Indexed OCR Text
Pages 421-440
الذي هو (يوماً) ضرورةً، وإن كان فد تورَّعَ أبو علي في هذا، وقيل: إن ما جعله ضرورةً ليس بضرورةٍ، وذلك أن حرف العطف عطف ثلاثة أشياء على ثلاثة أشياء، فعطف (يوماً) على (يوم) المتقدم الذكر، وعطف (أديمها) على الضمير المنصوبِ المتصل بـ(ترى)، وعطف (نغلاً) على موضع (كشبه أردية العصب)، والتقدير: تراها يوماً كشبه أردية العصب، وتراها يوماً أديمها نغلاً، وإذا عطف بحرفِ عطفٍ أكثرَ من اسمٍ واحدٍ على مثله لم يَسُغْ أن يقال: إنه فُصل(١) بالمعطوف الأول بين حرف العطف وما بعده، ألا ترى أنك تقول: أعطيت زيداً درهماً وبكراً ديناراً، في فصيح الكلام، ولا يعتقدُ أحدٌ أنَّك فصلت بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ(بكر). وذكر بعض المتأخرين: أن ما ذكره أبو علي من أن الفصلَ بين حرف العطف والاسم المعطوف به بالظرف في البيت وأمثاله ضرورة صحیحٌ عنده. قال: وبيانُ ذلك: أنَّ الفعل إذا كان له مفعولان، أحدهما: ظرف، والآخر: مفعول به، كانت مرتبة المفعول به أن تتقدَّم على الظرف، وإن قُدِّم الظرف عليه فاتِّساعٌ، النية به التأخير، فإذا حذف ذلك العامل وأثبت منابه حرف العطف، لم يجز تقديم الظرف اتِّساعاً، كما كان يجوز مع الفعل؛ لأن الأصولَ تحتمل من التصرف والاتساع ما لا تحتمله الفروعُ. (١) في الأصل: ((لم يسمع أن يقال، لأنه قد فصل))، والمثبت من ((ت)). ٤٢١ قال: وقد ذكر أبو الفتح ما يدل على أن أبا علي اعتمد في تقبيح ذلك على ما ذكرته، فقال في كتاب ((القَدّ) له، قال أبو علي: إن ضربت اليوم زيداً وأمسٍ عمراً يضعف؛ للفصل بين الواو وما نصبته إذا كانت هي الآن العامل، قلت له: فإذا كانت [هي] (١) الآن عاملاً فهلاً لم يقبح؟ ضربتُ أمس زيداً واليوم عمراً، أَوَلاَ تراك تقول مبتدياً(٢): ضربت اليوم عمراً فلا يقبح، والواو عندك بمنزلة ضربت في أنها الآن العامل؟ فقال: هي وإنْ كانتِ العاملَ فإنها مُقَامٌ مقامَ العامل الأول الأصلي، فضعُف الفصلُ بينهما، وإن لم يضعفِ الفصل بين العامل الأول الأصلي وبين ما عمل فيه؛ لضعف ما أقيم مقام الشيء أن يجري مجرى الشيء نفسه. قلت: هذا الكلامُ يقرر أنَّ الفصلَ بين حرف العطف وما عمل فيه بالظرف ضرورةٌ، وهذا قد يسلم، والذي اعترض به المعترض على أبي عليّ يقتضي أنه ليس ثَمَّ فَصْلٌ بين حرف العطف وما عمل فيه، ألا تراه كيف مثَّل: أعطيت زيداً درهماً، وبكراً ديناراً، في فصيح الكلام، ولا يعتقد أحدٌ أنَّك فصَلتَ بين حرف العطف والمعطوف الذي هو (دينار) بـ(بكر)، فقد بقي أن يكون من باب الفصل، والذي حكي عنه من أنه ليس ضرورةً يريد به نفيَ ضرورةٍ كونهِ فَصَلَ بين حرف العطف والمعطوف، لا نفي كون الفصل إذا وقع ضرورةً، (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((معتدياً))، ((والتصويب)) من ((ت)). ٤٢٢ ومما ذكر في الفصل في الكتاب العزيز قراءة من قرأ: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] بنصب (مثل)، قال بعضهم: ألا تری أن (مثلهن) معطوف على (سبع سماوات)، وقد فصلت بينه وبين حرف العطف بالمجرور الذي هو (من الأرض)، وليس ذلك المجرور بمعطوفٍ على مجرورٍ معمول لـ (خلق)، فمثل هذا هو الذي إذا جاء في شعر كان ضرورة لأجل الفصل. قلت: ومما ذكر في هذا الكتاب العزيز قراءة من قرأ ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] في قراءة من نصب يعقوب، وجعله في موضع جر، وإنه قد فصل بين الواو ويعقوب