Indexed OCR Text
Pages 101-120
العاقل أن يخطرَ بقلبه، ولا يجري على جوارحه، إلا ما يَجلبُ صلاحاً، أو يَدرأ فساداً، فإن سَنَحَ له غيرُ ذلك، فليدرأه ما استطاع(١). الثالثة عشرة: هذا الذي ذكرناه، إنما هو باعتبار الأعَمِّ والأغلب، وقد يقعُ في بعض الأحيان ما يُوجِب أن يكونَ المصلحةُ في الخروج عن بعض ما ذكرناه، كما في التوسُّط في رفع الصوت، فإنه ممدوح ((اربَعوا على أنفسكم، إنَّكم لا تَدْعُون أَصَمَّ، ولا غَائباً)(٢). ثم دعت الحاجة في الوَعْظِ إلى رَفْع الصوت: كان النبي ◌َّ إذا خَطَبَ احمرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتدَّ غضبُه(٣)؛ لأنَّ المقصود من الخطبة يقتضي هذه الهيئةَ، لأجلِ إحداثِ التأثَّر في أنفسِ المستمعين، ووجود ما يتأثرون به من الهيئة المذكورةِ، إلى غير ذلك مما تقتضيه الحالاتُ المخصوصة في بعض الأحيان. الرابعة عشرة: هاهنا أمور مقسّمةٌ في الشرع إلى محمودٍ ومذمومٍ، فلا ينبغي في كثيرٍ منها أن يدخلَ تحت هذا الباب، ولا يندرجُ تحت هذا (١) انظر: ((قواعد الأحكام)) العز بن عبد السلام (٢ / ١٧٩). (٢) رواه البخاري (٢٨٣٠)، كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، ومسلم (٢٧٠٤)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (٣) رواه مسلم (٨٦٧)، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه . ١٠١ النوع الذي يُؤْمر فيه بالاقتصاد ليفعل، ولكنَّ ذلك يدخل في باب تأمُّلٍ الحِكَمِ الشرعية، وتقسيمها إلى ما يُمدح ويُدم، بحسب المصالح. مثال ذلك: مدحُ النفسِ مذمومٌ: ﴿فَلَا تُزَكُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وقد حُمِد(١) حيث تدعو الحاجة إليه، وتتعلق به المصالح: ﴿أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآَيِنِ الْأَرْضِّ إِنِى حَفِيظُ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥] فما زادَ على مقدار المصلحة هو مذمومٌ متعيِّنٌ للذَّم، وما كان بَقْدرِ الحاجة، فهو محمود متعيِّن للمدح بنفسه، لا باعتبارِ الاقتصاد والغلوِّ في المباحات أو المطلوبات. الخامسة عشرة: ومن هذا الباب أيضاً: الذَّمُ والهجوُ، حيث أُبيح في التجريح المضطَّرِ إليه، ما زاد عليه مذمومٌ متعينٌ للذَّمِّ، وما اقتصر فيه على الضرورة ممدوحٌ متعين للمدح، وليس متعلّقُ المدح والذم الاقتصادَ وعدمَه المطلوبَ منهما الفعل. السادسة عشرة: التسميع مذموم: ((مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بهِ))(٢)، وقد ورد عن بعض الأكابر ذِكْرُ مآثر، وخيراتٍ، وقربات صدرَتْ منهم، وفضائلَ تعلَّقَتْ بهم. قال عثمان - رضي الله عنه -: ما تغنَّيْتُ منذ أسلمتُ، ولا مسستُ (١) في الأصل و((ت)): ((حُمل))، ولعل الصواب ما أثبت. (٢) رواه البخاري (٦١٣٤)، كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة، ومسلم (٢٩٨٧)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله، من حديث جندب العلقي رضي الله عنه ١٠٢ ذكري بيميني مُذْ بايَعْتُ بها رسولَ الله وَلَ﴾(١)، أو كما قال. وكذلك جمع من أكابر الأولياء ذكروا لهم عباداتٍ صدرتْ منهم، وكراماتٍ جَرَت عليهم، وذلك لأمرين: أحدهما: الترغيب والتبسيط للمريدين، والسالكين