَ يَنْبُغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ
يَعْتَنِيَ بِمَعْرِفَتِهِ لِيَسْلَمَ مِنَ التَّصْحِيفِ فِي الأَسْمَاءِ وَالأَنْسَابِ وَالأَلْقَابِ
وَالكُنَى .
وَأَوَّلُ مَنْ أَفْرَدَهُ بِالنَّصْنِيفِ الحَافِظُ عَبْدُالغَنِيِّ بْنُ سَعِيدِ المِصْرِيُّ،
وَآخِرُهُمُ الحَافِظُ ابْنُ حَجٍَ .
وَهَذَا النَّوْعُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ الأَكْثَرُ : مَا لاَ ضَابِطَ لَهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ لِكَثْرَتِهِ، وَإِنَّمَا
يُعْرَفُ بِالنَّقْلِ وَالحِفْظِ ؛ كَأُسَيْدٍ مُصَغَّراً، وَأَسِيدٍ مُكَبَّراً، وَحَيَّنَ وَحِيَّانَ.
ثَانِهِمَا: مَا لَهُ ضَابِطٌ لِقِلَّتِهِ.
(١) فَهُمَا اسْمَانِ لِنَوْعِ وَاحِدٍ خِلاَفَاً لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ المُصَنَِّ مِنْ تَغَايُرِ هِمَا.
١٧٠

ثُمَّ تَارَةً يراد فِيهِ التَّعْمِيمُ، كَقَوْلِهِمْ فِي سَلاَّمٍ: كُلُّهُ مُتَقَّلٌ إِلاَّ: عَبْدُ الله
ابْنُّ سَلاَمِ الصَّحَابِيُّ، وَابْنُ أَخْتِهِ، وَسَلاَمُ جَدُّ أَبِي عَلِيِّ الجُبَّائِيِّ المُعْتَزِلِيِّ،
وَجَدُّ النَّسَفِيِّ، وَجَدُّ السِّيدِيِّ، وَوَالِدُ البِيْكَنْدِيِّ، وَسَلاَمُ بْنُ أَبِي الحُقَيْقِ،
وَسَلَامُ بْنُ مِشْكَمِ اليَهُودِيُّ.
وَتَارَةً يُرَادُ فِيهِ الْتَّخْصِيصُ بِالصَّحِيحَيْنِ وَالمُوَطَّأِ، كَقَوْلِهِمْ: لَيْسَ
فِي الكُتُبِ الثَّلاثَةِ فُلاَنٌ إِلَّ كَذَا، نَحْوُ: خَازِمٍ - بِالخَاءِ - مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ
أَبُو مُعَاوِيَّةَ، وَمَنْ عَدَاهُ فِي الْكُتُبِ الثَّلاثَةِ فَحَازٌِ مُهْمَلاً، كَأَبِي حَازِمٍ
الأَعْرَجِ ، وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ.
١٧١

المُنْكِرُ وَالمَعْرُوفُ
وَالمُنْكَرُ الفَرْدُ بِهِ رَاوٍ غَدَا تَعْدِيلُهُ لاَ يَحْمِلُ الْتَّفَرُّدَا
المُنْكَرُ هُوَ: الحَدِيثُ الفَرْدُ الَّذِي خَالَفَ مَا رَوَاهُ الثَّقَةُ؛ وَكَانَ بَعِيداً
عَنْ دَرَجَةِ الضَّبْطِ وَالإِثْقَانِ.
وَمِثَلُهُ - كَمَا فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) -: مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ
حُبَيْبٍ - بِالَّصْغِيرِ - بْنِ حَبِيبِ المُقْرِئٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ العَيْزَارِ بْنِ
حُرِيْثٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَقَامَ الصَّلاَةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَحَجَّ البَيْتَ، وَصَامَ
رَمَضَانَ، وَقَرَى الضَّيْفَ: دَخَلَ الجَنَّةَ)).
قَالَ أَبُو حَاتِمِ: هُوَ - أَيِ: الحَدِيثُ - مُنْكٌَ، لأَنَّ غَيْرَ حُبُيْبٍ مِنَ
الثّقَاتِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفاً - أَيْ: عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُما - وَهُوَ المَعْرُوفُ.
ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ بَيْنَ الشَّاذِّ
وَالمُنْكَرِ عُمُوماً وَخُصُوصاً مِنْ وَجْهٍ، لأَنَّ بَيْنَهُمَا اجْتِمَاعاً فِي اشْتِرَاطِ
المُخَالَفَةِ، وَافْتِرَاقً فِي أَنَّ الشَّاذَّ رَاوِيِهِ ثِقَةٌ أَوْ صَدُوقٌ، وَالمُنْكِرُ رَاوِیهِ
١٧٢

