Indexed OCR Text

Pages 281-300

وذكر غيرُ البخاري: أنَّ نعيماً هذا روَى عن أبي عبد الرحمن
عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي، وأبي هريرة الدَّوسي، وأبي
حمزة أنسٍ بنِ مالكِ الأنصاري، وأنه روَى عن جماعة من التابعينِ؛
منهم محمد بن عبدالله بن زيد بن عبد ربِّه الأنصاريّ، وعلي بن يحيَى
ابن خَلاَّد الأنصاري، وأنه روى عنه أبو جعفر محمد بن علي بن حسين
ابن علي بن أبي طالب الهاشمي، ويُكَير بن عبدالله بن الأشجِّ المدني،
وزيد بن أبي أُنَيَسة الجَزَرِي، وعُمارة بن غَزِية الأنصاري، ومحمد بن
عَجلان المدني، وسعيد بن أبي هلال الليثي، ومالك بن أنس الأَصْبَحِي،
وغيرهم.
الثانية: المُجْمِر: بضم الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم
الثانية؛ قيل، ويقال: المُجَمِّر: بفتح الجيم، وتشديد الميم الثانية
المكسورة (١).
قلت: والأول هو الأشهرُ.
الثالثة: هذه الصفةُ معناها تجميرُ المسجدِ؛ أي: تبخيرُهُ،
والتجميرُ لفظً مشترَك بين هذا المعنى وغيرِه، إلا أنَّ هذا المعنى هو
المرادُ هاهنا.
الرابعة: كلامُ البخاري - رحمه الله - يدلُّ عَلَى أنَّ المجمرَ صفةٌ
(١) انظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (١/ ٣٩٥)، و((شرح مسلم)) للنووي
(٣/ ١٣٤).
٢٨١

النعيم، والبرقي يذكر: أنَّهُ كانَ أبوه يُجمِرُ المسجدَ إذا قعد عمر علَى
المنبرِ، قال: فيما أنبأ ابن بكير (١).
وهذا يقتضي أنَّ المُجمِرَ في الوصفِ المذكور أبوه ظاهراً، وزعمَ
بعضُ المتأخرين: أنَّ المجمرَ صفةٌ لعبدالله، ويطلقُ علَى ابنه نعيم
مجازاً(٢).
قلت: لا يتعيَّنُ المجازُ حتَّى يتبيَّنَ انتفاءُ الحقيقة، وهو أنَّهُ لمْ
يكنْ يجمرُ المسجدَ، وهذا يحتاجُ إلَى نقلِ مَنْ عاصره.
الخامسة: قالَ أبو عمر بن عبد البر: ونعيمٌ أحدُ ثقاتٍ أهل المدينة،
وأحدُ خيار التابعين بها.
قال: وكان نعيمٌ(٣) يوقِفُ كثيراً من حديث أبي هريرة مما يرفعه
غيرُهُ من الثقات.
قلت: هذا دلیل علی توژُّعه وتحژُّزه.
وقال أبو عبدالله محمد بن إسماعيل الأندلسيُّ؛ يعني نُعيماً: كان
رجلاً صالحاً خِياراً، أخرج له الشيخان؛ البخاريُّ، ومسلم، وهو
عندهم ثقة؛ قاله يحيى، وأبو حاتم، والنَّسوي وغيرهم(٤).
(١) وانظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٦ / ١٧٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٤).
(٣) في الأصل ((أبو نعيم))، والتصويب من ((ت)).
(٤) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣٠٩/٥)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري =
٢٨٢

