Indexed OCR Text

Pages 561-580

مع الباء التي تفيدُ التبعيضَ من غير اختصاص المسح بمكانٍ من الرأس
مخصوصٍ، فثبت أنَّ البيانَ بالتحديد حاصلٌ، واللَّسَ به في ذلك
زائلٌ.
قلت: قد ذكرت أنَّ القرينةَ ضعيفةٌ، والاعتراضُ الذي اعترض به
ركيكٌ، والذين قالوا بوجوب التعميم في مسح الرأس، جوابُهُمْ في
ذلك هو ما أُجيب به في الوجه.
وهؤلاء المتأخرون من النُّحاة في بعض الأقطار، يتأولون
ما ظاهرُهُ الدلالةُ على خلاف ما يقولون بالتأويلات البعيدة المتعسّفَةِ،
ويكتفون في الردِّ على مَنْ يستشهدُ بالشواهد على خلاف مذهبهم بأنه
غيرُ مُتعيِّنٍ لما قاله خصومُهُم، ولا يعتبرون الظهورَ وردَّ التأويلاتِ
المستبعدة، ولم يسلكوا طريقةَ أهل النظر من غيرهم في تقديم الظاهر
وردِّ التأويلات المستبعدة، وقد سُلِكَ هذا المسلكُ في هذه الشواهد
التي استُشْهِدَ بها، وأُخرِجَت عن التأويل عما يقولُ خصومُهُم من
الخفض بالمجاورة.
فأما قراءةُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، فقال الشريف: وللجرِّ
وجهٌ، وذكر العطفَ على ﴿جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ﴾ على حذف مضافٍ؛ أي:
وفي عطف ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ على ﴿جَنَّتِ التَّعِيمِ﴾ مقارنة، أو معاشرة
﴿وَحُورُ عِينٌ﴾، وحُذِفَ المضافُ، قال: وهذا وجهٌ حسنٌّ؛ ذكره أبو
علي الفارسي في كتابه المعروف بـ((الحجة))، واقتصرَ عليه(١)، ولو
(١) انظر: ((الحجة للقراء السبعة)) لأبي علي الفارسي (٦ / ٢٥٥).
٥٦١

كان للجر بالمجاورة وجهٌ لذكره، ولما جاز أن يخلَّ به؛ فإنه ممن
لا يُتَّهَمُ بخفاء وجهِ الإعراب؛ ضعيفاً كان أو قوياً.
ثم قال بعد ذلك: فإن قيل: لم لا تحملُهُ على الجار في قوله
تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَهِمْ وِلْدَانٌ﴾ [الواقعة: ١٧] بكذا؟ ويجوزُ؟ وأجابَ
بأن هذا يمكنُ أن يقال، إلا أنَّ [أبا](١) الحسن قال: في هذا بعضُ
الوحشة.
وأجاب أبو الفتح في أثناء كلامه بأن قُصارى أمرِهِ أن يكونَ وجهاً
ثانياً في الجرّ، وقد كفى خصمَهُ أن يكونَ الذي قاله قد ذكره إمامٌ من
أئمة هذا الشأن.
ثم قال: أليسَ من الحَيْفِ أن يقولَ أبو عبد الله: لو ساغتِ القراءةُ
بالنصب في الرجلين، لكانت على مجازِ اللغة دونَ حقيقتها؟ وذلك
لأنَّ الأصلَ في اللغة أن يكونَ حكمُ المعطوف به حكمَ المعطوف
عليه، وأن يُقضَى بالمعطوف به على أنه معطوفٌ على أقرب المذكور
منه، ولا يُعدَّى إلى ما بَعُدَ منه، ويقول الشريف: إنَّ الكلامَ إذا حصل
فيه عاملان؛ أحدُهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ، فإعمالُ الأقربِ أولى من
إعمال الأبعد، ويحكي فيه نصَّ أهل العربية عليه، ومجيءَ القرآنِ
وأكثرِ الشعر به، ثم يختار عطفَ قوله: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على
قوله: ﴿جَنَتِ النَّعِيمِ﴾ مع البعد، ويُنكِرُ أن يُعطفَ على قوله:
بِكَوَابٍ﴾ [الواقعة: ١٨] مع القرب، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
(١) زيادة من ((ت)).
٥٦٢

تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] !.
قلت: ليس في لفظ الشريف ما يدل على اختياره ذلك، بل على
تجويزه.
قال الفقيه أبو الفتح: وفي قوله: (ولو كان للجرِّ بالمجاورة
وجهٌ لذكره، ولم يجزْ أن يخلَّ به؛ فإنه لا يتهمُ بخفاء وجهٍ في
الإعراب عليه؛ ضعيفاً كان أو قوياً)، أوجهٌ من التحامل؛ منها
[إنكارُ](١) ما ذكره أبو زكريا الفراءُ أن يكون وجهاً جائزاً.
ومنها إلزامُ أبي علي ذكرَ جميع ما عرفه، وهو لم يذكر شيئاً في
[هذه](٢) المسألة، بل لو لم يصنف(٣) كتاب ((الحجة)) لكانَ جائزاً له.
ومنها الدعوى له بما يعلمُ أنه لم يكنْ يدَّعيه لنفسه.
وعلى أنه إن ترکه أبو علي، فقد ذكره أبو زكريا يحيى بن زياد
الفراء، وأبو بكر محمد بن القاسم الأنباري، وكفى ذلك.
قال أبو بكر في ((الوقف والابتداء)): وكان أبو حفص، والأعمش،
وحمزة، والكسائي يقرؤون: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض،
فعلى هذا المذهبِ لا يَحسنُ الوقفُ على ﴿وَشْتَهُونَ﴾؛ لأن الحور العين
منسوقاتٌ على الأكواب، وإن شئتَ جعلتهن نسقاً على قوله: ﴿فِي
جَنَتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: ١٢] وفي ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((يصرف))، والتصويب من ((ت)).
٥٦٣

وقال السجستاني: لا يجوزُ أن تكونَ (الحورُ) منسوقاتٍ على
الأكواب؛ لأنه لا يجوز أن يطوفَ الولدان بالحور العين.
قال أبو بكر: وهذا خطأٌ منه؛ لأنَّ العربَ تُتَبعُ اللفظةَ اللفظة(١)،
وإن كانت غيرَ موافقةٍ لها في المعنى، من ذلك قراءتَهم في سورة
المائدة: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]؛
فخفضوا الأرجل على النسق على الرؤوس، وهي تخالفها في المعنى؛
لأن الرؤوسَ تُمسح، والأرجل تُغسل، وقال الخُطيئة [من الوافر]:
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيُونَا(٢)
فنسقَ العيونَ على الحواجبِ(٣)، والعيونُ لا تزجَّج، وإنما
تُکخل، وهذا کثیرٌ في كلامهم.
وقال الفراءُ: يلزمُ مَنْ رفعَ الحور العين؛ لأنه لا يُطافُ بهن، أن
تُرفعَ الفاكهةُ واللحم؛ لأنهما لا يُطافُ بهما، إنما يُطافُ بالخمر
وحدَها، وقال الفراء: الخفضُ [وجهُ](٤) القراءة، وبه كان يقرأُ
(١) في الأصل: ((اللفظ))، والمثبت من ((ت)).
(٢) انظر البيت في: ((الخصائص)) لابن جني (٢/ ٢٣٤)، و((المحكم)) لابن
سيده (٧ / ١٨٢)، و((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٦٧)، و((تهذيب
اللغة)» للأزهري (١٠ / ٢٤٤).
(٣) ((ت)): ((فنسق الحواجب على العيون)).
(٤) سقط من ((ت)).
٥٦٤

أصحابُ عبد الله(١).
قال أبو الفتح: هذا كلُّهُ من كلام ابن الأنباري، وفيه ما يُحتاج
إليه في ذلك(٢).
الثامنة والخمسون بعد المئة: في وجهٍ آخرَ من الاعتذار عن
قراءة الجر، وتخريج وجهها، وأنها لا تتعيَّنُ لإيجابِ المسح، ذكره
أبو البقاء العُكْبَرِي، وهو أن يكونَ جرَّ (الأرجل) بجاِرِّ محذوفٍ
تقديره: وافعلوا بأرجلكم غسلاً، وحذفُ الجارِّ وإبقاءُ الجرِّ جائزٌ، قال
الشاعر [من الطويل]:
مَشَائِيمُ ليسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيْرَةً
ولا نَاعِبٍ إلا بِبَيْنِ غَرَابُهَا (٣)
وقال زهير [من الطويل]:
بَدَا لِيَ أني ◌َسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ولا سَابِقٍ شَيْئاً إِذَا كَانَ جَائِيَا(٤)
(١) انظر: ((إيضاح الوقف والابتداء)) لابن الأنباري (٢ / ٩٢١ - ٩٢٢).
(٢) جاء في هامش ((ت)): ((بياض))؛ إشارة إلى أن كلام المؤلف لم ينته في هذه
الفائدة. ولم يشر إلى هذا في الأصل.
(٣) البيت للأخوص اليربوعي؛ انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ١٦٥)، و((إِصلاح
المنطق)) لابن السكيت (ص: ١٥١)، و((الخصائص)) لابن جني (٢/ ٣٥٤)،
و(لسان العرب)) لابن منظور (١٢ / ٣١٤)، و((خزانة الأدب)) للبغدادي
(٤ / ١٥٨ - ١٥٩).
(٤) انظر: ((ديوان زهير بن أبي سلمى بشرح أبي العباس ثعلب)) (ص: ٢٨٧
٥٦٥

