Indexed OCR Text

Pages 81-100

قَاعِدَةٌ: إِذَا تَعَارَضَ الرَّفْعُ وَالوَقْفُ، بِأَنْ يَرَفَعَ ثِقَةٌ حَدِيثاً وَقَفَهُ ثِقَةٌ
غَيْرُهُ: فَالِحُكْمُ لِلَّفْعِ، لأَنَّهُ مُثْبِتٌ لِلرَّفْعِ، وَغَيْرُهُ إِمَّ أَنْ يَكُونَ نَافِياً أَوْ
سَاكِتاً، وَالمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا.
٨٠

المُسْنَدُ
رَاوِيهِ حَتَّى المُصْطَفَى وَلَمْ يَبِنْ
وَالمُسْنَدُ المُتَّصِلُ الإِسْنَادِ مِنْ
المُسْنَدُ هُوَ: الحَدِيثُ المُتَّصِلُ الإِسْنَادِ مِنْ رَاوِيِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ اتِّصَالاً ظَاهِراً.
فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ اتِّصَالِ الإِسْنَادِ: المُنْقَطِعُ، وَالمُعْضَلُ، وَالمُدَلَّسُ
وَنَحْرُهَا، وَبِقَيْدِ رَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ:
المَوْقُوفُ وَالمَقْطُوعُ.
وَتَعْرِيفُ المُصَنَّفِ لِلْمُسْنَدِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَدِّثِينَ،
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الحَاكِمُ، وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النُّخْبَةِ.
وَقَدْ عَرَّفَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمَ، مُتَّصِلاً كَانَ أَوْ مُنْقَطِعاً. فَهُوَ عَلَى هَذَا مُرَادِفٌ لِلْمَرْفُوعِ.
وَعَرَّفَهُ الخَطِيبُ بِأَنَّهُ مَا أَنَّصَلَ سَنَدُهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ. فَيَشْمَلُ المَرْفُوعَ
وَالمَوْقُوفَ وَالمَقْطُوعَ.
حُكْمُ المُسْنَدِ: قَدْ يَكُونُ المُسْنَدُ صَحِيحاً أَوْ حَسَناً، وَقَدْ
يَكُونُ ضَعِيفاً.
٨١

المُتَّصِلُ وَيُسَمَّى الْمَوْصُولَ
وَمَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ لِلْمُصْطَفَى فَالمُتَّصِلْ
المُتَّصِلُ هُوَ: الحَدِيثُ الَّذِي اتَّصَلَ إِسْتَادُهُ بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ مِمَّنْ فَوْقَهُ
مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، مَرْفُوعاً أَوْ مَوْقُوفً(١).
فَخَرَجَ بِقَيْدِ الاتِّصَالِ: المُنْقَطِعُ، وَالمُعْضَلُ، وَالمُرْسَلُ، وَالمُعَلَّقُ،
وَمُعَنْعَنُ المُدَلَّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ.
وَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الاتِّصَالِ بِالسَّمَاعِ: الاتِّصَالُ بِالإِجَازَةِ كَأَنْ يَقُولَ:
أَجَازَنِي فُلاَنٌ، قَالَ: أَجَازَنِي فُلاَنٌ؛ فَلاَ يُسَمَّى هَذَا مُتَّصِلاً(٢).
وَالمُتَّصِلُ يَشْمَلُ : المَرْفُوعَ وَالمَوْقُونَ.
فَالمَرْفُوعُ: كَمَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ
النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
وَالمَوْقُوفُ: مِثْلُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعَالَى
عَنْهُمَا .
(١) فَقَوْلُ المُصَنَّفِ لِلْمُصْطَفَى لَيْسَ بِقَيْدٍ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزُّرْقَانِيُّ.
(٢) أَيْ: عِنْدَ ابْنِ الصَّلاَحِ وَغَيْرِهِ، خِلاَفَاً لابْنِ جَمَاعَةَ، كَمَا فِي (التَّدْرِيبِ)
وَحَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ.
٨٢

وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ المُسْنَدَ - مِنْ حَيْثُ إضَافَتِهِ إِلَى قَائِلِهِ - أَخَصُّ مِنَ
المُتَّصِلِ، فَكُلُّ مُسْتَدٍ مُتَّصِلٌ وَلاَ عَكْسَ.
حُكُمُ المُتَّصِلِ: هُوَ كَالمُسْنَدِ قَدْ يَصِحُّ أَوْ يَحْسُنُ، وَقَدْ يَضْعُفُ.
٨٣