ضَعِيفٌ. وَقَدْ غَفَلَ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا (١) اهـ.
المَعْرُوفُ: مَا خَالَفَ فِيهِ الرَّاجِحُ مَنْ هُوَ ضَعِيفٌ.
حُكْمُ المُنْكَرِ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، وَإِنَّمَا يُحْتَجُّ بِمَا يُقَابِلُهُ وَهُوَ
المَعْرُوفُ.
* فَائِدَةٌ:
قَالَ فِي (التَّدْرِيبِ): وَقَعَ فِي عِبَارَاتِهِمْ: أَنْكَرُ مَا رَوَاهُ فُلاَنٌ كَذَا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الحَدِيثُ ضَعِيفاً.
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: أَنْكَرُ مَا رَوَى بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: ((إِذَا
أَرَادَ الله بِأَمَّةٍ خَيْراً قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا))، قَالَ: وَهَذَا طَرِيقٌ حَسَنٌ رُوَاتُّهُ
ثِقَاتٌ، وَقَدْ أَدْخَلَهُ قَوْمٌ فِي صِحَاحِهِمْ اهـ. وَالحَدِيثُ فِي (صَحِيحٍ) مُسْلِمٍ.
فَهَذَا الإِنْكَارُ مَحْمُولٌ عَلَى الإِنْكَارِ اللُّغَوِيِّ لاَ الاصْطِلاَحِيِّ، كَمَا
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي (اخْتِصَارِ عُلُومِ الحَدِيثِ): وَأَمَّا إِنْ كَانَ الَّذِي
تَفَرَّدَ بِهِ عَدْلاً ضَابِطاً حَافِظاً قُبِلَ شَرْعاً، وَلاَ يُقَالُ لَهُ مُنْكَرٌ، وَإِنْ قِيلَ لَهُ
ذَلِكَ لُغَةً اهـ.
(١) قَالَ فِي (لَقْطِ الدُّرَرِ): أَرَادَ بِهِ ابْنَ الصَّلاَحِ، فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا، حَيْثُ لَمْ
يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: المُنْكَرُ بِمَعْنَى الشَّاذِّ إلخ اهـ.
١٧٣

المَتْرُوكُ
مَتْرُوكُهُ مَا وَاحِدٌ بِهِ انْفَرَدْ وَأَجْمَعُوا لِضَعْفِهِ فَهْوَ كَرَدّ(١)
المَتْرُوكُ هُوَ: مَا رَوَاهُ رَاوٍ وَاحِدٌ: مُتَّهَمُّ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ، أَوْ
ظَاهِرُ الفِسْقِ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ، أَوْ كَثِيرُ الغَقْلَةِ، أَوْ كَثِيرُ الوَهْمِ .
كَحَدِيثِ صَدَقَةَ الدَّقِقِيِّ، عَنْ فَرْقَدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ
الله تَعَالَى عَنْهُ.
وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنْ جَابِرِ الجُعْفِيِّ، عَنِ الحَارِثِ
الأَعْوَرِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ.
وَهَكَذَا سَائِرُ مَنْ أَجْمَعَ المُحَدِّثُونَ عَلَى ضَعْفِهِمْ لِتُّهْمَةِ الكَذِبِ، أَوْ
فِسْقٍ، أَوْ كَثْرَةٍ غَقْلَةٍ، أَوْ وَهْمٍ، فَأَحَادِيتُهُمْ مَتْرُوكَةٌ.
حُكْمُ الْمَتْرُوكِ:
حُكْمُهُ أَنَّهُ سَاقِطُ الاعْتِبَارِ لِشِدَّةِ ضَعْفِهِ، فَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ.
(١) الرَّدُّ هُنَا بِمَعْنَى المَرْدُودِ، فَبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ الكَافَ فِيهِ زَائِدَةً، وَالمَعْنَى: أَنَّ
المَتْرُوكَ مَرْدُودٌ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهَا أَصْلِيَّةً، وَأَنَّ المُرَادَ تَشْبِيهُ المَتْرُوكِ
بِالمَوْضُوعِ الَّذِي هُوَ مَرْدُودٌ، وَالمَعْنَى: فَهُوَ كَالمَرْدُودِ أَي: المَوْضُوعِ، لَكِنَّهُ
أَخَقُّ مِنْهُ ضَعْفاً.
١٧٤