فَجَرَّ بتقدیرِ الباء، وليس بموضعٍ ضرورةٍ(١).
التاسعة والخمسون بعد المئة: في وجهٍ آخرَ في الاعتذار عن
قراءة الجر: أنَّ العربَ قد تجمعُ في العطف بين شيئين باعتبار فِعْلٍ
عَمِلَ فيهما، وهو صالحٌ لأحدِهِما دونَ الآخر بنفسه؛ إما اعتباراً
بالمعنى الأعمِّ مع التضمين، وإما حذفاً للعامل فيما لا يصلحُ
للعمل: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا
وَأَبْنَآَمِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] والأبناءُ لا يُخَرجُ منهم، وذلك للاشتراك في
معنى أعم، وهو الإبعادُ، وقال الشاعر [من الرمل]:
يُسْمِعُ الأَحشاءَ مِنْهُ لَغَطاً
ولليدين حُبَيْئَةً وَبَدَاداً(٢)
والحييئة والبدد لا يُسمعان بل يُرَيان، وذلك لاشتراكهما في
الرؤية أو العلم.
وقال [من مجزوء الكامل المرفّل]:
مُتَقلِّداً سَيْفاً ورُمْحا (٣)
والرمحُ لا يُتقلّد، وذلك لاشتراكهما في معنى التسلح، وقال
[من الوافر]:
إِذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيُونَا(٤)
(١) انظر: ((إعراب القرآن)) لأبي البقاء العكبري (١ / ٤٢٤).
(٢) قلت: في الشطر الثاني من البيت خلل في الوزن.
(٣) عجز بيت لعبد الله بن الزبعرى، كما تقدم، وصدره:
ياليت زوجك قد غدا
(٤) تقدم ذكره قريباً.
٥٦٦

والعيونُ لا تُزَجَّج، بل تكخَّل؛ للاشتراك في معنى التَّزَيُّن، وقال
[من الطويل]:
وَعَيْنَيْهِ إِنْ مَوْلاهُ ثَابَ لَهُ وَفَرْ (١)
تَرََّهُ كَأَنَّ اللهَ يَجْدَعُ أَنْفَهُ
ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ ذلك يختصُّ بتأخير ما لا يُستعمَلُ الفعلُ فيه، لِيَتبع
لما تقدم، فإنَّا قد وجدناه متقدماً، قال [من الطويل]:
عَلَيْهِنَّ فِتْيانٌ كَسَاهُنَّ مُخْرِقٌ وَكَانَ إِذا يَكْسُو أَجَادَ وأَكْرَمَا
ومُطَّرِداً مِنْ نَسْجِ داودَ مُبْهَمَا (٢)
صَفَائِحَ تَسْرِي أَخْلَصَتْهَا قُيُونُها
ولا تُستعمَلَ الكُسْوَةُ في السيوف، وإنما تُستعمَلُ في الدروع؛ لأنها
تُلبس كما تُلبس الكُسوةُ من الثياب، وقال الخُطيئة [من الطويل]:
سَقَوا جَارَكَ الَعَيْمَانَ لمَّا جَفَوْتَهُ
وقَلَّصَ عن بَرْدِ الشَّرابِ مَشَافِرُه
سَنَاماً ومَحْضَاً أَنْبَتَا اللَّحْمَ فَاكْتَسَتْ
عظَامُ امْرِىءٍ مَا كَانَ يَشْبَعُ طائِرُه(٣)
(١) البيت لخالد بن الطَّيفان؛ انظر: ((الحيوان)) للجاحظ (٦/ ٤٠)، و((الخصائص))
لابن جني (٢ / ٤٣١)، و((المحكم)) لابن سيده (١/ ٣٠٦).
(٢) البيتان للحُصَين بن الحُمَام المُرِّي؛ انظر: ((المفضليات)) للمفضل الضبي
(ص: ٦٦)، و((الأغاني)) للأصفهاني (١٢ / ٣١٠ - ٣١١)، وعندهما:
صفائح بصرى أخلصتها قيونُها ومطرداً من نسج داود مبهما
(٣) انظر: ((ديوانه)) (ص: ٣١).
٥٦٧