وأما أبو حازم هذا - فهو بالحاءِ المُهمَلة، وبعد الألفِ زائيٌ - قالَ
أبو علي الجيَّاني(١) في ((تقييدِ المُهمَلِ)): ومنهم حازمٌ، وأبو حازمٍ:
تابعيَّان، يرويَان عن الصحابة.
فالأول منهما: أبو حازم الأشجعيّ، واسمُه سلمان مولَى عزةَ
الأشجعية، كوفيٍّ، يروي عن أبي هريرة، روَى عنه منصور، وسيَّار
أبو الحكم، وفضیل بن غزوان.
والثاني: هو أبو حازم سَلَمَة بن دينار الأعرج، ويُقَال له: الأفْزَر،
الزاهد، مولَى الأسود بن سفيان، يروي عن سهل بن سعد السَّاعِديّ،
روَى عنه مالك، والثوري، وابن عُيَينة، وسليمان بن بلال، وأبو غسان
محمد بن مطرف، واسمه عبد العزيز.
ونسبه أبو نصر الكلاباذِيُّ في ((كتابه)) فقال: سلمة بن دينار، أبو
حازم، الأعرج، التمار، الزاهد.
وذكرُ التمارِ في نسبةِ سلمةَ بن دينار وهمٌّ.
وأبو حازم التمار المدني: رجل ثالث، واسمه دينار مولَى أبي
= (٨/ ٩٦)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٨/ ٤٦٠)، ((الثقات)) لابن
حبان (٥/ ٤٧٦)، ((التمهيد)» لابن عبد البر (١٦/ ١٧٧)، ((الإرشاد في
معرفة علماء الحديث)) للخليلي (١ / ٢١٦)، ((تهذيب الكمال)) للمزي
(٢٠٩/ ٤٨٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥/ ٢٢٧)، ((تهذيب
التهذيب)» لابن حجر (١٠ / ٤١٤).
(١) في الأصل و((ت)): ((الجبائي))، والصواب ما أثبت.
٢٨٣

رهم الغفاري، يروي عن الشافعيّ، وغيره، روى عنه محمد بن إبراهيم
ابن الحارث التيمي، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وحديثُهُ في ((الموطأ))،
انتھی.
قالَ البخاري في ((التاريخ)): سلمة بن دينار، أبو حازم، الأعرج،
مدني، مولَى الأسود بن سفيان المخزومي، هو القاصُّ.
قلت: الأفْزَرُ: بإسكان الفاء بعدها زاي ثم راء.
وأبو حازم هذا: مدنيٌّ يُنسبُ ولاءً(١) إلَى بني مخزوم من قريش،
وقيل: هو مولّى لبني أشجعَ من بني ليث، وأنه كان يقصُّ بعد الفجر
وبعد العصر، وأنَّ أمَّهُ كانت رومية.
روَى عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي، وعن جملة من
و
التابعين منهم أبو إدريس عائذَ الله بن عبدالله الخولاني، وأبو محمد
سعيد بن المسيب المخزومي، وأبو يحيَى عبدالله بن أبي قتادة الحارث
ابن رِبْعي الأنصاري السُّلمي، وأبو رَوْح يزيد بن رُومان القُرَشي
الأسدي مولاهم المدني.
روى عنه مالك بن أنس الأصبحي، وعبيدالله بن عمر بن حفص
العمري، وسفيان بن سعيد الثوري، وسفيان بن عُيَينة الهلالي، وفُلَيح
ابن سليمان الخُزاعي، وحماد بن سلمة بن دينار الربعي، وحماد بن
(١) ((ت)): ((ولاءه)).
٢٨٤

زيدٍ بن درهم الأزدي، وسلمان بن بلال القَرَشي، وابنُه عبد العزيز بن
أبي حازم، وغيرهم.
اختُلِفَ في وقتٍ وفاته، فقيل: توفي سنة ثلاثين، وقيل: أو
ثلاثٍ وثلاثين ومئة، وقيل: توفي في خلافة أبي جعفر المنصور بعد
سنة أربعين ومئة.
وقال محمد بن إسماعيل الأندلسي ۔ بعد ذكر من ذكرناه ممن روَی
عنه، وروَى هو عنه -: وهو من الفضلاءِ الزهاد الأخيار، أخرج له
البخاري ومسلم، [و](١) هو ثقة؛ قاله (٢) أبو حاتم، وأحمد، والنَّسوي،
وغيرهم.
وذكره أبو عمر النمري فقال: وكان أبو حازم هذا أحدَ الفضلاءِ
الحكماءِ العلماءِ الثقاتِ الأثباتِ من التابعينِ، وله حِكَمٌ وزهديَّاتٌ
ومواعظُ ورقائقُ ومقطعات.
وروي عنه أنَّهُ قال: كلُّ نعمةٍ لا تقرِّبُ من اللهِ بِليَّةٌ(٣).
وقال أيضاً: نعمةُ الله عليَّ فيما زَوَى عني من الدنيا أعظمُ مما
أعطاني منها؛ لأنَّي رأيت أقواماً أُعطُوا من الدنيا فهلكوا(٤).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((قال هو))، والمثبت من (ت)).
(٣) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٣/ ٢٣٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(٤٥٣٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٢ / ٥٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الشكر)) (١٢٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) =
٢٨٥