في طريقهم؛ لأنّ النفس مجبولةٌ على طلب حَظِّها الأخرويِّ والدنيويِّ معاً، وهذا قد خُصَّ بالأقوياء الذين أَمِنوا التسميع(٢). (١) رواه ابن ماجه (٣١١)، كتاب: الطهارة، باب: كراهة مس الذكر باليمين. وإسناده ضعيف جداً؛ فيه الصلت بن دينار، وقد تقدم الكلام عنه قريباً، وأنه متروك مجمع على ضعفه .. (٢) قلت: بعض ما ذكره المؤلف - رحمه الله - في الفائدة الثالثة عشرة وحتى السادسة عشرة مأخوذ من كلام شيخه الإمام العز بن عبد السلام في ((قواعد الأحکام)). ١٠٣ الحديث الثاني والعشرون وثبت في ((الصَّحيحين)) من حديث المغيرةِ بنِ شُعبةَ: أنَّهُ صَبَّ على النَّبِيِّ نَّهِ الماءَ، وَهُوَ يَتَوضَّأُ (١). * تخريج الحديث : (١) رواه البخاري (٣٥٦)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: الصلاة في الجبة الشامية، ومسلم (٢٧٤ / ٧٧)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، به. ورواه البخاري (٣٨١)، كتاب: الصلاة في الثياب، باب: الصلاة في الخفاف، من حديث أبي أسامة، عن الأعمش، به. ورواه البخاري (٢٧٦١)، كتاب: الجهاد، باب: الجبة في السفر والحرب، و(٥٤٦٢)، كتاب: اللباس، باب: من لبس جبة ضيقة الكمين في السفر، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، به ورواه مسلم (٢٧٤ / ٧٨)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، والنسائي (١٢٣)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين في السفر، من حدیث عیسی بن یونس، عن الأعمش، به. ورواه البخاري (١٨٠)، كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضِّىء صاحبه، و(٢٠٠)، باب: المسح على الخفين، و(٤١٥٩)، كتاب: المغازي، = ١٠٥ أما المغيرة بن شعبة: فقد تقدم ذكره. ثم الكلام علیه من وجوه : باب: نزول النبي ◌َ﴿ الحجر، ومسلم (٢٧٤ / ٧٥)، كتاب: الطهارة، ۔ باب: المسح على الخفين، والنسائي (١٢٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين في السفر، وابن ماجه (٥٤٥)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المسح على الخفين، من حديث سعد بن إبراهيم، عن نافع بن حبير، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة، به. ورواه البخاري (٢٠٣)، كتاب: الوضوء، باب: إذا أدخل رجليه وهما طاهرتان، و(٥٤٦٣)، كتاب: اللباس، باب: لبس جبة الصوف في الغزو، ومسلم (٢٧٤ / ٧٩)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث زكريا، عن الشعبي، عن عروة بن المغيرة، عن المغيرة، به. ورواه مسلم (٢٧٤/ ٨٠)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث عمر بن أبي زائدة، عن الشعبي، به . ورواه أبو داود (١٥١)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث عيسى بن يونس، عن أبيه، عن الشعبي، به. ورواه النسائي (٨٢)، كتاب: الطهارة، باب: صفة الوضوء، من حديث ابن عون، عن الشعبي، به . ورواه مسلم (٢٧٤ / ٧٦)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين، من حديث أبي الأحوص، عن أشعث، عن الأسود بن هلال، عن المغيرة، به . ١٠٦ * الأول: في إيراد الحديث على الوجه: روى مسلمٌ من حديث أبي معاوية، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي ◌َّ في سفر، فقال: ((يا