بقوله: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ﴾، وجعلت هذه القراءة أصعبَ مأخذاً من بيت الأعشى؛ من قِبَل أن حرف العطف [في الآية ناب عن الجار الذي هو (الباء) في قوله: ﴿بِإِسْحَقَ﴾ وأقوى أحوال حرف العطف](١) أن يكون في قوة العامل قبله، وأن يليه من العمل ما كان الأولُ يليه، والجار لا يجوز فصلُه من مجروره، والفصل في البيت معطوفاً على الناصبِ ومنصوبِهِ ليس كالفصل بين الجار ومجروره، كان بين الناصب ومنصوبه [أسهل](٢)، [وإن](٣) أراد بالمجيء ما جاء في بيت أنشده [من الطويل]: (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). ٤٢٣ فلو كنت في خَلْقاءَ من رأس شاهقٍ وليس إلى - منها - النزولِ سبيلُ(١) وقال أبو الحسن ابن عصفور ((في شرح الجمل)): ولا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف إلا بالقَسم خاصةً، أو بالظرف والمجرور، ويشترط أن يكون حرف العطف على (زيد) من حرف واحد، نحو: قام زيد ثم والله عمرو، أو: بل والله عمرو، وقام في الدار زيد ثم في السوق عمرو، ولا يجوز قام زيد والله عمرو، ولا فالله عمرو، لأن الواو والفاء على حرف واحد، فيشتد(٢) افتقارهما لما بعدهما، فكرهوا الفصل لذلك، وقد يجوز الفصل بين الواو والفاء وبين المعطوف بهما في ضرورة الشعر بالظرف والمجرور نحو قوله [من المنسرح]: يوماً تَراها كَشِبهِ أَرْدیة الـ ـعَصْبٍ ويوماً أَديمُها نَغِلاً ففصل بـ (يوماً)(٣) بين الواو وأديمها المعطوف على الضمير في (تراها)، انتهى(٤)، والله أعلم. السادسة والعشرون: في مقدمة لغيرها، عن العلامة أبي محمد ابن بَرِّي فيما إذا وقع الفعل بعد (إلا) في الاستثناء، أنه يشتق من لفظه اسم يكون هو المستثنى في المعنى. قال سيبويه: مصدر، وقال (١) انظر: ((الخصائص)) لابن جني (٢/ ٣٩٥). (٢) ((ت)): ((ويشتدّ)). (٣) في الأصل: ((ففصل هو ما))، والتصويب من (ت)). (٤) انظر: ((شرح الجمل)) لابن عصفور (٢٥٠/١). ٤٢٤ المبرد: اسم مشتق، والأول أولى؛ لقوَّة دلالة الفعل على مصدره بالاشتقاق، فإن كان قبل (إلا) نفيٌ لفظاً، فالكلام على ظاهره فيما قبل (إلا)، وإن كان إثباتاً أَوِّل(١) بالنفي؛ لأن الاستثناء في هذا النوع مفرَّغ، لأنه استثناءٌ من متعلَّق للفعل عامٌ، إما من مفعوله العام، وإما من أحواله المقدَّرة، والمفرَّغُ لا يكون إلا في النفي ليفيد، مثالُ الأول(٢): ما يقوم زيد إلا ضحك، وما يصلي عبد الله إلا بكى، تأويله عند سيبويه: ما يقوم على حال إلا على الضحك، أي: ليس له حال عند قيامه إلا الضحك، وهي الأحوال المقدَّرة، وتأويله عند المبرِّد: ما يقوم إلا ضاحكاً، ومعنى الكلام عندهما واحد، من ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنْهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٠ - ١٢١] تأويله على قياس قول سيبويه: لا يغادر صغيرة ولا كبيرة على [حال](٣) إلا على إحصائها، وعلى قياس قول المبرِّد: إلا محصياً لها، ولا يصيبهم ظمأ ولا نصبٌ ولا مخمصةٌ على حال إلا على كَتَبَ الله لهم، أو مكتوباً. ومثال الثاني: نشدتُك الله إلا فعلتَ، وأقسمتُ عليك إلا فعلت، تأويله: ما أطلب إلا فعلَك، وما أسألك إلا فعلَك؛ لأَن نَشَدَ؛ بمعنى طلب (١) في الأصل: ((أولى))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل ((الأولى))، والمثبت من (ت)). (٣) زيادة من ((ت)). ٤٢٥ وسأل، ومنه قول ابن عباس رضي الله عنهما: بالإيواء والنصر إلا جلستم، يريد ما أسألكم وأطلب منكم إلا الجلوس، أي: ما أطلب شيئاً ولا أسألك شيئاً إلا هذا الفعلَ، وهو المفعول العام، ومثله في تأويل المثبت بالمنفي قوله تعالى ﴿لَتَأْنُنَنِى بِهِ إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] (لتأتنني) في معنى النفي، تأويله: لا تمتنِعُنَّ من الإتيان به لعلةٍ من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، أو في كل زمن من الأزمنة إلا في زمن الإحاطة بكم، فهو الاستثناء من أعمّ العام لا يكون إلا في النفي لفظاً و(١)حكماً، ونحوه في هذا التأويل قراءةُ من قرأ في الشواذ (فشربوا منه إلا قليل منهم) بالرفع على تأويل: فما أطاعه أو فما أطاعوه إلا قليل منهم. السابعة والعشرون: في مقدمة أخرى، وهي جواز العطف إلى آخرها. الثامنة والعشرون: أبو الحسن الأخفش علَّل وقوع الفعل بعد (إلا) في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبُ وَلَ مَخْمَصَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآية، بأنَّه كلام في معنى الشرط؛ لأن ما قبل (إلا) سبب لما بعدها، فأشبه لذلك الشرط، فمن ثم قال: وقع الفعل ها هنا بعد (إلا) كما يقع في جواب الشرط في قولك: من يَقَم أکرمه، ألا ترى أن معنى الآية: إن أصابهم ظمأ أو نصب أو كذا: كتب (١) (ت)): ((أو)). ٤٢٦ لهم به، ونحوه: ما تزورني إلا أكرمتُك، يريد: متى زرتني أكرمتك، ومثله في تأويل الكلام بالشرط لما فيه من معنى السببية قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرَّا وَعَلَنِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] معناه: من ينفق أمواله فله أجره، وكذلك دخلت (الفاء) في خبر المبتدأ، وكذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] معناه على بعض الأقوال: إن كشفت [عنا](١) العذاب آمنا إيماناً نافعاً لنا، ويؤكد لك ما ذكرت أن الشرط اللفظيَّ يقع قبل (إلا) هذه المذكورة، ونحو: إذا بررت أباك فأنت طائع له إلا غفر لك، معنى الكلام: إذا بررت أباك طائعاً له، فيقع غفر لك جواباً للشرط، وطائعاً حالاً منه، إلا أنك لمَّا قصدتَ أن تجعل الطاعة سبباً الحصول المغفرة جعلتها في اللفظ جواباً للشرط، وأخرجتها عن حكم الفَضْلَة إلى حكم العُمْدة، فوقع لفظ (غفر لك) فضلة لاستيفاء الشرطِ جوابه، فخرج عن حكم العمدة إلی حکم الفضلة ووقع بعد (إلا)، كما تقول العرب: الأسد مخوف، ثم إذا أردت الإشارة إليه تقريباً لمكانه [لتأكيد التخويف منه، يعني قلت: هذا الأسد مخوفاً، وحوَّلت ما كان عمدة إلى](٢) أن جعلته فضلة، ومثله: ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا﴾ [هود: ٧٢]، ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] وإنما عدل عن صريح الشرط إلى (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). ٤٢٧ صيغة النفي والإثبات في الآية لأنها أبلغ؛ لأن معنى قوله ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأُ وَلَا نَصَبٌ ... ﴾ ﴿إِلَّا كُتِبَ﴾ [التوبة: ١٢٠] لا يصيبهم ذلك على حال إلا على حال الكتابة، وهذا أبلغ في الوعد من أن يصيبهم كذا كتب لهم. التاسعة والعشرون: عن بعضهم: إذا خرج مفردان من متعدّدٍ (يإلا) مكررةً معطوفةً، عطفتَ (إلا) الثانية على الأولى بالواو، وسواء(١) كان المستثنى منه مثبتاً أو منفياً، نحو: ما جاءني أحد إلا زيد وإلا عمرو، وقام القومُ إلا زيداً وإلا عمراً، ولا يعطف هاهنا (بالفاء) ولا بـ (ثم)، فلا يقال: ما قام إلا أحد إلا زيد ثم إلا عمرو، وفإلا عمرو، ولا قام القوم