والسنامُ لا يُسقى.
إذا ثبتَ هذا كُلَّه دلَّ على أنَّ العطفَ بين الشيئين يُستعمَلُ مع
اختلاف المعنى؛ كما في النظائر، فيكون عطفُ (الأرجل) على
(الرؤوس) مع اختلاف المعنى في كون الرؤوس ممسوحة، والأرجل
مغسولة، من هذا الباب، والله أعلم.
الستون بعد المئة: القائلون بالمسح يحتاجون إلى الاعتذار عن
قراءةِ النصب، وكلُّ واحدٍ من الفريقين يحتاج إلى ترجيح ما ذهبَ إليه
من التأويل على ما ذهب إليه خصمُهُ، والذي ذكروه في الاعتذار عن
قراءة النصب: أنها محمولةٌ على العطف على الموضع، كما يقال:
لست بقائمٍ، ولا قاعداً، بالنصب على موضع (قائم)، وإن في الدار
زيداً وعمرو، بالرفع عطفاً على الموضع، ﴿ مَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ:
وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، قال [من الوافر]:
مُعَاوي إنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ فَلَسْنَا بالجبال ولا الحَدِيْد(١)
اقتضب الجبال عن الحديد، وقال [من البسيط]:
هَلْ أَنْتَ بَاعِثُ دِيْنَارٍ لِحَاجَتِنَا
أَوْ عَبْدَ رَبِّ أَخَا عَوْنِ بْنِ مِخْرَاقٍ(٢)
(١) البيت لعقيبة الأسدي؛ انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٦٧)، و((لسان العرب))
لابن منظور (٣٨٨/٥).
(٢) قال البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٨/ ٢١٩): البيت من أبيات سيبويه =
٥٦٨

فنصب (عبدَ ربِّ) محمولاً على الموضع؛ لأن الأصل: باعثُ
ديناراً.
وأبعدُ منه العطفُ على المعنى، قال الشاعر [من البسيط]:
أَوْ مِثْلَ إِخْوَةِ مَنْظَورِ بنِ سَيَّار(١)
جِئْنِي بِمِثْلِ بَنِي بَدْرٍ لِقَوْمِھم
بنصب (مثلَ)؛ لأن المعنى: هات مثلهم، أو أعطني مثلهم،
فنصب (مثل) بهذا، وهو شائع كثير، وهو أصلحُ(٢) من حمل الجرِّ
على الجوار؛ فإنهُ لا يُساويه في الكثرة، وأما باب:
وزَجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيُونَا
فهو أكبرُ من الجرِّ بالمجاورة، ونُقِلَ عن جماعة.
قال الواحدي في ((وسيطه)): وقال جماعة من أهل المعاني :
(الأرجلٌ) معطوفةٌ على (الرؤوس) في الظاهر، لا في المعنى، وقد ينسقُ
بالشيء على غيرِهِ، والحكمُ فيهما مختلفٌ، كما قال الشاعر [من
مجزوء الكامل المرفّل]:
= الخمسين التي لم يعرف قائلها. وقال ابن خلف: وقيل هو لحابر بن رألان،
ونسبه غير خَدَمةِ سيبويه إلى جرير، وإلى تأبط شراً، وإلى أنه مصنوع،
والله أعلم.
(١) البيت لجرير، كما في ((ديوانه)) (ص: ٢٤٢)
(٢) ((ت)): ((أرجح)).
٥٦٩

مُتَقَدِّداً سَيْفاً ورُمْحا (١)
يَا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدَا
والمعنى: حاملاً رمحاً، وكذلك قول الآخر [من الرجز]:
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بارداً(٢)
المعنى: وسقيتها ماءاً، كذلك المعنى في الآية: وامسحوا
برؤوسكم، واغسلوا أرجلكم، فلما لم يذكر الغسل، عطفت (الأرجل)
على (الرؤوس) في الظاهر.
أجاب الفقيه أبو الفتح الشريف من وجوه:
منها: أنَّ الذين قرؤوا بالنصب، ذكروا أنه رجع إلى الغسل، كذا
روي عن غير واحد منهم، من ذلك ما ذكره الفراء في ((معانيه)) عن
قيس بن الربيع، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: أنه قرأ:
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب مقدم ومؤخر، وعن الكسائي في ((معانيه)):
مَنْ نَصَبَ ردّ إلى الغسل، ومثله عن جماعة من التابعين، وهم أعرفُ
بما تلقوه عن أصولهم، لا سيما والأمرُ الذي تضمنته الآيةُ مما تعمُّ به
البلوى، ويشتركُ فيه الخاصةُ والعامة.
قلت: ليس هذا بالقوي، فإنَّ تأويلَ البعض لا يمنعُ من حملٍ
اللفظِ على ما يجوزُ حملُهُ عليه لغةً، لا سيما ولم تحصل حكايةٌ
(١) تقدم ذكره قريباً.
(٢) لذي الرُّمة، كما في «ديوانه)) (٢/ ٣٣١)، وصدره:
لما حططت الرحل عنها وارداً
٥٧٠