المَوْضُوعُ
وَالكَذِبُ المُخْتَلَقُ المَصْنُوعُ عَلَى النَّبِي فَذَلِكَ المَوْضُوعُ
المَوْضُوعُ هُوَ: مَا اخْتَلَقَهُ وَافْتَرَاهُ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ وَنَسَبَّهُ إِلَى رَسُولِ
الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ.
* وُجُوهُ مَعْرِفَةِ الوَضْعِ:
يُعْرَفُ وَضْعُ الحَدِيثِ مِنْ وُجُوهِ مُتَعَدِّدَةٍ :
الأَوَّلُ: أَنْ يُقِرَّ وَاضِعُهُ أَنَّهُ وَضَعَهُ، كَإِقْرَارِ عُمَرَ بْنِ صُبْحٍ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي (التَّارِيخِ الأَوْسَطِ): حَدَّثَنِي يَحْبَى الْيَشْكُرِيُّ، عَنْ
عَلِيٍّ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ صُبْحٍ يَقُولُ: أَنَا وَضَعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ
صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَكَمَا أَقَرَّ مَيْسَرَةُ الْفَارِسِيُّ أَنَّهُ وَضَعَ أَحَادِيثَ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ،
وَأَحَادِيثَ فِي فَضَائِلٍ عَلِيِّ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ.
وَيَلْتَحِقُ بِالإِقْرَارِ مَا يُشْبِهُهُ، كَأَنْ يُحَدِّثَ الوَاضِعُ بِحَدِيثٍ عَنْ
شَيْخِ، وَيُسْأَلَ عَنْ مَوْلِدِهِ فَيَذْكُرَ تَارِيخاً تُعْلَمُ وَفَاةُ ذَلِكَ الشَّيْخِ قَبْلَهُ، وَلَا
يُعْرَفُ ذَلِكَ الحَدِيثُ إِلَّا عِنْدَهُ.
٠١٧٥

فَهَذَا الوَاضِعُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِالوَضْعِ، وَلَكِنَّ اعْتِرَافَهُ بِوَقْتِ مَوْلِدِهِ يُتَزَّلُ
مَنْزِلَةَ إِفْرَارِهِ بِالوَضْعِ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ - كَمَا قَالَهُ العِرَاقِيُّ -: أَنَّ مَأْمُونَ بْنَ أَحْمَدَ الهَرَوِيَّ اذَّعَى
أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، فَسَأَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ: مَتَى دَخَلْتَ
الشَّامَ؟ فَقَالَ: سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِئَتَيْنِ.
فَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: فَإِنَّ هِشَاماً الَّذِي تَرْوِي عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ
وَأَرْبَعِينَ وَمِئَتَيْنِ .
فَقَالَ: ذَاكَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ آخَرُ !.
الثَّانِي: كَوْنُ ذَلِكَ المَرْوِيِّ رَكِيكَ المَعْنَى، سَوَاءٌ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ
رِكَّةُ اللَّفْظِ أَمْ لَا .
قَالَ الرَّبِيعُ بْرُ خَيْثَمَ: إِنَّ لِلْحَدِيثِ ضَوْءاً كَضَوْءِ النَّهَارِ تَعْرِفُهُ،
وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ تُنْكِرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: الحَدِيثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جِلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ،
وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الغَالِبِ.
أَمَّا رِكَّةُ اللَّفْظِ وَحْدَهَا فَلاَ تَكُونُ دَلِيلاً عَلَى الوَضْعِ، لاِحْتِمَالِ أَنْ
يَكُونَ رَوَاهُ بِالمَعْنَى، فَغَيِّرَ اللَّفْظَ الجَمِيلَ بِلَفْظِ آخَرَ رَكِيكٍ، نَعَمْ لَوْ كَانَ
رَكِيكَ اللَّْظِ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ هَذَا هُوَ لَغِّظُ النَِّيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ،
كَانَ ذَلِكَ دَلِيلاً عَلَى أَنَّهُ كَاذِبٌ وَضَّاعٌ.
١٧٦