٠٠٠
المُسَلْسَلُ
مِثْلُ أَمَا وَالله أَنْبَانِ الفَتَى
مُسَلْسَلٌ قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى
أَوْ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا
كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِهِ قَائِماً
المُسَلَسَلُ هُوَ: الحَدِيثُ الَّذِي تَوَارَدَ رِجَالُ سَنَدِهِ وَاحِداً فَوَاحِداً
عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتِ الصِّفَةُ لِلِرُّوَاةِ أَوِ
الإِسْنَادِ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الإِسْنَادِ: فِي صِيَغِ الأَدَاءِ، أَمْ مُتَعَلَّقاً
بِزَمَنِ الرِّوَايَةِ أَمْ بِالمَكَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ أَحْوَالُ الرُّوَاةِ أَوْ صِفَاتُهُمْ أَقْوَالاً
أَمْ أَفْعَالاً، أَوْ مِنْهُمَا مَعاً(١).
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ المُسَلْسَلَ مِنْ صِفَاتِ الأَسَانِيدِ، وَأَنَّهُ عَلَى أَنْوَاعٍ:
الأَوَّلُ: التَّسَلْسُلُ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ القَوْلِيَّةِ:
وَمِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمْ قَالَ لَهُ: ((يَا مُعَاذُ إِنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ دُبُرَ
كُلِّ صَلاَةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) ..
فَقَّدْ تَسَلْسَلَ بِقَوْلِ كُلِّ مِنْ رُوَاتِهِ: وَأَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ: ((اللَّهُمَّ أَعِنِّي ... ))
الحَدِيثَ.
(١) هَذَا تَعْرِيفُ الحَافِظِ العِرَاقِيِّ وَقَدِ اخْتَرْنَاهُ لأَنَّهُ جَامِعٌ مَائِعٌ.
٨٤

الثَّانِي: المُسَلْسَلُ بِأَحْوَالِ الزُّوَاةِ الفِعْلِيَّةِ:
وَمِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: شَبَّكَ
بِيَدِي أَبُو القَاسِمِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمٍ فَقَالَ: ((خَلَقَ الله التُّرْبَةَ يَوْمَ
السَّبْتِ ... )) الحَدِيثَ.
فَإِنَّهُ تَسَلْسَلَ بِتَشْبِيكِ كُلِّ مِنْ رُوَاتِهِ بِيَدِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ.
وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا تَسَلْسَلَ بِالْمُصَافَحَةِ، وَبِالعَدِّ، وَالأَخْذِ بِاليَدِ،
وَوَضْعِ البَدِ عَلَى الرَّأْسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ المُصَنَّفُ بِقَوْلِهِ: كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قَائِماً ... إلخ.
الثَّالِثُ: المُسَلْسَلُ بِالحَالِ القَوْلِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ مَعاً:
وَمِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمِ: ((لاَ يَجِدُ العَبْدُ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْ مِنَ
بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ)) وَقَبَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ
وَسَلَّمٍ عَلَى لِحْيَتِهِ وَقَالَ: ((آمَنْتُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ)).
فَإِنَّهُ تَسَلْسَلَ بِقَبْضِ كُلِّ مِنْ رُوَاتِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَبِقَوْلِهِ: آمَنْتُ
بِالقَدَرِ ...
الَّابِعُ: المُسَلْسَلُ بِصِفَاتِ الزُّوَاةِ القَوْلِيَّةِ:
وَمِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَلاَمِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ:
قَعَلْنَا نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ فَتَذَاكَرْنَا
فَقُلْنَا: لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى لَعَمِلْتَهُ، فَأَنْزَلَ الله
٨٥

