Indexed OCR Text
Pages 21-40
واستعمله عمر رظه على الكوفة. ومن فضائله: الروايةُ عن علي - نظُبه - قال: جاء عمار يستأذن على النبي ◌َّهُ فقال: ((ائْذَنُوا لَهُ، مرحباً بالطيِّبِ المُطَيَّبِ))، رواه الترمذيُّ وغيرُه، وصححه الترمذيُّ(١). ومنها: عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا خُيِّر عمارٌ بين أمرينٍ إلَّ اختارَ أَرْشَدَهُما))، رواه الترمذي بإسناد على شرط مسلم(٢) . ومنها: عن حذيفةً قال: كُنَّا جُلوساً عند النَّبِيِّ وَِّ فقال: ((إنِّي لا أدري ما قَدْرُ بَقائي فيكم، فاقْتَدُوا بالذين من بعدِي)» وأَشَارَ إلى أبي = عن ابن عمر، قال .. ، فذكره. قلت: في النسختين الأصل و(ت)) سقطٌّ في إسناد هذا الأثر، والله أعلم. (١) رواه الترمذي (٣٧٩٨)، كتاب: المناقب، باب: مناقب عمار بن ياسر ◌ُ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٤٦)، في المقدمة، باب: فضل عمار بن ياسر، وغيرهما. (٢) رواه الترمذي (٣٧٩٩)، كتاب: المناقب، باب: مناقب عمار بن ياسر ظه، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٢٧٦)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ١١٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٦٦٥)، وغيرهم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من هذا الوجه إلا من حديث عبد العزيز بن سیاه، وهو شیخ کوفي، وقد روى عنه الناس. قلت: ما ذكره المؤلف رحمه الله أن إسناد الحديث على شرط مسلم، نقله عن النووي رحمه الله في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢/ ٣٥٣)، بل إن غالب الترجمة هنا منقولة عن النووي رحمه الله . ٢١ بكرٍ وعمرَ، ((واهتدُوا بَهدىٍ عمَّارٍ، وما حدَّثَكُم ابنُ مسعودٍ فَصَدِّقوه)(١). وفي ((المسند)) عن علقمةَ، عن خالدِ بنِ الوليدِ، عن النَّبِيِّ ◌َمول قال: ((مَنْ عَادى عَمَّاراً عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّاراً أَبْغَضِهُ الله)(٢)، وفيه انقطاع بین علقمةً وخالد. وجاءتِ الروايةُ عنه من جهة عليٍّ بنِ أبي طالب، وابن عباس، ءُ وأبي موسى، وأبي أمامة، وجابرٍ، وعبد الله بن جعفر من الصحابة. ومن التابعين عن ابن المسيَّبِ، وابن الحنفية، وأبي وائل، وابنه مُحمَّدٍ بن عمَّار. وقيل: إنه رُويَ له عن رسول الله وَ ﴿ اثنان وستون حديثاً، اتفقا على حديثين منها، وانفردَ البخاريُّ بثلاثة، ومسلمٌ بحديث(٣). وهذا [كما](٤) ذكرنا، لا يصحُّ إلا بالنسبةِ إلى كتابٍ مخصوصٍ، والظاهرُ: أن الذي قاله أراد ((مسندَ بقيٍّ بن مَخْلد))(٥). (١) رواه الترمذي (٣٧٩٩)، كتاب: المناقب، باب: مناقب عمار بن ياسر ظ، وقال: حسن، وابن حبان في ((صحيحه)) (٦٩٠٢)، وغيرهما. (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ٨٩)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٢٦٩)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))، (٣٢٢٥٢)، والطبراني في ((المعجم الأوسط» (٤٧٩٦)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٦٧٤). (٣) قاله النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢/ ٣٥٢). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) قلت: وهو كذلك، كما ذكر الذهبي في ((السير)) (١ / ٤٠٧). قال الذهبي: ويقال: إن لعمار من الرواية بضعةً وعشرين حديثاً. ٢٢ وقيل في صفة عمار: إنه [كان](١) آدمَ طويلاً، لا يغيِّر شيْبَه. وكانت وفاته قتلاً بِصِفَين مع عليٍّ ظُ في شهر ربيع الأوَّلِ، وقيل: الآخِر سنة سبع وثلاثين، وهو ابنُ ثلاث، وقيل: أربع وتسعين سنةً. قیل: وأوصی أن يُدفنَ بثيابه، فدفنهُ علیُّ - رڅہ - بثيابه، ولم يُغَسِّلْهُ(٢). وأما شقيق بن سَلَمَةَ: فهو أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي، أسد خزيمةَ، الكوفيُّ التابعيُّ المخضرم، أدرك زمن النبي صلّ، ولم يره. قيل: وروى عن أبي بكر، وسمع عمرَ، وعثمانَ، وعلياً، وابنَ مسعودٍ، وعماراً، وخَبَّاباً، وحُذيفةً، وأبا موسى، وأسامةَ بنَ زيد، (١) زيادة من ((ت)). (٢) * مصادر الترجمة : ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣/ ٢٤٦)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٧/ ٢٥)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٣٠١)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (١/ ١٣٩)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣/ ١١٣٥)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١/ ١٥٠)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٣٤/ ٣٥٩)، («أسد الغابة)) ابن الأثير (١٢٢/٤)، ((تهذيب الأسماء واللغات))للنووي (٢/ ٣٥٢)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢١ / ٢١٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١/ ٤٠٦)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٥٧٥/٤)، ((تهذيب التهذيب)) كلاهما لابن حجر (٧/ ٣٥٧). ٢٣ وابنَ عمرَ، وابنَ عباس، وابنَ الزبير، وأبا الدرداء، وأبا مسعود البدري، والبراء، والمغيرة، وجَرِيراً البَجَلِي، وكعب بن عُجْرةَ، وأبا هريرةَ، وعائشةَ، وأم سلمة، وغيرهم من الصحابة وسمع خلائق من كبار التابعين . روى عنه الشعبي، وعاصم الأحول، والحكم، والسَّبيعي، والأعمش، وخلائق غيرهم من التابعين، انتهى(١). وحكي عنه أنه قال: بُعثَ النبيُّ ◌َّر، وأنا ابن عشر سنين، أرعى إيلاً لأهلي. وقال: أتاني مصدق رسول الله وَال﴾(٢). وروي عنه أنه قال: أدركتُ سبع سنين من سِنِيِّ الجاهلية(٣). وقيل: إن وفاتَه سنة تسع وتسعين، وقيل: إنه توفي في زمن الحجاج بن يوسف بعد الجماجم. وكان من كبار التابعين بالكوفة وخيارهم، ومن أصحاب ابن مسعود. واتفقا على إخراج حديثه في (الصحيحين)). وقال أبو عمر النَّمْرِي: أجمعوا على أنه ثقة حجة. (١) نقله المؤلف عن ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ٢٣٥). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ / ١٥٩). (٣) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤ / ٢٤٥)، وفي ((التاريخ الأوسط)) (١/ ٢٥٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ /١٦٠). ٢٤ وذكر ابن أبي خيثمة بسنده، وقال: قال لي إبراهيم: خذ عن شقيق، فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدُّونه من خیارهم(١). وروى أيضاً عن مغيرة، قال: قيل لإبراهيم حين ذكرَ كَراهيةً أصحابه الصلاة على الطُّنْفِسَة، فقيل: إن أبا وائل يصلي على الطنفسة، قال إبراهيم: أما إنه خيرٌ مني(٢). وروى أيضاً عن عمرو بن قيس، قال: كان شقيق بن سلمة يدخل المرأة، ثم يتشح كما تتشح المرأة. وروى أيضاً عن محمد بن فضيل، عن أبيه، عن شقيق: أنه تعلَّم القرآن في شهرين(٣). وروى أيضاً عن زِبْرِقان السراج قال: سمعت أبا وائل يقول: إذا أنا متُّ، فلا تؤذنوا بي أحداً؛». وروى أيضاً عن عاصم قال: لما مات أبو وائل، قبَّل أبو بردة جبهته(٥). (١) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤ / ٢٤٥)، وعبد الله بن الإمام أحمد في ((العلل)) (٢/ ٥٦٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ / ١٦٦). (٢) ومن طريق ابن أبي خيثمة: رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ / ١٦٧). (٣) ومن طريقه: رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ / ١٦٩). (٤) ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١٢٠٨). (٥) ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٢٠٧٠)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى» (٦/ ١٠١)، والبخاري في ((التاريخ الكبير)).