الثَّالِثُ: أَنْ تَقُومَ قَرِينَةٌ مِنْ حَالِ الرَّاوِي عَلَى أَنَّ ذَلِكَ المَرْوِيَّ
مَوْضُوعٌ، كَمَا وَقَعَ لِغِيَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَيْثُ دَخَلَ عَلَى المَهْدِيِّ فَوَجَدَهُ
يَلْعَبُ بِالحَمَامِ، فَسَاقَ فِي الحَالِ إِسْنَاداً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لاَ سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفِّ أَوْ حَافِرٍ)) (أَوْ جَنَاحِ)،
فَزَادَ فِي الحَدِيثِ: (أَوْ جَنَاحِ) فَعَرَفَ المَهْدِيُّ ◌َنَّهُ كَذَبَ لأَجْلِهِ، فَأَمَرَ
بِذَبْحِ الحَمَامِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا أَسْنَدَهُ الحَاكِمُ عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ التَّمِيمِيِّ قَالَ: كُنْتُ
عِنْدَ سَعْدٍ بْنِ طَرِيفٍ فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ يَبْكِي.
قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي المُعَلِّمُ.
قَالَ: لأُخْزِيَتَّهُمُ الْيَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا مَرْفُوعاً: مُعَلِّمُو صِنْيَائِكُمْ شِرَارُكُمْ، أَقَلَّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ، وَأَغْلَظُهُمْ
عَلَى المِسْكِينِ .
قَالَ فِي (التَّدْرِيبِ): وَمِنَ القَرَائِنِ: كَوْنُ الرَّاوِي رَافِضِيّاً وَالحَدِيثُ
فِي فَضَائِلِ أَهْلِ البَيْتِ .
الرَّابِعُ: أَنْ يُخَالِفَ المَرْوِيُّ دِلاَلَةَ الكِتَابِ القَطْعِيَّةَ، أَوِ السُّنَّةِ
المُتَوَاتِرَةِ، أَوِ الإِجْمَاعَ القَطْعِيَّ، أَوْ دَلِيلَ العَقْلِ؛ وَلَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ
لِيُوَافِقَ مَا خَالَفَهُ، فَأَمَّا إِنْ قَبِلَ التَّأْوِيلَ فَلاَ.
الخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ خَبَراً عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ تَتَوَافَرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ
بِمَحْفَلِ الجَمْعِ العَظِيمِ؛ ثُمَّ لاَ يَرْوِبِهِ إِلَّ وَاحِدٌ.
١٧٧