١
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يَتُهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؟ !.
قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ،
وَتَسَلْسَلَ بِقَوْلِ كُلِّ مِنْ رُوَاتِهِ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا فُلاَنٌ(١).
الخَامِسُ: المُسَلْسَلُ بِصِفَاتِ الرُّوَاِ الفِعْلِيَّةِ:
وَذَلِكَ كَالحَدِيثِ المُسَلْسَلِ بِالفُقَهَاءِ، وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
الله عَنْهُمَا مَرْفُوعاً: ((البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ... )) الحَدِيثَ، فَقَدْ تَسَلْسَلَ بِرِوَايَةٍ
الفُقَهَاءِ، وَكَالحَدِيثِ المُسَلْسَلِ بِرِوَايَةِ الحُفَّاظِ، أَوِ القُرَّاءِ، أَوِ الكُتَّابِ
وَنَحْوِ ذَلِكَ.
السَّادِسُ: المُسَلْسَلُ بِصِفَاتِ الإِسْنَادِ وَالرِّوَايَةِ:
وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَّفِقَ الزُّوَاةُ فِي صِيَغِ الأَدَاءِ، كَقَوْلِ كُلِّ مِنْ رُوَاتِهِ:
سَمِعْتُ فُلاَناً، أَوْ حَدَّثَنَا، وَكَذَا قَوْلِهِمْ أَخْبَرَنَا أَوْ شَهِدْتُ عَلَى قُلاَنٍ قَالَ:
شَهِدْتُ عَلَى فُلاَنٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ المُصَنَّفُّ بِقَوْلِهِ: مِثْلُ أَمَا وَالله أَنْبَانِ الفَتَّى.
السَّابِعُ: المُسَلْسَلُ بِزَمَنِ الرِّوَايَةِ:
وَمِثَلُهُ: مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ:
(١) فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ رَاوِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ سَلاَمٍ قَالَ: فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ الله بْنُ
سَلاَمِ رضي الله عنه، ثُمَّ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ - وَهُوَ يَحْيَى - قَالَ:
فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا أَبُو سَلَمَةَ، وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ السَّنَدِ.
٨٦

شَهِدْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ عِيدٍ فِطْرٍ أَوْ
أَضْحَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
أَصَبْتُمْ خَيْراً، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ
حَتَّى يَسْمَعَ الخُطْبَةَ فَلْيُقِمْ)) (١).
فَقَدْ تَسَلْسَلَ بِرِوَايَةٍ كُلِّ مِنَ الرُّوَاةِ لَهُ فِي يَوْمٍ عِيدٍ قَائِلاً: حَدَّثَنِي
فُلاَنٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ .
الثَّامِنُ: التَّسَلْسُلُ بِالمَكَانِ:
وَمِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((المُلْتَزَمُ مَوْضِعٌ
يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، وَمَا دَعَا اللهَ فِيهِ عَبْدٌ دَعْوَةً إِلَّ اسْتَجَابَ لَهُ)).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: فَوَالله مَا دَعَوْتُ الله عَزَّوَجَلَّ فِيهِ
قَطُّ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ إِلاَّ اسْتَجَابَ لِي.
فَتَسَلْسَلَ بِقَوْلِ رُوَاتِهِ: وَأَنَا مَا دَعَوْتُ الله فِيهِ بِشَيْءٍ مُنْذُ سَمِعْتُهُ إِلَّا
اسْتَجَابَ لِي(٢).
وَأَنْوَاعُ المُسَلْسَلِ لاَ تَنْحَصِرُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ الصَّلاَحِ، وَرُبَّمَا
وَقَعَ التَّسَلْسُلُ فِي مُعْظَمِ الإِسْنَادِ وَانْقَطَعَ فِي بَعْضِهِ الآخَرِ.
(١) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي هَذَا الحَدِيثِ: غَرِيبُ السِّيَاقِ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ.
(٢) وَقَدْ بَّنَ العَلَّمَةُ الأَبْيَارِيُّ وَجْهَ اعْتِبَارِ هَذَا الحَدِيثِ مِنْ مُسَلْسَلِ المَكَانِ
حَيْثُ قَالَ: فَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَصْفاً لله تَعَالَى، إِلَّ أَنَّهَا مُتَعَلَّقَةٌ بِمَكَانٍ
الرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ المُرَادَ إِجَابَةُ دُعَاءٍ وَاقِعٍ فِي المُلْتَزَمِ لاَ مُطْلَقاً.
٨٧

