Indexed OCR Text
Pages 161-180
والكلُّ يرجع إلى معنَى واحدٍ؛ وهو الإخلاصُ، ونفيُ الاشتغالِ، وصرفُ الخواطرِ إلى غيرِ ما هو من الرَّكعتين، وحصرُها فيما هو فيه منهما، فالإقبالُ مُعَبٌَّ به عَنْ هذا الحصرِ؛ لأنَّه إدبارٌ عن الخواطِرِ المُشْغِلَةِ، وصرفٌ إلى المقصودِ، والصَّرفُ إليه هو الإقبالُ، والوجه: القَصْدُ، والقَلْبُ: الدَّواعي، والعوازمُ، والخواطرُ، التي يشتمل عليها هو، وهو أقربُ المجازات إلى الحقيقةِ، تسميةً للشيء باسم محلِّه . وإذا كانت الحقيقة ما قلناه، فلا تعدُّدَ، واستعمالُ ما يقتضي التعدد يكون على خلاف الحقيقةِ في مثل هذا المكان، وكذلك إذا قلنا: أقبل زيدٌ على عمرو، فله حقيقة يُجوَّزُ بها عن توجُّهِ الخواطر، وجَمْعِ الهمِّ على الشيء فيه، تشبيهاً بإقبال الشَّخْصِ على الشخص، وتوجّهه إليه. الثانية: قوله: ((قال: إنَّي قد رأيتُك جئتَ آنفاً)) تحتاجُ إلى بيانِ مناسبته للحال والواقعة، ويمكن أن يقال فيه: إنَّه لما كان السابقُ أجودَ ما يُخبِرُ به عمرُ - ◌ُه - على ما ذَكَر، احتمل أن يكون قولُ عُقبةَ: ((ما أجود هذه؟)) سببله](١) الغفلة عمَّا سبقَ مِنَ الأجودِ معَ حضورهِ له. واحتمل أن يكونَ سببه عدمَ حضورِهِ، فيكونُ الإخبارُ من عمرَ - ◌ُ - بما هو الأجودُ محتَمِلاً لأنْ يُنْسَب عقبة إلى الغفلةِ مع الحضورِ، وأَنْ تُنْفَى عنه الغفلةُ ببيان أنَّه لم يكن حاضراً. (١) زيادة من ((ت)). ١٦١ والثاني في حُسْنِ المخاطبة أولى؛ لأنَّ فيه نفيَ اعتقادِ أنَّ عدمَ العلم لأجل الغفلة، وإذا دارتِ المخاطبةُ بين احتمالِ ما ليس بحَسَنٍ، واحتمال ما هو حَسَنٌ، فتجريدُه لبيان الحَسَنِ، ودفع الاحتمال أولى. الثالثة: الظاهرُ أنَّ المرادَ بأبواب الجنةِ الحقيقةُ، ويترجَّح الثاني بأنه أقرب من حيث الزمانُ؛ لأنَّ أسبابَ دخولِ الجنة بالطاعاتِ موجودةٌ في الحال، وفَتْحَ أبواب الجنة الحقيقيةِ في الآخرة. * الوجه السابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: الظاهرُ من قوله: ((علينا رعايةُ الإبلِ)»، أنَّها رعايةُ إِيلِ الصَّدَقَةِ، أو (١) المصالح المتعلقةِ برعايةِ المسلمين، وليستْ إبلَّهُم المملوكةَ لهم؛ لأنَّ (على) لا تستعمل في مثلِ رعايةٍ مِلْكِ الإنسانِ عُرْفَاً، ولأنَّ المناوبةَ التي دلَّ عليها الحديثُ [لا تليقُ بمِلْكِ الإنسان، ولا يلزم غيرُهُ إلا لمعارِض خاصٍّ](٢) لا دليلَ على وجوده في لفظِ الحديث. الثانية: فيؤخَذُ منه: أنَّ تعيينَ بعض المسلمين لبعضٍ المصالح المتعلقةِ بهم؛ لأنَّ ذلك الإمام(٣)، وأما كونُهُ بعِوَضٍ، أو بغير عوض، فليس في اللفظ ما يدل عليه، والأصلُ عدمُه، وهو أقوى مناسبةً (١) ((ت)): ((و)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) جاء فوقها في ((ت)): ((كذا)). قلت: لعل المعنى: أن تعيين بعض المسلمين لبعض المصالح المتعلقة بهم تكون بإذن الإمام، ولا تكون بأيديهم. ١٦٢ لـ (علينا) عرفاً ممَّا إذا كان بعِوَض. الثالثة: اختلفَ الفقهاءُ فيما إذا عَيَّن الإمام رجلاً لفَرْض الكفايةِ، هل يتعيَّن؟ وقد تكون لفظةُ (على) أقربَ إلى التعين(١)، ممَّا إذا لم يتعيَّن، وقد لا تدلُّ؛ بناءً على بحثٍ لهم في الأصول في فرض الكفاية ومدلوله(٢). الرابعة: وفيه تعديلُ الإمام بين النَّاس في هذه الأفعال، التي تعيَّن فيها مباشرتُها بجعلها مناوبةً بينهم، دَفْعاً للعُسْرِ الناشىء من ملازمةِ الشخصِ الواحدِ للفعلِ دائماً. الخامسة: فيه طلبتَّةُ القيامِ للخُطَبِ والمواعِظِ، وما يُقْصَدُ إبلاغُه من الحديث للسامعين؛ لأنه أبلغُ في تحصيل المقصود، وقد اختلف (١) في الأصل: ((تعيين))، والمثبت من ((ت)). (٢) اختلف الأصوليون في أن الواجب على الكفاية، هل هو واجب على جميع المكلفين، ويسقط الوجوب عنهم بفعل بعضهم، أم على بعضٍ غير معين؟ فذهب طائفة إلى الأول، والأخرى إلى الآخر، واختار ابن الحاجب المذهب الأول. انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصفهاني)» (١ / ٣٤٣). قلت: وقد مرَّ أثناء الشرح كلام دقيق للمؤلف رحمه الله في مدلول فرض الكفاية، ووضع في ذلك قانوناً فقال (٢ / ٤٥): ((القانون في معرفة فرض الكفاية: أن ما كان المقصود منه تحصيل المصلحة منه، أو دفع المفسدة، ولم يتعلق المقصود بأعيان الفاعلين وامتحانهم، فهو فرض كفاية». ١٦٣ الفقهاءُ في ركنيَّةِ القيام(١) في خطبة الجمعة، ولا يتعدَّى أن يكونَ حکمه مرتباً علی حکم القول، فحيثُ لا یجب لا یجب، وحیث یجب أمكن أن يجبَ تحقيقاً عن عُهدة الواجب، وأمكنَ أن لا يجب اكتفاءً بظاهر الحال [وعدم تحققٍ] (٢) المانع من الإجزاء، وعلى كل حال: فالقدر المشترك من الطلبية حاصلٌ. السادسة: قوله: ((يُحَدِّثُ الناسَ))، ولم يقل: يَخْطُبُ النَّاس، یحتمل وجھین : أحدهما: أن يكون عَبَّر بتحديث(٣) الناس عن الخطبة عن طريق إطلاق اللفظ العامِّ على الخاصِّ. والثاني: أن يكونَ غيرَ معبَّرِ به عن الخطبةِ؛ لأنَّ الخطبة لها أمورٌ مخصوصة، وقد شرط الفقهاء فيها أقوالاً مخصوصةً، ومعانيَ مخصوصة، وزعم بعضُهم: أنها لا تُسَمَّى خطبةً إلا بتلك الأقوال وتلك المعاني، أو لا تكونُ خطبةً شرعيةً إلا بها. ولما كان عقبة قد جاء بعد مُضِيٍّ صدرٍ من الكلام، أمكن أن يكونَ ما مضى وفاتَهَ، لم تقعْ فيه تلكَ الألفاظُ والمعاني المعتبرة في تسميتها خطبة، أو في كونها خطبةً شرعية، فكان إخبارُه [بأنه](٤) وَل (١) في الأصل: ((الإمام))، والتصويب من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل و((ت)): ((عن تحديث))، والتصويب من هامش ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). ١٦٤ يحدث الناس، أحوطَ من إخبارِهِ بكونِهِ وَّ يخطب الناس. السابعة: قَدْ يُؤْخَذ منه طلبيَّةُ الشَّفْعِ فِي النَّفْلِ المطلقِ، وقد لا؛ لأنّه ثوابٌ مخصوصٌ، ولا يترتب على ما دونه، لكنَّ الأول أقربُ؛ لكثرةِ تعليقِ الأحكام على الركعتين في ألفاظِ الشارع، مع اختلافٍ المُرَتَّب عليها. الثامنة: قد بيَّنا معنى الإقبال على الركعتين، وتعلّقه بالإخلاص والخشوع، أو كونَه هو، ففي الحديثِ دليلٌ على طلبية مثلٍ ذلك في الصلاة، وقد عَضَدَه غيرُ ذلك من الحديث، وإنما يُكتبُ له ما عقلَ منها . التاسعة: لفظ الإسلام والإيمانِ، والمسلمِ والمؤمنٍ، قد يطلقان من غير اعتبار ما يخُصُّ أحدَهما، إذا كانا معاً موجودين، فيمن أُطلق عليه مؤمن أو مسلم، وهذا كثيرٌ في الألفاظ الشرعيَّة، وقد يُطلق ويراد به الخصوص والقيد المعيَّن، وهذا الموضع مما أَطْلِقٍ من غير اعتراضِ الخصوص، هذا هو الظاهرُ، ويحتمل أن يُعْتَبَرَ الخصوصُ في الإسلام؛ أعني: الدرجَة [السفلى](١) التي لا ينافيها الإيمانُ، ويكون ذلك تسهيلاً لحضور(٢) المتيسر به، حيث لم يَعْلُقِ الحکمُ بالدرجةِ العُليا. العاشرة: الإحسان في الوضوء من جملة الشرائط المعتبرة في (١) زيادة من ((ت)). (٢) كذا في الأصل و((ت))، وقد جاء في هامش ((ت)): ((لعله: لحصول)). ١٦٥ حصولِ الوعود، والإحسانُ هو الإتيانُ به على الوجه