إلا زيداً ثم إلا عمراً ولا فإلا عمراً؛ لأن المقصود الإخراج، والإخراج نفسه لا يقع مرتباً، إنما الترتيب في الفعل المسند إلى المخرج إذا كان مُثْبَاً لا إذا كان منفياً؛ لأن الترتيب إنما يكون في الفعل الحاصل في الوجود، ولا يكون في الخارج عنه باعتبار سقوطه من الخارج؛ لأن ترتيبَ الأشياء فرع عن وجودها، وعن غير هذا القائل ما يوافقه في هذا المكان، وهو قوله: تختص الواو في العطف بالعطف على معمول فعل لا يصح من واحد؛ نحو: اختصم زيد وعمرو، ويشارك عبد الله وأخوك، وبالعطف في نحو: ما قام أحد إلا زيد وإلا عمرو، وفي [نحو] (٢): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ (١) ((ت)): ((عطف إلا الثانية على الأولى بالواو، سواء)). (٢) زيادة من ((ت)). ٤٢٨ وَاُلَّمُ ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأن المقصودَ ذِكْرُ المحرمات لا ترتيبُها في نحو: جاء زيد وعمرو معه، وجاء زيد وعمرو قبله، والمقصود من هذا الكلام ما قاله في نحو: ما قام أحد إلا زيداً وإلا عمراً. الثلاثون: في فرع من فروع ما تقدم: فقياسُ قولِ سيبويه في ((مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ يُقَرِّبُ وَضُوءَه فُيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَنْثِرُ)) على حال إلا على حال خروج خطايا وجهه وفِيْهِ وخیاشیمه، أي: ليس له حال عند تلبُّس هذه الأحوال والأفعال إلا حالاً واحدة وهي خروج خطاياه(١)، وعلى قياس قول المبرِّد: ما يفعل أحدُكم هذه الأفعالَ إلا خارجةً خطاياه. وعلى قياس قول الأخفش: إن قرَّب أحدُكم وضوءه فتمضض، واستنشق، وانتثر، خرجت خطايا وجهِهِ، وفيه، وخياشيمه، والله أعلم. الحادية والثلاثون: في فرع آخرَ من فروع ما تقدم، قوله في الحديث: (ثُمَّ إِذِاَ غَسَلَ وَجْهَهُ إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايا وَجْهِه)) مُشْكِلٌ لِما تقدم [في] (٢) القاعدة الأولى من وجوب تقدُّم النفي، ويحتمل في تخريجه وجوه: أحدها: أنه مِمَّا حُمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ، ویکون التقدير: ثم لا يغسل وجهه إلا خرجت خطایا، لا بمعنی أن (إذا) تكون بمعنى (لا)، بل باعتبار ما يُفهم من جملة الكلام، وحَمْلُ الكلام على المعنى مع دخول (إلا) قد تقدم لنا مثالُه، ومنه: نَشَدتُك اللهَ إلا فعلتَ كذا، وهو كلام محمول على المعنى كأنه قال: (١) ((ت)): ((خطاه)). (٢) زيادة من ((ت)). ٤٢٩ ما أَنْشُد إلا فعلَك، أي: ما أسألك إلا فعلك، ومثل ذلك (شَرِّ أهرَّ ذا نَابٍ)(١)، و(شيء جاء بك)، قال ابن يعيش: وجاز وقوع فعلت هاهنا بعد (إلا) من حيث كان دالاً على مصدره، كأنهم قالوا: ما أسألك إلا فعلك، ونحوه ما أنشده أبو زید [من الوافر]: فقالوا ما تشاءُ فقلتُ ألهو إلى الإصْباحِ آثِرَ ذي أثيرٍ(٢) فأوقع الفعلَ على مصدرِه؛ لدلالته عليه، كأنه قال في جواب (ما تشاء): (اللهو)، وإذا ساغ أن يحمل (شرٌّ أهرّ ذا ناب) على معنى النفي في نشدتُك اللهَ إلا فَعلتَ، أظهر لقوة الدلالة على النفي لدخول (إلا) لدلالتها عليها، انتهى ما أردت نقله(٣). ومن الحمل على المعنى: أقسمتُ عليك إلا فعلتَ، فقياسه لو أجريَ على ظاهره أن يقال: ليفعلن، لأنه جواب القسم في طرف الإيجاب بالفعل، فتلزمه اللام والنون، لكنهم حملوه على نشدتكَ اللهَ إلا فعلت؛ لأن المعنى فيهما واحد، قال سيبويه رحمه الله: سألت الخليل رحمه الله عن قولهم: أقسمت عليك لما فعلت وإلا فعلت، لمَ (١) يقال: أهرَّه: إذا حمله على الهرير، وشر: رفع بالابتداء وهو نكرة، وشرط أن يبتدأ بها حتى تخصص بصفة؛ كقولنا: رجل عن بني تميم فارس، وابتدؤوا بالنكرة هاهنا من غير صفة، وإنما جاز ذلك؛ لأن المعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر. وذو الناب: السبع. يضرب في ظهور أمارات الشر ومخايله. انظر: ((مجمع الأمثال)) للميداني (١ / ٣٧٠). (٢) البيت لعروة بن الورد، كما في ((ديوانه)) (ص: ٥٧). (٣) انظر: ((شرح المفصل) لابن يعيش (٢ / ٩٤ - ٩٥). ٤٣٠ جازَ هذا، وإنما أقسمت هاهنا كقولك: والله؟ فقال: وجهُ الكلام: لتفعلَنَّ، ولكنهم أجازوا هذا؛ لأنهم شبهوه(١) بقولهم: نشدتك اللهَ إلا فعلت، إذ كان المعنى فيهما معنى الطلب(٢). ومن الحمل على المعنى في قولهم: قلّ رجلٌ يقول ذلك إلا زيد، أي: ما يقول ذاك أحد. وثانيها: أن يقال: ما منكم من أحد يقرب [وضوءه](٣) فيتمضمض، ويستنشق، وينثر، إلا خرجت الخطايا من فيه وأنفه وخیاشیمه، ثم إلا خرجتْ خطاياه إذا غسلَ وجهَه. ((فَيُمَضْمِضُ، وَيَسْتَنْشِقُ، وَيَنْتَثِ)): صفاتٌ لأحد، و((إِلاَّ خَرَجَتْ)) هو الخبر؛ لأنه محطّ الفائدة، والمعنى: ما أحد يفعل هذه الأشياء إلا کان کذا. وقوله - الَّهِ -: (ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ إِلاَّ خَرَجَتْ)) فيه تقدیمٌ وتأخيرٌ، وفُصِل بين حرف العطف والمعطوف بالشرط، والتقدير: إلا خرجت الخطايا من وجهه وفيه. والفصلُ بين حرف العطفِ والمعطوفِ إذا كان على أكثر من حرف بالقسم، والظرف، والمجرور، جائزٌ، وأما إن كان على حرف واحد، فلا يجوز إلا ضرورةً. (١) في الأصل و((ت)): ((شبهوا))، والمثبت من ((الكتاب)) لسيبويه. (٢) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٣/ ١٠٥ -١٠٦). (٣) زيادة من ((ت)). ٤٣١ وهذا فرع من فروع القاعدة التي قدَّمناها في الفصل بين حرف العطف والمعطوف، وقد نقل أبو عبد الله بن مالك، عن أبي علي: المنعَ منه، إلا في ضرورة(١)، فإذا بُني على الجواز، فيكون من باب عطفٍ جملة على جملة، ويكون جواب الشرط محذوفاً؛ لأن النية بهذا الشرط التأخيرُ، فيصير المعنى: إلا خرجت خطايا وجهه، إذا غسل وجهه کان ذلك. وثالثها: أن يكون العطفُ على ((تمضمض)) وما بعده، و((إذا)) ظرف، ومعنى الشرط(٢) وجوابه محذوف، تقديره: أسبغَ غسله، أو أَتَمَّه، أو بَالَغَ فيه، أو ما أشبه ذلك، ودلَّ على هذا المحذوف سياقُ المعنى، وقوله: ((وينتثر)) لأن الانتثارَ عملٌ زائد على المضمضة والاستنشاق، كما أنّ الإسباغَ زائدٌ على غسل الوجه، وحذفُ جواب (إذا) جائزٌ، و(إذا) وجوابها المعطوف جملة معطوفة بـ(ثم) على (تمضمض) وما بعده، ووقوع (إذا) مع جوابها معطوفة على ما قبلها بـ (ثم) جائز لقوله تعالى ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨]، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ﴾ [الروم: ٣٣]. ورابعها: أن يُعْطَفَ ((ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَه)) [على ((يُقَرِّبُ فيُمَضْمِضُ)) فيكون عطف جملة الشرط على هذه الجمل، ولا يكون (١) انظر: ((شرح الكافية)) لابن مالك (٣/ ١٢٣٨). (٢) (ت)): ((وإذا ظرف فيه معنى الشرط)). ٤٣٢ فصل بين حرف العطف والمعطوف، وكأنه قيل: من منكم من أحد إذا غسل وجهه](١) إلا خرجت الخطايا من وجهه، كما قيل: ما منكم من أحد يقرب فيتمضمض إلا خرجت خطايا فيه، واعترض عليه باحثُ: بأنَّ على هذا التقدير إذا غسل وجهه؛ إما أن يجرد (إذا) عن الظرفية، ويجعله لمجرد