التأويل عن جميع القَرأَة بالنصب.
ومنها: أن هذا توسُّعٌ، فيجوز، والظاهرُ والحقيقةُ يوجبان
عطفَهُما على اللفظ، لا الموضع، كما أنَّ الظاهرَ في القراءة بالجر
عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس) في الحكم، وإنما عُدِلَ إلى الإعرابِ
بالمجاورة، والتفريقٍ بين العضوين في الحكم للدليل.
قال: والذي يبين ذلك ما حكاه أبو عبد الله، عن المفضل بن
سلمة: أنه مُستنكَرٌ عند أهل اللغة أن يقول القائل: رأيت زيداً،
ومررت بخالدٍ، وبكراً، فاستُنكِرَ ذلك حين كان الظاهرُ حملَهُ على
العامل اللفظي، وقد اعتُرِضَ بينهما بجملة لغير فائدة، ولو كان الظاهر
حمله على الموضع(١) مع تقدم العامل اللفظي لم يُسْتَنْكَرْ، ولقيل:
تقديره: رأيت زيداً وعمراً، ومررت بخالد وبكر، لو لم يتقدمْهُ
العاملُ.
ومنها: أنَّ في قول القائل: (فلسْنَا بالجبالِ)، الباء زائدة،
والمعنى: فلسنا الجبالَ، وكذلك قوله: لست بقائم، وخَشَّنْتُ
بصدره، الباء فيها زائدة، المعنى: لست قائماً، وخَشَّنْتُ صدره(٢)،
فيستوي العطف على لفظه، والعطفُ على موضعه في المعنى، والباء
في قوله: ﴿بِرُءُ وسِكُمْ﴾ ليست بزائدة للتوكيد، وإنما هي للتبعيض،
فيختلفُ العطفُ على لفظها، والعطفُ على موضعها في الحكم،
(١) ((ت)): ((الوضع)).
(٢) أي: أغظته.
٥٧١

ويفيدُ العطفُ على اللفظ بعضَ القَدَم، ويفيدُ العطفُ على الموضع
وجوبَ المسح جميع القَدَم كلُّها إلى الكَعْب، وهم لا يُوجبون مسحَ
جميع القدم، بل أكثرُ ما يوجبونَهُ منه أن يضعَ كفَّهُ على الأصابع،
فيمسحها إلى ظاهر القدم، وكذلك في الرأس لا يوجبون منه أكثر من
مسح ثلاثة أصابع، ومنهم من قال: أقلُّ ما يُجزِئُ في مسح الرأس
قدرُ إصبع واحدة.
والذي يبيِّنُ صحةَ هذا الفرق ما ذكره الشريفُ عَقيبَ كلامِه الذي
حُكِيَ عنه في هذا الفصل، فقال: ومثله: مررت بزيد، وذهبت إلى
عمرو، ولك أن تعطفَ فتقول: مررت بزيد وخالداً، وذهبت إلى
عمروٍ وبشراً؛ لأنَّ موضعَ (بزيد) وإلى (عمروٍ) نصبٌ، وإن لم يجزْ أن
نُسقطَ حرفَ الجر، فنقول: مررت زيداً وذهبت عمرو، إلا أنه لما كانَ
معنى مررت وذهبت: لقيت وأتيت، جاز أن تعطفَ فتقولَ: وخالداً؛
أي: وأتيتُ خالداً، وتكون (مررت) دالة على (أتيت). أو ليسَ هذا
تصريحاً بأنه إذا حمل قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على موضع ﴿ِبِرُءُوسِكُمْ﴾
يكون التقدير: وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين.
وقد قال الشريف في هذا الكتاب: إنَّ الباءَ في مسح الرأس يقتضي
التبعيض، فيلزمُهُ إذا قَدَّرَ إسقاطَ الباء في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أن
يُوجِبَ مسحَ القدمين إلى الكعبين، وهو لا يُوجِبُ ذلك، فأين التوثيق
بين القراءتين؟ وأين هذا الاستعمالُ من استعمال مَنْ حمل القراءةَ بالجر
على الإعراب بالمجاورة، وأوجبَ بها ما أوجبَهُ بالقراءة المنصوبة سواء؟
٥٧٢