وقال: انظرْ كلَّ عملٍ كرهْتَ الموتَ من أجله فاتركْهُ، ثم لا يضرك
متَى مثَّ(١).
* الوجهُ الثاني: في إيراد الروايتين المختصرتين على الوجه:
أما الروايةُ الأولَى من حديث نعيم بن عبدالله، فهي عندَ مسلم
من طريق سعيد بن أبي هلال، عن نعيم بن عبدالله: أنَّهُ رأَى أبا هريرة
يتوضَّأَ، فغسل وجهَهُ ويديه حتَّى [كاد](٢) يبلغُ المنكبين، ثم غسل
= (٣/ ٢٢٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٩/٢٢)).
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٢٦٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٢٢ / ٤٦ - ٤٧).
* مصادر الترجمة :
((التاريخ الكبير)) للبخاري (٤ / ٧٨)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(٤/ ١٥٩)،((الثقات)) لابن حبان (٤ / ٣١٦)، ((رجال البخاري))
للكلاباذي (١ / ٣٢١)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٣/ ٢٢٩)، («التمهيد)»
لابن عبد البر (٢١/ ٩٥)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (١٦/٢٢)، ((صفة
الصفوة)) لابن الجوزي (٢/ ١٥٦)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي
(٢/ ٤٩٤)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (١١ / ٢٧٢)، ((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٦ / ٩٦)، ((تهذيب التهذيبب)) لابن حجر (٤ / ١٢٦).
* تنبيه: جاء على هامش ((ت)): ((بياض من الأصل نحو ثلثي الصفحة))،
ولم يشر إليه في ((م)).
(٢) زيادة من ((ت)).
٢٨٦

رجليه حتَّى رفع إلَى الساقينِ، ثم قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول:
((إنَّ أمَّتي يأتونَ(١) يومَ القيامةِ غُرّاً مُحجَّلينَ من أثر الوضوء، فمن
استطاعَ منكم أنْ يطيلَ غُرَّتَهُ، فليفعلْ)).
وأما روايةُ أبي حازم، فهي عندَ مسلمٍ من حديث أبي مالك
الأشجعي، عن أبي حازم قال: كنتَ خلفَ أبي هريرة، وهو يتوضَّأ
للصلاة، فكان يمدُّ يدَه حتَّى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا
الوضوء؟ قال: يا بني فرُّوخَ! أنتم هاهنا؟ لو علمت أنَّكم هاهنا
ما توضَّأْتُ هذا الوضوءَ، سمعتُ خليلي ◌َّهُ يقول: ((تَبْلُغُ الحِليةُ من
المُؤمِنِ حيثُ يبلُغُ الوُضُوءُ».
رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد، عن خلف بن خليفة، عن أبي
مالك(٢).
* الوجهُ الرابع: في تصحيحه:
الطرق الثلاث عندَ مسلم؛ أعني: طريقَ عُمارة، وسعيد، وأبي
حازم، وقد أخرج البخاري معه طريقَ سعيد بن أبي هلال، وأخرج
(١) (ت)): ((يدعون)).
(٢) جاء على هامش ((ت)): ((وجدت في الأصل ما مثاله: وجدت في الأصل
يرجع إلى الوريقة التي أولها، الوجه الثالث: في إيراد أحاديث، قال: ولم
أجد الورقة. ثم بيض نحو من نصف صفحة)). ولم يشر إلى سقط الوجه
الثالث في ((م)).
٢٨٧

