Indexed OCR Text

Pages 461-480

وفي رواية هشام، عن عزرة(١) بن تميم، عن أبي هريرة: أن
نبي الله ﴿ قال: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكم ركْعةً مِنْ صَلاةِ الصّبْحِ، ثُمَّ طَلَعَتِ
الشمسُ، فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرى))(٢).
وفي رواية عن همام قال: سمعت قتادةَ يحدِّث، عن النضر بن
أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة: أن النبي ◌َّ قال: ((مَنْ
أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصّبْحِ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشمسُ، فَلْيُصَلِّ الصبْحَ))(٣).
فقد اختلفت الألفاظ؛ ففي بعضِها ما يحتمل التأويلَ، وهو هذا
الأخير، وانظر أيضاً في الاختلاف على قتادة في الإسناد، فإنه قد
يوافق محمد بن سنان من رواية أحمد بن عتيق العتيقي عنه، وعفان في
الرواية عن خِلاس، عن أبي رافع، ورواية هشام، عن قتادة، عن
عزرة، وفي رواية عن محمد بن سنان، عن همام، عن قتادة، عن
النضر، عن بشير؛ وهي هذه الأخيرة.
الخامسة والعشرون: هذا الذي ذكرناه، وادَّعيناه من النصوصيّة،
إنما هو بالنسبة إلى إبطال القول بإفساد الصلاة، ووجوب الخروج
منها، وقضائها، وهو قد روي عن أبي يوسف، أنه قال: إذا
طَلَعتِ الشمس وهو في الصلاة، ينبغي أن يَمْكُثَ، حتى ترتفع
(١) في الأصل: ((عروة))، والتصويب من ((ت)).
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٤٦٣)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)
(١ / ٣٧٩).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٣٤٧)، وابن خزيمة في ((صحيحه))
(٩٨٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٥٨١)، وغيرهم.
٤٦١

الشمس، ثم يمضي على صلاته(١).
وعلى هذا المذهب لا تُعارضه هذه الأحاديث؛ لأنه يقول بالإتمام،
وبإضافة ركعة أخرى، ولا يخالف، إلا أنها رواية شاذة، ومخالفة
أيضاً للقياس، فإنه في مدة المُكث في صلاة فيدخل تحت النهي،
واعتذر عن هذا بأنه عجز عن المُضي على الصلاة، واستقبله العذرُ،
فصار كالذي سبقه الحدثُ، جاز له أن يتوضأَ، ويَبني على صلاته،
فكذلك هاهنا جاز له أن يَمْكُثَ، ثم يمضي على صلاته.
السادسة والعشرون: يكون هذا الحكم في هذا الحديث،
والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات متناولاً لزمن المُكث، الذي ذهب
إليه أبو يوسف في تلك الرواية عنه، فإذا اقتضى النهيُ الفسادَ دلَّ على
فساد ذلك الجزء الواقع في مدَّة المكث، فيكون دالاً على خلاف هذا
المذهب من هذا الوجه، ولئن قال: إن هذا إِنْ دلَّ على عدم الصلاة
في ذلك الجزء، فلا يلزم منه بطلانُ ما ذكرتم من المذهب في الإتمام
بعد زوال ذلك العذر، كما في مسألة سبق الحدث، فيعود إلى مسألة
القياس على الحكم المخالف للقياس، والله أعلم.
السابعة والعشرون: اختلفوا في المتحرم بالنافلة في وقت
النهي، هل تنعقد صلاته، أم لا؟ وللشافعية وجهان(٢)؛ فلمن يقول
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ /١٤٤).
(٢) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١/ ٣٢٥).
٤٦٢

بعدم الصحة أن يستدلَّ بهذا الحديث، وبحديث النهي على البطلان.
أما استدلاله بحديث النهي: فإن النهي يدلُّ على الفساد، فتفسد
الصلاة.
وأما استدلاله بهذا الحديث: ففيه بحث نذكره الآن، ووعدنا به
من قبل(١).
الثامنة والعشرون: إذا أردنا أن نستدلَّ على الفساد بما ورد فيه
صيغة الأمر، فلا يتوقفُ ذلك في كل مكان، على أن الأمر بالشيء هل
هو نهي عن ضدِّه، أو لا؟ بل الحال فيه مقسّمٌ، وذلك ينبغي أن يُنظر
إلى اللفظ بالنسبة إلى هيئته وكيفيته، وبالنسبة إلى جوهره ومدلوله،
فإن لم يقتضٍ جوهرُه اللفظةَ ومادتَها في المدلول على الترك، أو
ما يساويه، احتجنا إلى أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، أو لا؟
إذا أردنا الاستدلال بالنهي على الفساد، كما إذا قال: قم، فإن الصيغة
ومدلول جوهر اللفظ (٢) لا يدل على النهي عن القعود، وإن استلزمه،
وإن كان جوهر مدلول اللفظة هو الترك، أو ما يساويه، فلا يحتاج فيه
إلى بيان؛ لأن الأمرَ بالشيء نهيٌّ عن ضده، لأن النهي طلب الترك،
وهذه اللفظة مثله سواء في ذلك، فما تدلُّ(٣) عليه صيغة النهي من
طلب الترك تدلُّ عليه هذه الصيغة.
التاسعة والعشرون: فعلى هذا استُدِلَّ بقوله: ((أَقْصِرْ عَنِ الصلاةِ))
(١) فى (ص: ٤٥٦) من هذا المجلد.
(٢) (ت)): ((اللفظة)).
(٣) ((ت)): ((دلَّ)) .
٤٦٣