مُغيرةُ! خُذِ الإداوَةَ))، فأخذْتُها، ثم خرجْتُ معه، فانطلقَ رسولُ الله ◌َِّ، حتَّى توارى عنِّي، فقضى(١) حاجته، ثم جاء، وعليه جُبَّةٌ شاميَّةٌ ضيقةُ الكُمَّين، فذهب يُخْرج يده من كُمُّها، فضاقت [عليه]، فأخرج يَدَه من أسْفَلها، فصَبَيْتُ عليه، فتوضأ وضوءَه للصلاة، ومسحَ على خُقَيه، ثم صَلَّى. وفي رواية عيسى، عن الأعمش بسنده: خرجَ رسولُ اللهِ وَالمجد يقضي حاجَتَهُ، فلما رَجَعَ تلقَّيْتُهُ بالإدَاوَةِ، فصببت عليه ... ، الحدیث. وفي رواية عروة بن المغيرة، عن أبيه قال: كنتُ مع النبيِّ وَّل ذاتَ ليلةٍ في مسيرٍ، فقال لي: ((أَمَعَكَ مَاءٌ؟)) فقلتُ: نعمْ، فنزل عن راحلته، فمشى حتَّى توارى في سَواد الليل، ثم جاء، فأفْرَغْتُ عليه من الإداوة ... ، الحديث. وفي رواية عن عروة بن المغيرة، عن أبيه: أنه وضَّأَ النبيَّ ◌َّ، فتوضأ، ومَسَحَ على خُفَّيه، فقال له، فقال: ((إنِّي أدْخَلَتُهُما طاهرتین)» . (١) ((ت)): ((حتى قضى)). ١٠٧ * الوجه الثاني : في تصحيحه : وقد ذكر في الأصل: أنه في ((الصحيحين))، وهذه الروايات التي حكيناها، هي ألفاظُ رواية مسلم. * الوجه الثالث: في شيء من العربية(١). * الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: المقصود بإيراد الحديثِ هاهنا، مسألةُ الاستعانة في الوضوء، فنبدَأُ بها، ثم نعطِف على شَرْحِ بقيةِ ألفاظ الحديثِ الكاملِ، فنقول أولاً: فرقٌ (٢) بين الإعانة والاستعانة، وليس أحدُهما مُلازماً للآخر، فقد تقعُ الإعانة ولا [تقع](٣) الاستعانة؛ بأن لا تَطْلُبَ، وقد تقعُ الاستعانة ولا إعانة؛ بأن لا تَفْعل. الثانية: [المقصود] (٤) بهذا الكلام: أنه قد استُدِلَّ على جواز الاستعانة بأحاديث فيها الإعانة، وعلى مقتضى ما ذكرناه: لا يكونُ (١) جاء في هامش الأصل((م): ((بياض في الأصل))، وفي هامش ((ت)): ((بياض نحو ثلاثة أسطر من الأصل)) . (٢) ((ت)): ((لا فرق)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ١٠٨ الاستدلال صحيحاً إلا بمقدِّمةٍ زائدة، ولا يكون الحديث بنفسه كافياً في الاستدلال؛ كما فعل، والمقدمة أن يقال: لو كُرهَتِ الاستعانةُ، لكُرهت الإعانة، وتَثْبت هذه الملازمة بدليل، ويبقى اللازم بالأحاديث التي استدل بها. الثالثة: هذا الذي ذكرناه إنما هو تنبيهٌ على الاستدلال الذي(١) استمرَّ بين الفقهاء، وما فيه، وقد ورد في حديث الرُّبيِّع - بضم الراء، وفتح الباء ثاني الحروف، وتشدید آخرها مکسوراً ۔ بنت مُعوّد - بکسر الواو المشددة - التصريحُ بالاستعانة؛ لأنَّ في حديثها (٢): صببتُ على رسول الله وٍَ ماءً، وقال لي: ((اسكبي عليَّ)) ... الحديث، وفيه: أنَّه في الوضوء(٣). الرابعة: ورد في غير حديثٍ الإعانةُ بصب الماء على رسول الله وَل في الوضوء: منها : حديث المغيرة، وقد ذكرناه. ومنها: حديث أسامة بن زيد: أنَّ رسولَ الله وَّ لما أفاضَ من عَرَفَةَ، عدلَ إلى الشِّعب، فقضى حاجته، قال أسامة: فجعلْتُ أصبُّ عليه ويتوضأ، وهو في ((الصحيح)) (٤). (١) في الأصل: ((التي))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((حديث))، والتصويب من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه عند أبي داود