حُكْمُ المُسَلْسَلِ: قَالَ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ: وَقَلَّمَا تَسْلَمُ الْمُسَلْسَلاَتُ
مِنْ ضَعْفٍ - أَعْنِي: فِي وَصْفِ الَّسَلْسُلِ لاَ فِي أَصْلِ المَثْنِ - اهـ.
يَعْنِي: أَنَّ أَصْلَ المَثْنِ قَدْ يَكُونُ صَحِيحاً، وَلَكِنَّ صِفَةَ تَسَلْسُلٍ
إِسْنَادِهِ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَقَالٌ، وَذَلِكَ كَمُسَلْسَلِ المُشَابَكَةٍ، فَإِنَّ مَثْتَهُ صَحِيحٌ
جَاءَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنَّ الطَّرِيقَ بِالتَّسَلْسُلِ فِيهَا مَقَالٌ(١).
قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ:
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي تَسَلْسُلِ مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ
وَفِي (التَّدْرِيبِ): قَالَ شَيْخُ الإِسْلاَمِ - ابْنُ حَجَرٍ -: مِنْ أَصَحِّ
مُسَلْسَلٍ يُرْوَى فِي الدُّنْيَا المُسَلْسَلُ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الصَّفٌّ.
قُلْتُ: وَالمُسَلْسَلُ بِالحُفَّاظِ وَالفُّقَهَاءِ أَيْضاً، بَلْ ذَكَرَ فِي (شَرْحِ
النُّخْبَةِ) أَنَّ المُسَلْسَلَ بِالحُفَّاظِ - حَيْثُ لاَ يَكُونُ غَرِيباً - مِمَّا يُفِيدُ العِلْمَ
القَطْعِيَّ اهـ.
فَائِدَةُ المُسَلْسَلِ: الدِّلاَلَةُ عَلَى زِيَادَةِ ضَبْطِ الرُّوَاةِ، وَالاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، كَالقَبْضِ عَلَى اللِّحْيَةِ
وَالتَّشْبِنْكِ بِالیَدِ .
(١). كَمَا فِي (فَتْحِ المُغِيثِ) لِلسَّخَاوِيِّ ص / ٣٥٣/.
٨٨

أَنْوَاعُ الحَدِيثِ بِاعْتِبَارِ طُرُقِهِ
يَتَنَّعُ الحَدِيثُ عِنْدَ عُلَمَاءِ المُصْطَلَحِ بِاعْتِبَارِ طُرُقِهِ إِلَى:
آحَادٍ - وَمُتَوَاتِر
** ثُمَّ الآحَادُ عَلَى أَنْوَاعِ:
الغَرِيبُ - وَالعَزِيزُ - وَالَشْهُورُ
وَالْمُسْتَفِيضُ عَلَى بَعْضِ الأَقْوَالِ
٨٩

الغَرِيبُ
ے
.. .
...
وَقُلْ غَرِيبٌ مَا رَوَى رَاوٍ فَقَطْ
٠ ٠٠
. . .
الغَرِيبُ هُوَ: مَا رَوَاهُ رَارٍ مُنْفَرِداً بِرِوَايَتِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ، أَوِ
انْفَرَدَ بِزِيَادَةٍ فِي مَتْنِهِ أَوْ إِسْنَادِهِ، سَوَاءٌ انْفَرَدَ بِهِ مُطْلَقاً، أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهِ عَنْ
إِمَامٍ شَأَنُهُ أَنْ يُجْمَعَ حَدِيثُهُ لِثِقَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، كَالإِمَامِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ،
وَنَحْوِهِمَا(١).
وَسُمِّيَ غَرِيباً لانْفِرَادِ رَاوِيهِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ، كَالغَرِيبِ الَّذِي شَأْتُهُ
الانْفِرَادُ عَنْ وَطَنِهِ.
أَنْوَاعُ الغَرِيبِ: الغَرِيبُ عَلَى أَنْوَاعِ:
الأَولُ: الغَرِيبُ سَنَداً وَمَثْناً، وَهُوَ: مَا انْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ وَاحِدٌ: كُلاَّ أَوْ
بَعْضاً.
فَمِثَلُ غَرِيبٍ كُلِّ مِنَ السََّدِ وَالمَثْنِ: حَدِيثُ النَّهْىِ عَنْ بَيْعِ الوَلاَءِ
وَهِيَتِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلَّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
13
رَضِيَ الله عَنْهُمَا(٢).
(١) انْظُرْ (فَتْحَ المُغِيثِ) لِلسَّخَاوِيِّ، وَ(قَوَاعِدَ التَّحْدِيثِ).
(٢) انْظُرْ شَرْحَ أَلْفِيَّةِ العِرَاقِيِّ لِلسَّخَاوِيِّ وَزَكَرِيًّا الأَنْصَارِيِّ.
٩٠