على الفساد؛ لأنه طلبٌ لترك الصلاة، فانظر ذلك، على أنه قد جاء في
رواية أحمد، عن المقرىء: ((فَإِذَا طَلَعَتْ فَلا تُصَلِّ، حَتَّى تَرْتَفِعَ))(١)،
وهذه صيغة مصرِّحة بالنهي.
:.
الثلاثون: إذا نذر الصلاة في الوقت المكروه(٢) فهل يصح النذر؟
بَنَوه على أن الصلاة هل تصحُّ، أو لا؟ فإن قلنا: تصحُ صحَّ النذر،
وإلا فلا، ويمكن أن يُجعل حديثُ النهي مقدمةً من مقدمات بطلان
النذر، وعدم لزومه؛ لأنه إن كان منهياً عنه، لزم أن لا يوفِّيَ به،
لقوله - الَّه -: ((مَنْ نَذَر أَنْ يُطِيْعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنَ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ
يَعْصِه))٣)، والبناء المذكور ليس بالشديد القوة؛ لجواز أن يجتمع عدمُ
صحة النذر، لأجل النهي مع الصحة من غير نذر.
الحادية والثلاثون: نذر صلاة مطلقاً، ولم يقيدها بوقت الكراهة،
فهل یؤید فیه؟
ظاهر العموم المنع، والذين قالوا بجواز الصلاة التي لها سبب،
قالوا: بأنه يصليها في الأوقات المكروهة، فإنها من الصلوات التي لها
سبب کالفائتة، وفي هذا نظر.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١١١) في حديث عمرو بن
عبسة ـ
.
(٢) ((ت)): ((الأوقات المكروهة))، وجاء على هامشها: ((الوقت المكروه))
وكتب فوقها (خ) إشارة إلى أنها في نسخة أخری کذا.
(٣) رواه البخاري (٦٣١٨)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: النذر في الطاعة،
من حديث عائشة رضي الله عنها.
٤٦٤

الثانية والثلاثون: قد يقول بعضُ من يُنكر دَلالةَ المفهوم: أَستدلُ
بقوله: ((أقْصِرْ عن الصلاةِ، حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى تَرْتَفِعَ، فِنَّها
تَطْلُعُ حِيْنَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنِي شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ، ثُمَّ صَلِّ
[على](١) ذلك)).
ووجْهُه: قوله ◌ِّهِ: ((ثُمَّ أقصِرْ عن الصلاةِ، حتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،
حتىَّ تَرْتَفِعَ)) وقوله - الَُّ - بعد ذلك: ((ثم صَلِّ))؛ فإن الغايةَ يقتضي
مفهومُها مخالفةَ ما بعدها لما قَبْلَها، فلو كان المفهومُ حجةً، لكان
قوله: ((ثم صَلِّ)) محمولاً على التأكيد، ولو لم يكن حجة، كان
محمولاً على التأسيس، والحمل على التأسيس أولى من الحمل على
التأكيد، والجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: إن التأكيد إن أُريد به تأكيدُ الدلالةِ على مجرد جواز
الصلاة، فقد سلم(٢) على نظر فيه، وإن أُريد تأكيدُ طلبية الفصل الذي
يلزمه الجواز، فمسلّم، لكنه فيه فائدة زائدة على مجرد تأكيد دلالة
اللفظ على الجواز.
الثاني: إن المذكور بعد ذلك حكم مذكور معه علتُه، وذلك
لا يُستفاد من الغاية، فهي فائدةٌ مجردة، والكلام على حمله(٣) ما ذكر
بعد الغاية، ولو جُرِّدَ عن العلة لأمكن ما يقال، فأما وقد ذُكِرَت العلة،
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((يسلم)).
(٣) ((ت)): ((مجرد)) .
٤٦٥