المطلوب شرعاً، من غير غلوٍّ ولا تقصير. الحادية عشرة: وجوبُ الجنة من حيثُ اللفظُ، لا يدل على عدم دخولِ النار، وقد وردَ ذلك في مواضع رُتُّب فيها وجوبُ الجنة، أو دخولُها، على عملٍ مخصوصٍ غيرِ الإيمان، أو معَ الإيمان، فالإيمانُ عَلَّةٌ مستقلةٌ في وجوب الجنَّة بهذا التفسير، إذا لم [يُشْتَرط](١) فيه عدم دخول النار، والعلة المستقلة لا تأثيرَ لغيرها في العليَّةِ، لا كلاً، ولا جزءاً؛ لأن كلّاً منها ينافي الاستقلال، فتوجه إشكال من هذا الوجه، إذا جرينا على مقتضى اللفظِ، من أنه لا يلزم من وجوبِ الجنة عدم دخول النار، فما كان من ذلك لم يُشترطْ مع الإيمان فيه عملٌ آخر. ولنا (٢): أن نجيبَ فيه بإجراء اللفظ على ظاهرِهِ من غير زيادة، وتكون الفائدة فيه: إبطالَ مذهب القائلين بوعيد الأبد، وهي فائدة جليلة. الثانية عشرة: وأما ما اشتُرط فيه زيادةٌ على الإسلام، أو إفراد ذلك بالعمل المخصوص، فيمكن أن يُقال فيه: إن المعنى مع دخول الجنة عدم دخول النار، ولا امتناع في ذلك، ولله أنْ يتفضلَ بما شاء على أيِّ الأعمالِ شاء. ويمكن أن يقالَ: تكونُ الفائدةُ في هذا وجوبَ الجنَّةِ، ولم يلزمْ (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((قلنا))، والمثبت من (ت)). ١٦٦ عدمَ دخولِ النار، فتحصلُ الفائدةُ بلا إشكال. الثالثة عشرة: الذي قاله عمر - حظه -: من أنَّ ما حكاه أجودُ ممَّا سمعه عقبة، لعلَّ سببَه - والله أعلم -: أنَّه أقلُّ شروطاً في استحقاق الثواب المخصوص. فإن الأول: يقتضي إحسانَ الوضوء، وصلاةَ ركعتين مع الإقبالِ بالقلبٍ والوجهِ، وفي ذلك عُسْرٌ على ما يَشْهَدُ به الحال في [أكثر](١) الخَلْقِ، من تزاحم الوساوسِ والخواطِرِ، وتزاحمِهما (٢) كثيراً في حقِّ بعضهم. وأما الثاني: فليس فيه إلا إسباغُ الوضوءِ، أو إبلاغُه، والقولُ المخصوصُ، وذلك يسيرٌ بالنسبة إلى الأوَّلِ، ويحتمل أن يُضاف إلى ذلك ما دلَّ عليه: ((فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة)) من زيادة [الثواب](٣) المرغّب في العمل، فينضافُ زيادةُ الثواب إلى يُسْرِ(٤) العمل على هذا الوجه، فيكون أحسنَ. ووجه الزيادة في قوله: ((فُتِحَتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ)): ما دل(٥) عليه هذا الفعل من تعظيمِ الفاعلِ وتكريمِه بتخييرِه بالدخولِ من أيِّ (١) زيادة من ((ت)). (٢) في ((ت)): ((تزاحمها)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ((ت)): (يسير). (٥) ((ت)): ((یدل)) . ١٦٧ الأبواب شاء، فهذه مزيَّةٌ عظيمةٌ ترغُّبُ في العمل. الرابعة عشرة: تفتيحُ أبواب الجنةِ للدخولِ، وإنْ دلَّ على الدخولِ، [لكنَّ دلالةَ لفظِ الوجوبِ أقوى في الدلالة، واللفظُ الآخرُ داٌ على التعظيمِ والتكريمِ مع الدخول](١)، والأولُ دالٌّ على الوجوب من غير دلالةٍ على هذه الزيادةِ، ففي كلِّ واحدٍ منهما دلالةٌ راجحةٌ ومرجوحةٌ، والله أعلم. الخامسة عشرة: قوله - العَيْه -: ((أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ)) يدل على حصر هذا العدد للأبواب، وحصر الأبواب فيه. السادسة عشرة: اشتُهرَ بين المتفقِّهةِ والطلبةِ سؤالٌ على هذا الحديث: وهي المعارضةُ بينَه، وبين كونِ البابِ الریَّانِ لا يدخله إلا الصائمون. وأجيبَ عنه: بأنَّ شرطَ التعارضِ اتحادُ الموضوع، وأحد الحدیثین یدلُّ علی أنَّ الدخول من بابِ الریّان مخصوصٌ بالصائمین، والآخر يدلُّ على تخييرِنا على هذا الفعل في الدخول من أيُّها شاء، فلا اتّحاد في الموضوع، إذِ التخييرُ في الدخول غيرُ الحكم بالدخول. فإن قيل: فما الفائدة في التخيير في دخوله من أيُّها شاء، مع کونه لا يدخل من بعضها؟ قلنا: الفائدةُ إظهارُ التعظيمِ والشرفِ الناشىءٍ عن هذا التخيير، وقد لا يكون هذا المعارِضُ - أعني: عدمَ دخولِ غيرِ الصائمين البابَ (١) زيادة من ((ت)) . ١٦٨ الريَّانَ - معلوماً عند هذا المدعوِّ، ولا عندَ السامعين حينئذٍ، فتبقى الفائدةُ كاملةً، وهذا في المثال، كما رُوِيَ عن بعض المتقدمين أنه قال: أُخِذ الميثاقُ على جميع الأنبياءِ أن يؤمنوا بالنبيِّ نَّه إذا ظهر(١). مع العلم بأنَّه لا يظهرُ في زمنٍ أحدٍ منهم، وإنما ذلك لإظهارِ الشرفِ، وعدمِ العلمِ بعدمٍ ظهوره في زمنِ الأنبياءِ السابقين لهم - صلواتُ اللهِ وسلامُه على جميعِهم - السابقين لهم إن كانَ العلمُ غيرَ حاصلٍ لهم - صلوات الله عليهم -، وإن كان حاصلاً، فهو أقوى لما قلناه، وأسَدُّ لما ذکرناه. السابعة عشرة: ظاهرُ الحديث يدل على ترتيبِ الثوابِ المذكور على مجرَّدِ القول، وما ذُكِرَ معه، فأمَّا الحديث الذي ليس فيه ذكر الإسلام، فلا بد من اشتراطه وإضافته إليه، بالدلائل القاطعة، وبالرواية الأخرى التي فيها ذِكْرُه. الثامنة عشرة: وأما الحديثُ الذي فيه ذكر المسلمِ، فظاهرُه يقتضي ترتيبَ الثوابِ على وصفِ الإسلام الذي [به] (٢) تحصُلُ العِصْمة . والمتوغُّلون من المتصوِّفة ربما يذهبون إلى أنَّه لا يتحقق التوحيد على الوجه، حتى لا تبقى على القلبِ غلبةُ سلطانٍ لغير الله تعالى، فهذا تحقيقُ التوحيد، وأما معَ غلبةِ شيءٍ على القلب فلا يحصُل (١) وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥٢٦/٤). (٢) زيادة من ((ت)). ١٦٩ التحقّق بمقتضى مدلولِ اللفظ. ولقد بلغنا عن بعضٍ أكابرِ الصالحين، ومَنْ هو في الدرجة العاليةِ منهم: أنَّ صاحباً له قال: (لا إلهَ إلا الله) حقاً، فقال الشيخُ: ولا أمّ محمدٍ، يعني: زوجَتَه، وكان يميل إليها. وهذا بناء على المعنى الذي ذكرناه، وقد يقوى بما جاءَ أنَّ الهوى إلهٌ معدود، واستشهد بقوله تعالى: ﴿أَفَرَعَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]. التاسعة عشرة(١): [قد] (٢) قدَّمنا: أنَّ الحديثَ يقتضي ترتّبَ الثواب على مجرَّد هذا الشرط، وقد ورد في بعض الروايات: زيادةٌ أمرٍ آخر؛ وهو رَفْعُ الطرفِ إلى السَّماء، رواها أبو بكر البزَّار من حديثٍ أبي سَلَمَة، عن ثَوْبان قال: قال رسولُ الله وَِّ: ((من توضَّأ، فأحسنَ الوضوءَ، ثم رَفَعَ طَرْفَه إلى السَّماءِ، فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، فُتِحَتْ له أبوابُ الجنَّة، يَدْخُلُ مِنْ أيُّها شاء)) ذكره في الطَّهارة من ((السنن)) وقال: وهذا الحديث لا نعلمُهُ يُروى عن ثَوْبانَ، إلا من هذا الوجه(٣). العشرون: يظهرُ في فائدةِ رفع الطَّرْفِ إلى السَّماءِ التوجُّهُ إلى (١) في الأصل و((ت)): ((الثامنة عشرة))، وهو خطأ، وإنما هذه المسألة التاسعة عشرة، وعليه فقد زادت الفوائد على النسختين فائدة، لتصبح سبعة وعشرين فائدة. (٢) سقط من ((ت)). (٣). ذكره المؤلف رحمه الله في ((الإمام)) (٦٦/٢)، ولم أقف عليه من رواية ثوبان، والله أعلم. ١٧٠ قبلةِ الدعاءِ، ومهابطِ الوحي، ومصادرٍ تصرُّفِ الملائكة عليهم الصلاة والسلام(١). الحادية والعشرون: هاهنا زيادةٌ أخرى عند أبي الشَّيخ من رواية محمدٍ بن جابر، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((إذا فَرَغَ أحدُكُم من