وَمِثَالُ غَرِيبٍ بَعْضِ المَثْنِ: حَدِيثُ زَكَاةِ الفِطْرِ: (فَرَضَ رَسُولُ الله
صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ
صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ)
فَإِنَّ مَالِكاً تَفَرَّدَ عَنْ سَائِرِ رُوَاتِهِ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: (مِنَ المُسْلِمِينَ).
وَمِثَالُ غَرِيبٍ بَعْضِ السََّدِ: حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ مِنْ رِوَايَةِ الطَّرَانِيِّ،
فَإِنَّ المَحْفُوظَ فِيهِ رِوَايَةُ عِيسَى بْنِ يُونُسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُزْوَةً،
عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا كَمَا رَوَاهُ
الشَّيْخَانِ، وَرَوَاهُ الطََّانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ؛
بِدُونِ وَاسِطَةِ أَخِيهِ.
الثَّانِي: الغَرِيبُ سَنَداً فَقَطْ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ الحَدِيثُ مَعْرُوفَاً
بِرِوَايَةٍ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَيَنْفَرِدُ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ
آخَرَ ، فَهُوَ مِنْ جِهَتِهِ غَرِيبٌ، مَعَ أَنَّ مَثْنَهُ لَيْسَ بِغَرِيبٍ(١).
وَمِثَلُهُ: حَديثٌ رَوَاهُ عَبْدُ المَجِيدِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ
مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ
رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَِّيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الأَعْمَالُ
بِالنَّةِ)).
قَالَ الخَلِيلِيُّ أَبُو يَعْلَى القَاضِي: أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ المَجِيدِ، لأَنَّهُ غَيْرُ
مَخْفُوظٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
(١) انْظُرْ شُرُوحَ أَلْفِيَّةِ العِرَاقِيِّ الثَّلاَثَةَ.
٩١

وَقَالَ أَبُو الفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ: هُوَ إِسْنَادٌ غَرِيبٌ كُلُّهُ وَالمَنْنُ صَحِيحٌ.
قَالَ ابْنُ الصَّلاَحِ: وَمِنْ ذَلِكَ غَرَائِبُ النُّيُوخِ فِي أَسَانِدِ المُنُونِ
الصَّحِيحَةِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ التِّزْمِذِيُّ: غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
حُكْمُ الغَرِيب: قَدْ يَكُونُ الغَرِيبُ صَحِيحاً بِأَنْ كَانَ المُتَفَرِّدُ بِهِ
ثِقَةً، وَاسْتَجْمَعَ شُرُوطَ الصِّحَّةِ. كَالأَفْرَادِ المُخَرَّجَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَقَدْ يَكُونُ حَسَناً وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْهُ كَثِيرٌ.
وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفاً وَهُوَ الغَالِبُ عَلَى الغَرَائِبِ، وَلِذَا قَالَ الإِمَامُ
أَحْمَدُ رَضِيَ الله عَنْهُ: لاَ تَكْتُبُوا هَذَهِ الأَحَادِيثَ الغَرَائِبَ، فَإِنَّهَا مَنَاكِيرُ
وَعَامَّتُهَا عَنِ الضُّعَفَاءِ.
وَقَالَ الإِمَامُ الأَعْظَمُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ: مَنْ طَلَبَهَا - أَي:
الغَرَائِبَ - كُذِّبَ(١).
وَقَالَ مَالِكٌ: شَرُّ العِلْمِ الغَرِيبُ، وَخَيْرُ العِلْمِ الظَّاهِرُ الَّذِي رَوَاهُ
النَّاسُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كُنَّا نَرَى أَنَّ غَرِيبَ الحَدِيثِ خَيْرٌ فَإِذَا هُوَ شَرٌّ .
(١) انْظُرْ شَرْحَ السَّخَاوِيِّ ص / ٣٤٥/، وَغَيْرَهُ.
٩٢