فقد حصلت فائدةٌ جديدة.
الثالث: إن الحكم بالجواز مُغَيًّا بغايةٍ أخرى، ولا يحصل ذلك
بمجرد مفهوم الغاية .
الثالثة والثلاثون: فيه دليل على امتداد الكراهة إلى وقت
الارتفاع، وأنها لا تختص بوقت الطلوع.
الرابعة والثلاثون: الحديث يقتضي زوال الكراهة بوقت الارتفاع،
وليس فيه تحديد مقداره، وقد ورد ذلك مثبتاً في رواية المقرىء، عن
عكرمة بن عمار: ((فَإِذَا ارتَفَعَتْ قِيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنٍ، فَصَلِّ، فإِنَّ
الصلاةَ مَشْهُودٌ مَخْضُورَة)). أخرجه الحافظ أبو نعيم في كتابه
((المستخرج على مسلم))(١).
وكذلك ورد في رواية غُنْدَر، عن عكرمة: ((فَإِذَا ارتَفَعتْ قِيْدَ رُمْح
أو رُمْخَيْنٍ، فَصَلِّ)(٢). وورد في حديث آخر: ((حتى تَطْلُعَ الشمسُ
مادامَتْ كالحجْفة حتىَّ تَنْتَشِرَ))(٣)، أو كما قال.
وبعض الفقهاء یقول: حتى ترتفع قيد رمح، ويستوي سلطانها
بظهور شعاعها، فإن شعاعها يكون ضعيفاً في الابتداء، ومنهم من
یقول: قيد رمح، أو رمحین، كما في الحديث الذي ذكرناه.
(١) (٢/ ٤٢٤). وكذا الإمام أحمد في («المسند» (٤/ ١١٢).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٤/ ١١١).
(٣) رواه الإمام أحمد في «مسنده)) (٤/ ١١١)، وكذا النسائي (٥٨٤)، كتاب:
المواقيت، باب: إباحة الصلاة إلى أن يصلي الصبح.
٤٦٦

الخامسة والثلاثون: تكلموا في معنى «قَرْنَي الشيطانِ»، وطلوع
الشمس بينهما، وحاصلُ الكلام يرجع إلى الحمل على الحقيقة، أو
المجاز.
أما الأول: فقد ذكر بعضهم، أنه قيل: إنه حقيقةٌ، لا مجازٌ على
ظاهره من غير تكييف، ونسب بعضهم هذا إلى الداوودي، قال
بعضهم: وحَّتُهم قولُ ابن عباس: ((والذي نَفْسي بِيَدِه ما طَلَعَتِ
الشمسُ قَطُّ حَتَّى يَتَحَيَّنَها سبعون ألفَ ملكٍ، فيقولون لها: اطلُعِي،
فتقول: لا أَطْلُع على قَوْمِ يعبدونَي من دون اللهِ، فَيَأْتِيْهَا مَلَكٌ عن اللهِ،
فيأمُرُها بالطلوعِ، فَتَسْتَقَِّلُ لِضِياءِ بني آدم، فَيَأْتِيها شيطانٌ يُرِيدُ أَنْ
يُعِيْدَها عن الطَلوعِ، فَتَطْلُعِ بِينَ قَرْنَّهِ، فَيُحْرِقُهُ اللهُ [تَحْتَها] (١)،
وما غَرَبَتْ قَطُّ إلا خَرَّتْ للهِ سَاجِدةً، فَيَأْتِيْها شيطانٌ يريدُ أَنْ يُعِيْدَها عن
السجودِ، فَتَغْرُبُ بِينَ قَرْنَّهِ، فَيُحْرِقُه اللهُ تَحْتَها، وذلك قولُه ◌َتْ:
(مَا طَلَعَتْ إِلا بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ، ولا غَرَبَتْ إِلا بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَانٍ))(٢).
قلت: قوله من غير تكييف لا ضرورة إليه، وإنما نضطر إلى
ذلك فيما يستحيل ظاهره على الله تعالى، والقرن غير مستحيل على
الشيطان، اللهم إلا أن يريد [بقوله] (٣) من غير تكييف، من غير تعيين
(١) سقط من ((ت)).
(٢) رواه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٤ / ٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٩/ ٢٧١). وما ذكره المؤلف عن الداوودي، ذكره الحافظ في ((الفتح))
(١٣ / ٤٦) عنه .
(٣) زيادة من ((ت)).
٤٦٧