(٤/ ٢٤٥). ٢٥ وروى أيضاً عن الأعمش قال: لقيت أبا وائل يوم الجمعة في إمارة الحجاج، فقلت له: أصليت قبل أن تتزوج؟ قال: نعم، من أنت؟ قال: رجل من المسلمين، قال: مرحباً بالمسلمين فقم. وذكر أيضاً عن عاصم بن بَهْدَلَة، عن أبي وائل قال: أرسل إلي الحجاج، فأتيته، فقال: ما اسمك؟ قلت: ما أرسل إلي الأمير إلا وقد عرفَ اسمي، قال: متى هَبَطْتُ هذا البلد؟ قلت: ليالي هبط أهله، انتھی(١). وعن إبراهيم قال: وما [من](٢) قريةٍ إلا وفيها من يدفع عن أهلها به، وأرجو أن يكون شقيقٌ منهم(٣) . وعن عمرو بن مُرَّة قلت لأبي عبيدة ابن مسعود: من أعلم أهل الكوفة بحديث أبيك؟ قال: شقيق(٤). (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٦/ ٩٧ -٩٨)، وابن عساكر في («تاريخ دمشق» (٢٣ / ١٨١). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦٦٠)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٤ / ١٠٥)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩/ ٢٧٠)، وابن عساكر في («تاريخ دمشق)» (٢٣ / ١٦٧). (٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣ / ١٦٧). * مصادر الترجمة : ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦ / ٩٦)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٤ / ٢٤٥)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٤ / ١٠١)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٢/ ٧١٠)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٩/ ٢٦٨)، ((التعديل والتجريح)) للباجي (٣/ ١١٦٦)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر = ٢٦ وأما أبو بكر الإسماعيلي: فهو الإمام أبو بكر أحمدُ بن إبراهيم الإسماعيلي، أحد من جمع بين الحفظِ الواسع للحديث، وبين الفقهِ مع الجلالة في الدنيا، والصيتِ الواسع، والثناء الجميل. ذكرَهُ الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني في كتاب ((الإرشاد)). ونقلنا من اختصار الحافظ أبي طاهر السِّلَفي له، قال: أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي كبير المحل في العلم، كان يعرف هذا الشأن، وله تصانيف كثيرة فيه، وفي الفقه كبير. سمع محمدَ بن عثمانَ بن أبي شيبة، والحضرميَّ، وإسماعيلَ المُزَنِيَّ الكوفي صاحب أبي نُعيم، وأقرانَهم من العراقيين، وهو من المكثرين في الحديث، ثم سمع من بعدهم بخراسانَ، والرّي. صنف على كتاب مسلم والبخاري، وله في الأبواب والغرائب تصانيف كثيرة، كتب إلي على يدي جعفر بن محمد الصائغ القزويني، ومات بعد السبعين والثلاث مئة(١). = (٢٣ / ١٥٢)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ٢٣٥)، ((تهذيب الكمال)» للمزي (٢ / ٥٤٨)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤ / ١٦١)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤ / ٣١٧). (١) * مصادر الترجمة: ((الإرشاد في معرفة علماء الحديث)) للخليلي (٢ / ٧٩٣)، ((تاريخ جرجان)) للسهمي (ص: ١٠٩)، ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ١٢٨)، ((سير أعلام