النسائي معه حديثَ قتيبة بن سعيد، عن خلف بن خليفة، عن أبي
مالك، وحديثُهُ يروَى مطوَّلاً ومختصراً، وأخرجه مسلمٌ بالوجهينِ،
وهو عندَ ابن ماجه من طريق أبي مالك أيضاً، وانفردَ مسلمٌ بطريق
عمارة، والله أعلم.
* الوجهُ الخامس : في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولَى: قالَ القُرطبي أبو العباس: قوله: (ثم غسلَ يدَهُ اليُمنَى
حتَّى أشرعَ في العَضُدِ) رباعيٍّ؛ أي: مذَّ يده بالغسلِ إلَى العضد،
وكذلك (حتَّى أشرع في السَّاقِ)؛ أي: مدَّ يده إليه، من قولهم:
أشرعْتُ الرمح قِبَلَه؛ أي: مددتُهُ إليه، وشددته(١) نحوه، وأشرع باباً
إلَى الطريقِ؛ أي: فتحه، وليس هذا من: (شرعْتُ في هذا الأمر)،
ولا من: (شرعْتُ الدوابَ في الماء) شيء؛ لأنَّ هذا ثلاثيٍّ، وذلك
رباعي(٢).
الثانية: فَرُّوخ - بفتح الفاء، وتشديد الراء المضمومة، وآخرُهُ خاءٌ
معجمة - يقال: إنَّ فروخ من ولد إبراهيم الخليل بعد إسماعيل وإسحاق،
(١) في المطبوع من ((المفهم)): ((وسددته)).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٨ - ٤٩٩).
* تنبيه: جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو أربعة أسطر من الأصل))، ولم
يشر إليه في ((م)).
٢٨٨

صلَّى الله عليهم وعلَى المصطفَين من ذريتهم، كَثُرَ نسلَهُ بالعجم(١).
الثالثة: الغُرة - بالضمّ -: بياضٌ في جبهة الفرس فوق الدِّرْهَم،
يقال: فرسٌ أغرُّ، والأغرُّ: الأبيض، وقوم غُرَّان، قالَ امرؤ القيس
[من الطويل]:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
وَأَوْجُهُهُمْ عَنْدَ المَسَافِرِ غُرَّانُ(٢)
قالَ الجَوهَرِيُّ: وأما الغِرَّة - بكسر الغين - فتطلق بمعنى:
الغفلة، وأما الغَرَّة - بالفتح - فقياسه أنْ يكونَ الفَعْلة من الغَرورِ؛ غرَّه
يغرُّه غَرَّةً، ويجوز أن تكون الغفلة من قولهم: غرّ يغرُّه غَراً بالمعنى الذي
رُوِي عن معاوية في مدح عليٍّ - رضي الله عنهما -: كان رسول الله وَّلـ
يغرُّه العلم غرا٣ً)، فهو من المثلثِ علَى هذا(٤).
الرابعة: الغُرةُ حقيقةٌ فيما ذكرناه من البياضِ في جبهة الفرس،
ويستعملُ مجازاً في اليومِ، فيُقَال: يومٌ أغرُّ محجل، قالَ ذو الرُّمة [من
الطويل]:
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ٥٣).
(٢) تقدم ذكره (٣١/١)، ويروى: ((عند المشاهد)) بدل ((عند المسافر)).
(٣) رواه عبدالله بن الإمام أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٢ / ٦٧٥).
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٧٦٧)، (مادة: غرر).
٢٨٩

كَيَومِ ابْنِ مِنْدٍ والجفَارِ وقَرْقَرى
ويومٍ بذي قَارٍ أُغَرَّ مُحَجَّلٍ (١)
وكأنَّ العلاقةَ لهذا المجاز هو الشُّهرة والظهور؛ فإنَّ الفرسَ الأغرّ
المُحَجَّل يُشتَهَرُ بشيته هذه، قال [من الطويل]:
وأيامُنَا مشهورةٌ في عَدُوِّنَا
لها غُررٌ مَعلومةٌ وحُجُولُ (٢)
ومن المجاز: يومٌ أغرُّ شديدُ الحرِّ، وهاجرةٌ غرَّاءُ، قال [من
الطويل]:
وهَاجِرَةٍ غَزَّاءَ سامَيَتُ حَرَّهَا
إليكِ وجَفْنُ العَينِ في المَاءِ سَابِحُ(٣)
وعلاقة الشهرة هنا ليست هنا (٤) بالشديدة الظهور.
ومن المجازِ: غُرَّةُ المالِ: الخيلُ والعبيدُ؛ أي: خياره، وهذا
يمكنُ أن تكونَ العلاقةُ فيه بمعنى: الخيريَّة والتفضيل؛ لأنَّ غرةَ الفرس
متصلةٌ في الأنفسِ بهيئته في الأعينِ.
(١) انظر: ((ديوانه)) (٢ / ١٨١).
(٢) البيت لعمرو بن شأس، كما قاله أبو علي القالي في ((الأمالي)) (١ / ٢٧٠).
(٣) البيت لذي الرُّمة، كما في ((ديوانه)» (١ / ٤٠٩).
(٤) ((ت)): ((هاهنا)).
٢٩٠

وغرةُ القومِ فلانٌ؛ أي: سيِّدُهم، وهم غُرَرُ قومهم، فيرجع إلَى
معنى الخيرية، وقد حملَ قومٌ من الفقهاءِ قوله ◌ِ: ((غُرَّةُ عبدٍ أو
أمةٍ)) (١) علَى معنى الخيرية، حتَّى أخرجوا بعضَ الأسنان عن الإجزاءِ
في هذا الحكم، فقال بعضهم: سنُّهُ فوق سبع سنين، ودون خمسة
عشر إنْ كَان غلاماً، ودون العشرين إنْ كَان أنثَى.
واستدلَّ للتقدير بأنَّ الغرةَ الخيارُ، ومن(٢) لمْ يبلغْ سبع سنين
ليس من الخيارِ؛ لحاجتِهِ إلَى من يتعهَّدُهُ، وعدم الاستقلال، وهذا
حملٌ للغرة علَى الخيارِ، وهو مجاز، والغرّة تنطلق علَى الذاتِ،
وهو، وإنْ كَان مجازاً، لكن لعلَّهُ أقرب.
ومن هذه المادة ألفاظٌ في ردِّها إلَى حقيقة الغرة، بالنِّسبَةِ إِلَى المعنى
المذكور؛ أعني: بياض جبهة الفرس، فيها تكلّفُ، فأعرضتُ عنه(٣).
الخامسة: التحجيلُ: بياضٌ في اليدين والرجلين من الفرسِ،
وأصلُهُ من الحجلِ، وهو الخلخال والقيد، ولا بدَّ وأنْ يجاوزَ التحجيلُ
الأرساغَ، ولا يجاوزُ الرُّكبتين والعُرقوبين(٤).
السادسة: كون المؤمنين يأتون غُراً محجَّلين يومَ القيامة، يحتملُ
(١) رواه البخاري (٥٤٢٦)، كتاب: الطب، باب: الكهانة، ومسلم (١٦٨١)،
كتاب: القسامة، باب: دية الجنين، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) في الأصل: ((إن))، والمثبت من ((ت)).
(٣) وانظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٧٦٧)، و((أساس البلاغة)) للزمخشري
(ص: ٤٤٧).
(٤) قاله القرطبي في ((المفهم)) (١ / ٥٠٠).
٢٩١