العَزِيزُ
عَزِيزُ مَرْوِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَه ..
٠٠٠
...
٠ ٠
٠
العَزِيزُ هُوَ: مَا انْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ اثْنَانٍ أَوْ ثَلاَثَةٌ، وَلَوْ رَوَاهُ بَعْدَ الاثْنَيْنِ
أَوِ الثَّلاَثَةِ مِنَّةٌ.
وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ مَنْدَه، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الصَّلاَحِ وَكَذَلِكَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ
حَيْثُ قَالَ فِي (التَّقْرِيبِ): فَإِنِ انْفَرَدَ بِرِوَايَتِهِ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ سُمِّيَ
عَزِيزاً (١). وَعَلَيْهِ جَرَى المُصَنَّفُ.
وَنَقَلَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ عَمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ مِنَ المُحَدِّئِينَ، أَنَّ العَزِيزَ
هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي طَبَقَةٍ مِنْ طَبَّاتِهِ رَاوِيَانٍ فَقَطْ (٢). أَيْ: وَبَقِيَّةُ طَبَقَاتِهِ لاَ
تَقِلُّ عَنِ اثْنَيْنٍ ، بَلْ هِيَ كَذَلِكَ أَوْ أَكْثُرُ مِنْ ذَلِكَ (٣).
(١) قَالَ فِي (لَقْطِ الدُّرَرِ): فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ العَزِيزِ وَالمَشْهُورِ عُمُومٌ
وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ
(٢) انْظُرْ (فَتْحَ المُغِيثِ) لِلسَّخَاوِيِّ ص / ٣٤٤/.
(٣) قَالَ الشَّيْخُ عَلِيِّ القَارِّيُّ: وَخَصَّ بَعْضُهُمُ المَشْهُورَ بِالثَّلاَثَةِ، وَالعَزِيزَ بِاثْنَيْنِ؛
وَاخْتَارَهُ المُصَنَّفُ - يَعْنِي: ابْنَ حَجَرٍ فِي (النُّخْبَةِ وَشَرْحِهَا) - حَيْثُ عَرَّفَ
العَزِيزَ بِقَوْلِهِ: هُوَ أَنْ لاَ يَزْوِيَهُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ عَنِ اثْنَيْنِ .
وَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي: ابْنَ حَجَرٍ- إِنَّ مُرَادَهُ - فِي تَعْرِيفِ =
٩٣

مِثَالُ العَزِيزِ: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ،
وَالْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ
وَوَلَدِهِ ... )) الحَدِيثَ.
رَوَاهُ عَنْ أَنَسِ رضي الله عنه: قَتَادَةُ وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ،
وَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ: شُعْبَةُ وَسَعِيدٌ، وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ
وَعَبْدُ الوَارِثِ، وَرَوىَ عَنْ كُلِّ جَمَاعَةٌ.
حُكْمُ العَزِيزِ: قَدْ يَكُونُ العَزِيزُ صَحِيحاً أَوْ حَسَناً، وَقَدْ يَكُونُ
ضَعِيفاً.
= العَزِيزِ - أَنْ لاَ يَرِدَ بِأَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ وَرَدَ بِأَكْثَرَ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ مِنَ
السَّنَدِ الوَاحِدِ فَلاَ يَضُرُّ، إِذِ الأَقَلُّ فِي هَذَا يَقْضِي عَلَى الأَكْثَرَاهـ. (فَتْحُ المُغِيثِ)
لِلسَّخَاوِيِّ ص / ٠/٣٤٤
٩٤

المَشْهُورُ
.. .
. ..
مَشْهُورُ مَرْوِي فَوْقَ مَا ثَلاَثَهِ
...
.
المَشْهُورُ هُوَ: مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ - ثَلاَثَةٌ فَأَكْثَرُ - عَنْ جَمَاعَةٍ، بِحَيْثُ
تَكُونُ كُلُّ طَبَقَةٍ لاَ تَقِلُّ عَنْ ثَلاَثَةٍ (١).
فَقَوْلُ المُصَنَّفِ: مَشْهُورُ مَرْوِي فَوْقَ مَا ثَلاَثَه، مَعْنَاهُ: ثَلاَثَةٌ فَمَا
فَوْقَ، عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ ﴾ الآيَةَ.
مِثَالُ المَشْهُورِ: حَدِيثُ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى
الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْراً بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ).
أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلٍَ، عَنْ
أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ غَيْرُ أَبِي مِجْلَزٍ،
وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ غَيْرُ سُلَيْمَانَ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ.
: حُكْمُ المَشْهُورِ: قَدْ يَكُونُ المَشْهُورُ صَحِيحاً أَوْ حَسَناً، وَقَدْ
يَكُونُ ضَعِيفاً.
(١) وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ وَالعِرَاقِيِّ فِي تَعْرِيفِ المَشْهُورِ: هُوَ مَا رَوَاهُ
الجَمَاعَةُ، وَعَرَّفَهُ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ) بِقَوْلِهِ: هُوَ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ بِأَكْثَرَ
مِنِ اثْنَيْنِ .
٩٥