النبلاء)) (١٦/ ٢٩٢)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (٣/ ٩٤٧)، ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٣/ ٧). ٢٧ قلت: أما كتابه على البخاري، فقد اتصلتْ روايتُه إلى زماننا من جهة البَرقاني عنه، وأما كتابُ مسلم، فلم يصلْ إلينا، ولكنْ رأيت جمعه لأحاديث جماعة؛ أيوب السّختياني، ومِسْعَر بن کدام، ويحيى ابن سعيد الأنصاري، وزيد بن أبي أُنيسة، وهي كتب مفيدة تدل على اتساع في الرواية كثير، وجمع للمشايخ والطرق كبير. . الوجه الثاني: في إيراد الحديث بتمامه على الوجه: رواه البخاري، عن محمد بن سَلام - بتخفيف اللام -، عن أبي معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ قال: كنتُ جالساً مع عبد الله، وأبي موسى الأشعريِّ، فقال له أبو موسى: لو أنَّ رجلاً أجنبَ، فلم يجدِ الماءَ شهراً، أما كان يتيمم ويصلي؟ فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فقال عبد الله: لو رُخِّص لهم في هذا، لأوشكوا إذا بَرَدَ عليهم الماء، أن يتيمموا الصعيدَ، قلت: وإنما كرهتم هذا لذا(١)؟ قال: نعم، فقال أبو موسى: ألم تسمعْ قولَ عمارٍ لِعُمَرَ: بعثني رسول الله وَِّ في حاجة، فأجنبتُ، فلم أجدِ الماء، فتمرَّغتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابةُ، فذكرت ذلك للنبي وَّ﴿ فقال: ((إنما كان يكفيك أن تَصْنَعَ هكذا))، وضربَ بكفِّه ضربةً على الأرض، ثم نفضَها، ثم مسحَ بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه، فقال عبد الله: أفلم تر عمر (١) في الأصل: ((الداء))، والمثبت من ((ت)). ٢٨ لم يقنع بقول عمار؟ وهذه الرواية فیھا نقصٌ وحذفٌ، به يتجه الكلام ویتم، وقد تبین من رواية حفص بن غياث، عن الأعمش قال: سمعت شقيق بن سلمة قال: كنت عند عبد الله وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيت يا أبا عبد الرحمن إذا أجنبت، فلم تجد ماءً، فكيف تصنعُ (١)؟ فقال عبد اللهِ: لا يصلّي حتى يجدَ الماءَ(٢). فهذا هو الذي يلتئم به الكلام في الرواية الأخرى، وقوله: كيف تصنعون؛ لأنه لم يذكر فيها قولَ ابن مسعود: حتى ورد عليه، فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة؟ وأما إيراد رواية الإسماعيلي على الوجه. (٣) * الوجه الثالث: في تصحيحه، وقد تقدَّم لك التنبيهُ على الفرق بين المحدِّث والفقيهِ، من حيث هما هما فيما يُسندانه إلى الكتاب المخرَّج فيه الحديثُ، وأن طريقةَ المحدثِ الاكتفاءُ بأصله من غير تتبع لآحادِ ألفاظه، وأن الفقيه من حيث هو فقيةٌ يجب عليه أنْ يتتبعَ اللفظ (١) ((ت)): ((إذا أجنب فلم يجد ماء، كيف يصنع؟))، وهو موافق للمطبوع من «صحيح البخاري)) . (٢) رواه البخاري (٣٣٩)، كتاب: التيمم، باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم. (٣) جاء في الأصل: ((كذا)) وفي هامش ((ت)): ((بياض)). ٢٩ الذي يريد أن يستنبطَ منه الحكم؛ لأنه مُقتضَى صناعتِهِ، فيحتاج إذاً إلى ذكر الطريقين معاً، أعني: مَنْ أخرج هذا الحديث، ومن أخرج هذا اللفظَ المحتجَّ به؛ لأن كتابنا هذا كتابُ احتجاج، واعتماد على الألفاظ . أما أصلُ الحديث: فقد اتفق الشيخان؛ البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الأعمش، عن أبي وائل، ثم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، وانفرد البخاريُّ برواية شعبةً(١)، وحفصٍ بن غياثٍ، عن الأعمشِ(٢)، ومسلمُ برواية عبدِ الواحدِ بن زيادٍ، عن الأعمشِ(٣). وفي الألفاظ خلاف بالزيادة والنقص، وأما هذه اللفظة التي هي لفظةُ: ((ثم يمسح بها