الظرف، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَلَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]، أو يجعلَها ظرفاً فيه معنى الشرط، فإن جعلتها لمجرد الظرف، كانت في موضع الصفة؛ لأنَّها معطوفة على الصفة، والمعطوف على الصفة صفة، وإذاً لا تكون صفة للحدث(٢)، كما لا يكون خبراً عن الحدث(٣)؛ لأنَّها من ظروف الزمان، وإن جعلتها شرطية، فالجواب محذوف والجملة من الشرط، والجزاء في موضع الصفة، وتقع الجملة الشرطية صفةً للحدث (٤) بخلاف ظرف الزمان وحده، دون أن يكون في جملة الشرط، وإن جعلتها شرطية و(إذا) وجوابها المحذوف جملة معطوفة بـ(ثم) على (تمضمض) وما بعده، فالجواب المحذوف إما أن تقدره قبل: ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه)) أو بعده، لا جائزَ أن تقدره قبله؛ لأنه إذ ذاك يبقى الخبر لا فائدة له، إذ يصير التقدير: ما منكم من أحد إذا غسل وجهه خرجتِ الخطايا من وجهه إلا خرجت الخطايا من وجهه، ولا جائزَ أن تقدره بعده؛ لأنه إذ (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((للجثث)). (٣) ((ت)): ((للجثث)). (٤) ((ت)): ((للجثث)). ٤٣٣ ذاك يبقى الخبر أيضاً لا فائدةَ له، وتكون قد فصلتَ بين الشرط والجواب، الذي مجموعُهما وقع صفة لقوله: ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه))، فيكون ذلك فصلاً بين أجزاء الصفة، وهذا كله لا يجوز. ويلزم أيضاً على كلا التقديرين: العطف على عاملين؛ لأنَّ (ثم) عطفت ((إِذَا غَسَلَ وَجْهَه))، أي: على ((يقرب فيمضمض)) فهو في موضع جرٍّ على اللفظ، أو رفع على الموضع؛ لأن قوله: ((من أحد)» مبتدأ، و(من) زائدة، وعطفت أيضاً ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه)) على ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا فِيْهِ))، فهو في موضع رفع؛ لأنه معطوف على الخبر، وهذا لا يجوز إلا على مذهب من أجاز العطفَ على عاملين، وهو الأخفشُ. وعلى التقدير المذكور الذي خُرِّج عليه الحديث، لا تكون من هذا الباب، لأنه ليس إلا معطوفٌ واحد، وهو: ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه)) على معطوف عليه واحد، وهو: ((إِلَّ خَرَجَتْ خَطَايَا فِيْهِ))، هذا معنی ما قیل. واعلم: أن هذا الوجهَ، وما قيل في إبطال العطف على ((يُقَرِّبُ فَيُمَضْمِضُ)) من أركان صحته، وإبطال ذلك التقدير، أنه يلزم أن لا تكونَ في الخبر فائدةٌ، وهذا اللازمُ لازمٌ عن وجوب تقدير الجواب: فخرجت خطاياه، وفي تغيّر هذا التقدير للجواب منع، فليُبْحَث عليه، ولينظر إلى ما حكيناه عن كلام الأخفش في: (إذا بررت أباك فأنت طائع له إلا غفر لك). ٤٣٤ وخامسها: أن تكون (إذا) لمَحضِ الظرف مجردةً عن معنى الشرط، لا جواب لها، والعاملُ فيها فعلٌ محذوف من جنس المنطوق به، تقديره: ثم يُقرِّب وَضوءَه إذا غسل وجهه، وتكون الظرفية بمعنى الملابسةِ، أي: ثم يُلابِسُ وضوءه حتی غسل وجهه، ويجوز أن يكون فيها معنى الشرطِ، وجوابُها محذوفٌ، وعلى كلا الوجهين يجوز أن تكون هذه الجملة المذكورة معطوفة على (يقرب) وما بعده، فتدخل في حكم الصفة؛ لأن المعطوف على الصفةِ صفةٌ، وتكون كلُّها صفاتٍ للمبتدأ المنطوق به، وهو واحد من غير إضمارِ موصوفٍ ءُ غيرِهِ، ويكون الكلام كلَّه جملةً واحدةً، ونحن إذا جعلنا (إذا) ظرفاً ومعمولاً بفعل مقدر، لا تكون (إذا) وحدها صفة، وإنما الجملة بكمالها هي الصفة، أعني: (يقرب) المضمرة مع (إذا)، وما دخلتْ عليه . وقد