للمراد من المحامل الجائزة، والأثرُ المرويُّ عن ابن عباس محتاجٌ
القولُ به إلى الثبوت عنه، ولا يمتنع فيه أن يُحملَ القرنان على جانبي
رأسه مجازاً، فلا يتمُّ القولُ بالاحتجاج بالأثر على أنه حقيقة في
القرن، نعم تكون حقيقة في التثنية، وظاهر ما نقل أنهم يتكلمون على
القرن .
وأما الثاني: وهو المجاز، فقال الهروي: قيل: قرناه: ناحيتا
رأسه، قال: وقال الحربي: هذا مثل معناه: حينئذ يتحرك الشيطان
ويتسلط(١).
وقال بعضهم: في معنى التمثيل والتشبيه: وذلك أن تأخيرَ الصلاة
إنما هو من تسويلِ الشيطان لهم، وتسويفه(٢) وتزيين ذلك في قلوبهم،
وذوات القرون من شأنها أنها تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، وكأنهم
لما دفعوا الصلاة، وأخَّروها عن وقتها بتسويل الشيطان لهم، حتى
غربت(٣) الشمس، صار ذلك بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها،
وتدفعه بها .
وقيل: معنى القرن: القوة، أي: تطلع حين قوة الشيطان، قال
بعضهم في هذا: ويحتمل أن يريد بقرن الشيطان قوتُه وما يستعين به
علی إضلال الناس، وكذلك يسجد للشمس حينئذ الكفار.
(١) وانظر: ((الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)) للأزهري (ص: ١٠٢).
(٢) جاءت على هامش ((ت)): لعله: ((وتسويله)).
(٣) ((ت)): ((اصفرّت)).
٤٦٨

وقال بعضهم في تفسير القرن بالقوة: إنه من قولك: أَنَا مُقْرِنٌ
لهذا الأمر، أي: مطيق له قوي عليه، وذلك أن الشيطان إنما يقوى
[أمرُه](١) في هذه الأوقات، لأنه يسوِّل لعبَدَة الشمس أن يسجدوا لها.
وقال بعضهم: قرنُهُ: أمتُه وشيعتُه(٢).
[و](٣) قال بعض المتأخرين: والراجح عند جماعة من المحققين
كونه على ظاهره، وهو أن المراد جانبا رأسه، ومعناه: أنه يدني رأسه
إلى الشمس في هذه الأوقات، ليصير الساجد لها كالساجد له(٤).
قلت: قوله: على ظاهره، وتفسيره بجانبي ر سه ليس بجيد؛
لأن إطلاق اسم القرنين على جانبي الرأس مجاز، والظاهر إنما هو
الحمل على الحقيقة في القرن يكون في التثنية، كما ذكرنا حقيقة لا في
القرنين، وبعد ذلك فالجزم بالجائز الذي لا يتعيَّن الحمل عليه، يحتاج
إلى دليل يدل على الوقوع، وإنما الحمل على الظاهر أن يقال: بالقرنين
حقيقة، وأن الشمس تطلع بينهما، وذلك غیر ممتنع كما قدمنا.
والقاعدة عند المتكلمين المنتسبين إلى السنة: أن الظواهر التي
يجوز حملُها على الحقيقة عقلاً تُحمل عليها، وتعتقد على ما هو (٥)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ١٣٠ - ١٣١).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٣/ ٢٦٩).
(٥) ((ت): ((هي)).
٤٦٩

عليه من الظاهر من غير تأويل، إلا أن هذا يختلف باختلاف المَحال،
وقوة الدلالة بكثرة تتابع الظواهر على المعنى الواحد، فإن انتهت
إلى القطع بأن المراد الظاهر جزمنا بذلك، وكفّرنا المخالف، وإن
استفاضت استفاضة لا تنتهي إلى القطع بدَّعناه، وإن كان دون ذلك
فلا بأس بالقول بظاهره، لكن بشرط أن لا نُبُدِّع المخالفَ في التأويل،
ولا يُعادى في الدين، كما فعل الجُهّال، فاحترِزْ على نفسك من هذا
إن كان لك(١) بها عناية، ولسلامتها من عذاب الله رعایة، وقد مر لنا
كلام في هذه القاعدة.
إذا ثبت هذا، فقد بيَّنًّا: أن ناحيتي رأس الشيطان إطلاقُ القرن
عليهما مجاز، وفي التثنية حقيقة، وأما القول بأن القرن القوة، أي:
يطلع حين قوة الشيطان، فهو مجاز أيضاً وعلاقته القوة لأجل صلابة
القرن، وهو مجاز قريب، إلا أن التثنية في القرنين تشوش في حمله،
وكذلك التثنية في حمله على الحزب والشيعة، وهذه المعاني في
حديث الصنابحي الذي فيه الإفراد في لفظ القرن: ((أَنَّ الشمسَ تطلُعُ
ومعها قَرْنُ الشيطانِ))(٢) لا يرد عليها حديث التثنية، لكنها تقتضي أن
يكون الواقع طلوع قرن واحد، وهذا الحديث يقتضي أن يكون الواقعُ
(١) ((ت): ((لها)).
(٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٢١٩)، ومن طريقه: الإمام الشافعي
في («مسنده)) (ص: ١٦٦)، والنسائي (٥٥٩)، كتاب: المواقيت، باب:
الساعات التي نهى عن الصلاة فيها.
٤٧٠