وجهه)) فهي عند البخاري من رواية محمد بن سلام، عن أبي معاوية (٤). ومسلم أخرج الحديث عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، عن أبي معاوية، وذكر ما يدل على أن اللفظ لأبي بكر، وفيه: ((ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهرَ كفّيه ووجههِ))(٥). (١) رواه البخاري (٣٣٨)، كتاب: التيمم، باب: إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت، أو خاف العطش، تيمم. (٢) برقم (٣٣٩) كما تقدم. (٣) رواه مسلم (٣٦٨/ ١١١)، كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٤) برقم (٣٤٠) كما تقدم. (٥) برقم (٣٦٨/ ١١٠)، كما تقدم، إلا أنه قال: ((وظاهر وجهه وكفيه)). ٣٠ وروايتُه عن عبد الواحد - هو ابن زياد - مختصَرةُ اللفظ فيها: ((وإنما كان يكفيك أن تقول هكذا))، وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه، فمسحَ وجهه وكفيه. فقد وقع الاختلاف في لفظة (ثُمّ)). وقد ذكر الرَّضيُّ النيسابوري(١) الخلافي في احتجاجه في مسألة الترتيب: أن أبا داود روى [في](٢) ((سننه)): أنَّ النبيَّ وََّ تيممَ، فبدأ بیدیه قبل وجهه . والخلاف في التيمم والوضوء واحد، فلو(٣) عَلِمَ أن البخاريَّ أخرجه، لكان أقوى له في الاحتجاج أن يذكره. * الوجه الرابع: في شيء من المفردات، وفيه مسائل : الأولى: سيأتي في باب التيمم - إن شاء الله تعالى - الكلامُ على لفظ التيممِ والصعيدِ، وقد تقدَّم الكلام على (أجنب) ويقال: أجنب الرجلُ، وجنب، من الجنابة، عن الفراء، ثم قيل: إنه مأخوذ من البعد: (١) الرضي النيسابوري، صاحب الطريقة في علم الخلاف المعروفة بالرضوية في ثلاث مجلدات، أخذ عنه الخلاف الركن العراقي أبو الفضل الطاووسي صاحب الطريقة، ويلقب بمنشىء النظر، وأخذ عنه ركن الدين العميدي، والركن إمام زاده، انتهى. كذا وجدته في ((الجواهر المضيّة في طبقات الحنفية)) لابن أبي الوفاء (ص: ٣٧٠). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل ((فلم))، والتصويب من ((ت)). ٣١ [من الطويل] فلا تحرمني نائلاً عن جنابة(١) أي: عندَ بعدِهِ، ولما نهى الجُنُبَ أن يقربَ مواضعَ الصلاةِ ما لم يتطهر، وُجِدَ فيه معنى البعد، وعن الشافعيِّ - رحمه الله - إنما سُمِّي جنباً من المخالطةِ، ومن كلام العربِ: أجنبَ الرجلُ، إذا خالط امرأته، قال بعضهم: وهذا ضدُّ المعنى الأول(٢)، وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون اعتبرَ معنى البعد؛ بسبب كونه مخالِطاً للمرأة. الثانية: (أوشك) بمعنى أسرع، قال أبو الحسينِ بنُ فارس في ((المُجْمَل)): أوشكَ فلان خروجاً من العجلة، [و](٣) وشكان، ما كان ذلك في معنى عجلان، وأمرٌ وشِيْكٌ، وأوشكَ يوشِكُ، قال: وسمعتُ أحمد بن طاهر بن النجم يقول: سمعتُ ثعلباً يقول: أوشك يوشِكُ لا غير. ابنُ السكيت، وأوشك وشاكاً: أسرع السير (٤)، انتهى. وقوله: يوشِك لا غير، يعني: بكسر الشين في المستقبل، ومما ذكر لنا عن بعض أكابر العلماء أنه قُرِىء عليه: يوشِك، بكسر الشين، وفي المجلس إنسان، فاعترض، وقال: يُؤْشَك، فقال الشيخ: (١) صدر بيت لعلقمة بن عبدة، الفحل، كما في ((ديوانه)) (ص: ٤٨)، وعجزه : فإني امرؤ وسط القباب غريب (٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ٢٢٠). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) انظر: ((مجمل اللغة)) لابن فارس (٩٢٦/٤). ٣٢ يوشِك، ونسبَه إلى ((الصحاح))، فقال المعترض: ((الصحاح)) بيتي(١)، فأخرج ((الصحاحَ))، فوجدَه على خلاف ما قال، فقال الشيخُ: هذا غلطُك في بيتك، فكيف في غيره؟! أو كما قال(٢). قال أبو بكر محمد بن عمر بن عبد العزيز الأندلسي المعروفُ بابن القُوطيّة في كتاب ((الأفعال)): وَشُك الأمر وَشكاً ووَشَكَاناً، وأوشك: أسرع، يعني: وشُك، بضم الشين. وقال أبو مروان عبد الملك بن طريف الأندلسيُّ(٣) في كتاب ((جامع الأفعال)): فيما جاء من الصحيح على فعل وأفعل باتفاق، معنى وشك الشيء وشكاً ووشكاناً، وأوشك: أسرع. وقال أبو زيد السلمي [من الطويل]: فضمَّت بأيديها على فضلِ مائها مِنَ الرِّيِّ لما أوشكت أن تضلَّعا(٤) وقال الجوهري: وَشُك ذا خروجاً، بالضم، يوشُك. قلت: يعني بالفتح والضم في الشين، وَشْكاً، قلت: بضم الواو وفتحها، قال: أي: أسرع، وعجيب من وَشْك ذلك الأمر، ووُشْك ذلك الأمر، بضم الواو. (١) في الأصل: ((في بيتي)). (٢) في الأصل و((ت)): ((أو كما كان))، وجاء على هامش (ت)): (لعله: أو كما قال)). (٣) المتوفى سنة (٤٠٠ هـ). (٤) انظر: ((الكامل)) للمبرد (١ /٢٤٤). ٣٣ قلت: يعني ويفتحها، قال: ومن وُشكان ذلك الأمر، ووَشكان ذلك الأمر، أي: من سرعته، عن يعقوب، ويقال: وَشْكان [ذا خروجاً، أي: عَجْلان، ووَشْك البَيْن: سُرعة الفِراق، وخرج وَشِيكاً](١)، أي: سريعاً، وامرأةٌ وشيكٌ، وقد أوشك فلان يُوشِك إيشاكاً، أي: أسرعَ السيرَ، ومنه قولهم: يوشِكُ أن يكون كذا، قال جرير يهجو العباسَ بن يزيد الكنديَّ [من الوافر]: إذا جَهِلَ الشَّقيُّ ولم يُقدِّر ببعض الأمرِ أوشكَ أَنْ يصابا(٢)(٣) والعامة تقول: يوشك، بفتح الشين، وهي لغة رديئة، قال أبو يوسف: وأوشك يُواشِك وِشَاكاً، مثل أوشك، يقال: إنه مُواشِك مستعجل، أي: مسارع، وقال أحمد بن يحيى ثعلب: هذا يقال بهذا اللفظ، ولا يقال منه وَاشَك(٤). الثالثة: قنع بكسر النون في الماضي، وفتحِها في المستقبل، قال ابنُ طريف: وقَنِع بكسر النون قَنَاعة وقَناعاً: رَضِيَ عن الله - ◌َّ - وبقَسْمه، وقِنِعتُ بقولك وبالشيء: رضیتُ. قلت: وأما قَنَع بفتح النون في الماضي قُنُوعاً في المصدر، فهو (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((يصانا))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((ديوان جرير)) (ص: ٥٦)، ووقع عنده: إذا جهل اللئيم ولم يقدر لبعض الأمر أوشك أن يصابا (٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ / ١٦١٥)، (مادة: وشك). ٣٤ قانعٌ في اسم الفاعل، فمعناه: إذا سأل، وفسر به: ((لا تجوز شهادة القانِع مع أهل البيت))(١)، وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَطْعِمُواْ اُلْقَانِعَ وَالْمُعْثَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] فَفُسِّر القانع: بالسائل، والمعترُّ: الذي يتعرض ليُعطى من غير مسألة، قال الشَّمَّاخ [من الوافر]: المالُ المرءِ يُصْلِحُه فيُغْنِي مَفَاقِرَه أعفُّ من القَنُوع(٢) الرابعة: الطَّيِّب في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] يفسر بالطاهر . الخامسة: قد تبين في علم الأصول أن كلمة (إنَّما) للحصر، والحصرُ فیھا علی وجھین: أحدهما: [أن](٣) لا يكون فيما دخلت عليه تخصيصٌ، ولا تقييد (١) رواه أبو داود (٣٦٠٠)، كتاب: الأقضية، باب: من ترد شهادته، والإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٨١)، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. قلت: في إسناده محمد بن راشد يعرف بالمكحولي، قال ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٣/ ٥٤٨): ضعيف، وقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما. قال ابن عدي في ((الكامل)) (٦/ ٢٠٢): ليس برواياته بأس، إذا