أنْ يُحملَ عَلَى حقيقته، وهو قيام البياض بأعضاء الوضوءِ كقيامِ البياضٍ
بجبهة(١) الفرس، ويحتمل أنْ يكونَ مجازاً؛ تشبيهاً للنور الذي يعلو
أعضاءَ الوضوء بالغرةِ(٢)، ولعل المجازَ هنا أقربُ لوجوه:
أحدها: أنَّ المقصودَ الترغيبُ، وقد دلَّ الكتابُ العزيز بسعي النور
بين الأيدي والأيمان، فهو كالشاهدِ لرُجحان المعنى؛ لحصول اليقين
به، وكونِ المعنى الآخر ليس له موجبٌ، إلا مُجرَّدَ الجري على الوضع.
الوجهُ الثاني: أنَّ المقصودَ الترغيبُ؛ كما ذكرنا، وفي الحملِ
عَلَى الحقيقة معارضةُ النفرةِ العادية في مخالفتها، بخلاف النور؛ فإنه
لا معارضَ للترغيب بسببه من حيثُ العُرفُ ولا العادةُ.
الوجهُ الثالث: أنَّهُ قد صحَّ: ((من آثار الوضوء)»، فإذا حملناه
علَى النّورِ - والنورُ من آثار الوضوء - كان ذلك حقيقةً في الأثرِ،
بخلاف ما إذا جُعِلَ الغرةُ والتحجيل في قيام البياض بالأعضاءِ؛ فإنَّه
نفسَهُ غرةٌ وتحجیل.
وذكر بعض الشارحين قال: قالَ العلماء: سمِّيَ النورُ الذي يكون
عَلَى مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً؛ شبهاً(٣) بغرة الفرس،
والله أعلم(٤).
(١) في الأصل: ((من جبهة))، والمثبت من ((ت)).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٣) في ((شرح مسلم)) للنووي: («تشبيهاً)).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٥).
٢٩٢

وَحَمَلَه غيره أيضاً علَى هذا لمَّا ذكرَ معنى التحجيل فقال: وهو
في هذا الحديث مُستعارٌ، عبارة عن النورِ الذي يعلو أعضاءَ الوضوء
يوم القيامة؛ أو كما قال(١).
السابعة: التحجيلُ: البياضُ في قوائم الفرس كلِّها أو بعضِها.
وقد غلَّب الفقهاءُ اسم الغُرةِ علَى ما في الوجهِ واليدين والرجلين،
فيقولون: تطويلُ الغرةِ مستحبٌّ، ويريدون به البياضَ في الجميع.
* الوجهُ السادس: فيما يتعلق بشيء من الألفاظِ غير ما تقدم، وفيه
مسائل :
الأولَى: قولهِ وَ﴾: ((الغُرُّ المُحَجَّلُون)) ظاهرٌ في اختصاصِهم
بذلك دونَ سائر الأمم بالقاعدةِ البيانية، وقد وردَ مصرَّحاً به من رواية
سعدٍ بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَ لفي قال:
((إنَّ حوضي أبعدُ من أيلةَ مِنْ عَدَن، لهو أشدُّ بياضاً من الثلجِ، وأحلَى
من العسلِ باللبنٍ، ولاََِّتُهُ أكثرُ من عددِ النُّجومِ، وإنِّي لأصدُّ الناسَ عنه؛
كما يصدُّ الرجلُ إِبلَ الناسِ عن حوضِهِ)». قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا
يومئذ؟ قال: ((نعم، لكم سِيْمَا ليسَتْ لأحَدٍ من الأممِ، تَرِدُونَ عليَّ غُرَاً
(١) قاله القاضي عياض في ((إكمال المعلم)) (٢/ ٤٣)، وكذا القرطبي في
((المفهم)» (١ / ٥٠٠).
٢٩٣