طلوع قرنين، وهو زائد تجب إضافته إلى ما دل عليه الحديث الأول،
وقد یمکن أن يخرج ذلك.
وأما قول من يقول: إن معناه حينئذ يتحرك الشيطان ويتسلّط،
فكأنه راجع إلى معنى القوة، وقد استعمل هذا القائل لفظَ الحركة،
وقد يقرِّب ذلك بأنه حين انتشار الكفار للسجود، فيشبه اعتماله
وإغواؤه لهم بالحركة الحسية.
وأما من قال: قرنه: أمته وشيعته، فيحتاج قائله إلى مجازٍ أو
تكلّفٍ في لفظ الطلوع، وما أرى هذا إلا بعيداً عما يُفهم من ظاهر
ألفاظ الحديث.
السادسة والثلاثون: ذكر الحافظ المبارك بن محمد بن عبد الكريم
الجزري في كتابه ((الشافي)) في الكلام على هذا المعنى الذي نحن فيه،
قال: ويجوز أن يكون المراد به؛ أنه شبّه طلوع الشمس، وهو ظهورها
على العالم، بظهور الملوك والسلاطين على رعيتهم، وما يعاملونهم
به من الخِدَم والتحايا والركوع والسجود، وذلك على اختلاف أقدارهم
ومراتبهم، وكذلك يفعلون معهم عند انفصالهم عنهم، وعَوْدِهم إلى
مساكنهم، فشبّه طلوعَ الشمس وغروبها، بظهور الملوك ورجوعِهم
إلى أماكنهم، وأن الصلاة في هذين الوقتين تشبه أن تكون مضافةً إلى
طلوع الشمس وغروبها، بحدوثها عند حدوثها فنُهُوا عنها، فأما وقت
توسُّطِها السماءَ واستوائها في قُبَّة الفَلَك؛ فلأنَّ ذلك المكان هو أعلى
أمكنتها وأرفعها، والسجود في هذا الوقت إذا توهم مضافاً إليها كان
تعظيماً لشأنها، وإكباراً لقدرها، فنُهُوا عن الصلاة حينئذ، حتى لا يجريَ
٤٧١

هذا الوهمُ، ولا يظن هذا الخيال، انتهى.
وإنما أوردنا هذا الكلام؛ لأنه لا يتعلق بتفسير القرآن، ويشبه أن
یکون تعلیلاً للنھي.
السابعة والثلاثون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فإنها تطلَعُ
حين تطلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شَيْطَان)) يقتضي تعليلَ الحكم المذكور بهذه
العلة، ومناسبتُها الإبعاد عن مشابهة الكفار، والإيغالُ في مخالفتهم،
حتى في وقت تعبُّدِهم، وإن كانت العبادة على غير الوجه الذي يفعلونه؛
لأنا نسجد لله تعالى، وهم يسجدون لغيره، لكن النهي عن الصورة
أَدْخَلُ في باب التعبُّد، حتى في التشبه الصُوري، والله أعلم.
الثامنة والثلاثون: فالتعليل إذاً بسجود الكفار يُجعلُ(١) أصلاً في
امتناع التشبه في الأفعال والصور، وهو أظهر في هذا مما تقدم في قرن
الشيطان، فالتعليل بهذا أقوى وأصرح مما تقدم في المسألة قبلها.
التاسعة والثلاثون: لم يذكر في هذا الحديث غروبُها بين قرني
شيطان، وقد ورد ذلك من رواية غندر، عن عكرمة بن عمار، فيها:
((فَإِذَا صَلَّيْتَ العَصْرَ، فَأَقْصِرْ عَن الصلاةِ حتىَّ تَغْرُبَ [الشمسُ] (٢)،
فإِنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ، فحينَئِذٍ يَسْجُدُ لها الكفارُ))(٣)، فتفيد هذه
الرواية الأمرين:
(١) في الأصل: ((يجعلون))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) تقدم تخريجه عند الإمام أحمد وغيره.
٤٧٢

أحدهما (١): استمرار التعليل لمقارنة(٢) قرن الشيطان في جميع
ثلاثة الأوقات، مع ضميمةٍ ما دل عليه الحديث الذي فيه: ((فإذا
استَوَتْ قَارَنَهَا))(٣).
الأربعون: وعلى هذا فيجتمع بمقتضى اللفظ علَّتان في
الاستواء :
إحداهما: المقارنة.
والثانية: إسجار جهنم، فيحتمل أن تكون علَّة مستقلّة.
الحادية والأربعون: ويمكن أن يقال: إنَّ العلة واحدة، وهي
التشبه بالكفار، أو معنى ذلك على أن يكون إسجارُ جهنم واتّقَادُها
عبارةً عن الكفر الموجب لها بسجود الكفار، ويكون التعليل لسجود
الكفار تعليلاً بالسبب الأقرب، وبقرن الشيطان تعليلاً بسبب السبب،
وقد ذكرنا فيه حديثاً: ((فَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لهَا الكفارُ))، وهو يعطي السبب
ظاهراً.
الثانية والأربعون: الأصوليون يفرضون خلافاً بينهم وبين أبي
هاشم الجُبَّائي: في أن الواحد بالنوع هل يجوز أن يختلف حكمه
بالنسبة إلى أفراده؟ وينسبون إليه أن السجود للصنم، إنما امتنعَ فيه
قصدَ التقرب، وأما الحقيقة النوعية في السجود فهو واحدة، لا يكون
(١) في الأصل ((أحدها))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((بمقارنة)).
(٣) هو قطعة من حديث الصنابحي المتقدم تخريجه قريباً.
٤٧٣