ومنها: أنه إنما حُمِلَ قولُهُ: (ولا الحَديدا)، على الموضع؛ لأنه
ـو
لم يكنْ هناك عاملٌ لفظيٌّ يمكنُ حمله علیه، وكذلك: ليس زيد بقائم،
ولا قاعداً، وخشَّنْتُ بصدرِهِ، وصدرَ زيدٍ، وكذلك البيتان الآخران:
هل أنت باعث دينار لحاجتنا
و :
جئني بمثلِ يَنِي بَدْرٍ لقومهم
لأنهُ ليس في شيء من ذلك ما يُحمَلُ النصبُ عليه إلا الموضع،
وليس كذلك [في](١) قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في القراءة بالنصب؛ لأنه
قد تقدم(٢) عاملٌ لفظيٌّ، فكانَ الظاهرُ حملَهُ عليه، لا يُطلبُ حملُهُ على
غيرِهِ، ومثال ذلك: رفعهم المفعول إذا لم يُسمَّ فاعلَهُ، فلو ذهب
ذاهبٌ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ [القصص: ٤٣]،
إلى أن موسى في موضع رفع اعتباراً بقوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ
بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلٌ﴾ [القصص: ٤٨]، لكان كلامُهُ لغواً، وكذلك لا يلزمُ
العطفُ على العامل مع تقدم العامل اللفظي، وإن لزم ذلك إذا لم يكنْ
وجهٌ غيره، وأما [في](٣) قوله تعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِىَ لَهُ,
وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، قرأه أبو عمرو وعاصم: ويذرهم بالياء والرفع،
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((تقدّمه)).
(٣) سقط من ((ت)).
٥٧٣

وقرأه حمزة والكسائي: (ويذرهم) بالياء والجزم، وقرأه ابن كثير،
ونافع، وابن عامر: (ونذرهم) بالنون والرفع(١)؛ فمن قرأ بالجزم عطفَ
على موضع الفاء، ويكون الجوابُ عنه ما تقدم، وهو أنه لا يمكنُ حملُهُ
في الجزم على غير ذلك، ومن رفع فعلى الاستئناف؛ لأنه يمكنُ ذلك
فيه، فلا يُطلَبُ لهُ وجهٌ غيرُهُ، وقول القائل: إن تأتني فلكَ درهمٌ،
وأكرمْكَ، فيجوز في (أكرمك) الوجهان، والكلامُ فيه مثلُهُ في الآية،
وقول القائل: إن زيداً منطلقٌ، وعمراً، وعمروٌ، مَنْ نَصَبَ عَطَفَه على
اللفظ، ومَنْ رفعَ فعلى ثلاثة أوجه: العطفُ على موضع (إن)، والعطف
على المضمر في (المنطلق)، والابتداءُ وإضمارُ الخبر.
والجوابُ: أنهم لما طلبوا وجهَ الرفع؛ لأنه لم يمكنْ ردُّهُ إلى
اللفظ، ألا ترى أنه حين أمكنَ العطفُ على اللفظ، وهو في حال
النصب، لم يُحمَلْ إلا عليه؟
الحادية والستون بعد المئة: قد ذكرنا حاجةَ كلِّ واحد من
الفريقين إلى ترجيح ما ذهبَ إليه من الحمل في الآية الكريمة؛ أعني:
مما يدل على المسح ومما يدل على الغسل، وهذا الترجيحُ على
قسمين: الترجيحُ بين الحملِ على الجوار، والحملِ على العطف على
الموضع، ولا شك أن الحمل في العطف على الموضع أشهرُ من
الحمل على الجوار، وقد أَبديَ معارضٌ في هذا المحلِّ المخصوص
(١) انظر: ((إتحاف الفضلاء)) للدمياطي (ص: ٢٧١).
٥٧٤

يقتضي (١) مرجوحيةَ الحمل على الموضع في قراءة النصب، وقد ذكرنا
ما قيل فيه سؤالاً وجواباً.
وقد أرادَ ترجيحَ الحمل على الجوار بعضُ مَنْ ذهبَ إلى الغسل،
وقال قولاً يمكن أن يُرجَّحَ به، مع تسليم كثرة الحمل على العطف،
فقال: ولو كانَ كلُّ واحد من الأمرين في حدِّ الجواز، وفي الصرف
إلى أحد الجائزين إيجابُ التناقض بين القراءتين، وفي الصرف إلى
الجائز الآخر، وهو المجاورة، تحقيقُ الموافقة، [وكتاب الله تعالى
يوافقُ بعضُهُ بعضاً، لا أنه يُخالف ويناقض، فكان الصرفُ إلى ما فيه
موافقةٌ](٢) أولى، وكذلك الأخبارُ وردت بوجوب غسلِ الأرجل في
قولِهِ - الَيْهِ -: ((وَيْلٌ للأعْقَابِ مِنَ النَّارِ))(٣)، ونحوه، مؤيدةً لما قلنا.
الثانية والستون بعد المئة: وقد سلَكَ طريقَ التوفيقِ بين القراءتين،
فعيَّنها الشريفُ في تقرير رأيِهِ، فقال: على أنَّ حملَ (الأرجل) على
حكم (الرؤوس)، وعطفَهَا بالنصب على موضعها في الإعراب، أولى
من عطفها على الأعضاء المغسولة من وجه آخر، وهو أنَّا قد بيَّنا أنَّ
القراءةَ بالجرِّ تقتضي المسحَ، ولا تحتمِلُ سواه، فالواجبُ حملٌ
القراءة بالنصب على ما يطابقُ معنى القراءة بالجر؛ لأن قراءةَ الآيةِ
(١) (ت)): ((ما يقتضي)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) تقدم تخريجه .
٥٧٥