حدث عنه ثقة فحديثه مستقیم . قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤ / ٨٣): ورواه أيضاً عن عمرو بن شعيب: حجاج بن أرطأة وآدم بن فائد وهما ضعيفان، وكلاهما لم يذكر فیه ((القانع)) . (٢) انظر: ((ديوانه)) (ص: ٢٢٠)، (ق: ٤/١٠). (٣) زيادة من ((ت)). ٣٥ ﴿إِنَّمَا اُللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ﴿إِنَّهَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ, وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٥٥]. الثاني: أن يقعَ التقييدُ فیما دخلت عليه : إما في جانب الإثبات: بأن يكون هو المقصود. أو في جانب النفي: بأن يكون هو المقصود(١)، والقرائنُ ترشد إلى المراد، وهي من العُمَد الكبرى في فهمه ﴿ إِنَّمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا لَعِبُّ وَلَهْوٌّ﴾ [ محمد: ٣٦]، ﴿إِنَّمَا أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: ٧]؛ فإن جميع هذه الأوصاف التي دخلت عليها (إنما) ليست على العموم، بل يختص كونها لعباً ولهواً بمنْ لا يريدُ بعمله فيها الآخرةَ والتزودَ إليها، والرسولُ بَّه لا ينحصر في النذارة ولا البشريّة، بل له أوصاف أخرى جليلة زائدة على البشرية والنذارة، ولكن فُهم منه: أنه ليس على صفة تقتضي العلم بالغيب لذاتها، في قوله وَله: ((إنما أنا بشر مثلكم، [وإنكم](٢) تختصمون إلي))(٣)، وفي ﴿إِنَّمَآ أَنَأْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] في الآية الكريمة، نفهم منه: أنه ليس قادراً على خَلْقِ الإيمان، قهراً لِسَبْقِ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىّ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآَ إِلَيْهِ وَفِيّ ◌َاذَاِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا (١) انظر: ((المحصول)) للرازي (١ / ٥٣٥). (٢) زيادة من ((ت). (٣) رواه البخاري (٢٥٣٤)، كتاب: الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين، ومسلم (١٧١٣) كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ٣٦ عَمِلُونَ﴾ [فصلت: ٥]، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] أي - واللهُ أعلمُ -: لا أقدر على إجبارِكم على الإيمانِ، وكذلك أمرُ النذارةِ لا ينحصرُ فيها وَِّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨]. إذا عرفتَ هذا فنقولُ: إن دلت القرائنُ والسياقُ على التخصيصِ، فاحمله على العموم فيما دخلَتْ عليه، وعلى هذا حَمَل ابنُ عباس: ((إنما الرِّبا في النَّسيئة))(١) على العموم، حتى نفى ربا الفضل، وقيل: إنه رجعَ عنه، وحملَ غيرُه: ((إنما الماء من الماء))(٢)على ذلك، ولم يوجِبِ الغسلَ بالتقاء الختانَيَّن، ومن خالفَ في الأمرين فبِدليلٍ مِنْ خارج. * الوجه الخامس: في شيء من العربية: يوشك: من أفعال المقاربة كعسى، وحكمُها في أن مفعولها بـ(أن) والفعل كحكم عسى، وفي التعدي وعدمه كذلك تقول: يوشك أن تأتيَني، قال الله تعالى في عسى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فهذه بمعنى قَرُّبَ، فلا ينصب، ويكون فاعلُها (أن) والفعل، وتقول: يوشك زيدٌ أن يأتيَني، كما تقول: عسى زيد أن يأتيَني، بمعنى قارب، فيتعدى، ويكون مفعولها (أن) والفعل، قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اَللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ،﴾ [المائدة: ٥٢]، وقد تَرَدُ (١) تقدم تخريجه. (٢) تقدم تخريجه. ٣٧ عسى ويوشك من غير مقاربة (أن)، قال الشاعر [من المنسرح]: يوشِك مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ في بعضٍ غَرَّتِها(١) يوافقها(٢) وقال بعضهم: إنما جاء في الشعر، وأما في الكلام، فلا يكون إلا بـ(أن) كعسى. قلت: ومما جاء في عسى بغير (أن) قول هُدبة [من الوافر]: يكونُ وراءَهُ فرجٌ قريبٌ(٣) عسی الکربُ الذي أمسیتُ فیهِ أُجريَتْ مجرى كاد، كما أجريت كاد مجرى عسى في ثُبُوتِ (أن)، قال الشاعر [من الرجز]: قد كاد من طول البلى أن يَمْصَحَا(٤) ومعنی مَصَح: ذهب ودرس. فمقتضى هذا: تكون هذه اللفظة في الحديث ناصبةً، ومفعولها: ((أن تيمموا الصعيدَ)). (١) ((ت)): ((في غراته)). (٢) البيت لأمية بن أبي الصلت، كما في ((ديوانه)) (ص: ٤٢١) (ق: ٨/٤٧). (٣) انظر: ((ديوانه)) (ص: ٥٤). (٤) عجز بيت لرؤبة بن العجاج، وصدره: رسْمٌ عفا من بعدما قد امَّحى ٣٨ * الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: لمَّا كان الحديث السابق على الذي نحن فيه المقصودُ به(١) ذِكْرُ ما استُدِلَّ به على وجوبِ الترتيبٍ من جهة لفظ ((ابدؤوا)»، ذَكَر هاهنا ما استدل على عدم وجوبِهِ، من جهة تقديم مسح اليدِ على الوجه، ولنذكر مآخذ الفريقين. الثانية: فيه المباحثة والمناظرة في المسائل الشرعية، واستعمال الصحابة لذلك على الوجه الذي كانوا يفعلونه؛ ففيه دليلٌ على جواز مثل ذلك في مسائل الأحكام، لكن قد ينضم إليه ما يمنعه؛ كالمِراء، والمجادلة بالباطل، وتقوية الإنسان لما يعتقده باطلاً، وخروجِهِ متحيِّلاً بامتناع الكلام المجاز عما إذا راجع نفسه، عُلِم (٢) أنه خلافُ المقصودِ من اللفظِ، إلى ما ينضافُ إليه من أمور أُخَرَ؛ كالأدنى قولاً وفعلاً، واستحقار المرء المسلم؛ فهذه كلّها عوارضُ توجب المنع، وإنما المقصود: إثباتُ أصلِ المناظرة، والسؤال، والجواب. الثالثة: فيه ميل إلى سدِّ الذرائع، والمصالح المرسلة من جهة قول ابن مسعود - ظه -: ((لو رُخِّصَ لهم في هذا، لأوشكوا(٣) إذا برد عليهمُ الماءُ أن يتيمموا))، وهو يُشْكِلُ مع مخالفة النص، وسنتكلم عليه الآن. (١) في الأصل: ((ثم))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((إذا رجع علم)). (٣) في الأصل: ((وشكوا))، والمثبت من ((ت)). ٣٩ الرابعة(١): فيه دليل على شرعية التيمم، وهو منصوصُ الكتاب العزيز وإجماعُ الأمة. الخامسة: المنقولُ عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما -: أن الجُنُبَ لا يتيمم(٢)، لكنه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكونَ سببُه أن ألفاظَ الآيةِ الكريمة لا تتناوله. والثاني: أن يكون العمومُ متناولاً له، لكنه يخرج عن العموم كما في سائرِ مسائلِ تخصيصِ العمومِ. وقد حُمِلَ مذهب عمر - رَضُ - على أنه كان يرى أنَّ الآية لا تتناول الجنبَ رأساً، فمنعه التيممَ لذلك، وتوقفَ في حديث عمار، لكونه لم يذكره حین ذگّره به. وحُمِل مذهب ابن مسعود على أنه ليس داخلاً في عموم ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ ﴾ [المائدة: ٦] أي: مع كونه متناولاً له، واستدل بتسليمه لأبي موسى، وبأنه نَحى إلى منع الذريعة، قال بعضهم: وكأنَّ كان يعتقدُ تخصيصَ العموم بالذريعة، ولا بُعْدَ في القول به على ضعفه(٣). قلت: قوله: ((وإنما كرهتموه لِذا؟ قال: نعم))، قد يُشعر بما نُسِب إلى ابن مسعود من أنه يسلم العموم، ويمنع لهذا المعنى. السادسة: فيه دليلٌ على تيمم الجُنُبِ، وهو مذهب الفقهاء، (١) سقطت المسألة الرابعة من ((الأصل))، وأثبتها من ((ت)). (٢) كما تقدم حكايته عن ابن عبد البر وغيره. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٦١٣). ٤٠