مُحَجَّلِينَ من أثرِ الوُضُوء)». أخرجه مسلم (١).
وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا؟ قالَ: ((نعم، لكم سيما
ليست لأحدٍ غيرِكم، تَرِدُون عليَّ غُراً محجَّلين من آثارِ الوُضوءِ))(٢).
وفي رواية: قالوا: يا رسول الله! وتعرفنا؟ قال: ((نعم، تَرِدُون
عليَّ غُراً محجَّلين من آثارِ الوُضوءِ؛ ليسَتْ لأحدٍ غيرِكم(٣)»(٤).
وفي حديث آخر: قالوا: فكيف تعرف من يأتيْ بعدَك من أمتك
يا رسول الله؟ فقال: ((أرأيتَ [لو](٥) أنَّ رجلاً لَهُ خيلٌ غُرٍّ محجَّةٌ(٦)، بين
ظَهْرَي خيلٍ [دُهْمٍآ بُهْمٍ، ألا يَعرِفُ خيلَهُ؟» قالوا: بلى، يا رسول الله!
قال: ((فإِنَّهُم يَأْتُونَ غُرّاً مُحَجَّلِينَ من الوُضوءِ))(٧).
(١) رواه مسلم (٢٤٧ / ٣٦)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة
والتحجيل في الوضوء.
(٢) رواه مسلم (٢٤٧ / ٣٧).
(٣) جاء على هامش ((ت)) زيادة: ((من الأمم))، وليست هذه الزيادة في
((صحيح مسلم))، والله أعلم.
(٤) رواه مسلم (٢٤٨ / ٣٨)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة
والتحجيل في الوضوء.
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) في الأصل ((محجلين))، والتصويب من (ت)).
(٧) رواه مسلم (٢٤٩/ ٣٩)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة
والتحجيل في الوضوء.
٢٩٤

وهذه رواياتٌ متكثرةٌ متظاهرة علَى الاختصاصِ بالأمَّةِ.
والسِّيْمَا: العلامةُ، تُقْصَرُ، وتمدُّ، وتزاد فيها ياءٌ بعد الميم مع
المد(١).
وقيل(٢): استُدِلَّ بالحديثِ علَى أنَّ الوضوءَ من خصائصٍ هذه
الأمة، وقيل غيره، وأنَّ الوضوءَ ليس مُختصاً، وإنما الذي اختصَّت به
هذه الأمّة الغرةُ والتحجيلُ، واحتُجَّ عَلَى هذا بالحديثِ المشتهر : ((هَذَا
وُضُوئِ وَوُضُوءُ الأَنْبَاءِ قَبْلِي))(٣).
وأجيب عن ذلك بوجهين :
أحدهما: أنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ معروفُ الضَّعف.
والثاني: أنَّهُ يحتملُ أنْ تكونَ الأنبياءُ اختصَّت بالوضوءِ دونَ
أممهم، إلا هذه الأمَّة (٤).
الثانية: هذا الذي ادَّعَى أنَّ الوضوءَ مختصٌّ بهذه الأمة، إنْ كَان
سببُهُ ما دلّ عليه هذا الحديثُ من اختصاص الأمة بالغرةِ والتحجيل
فليس بجيد؛ لأنه يكون استدلالاً بانتِفاءِ الأثر علَى انتِفَاء المؤثِّر (٥)،
وإنما يصحُّ إذا تعيَّنَ المؤثر، وليس متعيناً؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قد يخصُّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٥).
(٢) ((ت)): ((وقد)) بدل ((وقيل)).
(٣) تقدم تخريجه .
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٣٥ - ١٣٦).
(٥) في الأصل: ((بإبقاء الأثر على إبقاء المؤثر))، والمثبت من ((ت)).
٢٩٥