السَّادِسُ: أَنْ يَبْحَثَ عَنْهُ طَالِبُهُ فَلاَ يَجِدَهُ فِي صُدُورِ العُلَمَاءِ، وَلَا
فِي بُطُونِ الگُتُبِ.
و
السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ المَرْوِيُّ قَدْ تَضَمَّنَ الإِفْرَاطَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى
الأَمْرِ الصَّغِيرِ، أَوِ الوَعْدَ العَظِيمَ عَلَى الفِعْلِ الحَقِيرِ. وَيَكْفُرُ هَذَا فِي أَحَادِيثِ
القُصَّاصِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ:
وَذِكْرُهُ لِعَالِمٍ بِهِ احْظُرٍ
الخَبَرُ المَوْضُوعُ شَرُّ الخَبَرِ
لِوَضْعِهِ، وَالوَضْعُ فِيهِ عُرِفَا:
فِي أَيِّ مَعْنَى كَانَ؛ إِلَّ وَاصِفاً
أَوْ رِئَّةٍ، وَبِدَلِيلٍ فِيهِ
إِمَّا بالإِقْرَارِ وَمَا يَحْكِيهِ،
تَأْوِيلُهُ، وَأَنْ يَكُونَ مَا نُقِلْ
وَأَنْ يُنَاوِيَ قَاطِعاً وَمَا قَبِلْ
وَحَيْثُ لاَ يُوجَدُ عِنْدَ أَهْلِهِ
حَيْثُ الدَّوَاعِيِ اثْتَلَفَتْ بِنَقْلِهِ ،
عَلَى حَقِيرٍ وَصَغِيرَةٍ شَدِيدْ
وَمَا بِهِ وَعْدٌ عَظِيمٌ أَوْ وَعِيدْ
* أَسْبَابُ الوَضْعِ:
حَمَلَتِ الوَضَّاعِينَ عَلَى اخْتِلاَقِ الأَحَادِيثِ هِيَ
كَثِيرَةٌ نَذْكُرُ أَهَمَّهَا:
الأَسْبَابُ الّتِي
الأَوَّلُ: قَصْدُ الوَاضِعِ إِلَى إِفْسَادِ الدِّينِ عَلَى أَهْلِهِ، كَمَا فَعَلَتِ
الزَّنَادِقَةُ إِذْ وَضَعُوا أَرْبَعَةَ عَشَّرَ أَلْفِ حَدِيثٍ كَمَا رَوَاهُ العَقِيلِيُّ.
مِنْهُمْ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ الَّذِي قُتِلَ وَصُلِبَ فِي زَمَنٍ
المَهْدِيِّ.
١٧٨

قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَمَّا أُخِذَ يُضْرَبُ عُثُقُهُ قَالَ: وَضَعْتُ فِيَكُمْ أَرْبَعَةً
آلاَفِ حَدِيثٍ أُحَرِّمُ فِيهَا الحَلاَلَ وَأُحَلِّلُ الحَرَامَ.
وَمِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ الشَّامِيُّ المَصْلُوبُ، رَوَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ
أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ مَرْفُوعاً: أَنَا خَاتَمُ النَِّّينَ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله.
وَضَعَ هَذَا الاسْتِثْنَاءَ لِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ التََّبُّؤِ وَالإِلْحَادِ.
الثَّانِي: قَصْدُ الوَاضِعِ نُصْرَةَ مَذْهَبِهِ: كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ
شَيْخِ مِنَ الخَوَارِجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَمَا تَابَ: انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُّذُونَ
دِينَكُمْ! فَإِنَّا كُنَّا إِذَاَ هَوِينَا أَمْراً صَيَّرْنَاهُ حَدِيثاً.
الثَّالِثُ: قَصْدُ الوَاضِعِ التََّرُّبَ إِلَى الرُّؤَسَاءِ وَالأُمَرَاءِ بِمَا يُوَافِقُ
فِعْلَهُمْ، كَمَا فِي قِصَّةٍ غِيَاتِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ المَهْدِيِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
الرَّابِعُ: رَغْبَةُ الوَاضِعِ فِي التَّكَسُّبِ وَالارْتِزَاقِ، كَأَبِي سَعِيدِ المَدَائِي.
الخَامِسُ: قَصْدُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ فِي زَعْمِ الوَاضِعِ، كَمَا فَعَلَهُ قَوْمٌ مِنَ
الجَهَلَةِ حَيْثُ وَضَعُوا أَحَادِيثَ فِي التَّرْغِيبِ احْتِسَاباً فِي زَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ .
قَالَ فِي (التَّدْرِيبِ): مِنْ أَفْئِلَةِ مَا وُضِعَ حِسْبَةً: مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ
بِسَنَلِهِ إِلَى أَبِي عَمَّارِ المَرْوَزِيِّ، أَنَّهُ قِيلَ لأَّبِي عِصْمَةَ نُوْحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ:
مِنْ أَيْنَ لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضَائِلِ القُرْآنِ سُورَةً سُورَةً،
وَلَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِ عِكْرِمَةَ هَذَا؟ !.
فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ، وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي
حَنِيفَةَ وَمَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ، فَوَضَعْتُ هَذَا الحَدِيثَ حِسْبَةً.
١٧٩