بعضها [منهياً] (١) عنه مأموراً به، وردُّوا عليه في المسألة (٢).
والذي يتعلق بهذه المسألة من هذا الحديث أنَّ التعليلَ قد دلَّ
على النهي عن الصلاة في هذا الوقت معللاً بسجود الكفار، إشعاراً
بالتعليل بالتشبُّه لهم في العبادة في ذلك الوقت، ولو لم يعتبر الصورة
النوعية لما علَّل به المنع؛ لأنَّ المنع حينئذ لغير الصورة، ولعلَّه قصد
القرب، وهذه العلَّة منتفيةٌ بالنسبة إلينا، فلا يتعدَّى الحكمُ حينئذ منهم
إلينا على هذا التقدير؛ لانتفاء العلَّة على رأيه، وحيث تعدَّى دلَّ على
اعتبارِ الصورة في النهي، مع وجود الصورة في صورة الأمر.
الثالثة والأربعون: قد يُورَد هنا سؤال، وهو أن يقال: ما ذكرتموه
من دلالة اللفظ لتعليل مختصٍّ بحالة الطُّلوع، والحكم ممتدٌّ إلى الارتفاع
مع انتفاء العلّة بعد الطلوع؟
والجوابُ - والله أعلم - عن ذلك: أنَّ أفعال المؤدِّين لما يعتقدونه
عبادة، قد يتراخى بعضُها عن بعض، لا يمكن في العادة أن تكون
جميع الطائفة تسجد في حال الطلوع، وإذا تفاوتت أوقاتُ الأداء
اقتضى المنعَ لأجل التشبُّه إلى حالة الارتفاع حَسْماً للمادَّة، وقطعاً لما
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٦١)، و((البحر المحيط)) للزركشي
(١/ ٣٤٥).
* تنبيه: جاء على هامش ((ت)): بياض، وذلك بعد قوله ((وردوا عليه في
المسألة))، وفي الأصل جاء الكلام متصلاً.
٤٧٤

عَسَاه يقع من التشبُّه بأفعال بعض الساجدين، الذي قد يتأخَّر سجودُهم
عن أول الطلوع.
الرابعة والأربعون: قوله عليه - الصلاة والسلام -: ((صَلِّ الصبحَ،
ثم أَقْصِرْ عن الصلاةِ حتىَّ تَطْلُعَ الشمسُ، حتىَّ تَرْتَفِعَ)) تعليلٌ، والله
أعلم، للمنع من الصلاة من حين الطلوع إلى حين الارتفاع، لا لِمَا
قبلَ ذلك، وهذا جائزٌ سائغ؛ لأنه إذا تعدَّدت الأحكامُ على هذا
الترتيب المخصوص جاز أن يُعلَّل بعضها، ويُتْرَك تعليلُ البعض؛ لأن
الحكم ثابت في ذلك المعلِّل؛ كما هو ثابت فيه عند الإفراد له بالذكر،
فجاز تعلیله به، وإن انضمّ إليه غیرُه.
الخامسة والأربعون: وقد يكونُ المنع من الصلاة بعد الصبح،
وقبل الطلوع من باب سدِّ الذريعة، وحَسْم المادة، كما قلنا في التأخير
عن طلوع الشمس؛ لأنَّ أوقات الأداء للصبح متفاوتةٌ مترتبةٌ في حقِّ
المؤدِّين، وقد تقوم في أحوالٍ موانعُ عن معرفة طلوع الشمس؛ فربما
وقع في بعضها صلاةٌ وقتَ الطلوع على تقدير إباحة الصلاة بعد
الصبح، فَحَسْمُ المادة يقتضي المنع، كما تقتضيه العادة في الإعراض
عن آحادِ الصور المضطربة، وإدارة الحكم على المظنَّة، وربما يشير
إلى هذا - أعني حَسْمَ المادة - الحديثُ الذي جاء: ((لا تُصَلُّوا بَعْدَ
العصْرِ إِلَّ أنْ تَكونَ الشمسُ مُرتَفِعةً)) أو كما قال، والله أعلم.
السادسة والأربعون: التعليلُ بالذريعة مذكورٌ، وهو يحتمل
أمرين :
أحدهما: أنْ يُقال بالمنع وتُعلَّل بالذريعة؛ كما هو مقتضى
٤٧٥