طُهُوْرِهِ، فليقُلْ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلّ اللهُ، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، ثم ليُصَلِّ عليَّ، فإذا قالَ ذلك: فُتِحت له أبواب الرحمة)) أخرجه أبو موسى الأصبهاني مِنْ جِهَةِ أبي الشيخ، وقال: هذا حديث مشهورٌ، له طرق عن عمرَ بن الخطاب، وعقبةَ بن عامر، وثوبان، وأنسٍ رضي الله عنهم، ليس في شيء منها ذكرُ الصلاةِ، إلا في هذه الرواية. قلت: محمد بن جابر اليَمامي روى عنه جمعٌ من الأكابرِ، وقد تُكلِّم فيه، وكأنَّ أبا موسى أرادَ بقوله من هذه الرواية: رواية الأعمشِ، عن شقيقٍ، عن عبد الله، لا رواية محمد بن جابر، عن الأعمشِ، فإنَّ هذه الزیادةَ قد رُوِیَتْ من غیرِ حدیثِ محمدِ بن جابر، ومن روایة یحیی ابن هاشم (٢) السِّمْسَار(٣)، وقال فيه النَّسائي: متروك الحديث، ومن (١) نقل هذه الفائدة عن المؤلف: الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١/ ١٠٢). (٢) في الأصل: ((هشام))، والمبثت من ((ت)). (٣) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (١/ ٢٣٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٤٤) وقال: وهذا ضعيف، لا أعلمه رواه عن الأعمش غير یحیی بن هاشم، ويحيى بن هاشم متروك الحديث. ١٧١ ٠ [رواية](١) عمرو بن شمر، عن الأعمش أيضاً، وعمروُ هذا متروكٌ عندهم (٢)، والله أعلم. الثانية والعشرون: المشهورُ عند الأصوليين والفقهاءِ: أنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، والدليلُ عليه: الاتّفاقُ والإجماعُ على الاكتفاء بهذه الكلمة في إثباتِ التوحيد، قال - عليه الصلاة والسلام -: (أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ، حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالُوها، عَصَمُوا مِنِّي دماءهم وأموالهم، إلا بحقِّها))(٣)، والعلمُ ضروريٌّ حاصلٌ بالاكتفاء بهذه الكلمةِ في التوحيدِ، من غير حاجةٍ إلى زيادةٍ، ولا سؤالٍ عن أمرٍ آخرَ، ومن هذا القبيلِ: هذا الحديث الذي رتب فيه الثواب الأخروي على الكلمة دون التوقّف على زيادة أخرى (٤). وخالفَ بعضُ الناس في هذا، أعني: في أنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، وشغَّب في تقريره بعض المتكلمين من وجهين : الأول: أنَّ الاستثناءَ مأخوذٌ من قولِكَ: ثَنَيْتُ الشيءَ عن جهتِهِ، (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (٩٦/٢). (٣) رواه البخاري (٢٥)، كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، ومسلم (٢٢)، كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. (٤) انظر: ((المحصول)) للرازي (٣/ ٥٦)، و((الإحكام)) للآمدي (٢ / ٣٣١)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٤٠٣). ١٧٢ أي: صرفْتَه عنها، فإذا قلتَ: لا عالمَ إلا زيدٌ، فهاهنا أمرانٍ: أحدُهما هذا الحكمُ، والثاني نفسُ هذا العَدَم، فقولُك إلا زيدٌ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ عائداً إلى الأول، وحينئذ لا يلزمُ تحقَّقُ الثبوتِ؛ إذ(١) الاستثناءُ إنَّما يُزِيلُ الحكمَ بالعَدَم، فبقي المستثنى مَسْكوتاً عنه، غيرَ محكوم عليه لا بالنّفي، ولا بالإثباتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ عائداً إلى الثاني، فحينئذٍ يلزم تحقَّق الثبوتِ؛ لأنَّ عندَ ارتفاع العدم يحصلُ الوجودُ لا محالةَ، لكنَّ عودَ الاستثناءِ إلى الأولِ أولى، إذِ الألفاظُ وضعتْ دالةً على الأحكام الذهنيّةِ، لا