يُعترض على هذا الوجه بأن يقال: (إذا) وصفتِ المبتدأَ، ثم أُخِبر عنه، فلا يُرجع إلى وصفه بعد أن أُخْبِرَ عنه، فلا يقال: زيد العالم الفاضل في الدار الكاتب، فيكون الكاتبُ صفةً لزيد بعد أن أخبر عنه بـ(في الدار)؛ لأن فيه الفصل بين الأوصاف بأجنبي، وهنا قد وصف المبتدأ بقوله: (يقرب) وما بعده، ثم أخبر عنه، بما (١) أخبر عنه بـ(خَرجَت خَطَايا وَجْهِه وفِهِ وخَيَاشِیمِه)) ثم رجع إلى وصفه بالجملة التي بعد (ثم) المقدر فعلها على تقدير الظرفية، أو جوابها على تقدير الشرطية . (١) في الأصل: ((ثم))، والمثبت من ((ت)). ٤٣٥ ویجاب عنه: بأن المبتدأ قد يُوصَف بأوصاف ويخبر عنه باعتبار كل صفة بخبر يلائم تلك الصفة، فيتكرر الإخبار عن مبتدأ واحد باعتبار ما تكرّر من أوصافه، كقولك: ما من أحد يصلي في المسجد الحرام إلا صلاته كألف صلاة، ولا يصلي في مسجد رسول الله يَله إلا كانت صلاته كسبع مئة صلاة، ولا يصلي في المسجد الأقصى إلا كانت صلاتُه بخمس مئة، وكذلك في الحديث؛ أخبر عن ((أحد)) بخروج خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، باعتبار وصفه المضمضة والاستنشاق والانتثار، ثم أخبر عنه بخروج خطايا وجهه، فحُسِب باعتبار وصفه بغسل وجهه فحسب. وسادسها: أن تكون هذه الجملة المذكورة، أعني: (يقرب) المقدرة مع (إذا) وما دخلت عليه صفة لمبتدأ محذوف منفيٍّ من لفظ المنطوق، تقديره: ثم ما منكم من أحد يقرِّبُ وضوءَه، حين غَسْلِ وجهه، أو ما منكم من أحد إذا غَسَلَ وجهه أدَّى الواجب، أو ما أشبهه، ويكون الكلام جملتين، وكيف ما قدر بقوله: ((خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِه)) في موضع رفع خبر، إما على المبتدأ المنطوق به، وإما على المقدر کما ذکر، وقد يُعترض على هذا الوجه باعتراضین : أحدهما: أن فيه حذفَ المبتدأ منفياً مع أداة نفيه بعده، والمعروف أن يحذف إذا حذف مع بقاء نفيه، نحو: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتٌِّ﴾ [النساء: ١٥٩]، ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا ج وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، و﴿وَمَا مِنَّآَ إِلَّا لَهُ, مَقَامٌ مَّعَلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] التقدير في الكل: أحد. ٤٣٦ وقد يُجاب عنه: بأن المسوِّغ لذلك ظهور المعنى، وقوة القرينة عليه، وأن المحذوف من لفظ المنطوق بعينه، كقولهم: بين ذراعي وجبهة الأسد (١) و[من البسيط]: ويا تيمُ تيمَ عدي(٢) على أحد التقديرين. [من الطويل]: وإني وقيَّار بها لغريب(٣) وأشباه ذلك. الثاني: أن فيه حذفَ الموصوف، وإقامةَ الصفة مقامه؛ لأن التقدير على هذا الوجه: ثم ما منكم من أحدٍ إذا غسل وجهه، وحذفُ الموصوف، وإقامةُ الصفة مقامَه، لا تَحْسُن ولا تكثُر، إلا إذا كانت الصفةُ محضةً مختصةً، فلا يحسن: جاء يركبه(٤)، على معنى: جاء رجل يركب، ولا جاء عندنا، بمعنى: جاء رجل عندنا، ولا مررت (١) تقدم ذكره، وأنه نسب إلى الفرزدق. (٢) صدر بيت لجرير، كما في ((ديوانه)) (ص: ٢١٩)، وتمامه: لا يوقعنَّكم في سوأة عمرُ يا تيم تيم عدي لا أبالكم (٣) عجز بيت منسوب لضابىء بن الحارث البرجمي، كما في ((الكتاب)) لسيبويه (١/ ٧٥) وهو من شواهده، و((خزانة الأدب)) للبغدادي (٤/ ٣٢٣)، وصدره: فمن يكُ أمسى بالمدينة رحلُه (٤) (ت)): ((یرکب)). ٤٣٧ بأبيض؛ لأن الفعلَ والظرفَ غيرُ صفة محضة، و(أبيض) غير مختصة، وقوله في الحديث: ((ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهَ)) مع ما يقدر معه جملة، صفة لمبتدأ محذوف على غير هذا الوجه، وهي غير صفة محضة، فلا تحسن إقامتها مقام موصوفها . ویجاب عنه: أنه وإن كان قليلاً، لكنه سُمعَ من العرب له نظائر؛ فمن ذلك ما أنشده(١) سيبويه [من الرجز]: لو قلتَ ما في قَومِها لم تَيْثَمِ يفضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمٍ (٢) یرید أحد يفضلها . وأنشد المبرد [من الوافر]: كأَنّك من جمالِ بني أُقْيشِ(٣) يريد: جمل من جمال بني أُقَيِش(٤). وأنشد أبو زيد [من الرجز]: (١) ((ت)): ((أنشد)). (٢) البيت لحكيم بن مُعيَّة الرِّبعي، كما نسبه البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٥/ ٦٤). وهو من شواهد سيبويه في ((الكتاب)) (٢/ ٣٤٥)، و((المفصل)) للزمخشري (ص: ١٥٤). (٣) صدر بيت النابغة الذبياني، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٩٠)، وعجزه: يقعقَعُ خلف رجليه بشَنِّ وانظر: ((المقتضب)) للمبرد (٢ / ١٣٨). (٤) في الأصل: ((قيس))، والمثبت من ((ت)). ٤٣٨ يرمي بِكَفَّي كان مِنْ أَرْمَى البشر(١) یرید: بکفي رجل . وأنشد بعضهم لعَبِيْد بن الأبرص [مجزوء الكامل المُرفَّل]: نَشَمٍ وآخَرَ مِنْ ثُمَامه (٢) جَعَلَت لها عُوْدَين مِنْ قالوا: يريد عوداً من نَشَم، فحذف الموصوف، وأقام صفتَه مقامه، و(آخر) عطف على الموصوف المحذوف، لا علی (عودین)؛ لأنه لو کان کذلك لکانت ثلاثة أعواد. وقال: ومنه: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]. قال ابن مالك: وهو مطَّردٌ في النفي، كقولهم: ما منهما مات، حتى رأيته يفعل كذا، وقد يُسهِّل ذلك في الحديث، أنَّ الصفة فيه مختصةٌ، وإن لم تكن محضة (٣). الثانية والثلاثون: وأما القاعدة التي ذكرناها في عطف المفردين بالواو(٤)، والعلة المذكورة كذلك، فإنما ذكرناها ليُنظر بينها وبين (١) انظر: ((المقتصب)) للمبرد (١٣٩/٢)، و((المفصل)) للزمخشري (ص: ١٥٥)، و((لسان العرب)) لابن منظور (١٣ / ٤١٥). قال البغدادي في ((خزانة الأدب)) (٥/ ٦٥ - ٦٦): هذا الشاهد قلما خلا منه کتاب نحوي، لكنه لم يعرف له قائل، والله أعلم. (٢) انظر: ((شعر عبيد بن الأبرص)) (ص: ١١٧) (ق ٤٨ /٩). (٣) ((ت)): ((غير محضة)). (٤) (ت)): ((الواو)). ٤٣٩ ما نحن فيه، وإلى العلة التي ذكرت، وهل ثَمَّ فرقٌ، أو لا؟ فيه تظهر صحةُ بعض هذه الوجوه، أو فساده، على أنَّ هذه الوجوهَ إنما ذُكِرت لتحقق النظر فيها بعد ذلك، والموضعُ لم يتقدم فيه كلامٌ لأحدٍ من المصنفين فيما رأيته، وإنما المذكور احتمالات ومَباحِث(١) وقع الكلام فيها، فذَكِرَت لتكونَ للفكر مُعَرِّضة، وعن الإهمال مُعْرِضة، وللتهذيب متعرِّضَة. الثالثة والثلاثون: قوله في بعض الروايات: ((انصَرَفَ مِنْ خَطِيْئَتِهِ كَيَومَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) [يومَ](٢) مفتوح مبني لإضافته إلى الفعل الماضي المبني، كقوله [من الطويل]: على حينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبَا(٣) وقوله [من البسيط]: لم يَمْنَعِ الشّربَ منها غَيْرَ أن نَطَقَتْ حَمَامَةٌ في غُصُونٍ ذاتٍ أَوْقَالٍ (٤) والإضافةُ إلى المبنيِّ أحدُ أسباب البناء. (١) ((ت)): ((مباحثات)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) صدر بيت النابغة الذبياني، كما في ((ديوانه)) (ص: ٨٠)، وعجزه: وقلتُ ألمًّا أصُ والشَّيبُ وازعُ (٤) البيت لأبي قيس بن رفاعة، كما في ((المفصل)) للزمخشري (ص: ١٦٣). ٤٤٠