مذهبٍ مالك في سدُّ الذرائع، ويُحتمل أن يعني بذلك أنَّ النهي غيرُ
مقصودٍ في التحريم، وإنما المقصودُ النهيُ عن الصلاة وقتَ الطلوع،
ووقت الغروب، والنهي قبل ذلك على سبيل الاحتياط، فلا يتعلَّق به
المنعُ، ويشهد لهذا حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال
رسول الله مَ﴾: ((لا تَتَحَرَّوا بِصَلَاتِكُمْ طُلوعَ الشمسِ، ولا غُروبَهَا،
فَتُصَلُّوا عِنْدَ ذلك))، وهو في ((الصحيح)(١).
السابعة والأربعون: فيه دليلٌ على تعليق هذا الحكم بالفعل،
أعني: فعلَ الصلاة، حتى لو تأخّر الأداءُ عن أول الوقت لم يُكره
بمقتضى هذا الحديث، فإنْ دلَّ دليلٌ من خارج على الكراهة قبل الفعل
هاهنا فذاك، لا من هذا اللفظ، وقد ورد فيه حديثٌ، أعني: فيما
يقتضي النهيَ عن الصلاة كغير ركعتي الفجر بعد الفجر، وهو مذكور
في ((الإمام))(٢)، فإن صحَّ فهو دليلٌ على الزيادة على ما اقتضاه هذا
اللفظ .
الثامنة والأربعون: اختلف أصحاب الشافعي: هل يكره بعد طلوع
الفجر مما سوى ركعتي الفجرِ من النوافل؟ على وجهين. ووجه الكراهة
بالحديث الذي أشرنا إليه.
(١) رواه مسلم (٨٣٣)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: لا تتحروا
بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها.
(٢) وانظر: ((نصب الراية)) للزيلعي (١/ ٢٥٢).
٤٧٦

ووجَّه بعضُهم عدمَها، فقال بقوله ◌َّهِ: ((لا صَلاةَ بعدَ الصبْحِ
حتىَّ تَطْلَعَ الشمسُ)) قال: والمفهوم في صلاة الصبح هو الفريضة،
فالتخصيص يدلُّ على عدم الكراهة قبلها(١).
فإن أراد به أنه يدلُّ على عدم الكراهة على سبيل العموم في كلِّ
نافلة فهذا ممنوع، وإن أراد مطلقَ نفي الكراهة، فهو معمول به في
ركعتي الفجر، فلا يدل على ما ادَّعاه.
التاسعة والأربعون: الأوقات المنهيُّ عن الصلاة فيها:
منها ما يتعلق النهي فيه بالفعل؛ كما في الصبح والعصر.
ومنها ما يتعلق بالوقت؛ كالنهي عن الصلاة عند الطلوع، وعند
الغروب.
وقد تضمن هذا الحديثُ هذا النوعَ، كما تضمن النوعَ الأول،
وهو النهي عن الصلاة عند الارتفاع(٢).
الخمسون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((فَإِنَّها تَطْلُعُ حينَ
تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ، وَحِينَئِذٍ يسجُدُ لها الكفارُ)) يحتمل أن يكون
هذان المعنيان علَّتين؛ كلُّ واحدة منهما مستقلةٌ، ويحتمل أن
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٣/ ١٣٠).
(٢) في الأصل: ((وقد تضمن هذا الحديث هذا النوع، كما تضمن النوع
الأول، وهو النهي عن الصلاة عند الطلوع وعند الغروب، وقد تضمن هذا
الحديث هذا النوع، كما تضمن النوع الأول، وهو النهي عن الصلاة))
ولا ريب أن في الكلام تكراراً لبعضه، والمثبت من ((ت)).
٤٧٧