على الأعيانِ الخارجيَّةِ، فإنَّك إذا قلتَ: العالمُ قديمٌ، فإنه لا يدلُّ على كونه قديماً في نفسه، ولأنَّ عدَمَ الشيءٍ في نفسه، ووجودَه في نفسِهِ، لا يقيّد تصرفَ الغيرِ، فثبتَ أنَّ عود الاستثناء إلى الأول أولى. الثاني: ما جاء من وَضْع هذا الاستثناء من غير أن يكونَ الإثبات: ((لا نكاح إلا بولي))(٢)، ((لا صلاةَ إلا بطهور)(٣)، لا مُلْكَ إلا بالرجالِ، لا رجالَ إلا بالمالِ، والمرادُ في الكلِّ: مجرَّدُ الاشتراطِ. وتمَّم هذا التشغيب: بأنَّ الصورَ التي دلَّتْ فيها على الإثبات، يجوزُ أن يكون مستفاداً من اللفظِ، بل بدليل منفصلٍ. وفي كلامٍ بعض المتكلمين ما يقتضي تقويةَ هذا المذهبِ، فإنَّه (١) في الأصل: ((إذا))، والمثبت من ((ت)). (٢) تقدم تخريجه . (٣) تقدم تخريجه. ١٧٣ التجأَ إلى أن يجيبَ بأنَّ هذه(١) الكلمة، وإن كانت لا تفيد الإثباتَ بالوضع اللغويِّ، لكنَّها تفيدُ بالوضع الشرعيِّ. وبوجه آخرَ حاصلُه: أنَّ المقصودَ من هذا الكلام نفيُ الشريكِ، وأما إثباتُ الإلهيةِ لله تعالى فمتَّفَقُّ عليه على ما عُرفَ، كأنَّه يشير إلى قوله تعالى ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [لقمان: ٢٥]، ولِمَا جُبِلَتِ الفِطَرُ عليه. وهذا عندي كلَّه تشغيب، ومراوغاتٌ جدليَّةٌ، والشرعُ خاطَبَ الناس بهذه الكلمةِ، وأمرَهم بها؛ لإثباتِ مقصودِ التوحيدِ، وحَصَلَ الفهمُ لذلك منهم، والقبولُ له، منهمِ رَ سُ، من غير زيادةٍ ولا احتياجٍ إلى أمر آخر، ولو كان وضعُ اللفظِ لا يقتضي التوحيدَ، لكان أهمَّ المهمات تعليمُ اللفظِ الذي يقتضيه؛ لأنَّه المقصودُ الأعظم. والاكتفاءُ الذي ذكرناه عندنا في محلِّ القطع بالظَّنِّ، لكن هل هو لمدلول اللفظ، أو لقرائن(٢) احتفَّت به لا تبلغ إلى القطع؟ (٣) نعم، ادعاءُ الاحتياج إلى أمر آخرَ في تحصيل مقصودِ التوحيدِ لا يصِحّ، وأما المُثُلُ الذي ذكروها، فيُقابَلون فيها بالمثل، فإذا قالوا: هذه المواضع لا تُدلُّ فيها على الإثباتِ، والمواضع التي تدل عليه، (١) في الأصل: ((بهذه))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((القرائن)). (٣) من أول المسألة إلى هنا: نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤ / ٤٠٤) باختصار. ١٧٤ يمكن أن تكون لدليلٍ(١) منفصلٍ عن دلالة الوضع. قيل له: المواضع التي ذكرتموها دالةٌ بالوضع على الإثبات، وعدم دلالتها في بعض الصور على الإثبات؛ لقيامِ معارضٍ من خارج، وهو اشتراطُ أمرِ زائدٍ على الأول، فيجبُ ضمُّه إليه، والكلمة(٢) حيث يكون المقصود الكلي حاصلاً. والذي يدلُّ على ذلك الأمور الشرعية، أنّه لو جمعنا جميعَ الألفاظ التي تدلُّ على الاشتراط، ووُجِدَتْ كلُّها اقتضى ذلك ثبوتَ المستثنى، فدلَّ على أنَّ عدمَ الثبوتِ في بعضِ الصورِ ؛ لأجل قیام دلیلٍ على أمرٍ آخر، لا لعدم الدلالة على الإثباتِ. كذلك نقول في الأمور العُرْفيَّةِ: قد يكون العرفُ والوجود شاهداً على اشتراط أمرٍ آخر، فإنْ فرضَ الخصمُ عدمَ دليلِ الاشتراط في بعض الصور، أو(٣) ادعى انتفاءه، منعنا الحكم فيه. الثالثة والعشرون: قال بعض المتكلمين على هذه الكلمةِ الشريفة، فيما وجدْتُه عنه: في الناس من قال: تصوُّر الإثبات مقدَّمٌ على تصور النفي، بدليل أنَّ الواحدَ منَّا يمكنه أنْ يتصوَّر الإثبات، وإن لم يخطُر بيالِهِ معنى العدم، ويَمْتنع أن يُتَصوَّر العدمُ، ولا يخطر ببالِهِ معنی الإثبات، وإذا كان كذلك، فما السببُ في تقديم النفي على الإثبات؟ (١) في الأصل: ((الدليل))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((الكلام)). (٣) ((ت)): ((و)). ١٧٥ قال: فيقول أولاً: نفي الربوبيّة عن الغيرِ، ثم إثباتُها له آكَدُ في الإثبات، فالنَّفيُ إخراجٌ لكلِّ ما سواه عن القلب، حتى يصيرَ خالياً، فيحضر فيه سلطانُ الله، أشرقَ نورُه إشراقاً تاماً، وكَمُل لمَعَانُهُ كمالاً ظاهراً. وقال أيضاً: إنَّ النفيَ الحاصل بـ(لا) يجري مجرى الطَّهارة، والإثبات بـ (إلا) يجري مجرى الصلاة، قال: وقد قال قومٌ من أهلِ التحقيق: النّصفُ الأول من هذه الكلمة تنظيفُ الأسرارِ، والثاني جِلاء الأنوار، والأول انفصالٌ عما سوى الحقِّ، والثاني اتصالٌ بالحق، والأول فَناء، والثاني بقاء، أو كما قال في جميع ما ذكرنا. وهذا كلامُه، بعضُه يرجع إلى شيءٍ من علم النظر، ويَحتاج إلى وُ تحقيقٍ واستفسارِ، وبعضه يرجع إلى إطلاقات الصوفية ومعانيهم، م وبعضه فيه ضعف. الرابعة والعشرون: ذكر بعضُ المتكلمين على هذه الكلمة سؤالاً، فقال: لقائلِ أن يقول: من عرفَ أن للعالم صانعاً قادِرَاً عالماً موصوفاً بجميع الصفاتِ المعتبرة في الإلهيّة، فقد عرفَ اللهَ تعالى معرفةً تامةً، بعدم الإلهِ الثاني لا يزيدُه كمالاً في صفاته، فلِمَ لا يكون العلمُ بالإله كافياً في حصول السعادة؟ وأجاب: بأنَّ تقديرَ الإله الثاني، لا يَعلمُ العبدُ بأنه عبدٌ لهذا أو لذاك، أو لهما جميعاً، فلا يظهرُ الافتقار إلا إلى المعيَّن، وفيه مِنَ الفساد ما فيه، أو كما قال. ١٧٦ والمقدمة التي قال فيها: إنَّ علمَه بعدم الإلهِ الثاني، لا يزيد كمالاً في صفاته؛ ممنوعةٌ، وكتابُ الله تعالی يدلُّ على خلاف ذلك: ﴿لَوْكَانَ فِهِمَآ ءَاِههُ إِلَّ اللَّهُ لَفَسَدَنَأْ﴾ [الأنبياء: ٢٢] ﴿إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَاِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] وهذا يناقضُ ما ادعاه من و و المقدمةِ؛ لملازمةِ علَوِّ البعض على البعض، لنقصِ المعلَوِّ عليه، ولترتَّب فسادِ العالمِ المنافي للكمال المطلقِ بالنسبة إلى القيُّومِيَّة. الخامسة والعشرون: الحديثُ يقتضي ترتّب(١) الثوابِ على القول، والنَّاس تكلموا في اشتراط القولِ بالإيمان، والمراتِبُ ثلاثة: أحدها: مرتبة من تَمَّم النظر والاستدلال في معرفة الله تعالى، ولم يتمكّن من القولِ لضيق القولِ مثلاً، فلا شكَّ أنه يكون ناجياً. والثانية: أن تحصل المعرفة مع إمكان النطقِ، وَيَترُكُ النطقَ إباءً واستكباراً، فلا شكّ في عدم النجاة، قال الله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤] ﴿ءَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ﴾ [يونس: ٩١] وكفرُ إبليس من هذا القبيل، وكذلك كلٌّ معاندٍ عرف الحق، ولم ينقَدْ له عتُوَّاً وكِبْراً. الثالثة: من عرف وتمكّن، ولم ينطق، لا على سبيل العناد، فقد اختلفوا: هل يكون مؤمناً، أم لا؟ فالذين قالوا: بأنَّه لا يكون مؤمناً؛ جعلوا صحَّة الإيمان متوقفةً على اللفظ بهذه الكلمة، مع القدرةِ عليها، واستدلَّ بعضُهم على (١) في الأصل: ((ترتيب))، والمثبت من ((ت)). ١٧٧ ذلك: بأنَّ فرعونَ كان عارِفاً بربِّه؛ لقوله تعالى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] حكم عليه موسى: بأنه كان عارفاً بالله، ثم ماتَ كافراً. قال: ومنهم مَنْ قالَ: إنَّه مؤمنٌ؛ لأنَّه حصل له العِرْفانُ الَّام. وهذا الذي قاله فاسدٌ؛ لأنَّ فرعون أبى واستكبر، وقد بيَّنا كفرَ من هو كذلك. وحكايةُ الخلاف على