الواحدةِ بحرفين تجري مجرى آيتين في إيجاب المطابقة بينهما، ومتى
جعلْنا (الأرجل) معطوفةً بالنصب على (الأيدي) لم تتطابقِ القراءتان،
فاطَّرحنا حكمَ القراءة بالجر، وإذا جعلناها معطوفةً على موضع
(الرؤوس) تطابقتا، فكان(١) هذا أولى.
عَكَسَه الفقيهُ عليه بأن قال: إنَّ القراءةَ بالجرِّ تحتملُ أن تكونَ
على وجه المجاورة، ويكون الفرضُ الغسلَ، والقراءةُ بالنصب ظاهرةٌ
في وجوب الغسل، والقراءتان كالآيتين في وجوب المطابقة بينهما،
ومَتِى حُمِلَت القراءةُ بالجر على إيجاب المسح لم تتطابقِ القراءتان،
وإذا حُمِلَت [على](٢) المجاورةِ مع أنَّ الفرضَ الغسلُ، تطابقتا (٣)،
فكان هذا أولى.
وهذا الذي ذكره الفقيهُ مبنيٌّ على تجويز العطف على المجاورة،
وظاهرُ كلام الشريف يمنعه؛ لقوله: لا يحتمل سواه.
وقال أيضاً: معلومٌ أنَّ استعمالَ المجاورة ليس كاستعمال العطف
على الموضع، وأنَّ ذلك شاذَّ نادر، لا يُقاسُ عليه، وهذا جائزٌ
مستحسنٌ مُستعمل، لا على سبيل التَّجوُّزِ والامتناع.
أجابَ الفقيه بأنَّ العطفَ على الموضع مع تقدُّم لفظٍ يمكن
(١) في الأصل: ((وكان))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((تطابقا)).
٥٧٦

العطفُ [عليه](١) مُسْتبعدٌ، واستعمالُ المجاورة مع وجودِ الدلالةِ على
المقصود مُسْتَحْسَنٌ.
قال: فمن شواهد الأول قوله تعالى: ﴿يَّأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ ﴾ [الممتحنة: ١]، ﴿الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ﴾ [المائدة: ٥٧]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَّلَ
مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَنَّتٍ مِنْ
أَعْنَابِ ﴾ [الأنعام: ٩٩].
ورَدَّ العلماءُ بهذا الشأن المنصوبَ على اللفظ، لا على
الموضع.
وذكر من شواهد الثاني: ﴿ وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] في القراءة
بالجر، و :
إذا مَا الغَانِيَاتُ ... البيت
و :
يا لَيْتَ بَعْلِي قَدْ غَدَا ... البيت
ولقائل أن يقولَ: إثباتُ الجر بالمجاورة مُشكِلٌ؛ لأنَّ مواضعَ
الاستشهاد؛ إمّا أن تحتملَ الحملَ على غير المجاورة، أو تتعيَّنَ.
فإنِ احتملت سقطَ الاستدلالُ على طريقتهم، أو (٢) احتيجَ إلى
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((و)).
٥٧٧