[تكون](١) كلُّ واحدة منهما جُزْءَ علَّة، ويحتمل أن تكونَ العلَّةُ سجودَ
الكفار، وقوله: ((فَإِنَّها تُطَلُعُ حينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ)) بياناً لسبيَّة(٢)
سجودِ الكفار لها، على أن يحمل النسبة إلى الشيطان، كما يحمل في
سائر الأفعال التي تنسب إليه.
الحادية والخمسون: التنكير في قوله - عليه الصلاة والسلام -:
(بَيْنَ قَرْنَي شيطانٍ)) لا يُشْعِرُ بأنه إبليسُ رأسُ الشياطين، بل قد يُفْهَم منه
خلافُه، وأنَّ الظاهر أنه لو أريد إبليس مع سبق العهد به تعييناً في ألفاظ
الكتاب والسنة، لكان الظاهرُ أن يعرّف، لكن قد يُعرَض عن تعريفه
لفائدة ذكرناها فيما تقدم(٣).
الثانية والخمسون: إذا كانت العلَّةُ طلوعَها بين قرني شيطانٍ،
فيجعل أصلاً لكراهة الصلاة فيما يلابسه الشيطانُ من الزمان، أو
ما يكون فيه إثارة، كما تبين ذلك في الأمكنة؛ كما كُرِهت الصلاة في
الحمام على مقتضى التعليل بأنها بيت الشيطان، وفي معاطن الإبل
على مقتضى ظاهرِ التعليل بأنها جِنٌّ خلقت من جِنٍّ، فَيُلحق الزمان
بالمكان.
الثالثة والخمسون: قوله: ((ثُمَّ صَلِّ، فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لسبب)).
(٣) وذلك في المسألة الخامسة من الوجه الخامس من الكلام على هذا
الحدیث.
٤٧٨

مَحْضورَةٌ))، إذا حُمِلت الشهادة والحضور على شهود الملائكة
وحضورها، فيحتمل أن يكونَ الشهودُ والحضور إخباراً عن الوقوع،
ويحتمل أن يكون إخباراً عن إمكان الوقوع؛ الشهود والحضور
وتيسره، وهو الذي يعبّر عنه في بعض الاصطلاحات بالقوة، ويُقابَل
بقولهم بالفعل، كأنه يقال: إنَّ المانع من الحضور والشهود قد زال،
فقد يحصل الحضور والشهود، وقد يقال: إذا حملناه على الحضور
والشهود بالفعل، ففيه إشكال، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَقُرْءَانَ
اُلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أي: أَقِمْ قرآنَ الفجر،
وعلَّل ذلك بأن قرآن الفجر مشهودٌ، وظاهرُ ذلك التعليل إظهار فضيلة
الوقت، واختصاصه بالوقت المأمور بإقامة القرآن فيه؛ لأن تخصيصَه
بالذكر في ذلك الوقت، يظهر منه التعليلُ بما يختص به، وإلا فهو
وغيره من الأوقات التي تُباح فيها الصلاةُ سواء، وربما يشهد لذلك
قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((يَتَعاقَبُون فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيلِ،
ومَلَائِكَةٌ بالنَّهارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاةِ الفَجْرِ، وَصَلاَةِ العَصْرِ))(١)؛ فإما
أن يرجَّح حملُه على معنى الإمكان، أي: إمكان الشهود والحضور
فيه، أو يكونَ الشهود مختلفاً بحسب اختلاف الشاهدِيْن، فيكون
الشاهدون لقرآن الفجر غيرَ الشاهدين لسائر الصلوات في أوقات
الإباحة، والله أعلم بالمراد.
(١) رواه البخاري (٥٣٠)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر،
ومسلم (٦٣٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي
الصبح والعصر والمحافظة عليهما، من حديث أبي هريرة .
٤٧٩

الرابعة والخمسون: في قاعدة أصوليةٍ: الأمر الوارد عقبَ
الحظر هل يفيد الوجوبَ، أو يحمل على الإباحة؟ فيه ثلاثة
مذاهب(١):
أحدها: أنه لا أثر لتقدُّم الحظر، وتبقى الصيغة دالَّةً على
ما وُضعت له، فمن قال: للوجوب، بقيت دالَّةً عليه، وهو اختيار
بعض المتأخرین.
وثانيها: قولُ قوم ممن سلَّم أن الصيغةَ إذا وردت من غير قرينة
دالَّةٍ على الوجوب: أنها إذا وردت بعد تقدم الحظر كان ذلك قرينةً دالَّةً
على الإباحة.
وثالثها: أنَّه إن كان الحظر السابق عارضاً لعلَّةٍ وسببٍ، وعُلِّقَت
صيغةُ (افعل) بزوالها؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]،
ج
وكقوله التّ: ((كُنْتُ قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لِحُومِ الأَضَاحي،
فَادَّخِروا))(٢)، فإن الحظر السابق إنما ثبت لسبب، فهذا وأمثاله إذا
وردت صيغة (افعل) معلّقة برفعه(٣)، دلَّ بحكم عرفِ الاستعمالِ على
أنه لرفع الذمِّ فقط، ويغلب عرف الاستعمال على الوضع، وأما إن كان
الحظر السابق قد عرض لا لعلَّة، ولا أن صيغة (افعلْ) علَّقْت بزوال
(١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (١/ ٢١١)، و((الإحكام)) للآمدي (٢ / ١٩٨)،
و((البحر المحيط)) للزركشي (٣/ ٣٠٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في الأصل ((رفعه))، والمثبت من ((ت)).
٤٨٠