وغيره. (٤) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (١٧٩)، وعند مسلم برقم (١٢٨٠). ١٠٩ ومنها: حديث الرُّبَيِّع، وفيه: وصببتُ على رسول الله وَله . ومنها: حديث عمرو بن العاص، وفيه: صببت [على](١) النبي ◌َّ﴾، فتوضاً وُضوءاً مُنكَّساً(٢). ومنها: حديث عن رجل من قَيس: صببتُ على رسول الله وَّهه فتوضأ. رواه أبو مسلم الكشِّي(٣). ومنها: حديث أميمة مولاةِ رسول الله وَله: كنت أُوضِّىء رسول الله وٍَّ، أفرغُ(٤) عليه الماءَ، ذكره أبو بكر بن أبي خيثمة(٥). الخامسة: المحقق من هذه الأحاديث، جوازُ الإعانة بالمعنى الأعمّ، الذي يدخل تحته الوجوب، والنَّدب، والكراهة، والإباحة المستوية في الطرفين، ولا يناقضه إلا التحريمُ، وما زاد على ذلك یحتاج إلی دلیل. السادسة: هذا المعنى الأعمّ في جواز الفعل، لا يناقضه استحبابُ الترك، وهو مذهب الشافعي - رحمه الله - قال: وأحبُّ أن لا یستعین علی وضوئه بأحد، ویتولاه بنفسه. وهذا الاستحباب إن أخذ من دلائل عامة وقواعد كلية، فله وجهُ (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (٥٠/٢) ووقع عنده: ((مكيثاً) بل ((منكساً)). (٣) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٤) في الأصل ((أفوض))، وفي ((ت)): ((أفرد))، والمثبت من ((الإمام)) للمؤلف. (٥) المرجع السابق، (٥١/٢). ١١٠ قُربٍ(١)، وإن أريد دليلٌ خاص عليه، فقد يَعسُرُ على وجهٍ تقوم به الحُجَّة، والذي يُقال في هذا، وأشهر(٢) من استدلال الشافعية: أنه رُوي: أنَّ النبي ◌َِّ توضأ، فأراد بعضُ أصحابه أن يَصُبَّ عليه ماءً، فقال: ((أنا لا أستعينُ على وُضُوئي بأحدٍ))، وهو حديث غريب، يُحتاج إلى معرفة مخْرجِهِ، وحالٍ رواته، ولم يحضُرني ذلك الآن، ولم أذكره في ((الإمام))(٣)، ولكن قد ورد ما يقتضي معناه من أمر الاستعانة، وسنذكره في المعارض لهذا الحديث. السابعة: عُلَّلَ عدمُ استحبابِ الاستعانة بأنَّه نوعٌ من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبِّدِ، والأجرُ على قدر النَّصَب. الثامنة: يُخطِّىء بعضُ الشافعية الخراسانيين، فكَرِهَ الاستعانة بالغير إلا لعذر، واعتذرَ - [أو] (٤) مَنِ اعتذرَ عنه - عن الاستعانة بالمغيرة بنقل ثيابه * [عليه](٥)، أو لأنَّه كان في السَّفَر، فأراد أن لا يتأخر عن الرُّفقة تعليماً للحزم والاحتياط(٦). (١) ((ت)): ((وجهٌ وقربٌ)). (٢) ((ت)): ((اشتهر)) . (٣) قلت: قد تقدم ذكره عند المؤلف رحمه الله (٤٧٧/٣)، ونقلت هناك كلام الإمام النووي والحافظ ابن حجر على هذا الحديث. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٤٣)، و((روضة الطالبين)) للنووي (١ / ٦٢). ١١١ وهذا الاعتذار بالسفر، قد ورد ما يُلغيه من حديث صَفْوانَ بن عسَّال قال: صببتُ على رسول الله مَّ﴿ الماء لوُضُوئه في السَّفر والحضر، فتوضاً؛ ذكره البزَّار في ((مسنده)(١). التاسعة: الصادرُ من الرسولِ وَل﴿ يُحْمَل ظاهراً على الجواز، الذي لا تُجامعه الكراهةُ؛ لأنَّ الظَّاهرَ عدمُ ارتكابِ المكروه؛ لأنَّ الجَزْمَ بعدم ارتكابِ المكروه من غير معارضٍ واقعٌ في حق الرسول صل﴾، وقد يعلّلون في بعض ما يكرهون الفعل ببيان الجواز، فيقولون: إنَّما فعل لتبيين الجواز، لكنَّ ذلك بعد قيام الدليل المقتضي للكراهة، فإن لم يقمْ دليلٌ شرعيٍّ على الكراهة، لم يصحّ أن يقال بها، فلا يكون المانع قائماً، فلا يَحْسُن تعليل الفعل بأنه بيان للجواز، وبهذا يبينُ ضعفُ القول بالكراهة، وهو المرجَّح عند الشافعية على ما ذكره بعضهم؛ أعني : القول بعدم الكراهة. العاشرة: قد تلخَّص لك من مذهب الشافعي - رحمه الله -: أنَّ ترك الاستعانة مستَحَبٌّ، وأن الصحيحَ من مذهب أصحابه: أنها لا تُكْره، ولا تعارضَ بين الأمرين؛ لأنك علمْتَ أنه لا يلزم من استحباب الشيء كراهةُ ضدِّه، ومثاله الظاهر: كثرةُ شغل الأوقات بالعبادات، فإنه مستحبٌ، ولا يوصَفُ تركُه بالكراهة. (١) ورواه ابن ماجه (٣٩١)، كتاب: الطهارة، باب: الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، وفي إسناده ضعف، كما ذكر الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١/ ٩٨). ١١٢ الحادية عشرة: لهذا الذي دلَّت عليه الأحاديث من جواز الإعانة أو الاستعانة ما قد يُعارضه، وكنّا قد أشرنا إلى ذِكْره، وهو ما رواه النَّضْر بن منصور، عن أبي الجَنوب قال: رأيت عِلِيَّاً - ◌َُبه - يستقي ماءً لوُضوئه، فأردتُ أن أُعينه عليه، فقال: ((رأيتُ عمرَ بن الخطاب - - يستقي ماءً لوُضوء، فقلت: ألا أعينُك عليه؟ قال: إني رأيت رسول الله ◌َ﴿ يستسقي ماءً لوضوئه، فأردتُ أن أُعينَه، فقال: إنِّي لا أحبُّ أن يعيني على وضوئي أحدٌ)) رواه الحافظ أبو بكر البزار في كتاب الطهارة من ((السنن))، وقال: هذا الفعل لا نعلمه يُروى عن النّبي ◌َّ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وأبو الجنوب لا يُعلم حدَّث عنه إلا النضرُ بن منصور، والنضر قد حدَّث عنه غيرُ واحد(١). وهذا الحديث، إنما ذكرناه؛ لأنه لا يروى عن النبي ◌َّر إلا من هذا الوجه، ولعل الحديث الذي ذكره الفقهاء مختصرٌ من هذا. وذكر أبو أحمد بن عدي، عن عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين: فالنضر بن منصور العَنَزِيّ تعرفه؟ روى عنه ابن أبي معشر، عن أبي الجنوب، عن علي، من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء حمالةُ الحطب(٢). قلت: أبو الجنوب مسمى بعقبة بن علقمة. الثانية عشرة: وهاهنا حديثٌ آخرُ يدل على عدم استحباب الاستعانة من رواية مُطَهرِ بن الهيثم: أنبأ علقمةُ، عن أبيه أبي جمرةَ (١) تقدم تخريجه. (٢) انظر: ((الكامل في الضعفاء)) لابن عدي (٧/ ٢٣). ١١٣ الضُّبَعِيِّ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسولُ الله ◌َيه لا يَكِلُ طهورَه إلى أحد، ولا صدقتَهُ التي يتصدَّقُ بها، حتى يكونَ هو الذي يتولاها بنفسِهِ)). وجدته من رواية أبي الحسن الدارقطني - رحمه الله - في غير كتاب ((السنن))، مما صنفه في بعض أنواع علوم الحديث(١)، في ترجمة علقمة بن أبي جمرة الضبعي، عن أبيه، وهو نصر بن عمران(٢). وهذا يدل على الاستحباب(٣) الذي استحبه الشافعي، فإن كان رواتهُ مُحْتَجَّاً بهم عن آخرهم، فهو دليلٌ معين جيد(٤)، أجودُ مما استدل به الفقهاء. الثالثة عشرة: وأما مَنْ كره الاستعانة، فقد وردَ عن ابن عمر ما يقتضي المنع، وهو ما جاء عنه أنه قال: ((ما أُبالي أَعانني على طُهْري أحدٌ، أو أعانني على رُكوعي وسجودي))، رواه الحافظ أبو علي الحسن بن علي(٥) بن شبيب المعمري(٦). وهو