الإطلاق فاسدٌ؛ لأنَّ الخلافَ في غير المستكبر، فإن أراد أن يستدلَّ بأمرٍ فرعونَ على غير المستكبِر، فهو فاسدٌ، وإن أرادَ أن يثبتَ الخلافَ في المستكبر، فهو باطلٌ بنصِّ القرآن والاتفاق. السادسة والعشرون: قد قدَّمنا من مذاهبِ الصوفيّة: أنَّ تحقيقَ هذه الكلمة، بزوال كلِّ الأحكام الغالبة على القلب سوى حُكم الله تعالی. وبعضُ المتكلمين قسّم الناسَ تقسيماً آخر فيها، فقال: إنَّ الناسَ في قول هذه الكلمة على مراتبَ وطبقات: فأدناها طبقة: من قالها بلسانِهِ، فإنَّ ذلك يحقِنُ دَمَه، يعني: ويحرز ماله، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((أَمِرْتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا ... )) الحديث(١)، وهذه درجةٌ يشترك فيها الموافقُ والمنافقُ، والصدِّيقُ والزِّنديق. (١) تقدم تخريجه . ١٧٨ الطبقة الثانية: الذين ضَمُّوا إلى القول باللسان الاعتقادَ بالقلب على سبيل التقليدِ، والاعتقادِ التقليدي لا يكونُ عِلْمَاً، إذِ العَقْدُ ضدُّ الانحِلال والانشراح، والعلمُ عبارةً عن الانشراح قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الزمر: ٢٢]، فصاحبُ(١) التقليدِ إذاً(٢) لا يكون عارِفاً، وهل يكونُ مؤمناً؟ فيه الخلاف. الطبقة الثالثة: الذين ضَمُّوا الاعتقادَ بالقلبِ معرفةَ الدلائل الإقناعية، ولكن ما بلغتْ درجتُه إلى الدلائل اليقينية. الطبقة الرابعة: الذين بالغوا في الطَّلَب، تأكيداً لتلك العقائدِ بالدلائل القطعية والبراهينِ اليقينية، إلا أنهم لا يكونون من أربابٍ المشاهدات والمكاشفات. ثمَّ الإقرارُ باللسانِ له درجةٌ واحدةٌ، والاعتقادُ بالقلبِ له درجاتٌ مختلفة، بحسب قوة الاعتقاد، وضعفِه ودوامِهِ، وعدم دوامِهِ، وكثرةِ تلك الاعتقادات وقلَّتِها، فإن المقلِّدَ ربما كان مقلداً في البعضٍ من المسائل الأصوليةِ، وقد يكون في الكُلِّ، ولا يُسْتَراب في أنَّ للخَلْقِ مراتبَ في كلِّ طبقةٍ من هذه الطبقات. وأما الطبقة الخامسة: فهم أصحاب المشاهداتِ، فنسبتهم في القلة إلى أصحاب البراهين القطعية، كنسبة أولئك الأصحابِ إلى عامة الخلق، ولا نهايةَ لعالم المكاشفات؛ لأنَّه عبارةٌ عن سَفَرِ العقلِ في (١) في الأصل: ((وصاحب))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل ((إذ))، والمثبت من ((ت)). ١٧٩ جلالِ الله تعالى، ومدارج عظمتِهِ، ومنازلِ آثارٍ كبريائه وقُدْسه، وكما لا نهاية لهذه المقامات، فكذلك لا نهايةَ للسَّفَرِ في تلك المقامات، أو كما قال. قال: وأما أرباب الحقيقة، فقد بَنَوْا لأصحاب المكاشفات مراتبَ ستة: منها ثلاثةٌ لأصحاب البدايات، وثلاثةٌ منها: لأصحابِ النهايات. أما الثلاثة الأُوَل : فهي اللوائح: فكأنها كالبُروق، كلَّما ظهرت في الحال استترتْ. ثم اللوامع: فإنها أظْهرُ من اللوائح، فلا يكونُ زوالُها بتلك السُّرعة . ثم الطوالع: فإنها أبقى من اللوامع، ولكنَّها على خطرِ الأفولِ والزوال. ثم قال: إنَّها مختلفةٌ، البعضُ منها زائلٌ بتمامه، والبعض منها غیرُ زائل بتمامه، یبقی منه أثرٌ. وأما الثلاثة الأخيرة: وهي الحاضرة: وأنها عبارةٌ عن حضورِ القلب عند الدلائل. ثم المكاشفةُ: وهي أنْ يصيرَ، يعني: عند سَيْرِهِ إلى اللهِ تعالى غنياً عن طلبِ السَّبيل، وتأمُّل الدليل، ثم السائرُ مختارٌ في الانتقال من الدليلِ إلى المدلولِ في تلك الحالة، بخلاف غيره. ثمَّ المشاهدة: وأنها عبارةٌ عن توالي أنوارِ التجلَّي على قلبه، من غير أنْ يتخلَّلها انقطاع. ١٨٠