بيان الظهور فيما يُدَّعَى من الحمل على الجواز.
وإن تعيَّنَ الحملُ على الجواز، فيمكنُ أن يُدَّعَى أنَّ الموجبَ
للحمل هو التعيُّن، ولا يُساويه ما لا يتعيَّنُ للحمل على المجاورة،
لكنَّ دعوى الشريف: أنه لا تحتملُ القراءةُ بالجر إلا المسحَ، مردودةٌ؛
لأنه لو تمَّ له إبطالُ الحمل على المجاورة، لم يلزمْ منه عدمُ احتمالٍ
الحملِ على ما لا يقتضي المسحَ من وجه آخر، وهو ما تقدَّمَ من قول
الشاعر :
وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والْعُيُونَا
وبابه، والله أعلم.
الثالثة والستون بعد المئة: قال الشريفُ: وكذلك معلومٌ أنَّ
العُرفَ في الشريعة يمنعُ من استعمال المسح بمعنى الغسل؛ فإنَّ
الظاهرَ من إطلاق الأمرين اختلافُ معناهما.
قال الفقيهُ: الجوابُ؛ أن يقال: العرفُ في الشريعة: أنَّ المسحَ
غيرُ الغسل؛ كما أنَّ العُرفَ في اللغة: أنَّ التزجيجَ غيرُ الكحل، وأنَّ
الشربَ غيرُ الأكل، والرؤية غير السمع، ثم حَسُنَ أن يقول:
وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا
يريد: وكخَّلن العيونَ، على تقدير: وزَيَّنَّ الحواجبَ والعيونا؛
لأن التزيينَ قد يتضمَّنُ (١) معنى التزجيج، ومعنى الكحل.
(١) في الأصل: ((تضمن))، والمثبت من ((ت)).
٥٧٨

ويقول :
سقوا جارك العيمان ...
وذكر البيتين، قال: ويريد: المعموه سناماً، على تقدير: قروه
سناماً ومحضاً؛ لأن القِرَى قد تضمَّنَ معنى الإطعام، ومعنى السقي.
ويقول :
يُسْمِعُ الأحشاءَ منه لَغَطَاً
وذكر البيت، قال: ويريد: وترى لليدين مثلَ ذلك، على تقدير:
تحسُّ منه كذا وكذا؛ لأن الإحساسَ قد تضمَّنَ معنى الرؤية، ومعنى
السمع.
كذلك حَسُنَ أن نقول: ﴿وَأَمْسَحُواْ بُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]،
ويكون المراد: واغسلوا أرجلَكُم، على تقدير: وأمِرُّوا الماء على
رؤوسكم وأرجلكم؛ لأن الإمرارَ قد تضمَّنَ معنى المسح، ومعنى
الغسل.
الرابعة والستون بعد المئة: وذكر الشريفُ معنى آخر، وهو
[أنَّ](١) حملَ القراءةِ بالنصب على الغسل تركٌ لظاهرٍ لا إشكالَ فيه،
وهو إعمالُ الأبعد من العاملين، وتركُ الأقرب، فكيف يسوغُ أن يُعدلَ
عن ظاهر القراءة بالجرّ، ويحملَها على توسُّع وتجوُّزِ؛ لِتُطَابِقَ معنى
النصب الذي ما تَمَّ إلا بعد عدول عن ظاهر آخر؟ بل الأولى أن يَحمِلَ
(١) زيادة من هامش ((ت)).
٥٧٩

القراءتين على ظاهرهما، فتكونا معاً مُفيدتين للمسح دونَ الغسل.
أجاب الفقيه بأنه قد تبيَّنَ أنَّ في حمل القراءة بالنصب على
المسح تركاً لظاهر لا إشكالَ فيه، وهو الحملُ على الموضع، وتركُ (١)
اللفظِ والمخالفة بين المعطوف عليه ظاهراً في الحكم، فكيف يسوغُ
أن يُعدلَ عن ظاهر القراءة بالنصب، ويحملُها على توسع وتجوُّزٍ؛
لتطابقَ لفظ القراءة بالجر، مع احتمالِ أن يكونَ معناها معنى القراءة
بالنصب، بل الأولى أن يحمِلَ القراءةَ بالنصب على ظاهرها، والقراءةَ
بالجر المحتملةَ على موافقةِ المنصوبة، فتكونا مفيدتين الغسلَ دونَ
المسح.
قال: ثم يرجَّحُ حملُ القراءتين جميعاً على الغسل بما مضى ذكره
من التنبيه(٢) والبيان؛ فالتنبيهُ: أنه لما وجبَ غسلُ اليدين مع بُعدهما
من الوسخ، كانت الرجلان مع قُربهما من الوسخ بوجوب ذلك فيهما
أولی.
ثم قال: والبيانُ: أنه لما حدَّ اليدين أوجبَ غسلَهُما، وكانت
الرجلين محدودتين، عُلِمَ أَنَّ الواجبَ فيهما الغسلُ.
قال: وما أورده الشريفُ على الاحتجاج بالتحديد(٣) قد تقدَّمَ
الجوابُ عنه، وأيضاً، فإنَّ مَنْ حملَهُما على الغسل أوجبَ بكلِّ
(١) في الأصل و((ت)): ((ودلَّ))، والمثبت من هامش ((ت)).
(٢) ((ت)): ((البنية))، وجاء في الهامش: ((لعله: التنبيه)).
(٣) ((ت)): ((بالتجريد)).
٥٨٠