ذِكْرَى: مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْرِيفِ المَشْهُورِ وَمِثَالِهِ فَهُوَ المَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلٍ
الحَدِيثِ، وَقَدْ يُطْلَقُ المَشْهُورُ عَلَى مَا اشْتَهَرَ عَلَى الأَلْسِنَةِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ
عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ، فَيَشْمَلُ مَا لَهُ إِسْنَادٌ وَاحِدٌ فَصَاعِداً، بَلْ مَا لاَ يُوجَدُ
لَهُ إِسْنَادٌ أَصْلاً(١). وَقَدْ صُنَّفَتْ كُتُبُّ فِيمَا اشْتَهَرَ عَلَى الأَلْسِنَةِ مِنَ
الأَحَادِيثِ .
a
المُسْتَفِيضُ
المُسْتَفِيضُ هُوَ المَشْهُورُ بِعَيْنِهِ عَلَى رَأْي جَمَاعَةٍ مِنَ الفُقَهَاءِ
وَالأُصُولِيِّينَ وَبَعْضِ المُحَدِّئِينَ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لانْتِشَارِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بَيْنَ المُسْتَفِيضِ وَالمَشْهُورِ بِأَنَّ المُسْتَفِيضَ يَكُونُ
فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ وَفِي مَا بَيْنَهُمَا سَوَاءً، وَأَمَّا المَشْهُورُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ
ذَلِكَ، فَيَشْمَلُ مَا تَسَاوَى فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ وَمَا لَيْسَ بِذَاكَ(٢).
(١) انْظُرْ شَرْحَ السَّخَاوِيِّ ص / ٣٤٥/.
(٢) انْظُرْ شَرْحَ السَّخَاوِيِّ ص / ٣٤٥/، وَ(لَقْطَ الدُّرَرِ) ص / ٣٠/.
٩٦

المُتَوَاتِرُ
المُتَوَاتِرُ هُوَ: مَا رَوَاهُ جَمْعٌ عَنْ جَمْعِ (١)، بِحَيْثُ يَبْلُغُونَ حَدّاً تُحِيلُ
العَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الكَذِبِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ انْتِهَائِهِمُ الحِسَّ:
الرُّؤْيَّةَ أَوِ السَّمَاعَ(٢).
فَخَرَجَ بِقَيْدِ الجَمْعِ عَنِ الجَمْعِ: الغَرِيبُ وَالعَزِيزُ، وَبِقَيْدِ إِحَالَةِ
تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ يَخْرُجُ المَشْهُورُ.
قَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ:
إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الكَذِبْ
وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌّ یَچِبْ
بِعَشْرَةٍ وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ
فَالمُتَوَاتِرُ. وَقَوْمٌ حَدَّدُوا
فَشُرُوطُ المُتَوَاتِرِ أَرْبَعَةٌ: كَثْرَةُ العَدَدِ، وَإِحَالَةُ العَادَةِ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى
الكَذِبِ، وَوُجُودُ تِلْكَ الكَثْرَةِ مِنَ الابْتِدَاءِ إِلَى الانْتِهَاءِ، وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ
انْتِهَائِهِمُ الحِسَّ: الرُّؤْيَةَ أَوِ السَّمَاعَ.
أَمْثِلَةُ المُتَوَاتِ: لِلْمُتَوَاتِ مِنَ الأَحَادِيثِ أَمْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ:
مِنْهَا: حَدِيثُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
(١) بِلاَ حَصْرٍ عَدَدٍ، خِلاَفاً لِمَنْ حَصَرَهُ فِي عَدَدٍ خَاصٍّ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ
العَدَدِ ، كَمَا فِي أَلْفِيَّةِ السُّيُوطِيِّ.
(٢) انْظُرْ (شَرْحَ أَلْفِيَّةِ العِرَاقِيِّ) لِلسَّخَاوِيِّ، وَلِلشَّيْخِ زَكَرِيًّا الأَنْصَارِيِّ.
٩٧

قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةٍ شَرْحٍ مُسْلِمٍ: إِنَّهُ جَاءَ عَنْ مَائَتَيْنِ مِنَ
الصَّحَابَةِ(١).
وَنَقَلَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَجٍَ، أَنَّ مِنَ الأَحَادِيثِ
الَّتِي وُصِفَتْ بِالتَّوَاتُرِ: حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَالخَوْضِ، فَإِنَّ عَدَدَ رُوَاتِهِمَا مِنَ
الصَّحَابَةِ زَادَ عَلَى أَرْبَعِينَ، وَحَدِيثَ رُؤْيَةِ الله عَزَّ وَجَلّ فِي الآخِرَةِ،
وَغَيْرَ ذَلِكَ(٢).
* أَتْوَاعُ الْمُتَوَاتِرِ: المُتَوَائِرُ نَوْعَانِ: لَغْظِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ.
فَاللَّفْظِيُّ هُوَ: مَا اتَّفَقَ رُوَاتُّهُ فِي ◌َفْظِهِ - وَلَوْ حُكْماً . وَفِي مَعْنَاهُ،
وَذَلِكَ كَحَدِيثِ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) وَنَحْوِهِ
مِمَّا سَبَقَ.
وَالمَعْنَوِيُّ هُوَ: مَا اخْتَلَفُوا فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ؛ مَعَ رُجُوعِهِ لِمَعْنَى
كُلِّيٌّ(٣) ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُخْبِرُوا عَنْ وَقَائِعَ مُخْتَلِفَةٍ تَشْتَرِكُ كُلُّهَا فِي أَمْرٍ
وَاحِدٍ ، فَالأَمْرُ المُشْتَرَكُ عَلَيْهِ بَيْنَ الكُلِّ هُوَ المُتَوَائِرُ.
(١) وَوَجَّهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا كُلَّهَا جَاءَتْ فِي مُطْلَقِ الكَذِبِ، كَحَدِيثِ: (مَنْ
حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِينَ)) وَنَحْوِهٍ. وَقَدْ أَوْرَدَ
الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذَا الحَدِيثَ مِمَّا جَاءَ فِي
الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِ هِمَا.
(٢) وَقَدْ صَنَّفَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَاباً سَمَّاهُ: (الأَزْهَارُ المُتَنَائِرَةُ فِي
الأَخْبَارِ المُتَوَاتِرَة) أَوْرَدَ فِيهِ جُمْلَةً مِنَ الأَحَادِيثِ المُتَوَاتِرَةِ بِأَسَانِيدِهَا الْمُتَعَدِّدَةِ.
(٣) انْظُرِ (التَّدْرِيبَ) ص / ٣٧٤/، وَحَاشِيَةَ الأَبْيَارِيِّ ص / ٠/٢٠
٩٨

وَذَلِكَ كَحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ، رُوِيَ فِيهِ مِنَّةُ حَدِيثٍ،
وَلَكِنَّهَا فِي قَضَايَا مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّ قَضِيَّةٍ مِنْهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ، غَيْرَ أَنَّ القَدْرَ
المُشْتَرَكَ فِيهَا - وَهُوَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الدُّعَاءِ - تَوَاتَرَ بِاعْتِبَارِ المَجْمُوعِ (١).
حُكْمُ الْمُتَوَاتِرِ:
قَالَ فِي (شَرْحِ النُّخْبَةِ): وَالمُعْتَمَدُ أَنَّ الخَبَرَ المُتَوَاتِرَ يُفِيدُ العِلْمَ
الضَّرُورِيَّ، وَهُوَ الَّذِي يَضْطَرُ الإِنْسَانُ إِلَيْهِ - أَيْ: إِلَى العِلْمِ بِهِ - بِحَيْثُ لاَ
يُمْكِنُّهُ دَفْعُهُ - أَيْ: دَفْعُ عِلْمِهِ عَنْ نَفْسِهِ ..
وَقِيلَ: لاَ يُفِيدُ العِلْمَ إِلَّ نَظَرِيّاً، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ(٢) اهـ.
(١) كَمَا فِي (التَّدْرِيبِ) وَحَاشِيَةِ الأَبْيَارِيِّ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا إِذَا نَقَلَ رَجُلٌ عَنْ
حَاتِمِ أَنَّهُ أَعْطَى جَمَلاً، وَنَقَلَ آخَرُ أَنَّهُ أَعْطَى فَرَساً، وَنَقَلَ آخَرُ أَنَّهُ أَعْطَى
دِينَاراً، وَهَلُمَّ جَرّاً ... فَيَتَوَاتَرُ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ إِخْبَارِهِمْ وَهُوَ الإِعْطَاءُ،
لأَنَّ وُجُودَ الإِعْطَاءِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ جَمِيعِ هَذِهِ القَضَايَا.
(٢) وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ وُجُوهَاً مِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ المُتَوَاتِرَ يُفِيدُ العِلْمَ الْيَقِينِيَّ
الضَّرُورِيَّ، فَارْجِعْ إِلَيْهَا إِنْ شِئْتَ، وَعَلَىَ كُلِّ فَإِنَّ بَحْثَ المُتَوَاتِرِ هُوَ مِنْ
مَبَاحِثِ عِلْمٍ أَصُولِ الفِقْهِ، فَهُنَاكَ يَكُونُ التَّفْصِيلُ لِعَامَّةِ شُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ.
٩٩