محتمل للتأويل الذي سنذكره الآن. (١) سماه في ((الإمام)) (٢ / ٥٤): ((بعض أحاديث المقلين من أبناء المكثرين، وبعض أحاديث المكثرين عن آبائهم المقلين، وعن إخوانهم المقلين)). (٢) ورواه ابن ماجه (٣٦٢)، كتاب: الطهارة، باب: تغطية الإناء، قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٩٧): وفيه مطهر بن الهيثم، وهو ضعيف. (٣) في ((الأصل)): ((استحباب))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((جداً) . (٥) ((ت)): ((أبو الحسن بن علي)). (٦) ذكره المؤلف رحمه الله في ((الإمام)) (٥٤/٢). ١١٤ الرابعة عشرة: جميع ما ذكرناه يُحمل على الاستعانة في أسباب الطَّهارة، والاستعانةُ على وجهين: استعانةٌ في الأسباب، واستعانة في نَفْسِ الفعل. فالاستعانةُ في الفعل: أن يتناولَ غَسْلَ الأعضاء غيرُ المتوضِّىء بنفسه، وهذا أقربُ إلى الكراهة من الاستعانة في الأسباب؛ كاستقاء الماء، ويمكن أن يُحْمَل عليها(١) ما دلَّ على كراهة الاستعانة من الألفاظ المطلقة، التي لا تدلُّ على الاستعانة في الأسباب، والله أعلم. (١) ((ت)): ((عليه)). ١١٥ الحديث الثالث والعشرون روى مسلمٌ من حديث عمرَ، في حديث طويلٍ، قال فيه: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يتوضَّأُ، فَيَبْلِغُ، أو فَيُسْبِغُ الوضوءَ، ثُمَّ يقولُ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ؛ إلاَّ فُتِحَتِ لَهُ أَبْوابُ الجنَّةِ الثمانيةُ، يدخُلُ مِنْ أيّها شاءَ))(١). وعنده في رواية: ((مَنْ توضَّأَ، فقال: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، (١) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٢٣٤ / ١٧)، كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء، وأبو داود (١٦٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ، من حديث معاوية بن صالح، عن أبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن عمر، به. ورواه مسلم (٢٣٤ / ١٧)، كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء، وأبو داود عقب حديث (١٦٩)، كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ ، من حديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، به. ١١٧ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ)) (١). الكلام علیه من وجوه : · الأول: في التعريف: أما عمر - رَتُه -: فهو أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب بن نُفَيْل ابن عبد العُزّى بن رِياح - بكسر الراء المهملة، وبعدها آخر الحروف مخفَّفاً - بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح - بفتح الراء المهملة، وبعدها (١) رواه مسلم (٢٣٤)، (١/ ٢١٠)، كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء. والنسائي (١٤٨)، كتاب: الطهارة، باب: القول بعد الفراغ من الوضوء، من حديث ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن عقبة بن عامر، به . ورواه الترمذي (٥٥)، كتاب: الطهارة، باب: فيما يقال بعد الوضوء، من حديث ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان، عن عمر بن الخطاب څبه، به . ورواه ابن ماجه (٤٧٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما يقال بعد الوضوء، من حديث أبي بكر بن عياش، عن عبد الله بن عطاء البجلي، عن عقبة بن عامر، به. * تنبيه: قوله: ((وعنده في رواية .... )) لم تقع في النسخة الخطية لابن عبد الهادي في كتاب ((الإلمام))، وليست هي كذلك في المطبوع من ((الإلمام))، ولعل الصواب إثباتها؛ لأن المؤلف رحمة الله قد ذكرها بعدُ في شرحه، وتكلم عنها، والله أعلم. ١١٨ زاي - بن عَدِي بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشيُّ العدويُّ، المدنيُّ. أمّه حَنْتَمةُ - بفتح الحاء المهملة، وبعدها نون ساكنة، ثم ثالث الحروف مفتوحاً - بنتُ هاشم، ويقال(١): هشام بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم، فمن قال: بنتُ هشام، فهي أختُ أبي جهل، ومن قال: هاشم، تکون بنت عمه. قال الحافظ أبو عمر: الصحيحُ بنتُ هاشم، ومن قال: بنت هشام، فقد أخطأ . وقال الزبير بن بكّار: بنت هاشم؛ كما قال أبو عمر. وقال ابن منده، وأبو نعيم: بنت هشام أخت أبي جهل، ونقله أبو نعيم، عن ابن إسحاق. قيل: وُلد عمرُ - ◌َُّهُ - بعد الفِيْل بثلاث عشرة سنة، وكانَ من أشرافٍ قریش. قالوا: وإليه كانت السِّفارة في الجاهلية، وكانت(٢) قريش إذا وقعت الحرب بينهم، أو بينهم وبين غيرهم، بعثوه(٣) سفيراً، أي: رسولاً. وكان إسلام عمر - نظره - قديماً، قيل: بعد أربعين رجلاً، (١) في الأصل: (يقال له))، والمثبت من ((ت). (٢) ((ت): ((فكانت)) . (٣) في الأصل و((ت)): ((بعثوا))، ولعل الصواب ما أثبت. ١١٩ وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعدَ تسعة وثلاثين رجلاً، وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين، وإحدى عشرةَ امرأة. وعن سعيد بن المسيِّب قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً، وعشرِ نسوة، فما هو إلا أن أسلم، فظهر الإسلامُ بمكة(١). وقال الزبير بن بكّار: أسلم عمرُ بعد دخول رسول الله وَالإ دارَ الأرقم، بعد أربعين رجلاً، أو نيٍّ وأربعين من رجال ونساء، وكان النبي وَّرِ قال: ((اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ بأحبّ الرجلين إليكَ؛ عمرَ بنِ الخطاب، أو عمرو بن هشام))(٢) يعني: أبا جهل. وقد اشتُهر خبرُ إسلامه، وسبيُه: أنَّ (٣) أختَه فاطمةَ بنتَ الخطاب - رضي الله عنها - كانت زوجةَ سعيد بن زيد بن عمرو بن نُقيل، أحدٍ العشرة، وكانت أسلمتْ هي وزوجُها، فسمعَ بذلك عمر، فقصدها، فقرأ عليه القرآن، فأوقع الله تعالى في قلبه الإسلام، فأسلمَ، ثم جاءَ إلى النبيِّ بَّه وأصحابه، وهم مُختفون في دارٍ عند الصَّفا، فأظهر إسلامه، فكبَّر المسلمون فَرَحَاً بإسلامه، ثم خرجَ إلى مجامع قريش، فنادى بإسلامه، فضربتْه جماعةٌ منهم، فضارَبَهم، فأجارَه خالُه، فكفُّوا عنه، ثم لم تَطِبْ نفسُ عمر - ◌َظُ - حينَ رأى المسلمين يُضرَبون، (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣/ ٢٦٩)، ومن طريقه: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٤ /٤٠ -٤١). (٢) رواه الترمذي (٣٦٨١)، كتاب: المناقب، باب: في مناقب عمر بن الخطاب څه، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وقال: حسن صحيح غريب. (٣) في الأصل و((ت)): و((أن))، ولعل الصواب حذف الواو كما أثبت. ١٢٠