هذه الأمة بهذا الأثر عن الوضوءِ، ويكون المؤثرُ عاماً.
الثالثة: قد تقدم لنا كلامٌ في الاستطاعةِ في حديث عبدالله بن زيد
حيثُ قيل له: هل تستطيعُ أنْ تُريَني؟ وأنَّ ذلك يقتضي قيامَ مانع، أو
تعذر، فنقول هاهنا في هذا الحديث: إنَّ استطاعةَ تطويلِ الغَرةِ والتحجيلِ
ثابتةٌ للعموم، ومثلُ هذا اللفظ يُستعملُ للحثِّ علَى الفعلِ والترغيب فيه؛
لتعرُّضِهِ للفوات، وليس في استطاعة تطويل الغُرة هذا المعنى.
ويُجاب عنه: بأنَّ الأحوالَ تختلفُ في تيسُّرِ هذا الأمر وتعسُّرِهِ،
فيكون المعنى - والله أعلم -: من استطاعَ أن لا يتركَهُ بحالٍ تیشُّرِ أو
تعشُّرِ فليفعلْ، فينحُو ذلك إلَى معنى الحثِّ عَلَى إسباغ الوضوء علَى
المكارهِ، فقد يتعسرُ التطويلُ؛ لشدة البرد أو لقلة الماء، فيندبُ إليه مع
كل حال.
ويمكن أنْ يُقَال جوابٌ آخرُ، وهو: أن تكون الفائدةُ في هذا
الكلام إثباتَ العموم للحكم بالنِّسبَةِ إلَى المخاطبينِ؛ أي: ليفعل ذلك
كلٌّ مستطيعٍ، ولا يخرج منه بعض المستطيعين.
الرابعة: في اللفظِ نسبةُ الفعلِ إلَى مباشرِ السَّببِ؛ كما في قوله
تعالَى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾ [الروم: ٣٩] على أحد التأويلين.
الخامسة: تطويلُ الغُرة وصفٌ فيها، فيكون قائماً بها، فما لمْ
یکن کذلك فهو مجاز.
السادسة: تطويلُ التحجيل حقيقةٌ، أو أقرب إلى الحقيقةِ من تطويل
٢٩٦

الغرة؛ لأنَّ التحجيلَ في اليدينِ والرجلين، وقد قدمنا أنَّهُ لا بدَّ أنْ
يجاوزَ التحجيلُ الأرساغَ، ولا يجاوزُ الرُّكبتين والعُرقوبين، فالاسمُ
منطلِقٌ علَى الجميع بخلاف تطويل الغرة؛ فإنه لا ينطلقُ علَى الجميع
عندَ الخروج عن حدِّ الوجه إلا مجازاً أبعدَ من الأولِّ، إنْ كَان(١)
مجازاً، وليس ذلك من باب إطلاقِ الجُزء علَى الكلِّ حينئذ؛ أي: علَى
تقدير انطلاق الغرة على بياض الوجه، وبياضٍ بعض الرأس.
* الوجهُ السابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولَى: قولُهُ في الحديث: ((مِنْ إسباغ الوضوءِ، أو مِنْ أَثَرِ الوُضُوء)»
يحتملُ أنْ تكونَ(٢) للسببية علَى مذهب مَن يرى ذلك، أو يحتملُ أنْ
تكونَ لابتداء الغاية، فإنْ كانت حقيقةً في ابتداء غاية المكان فقط، كان
استعمالُها هاهنا مجازاً، فيتعارضُ مع استعمالها في مجاز السببّة،
فيحتاج إلَى الترجيحِ، وإنْ كَانت حقيقة فيما هو أعمُّ من هذا، وهو غيرُ
الزمان؛ كما دل عليه صيغة بعضهم: أنها لابتداءِ الغاية في غير الزمان؛
فإن أراد به العمومَ فيما هو غيرُ الزمان، فلا مجازَ ولا تعارضَ.
الثانية: ما تقتضيه (ثم) من التراخي والترتيب موجودٌ في هذا
الحديث؛ كما هو موجود في الحديثِ الذي قدمنا فيه الكلام علَى
(١) أي: الأول.
(٢) أي: (من).
٢٩٧

ذلك، وقد مرَّ مُستقصى، فليُطلَبْ من موضعِهِ.
الثالثة : [كاد](١) فيها ثلاثة مذاهب:
أشهرها: أنَّ نفيَها إثباتٌ، وإثباتها نفي، فـ(كاد زيدٌ يقوم) يقتضي
أنَّهُ ما قام، و(ما كاد يقوم) يقتضي أنَّهُ قام، قالَ الله تعالَى: ﴿فَذَ بَجُوهَا
وَمَا كَادُ واْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقد نُظِمَ هذا المعنى فقيل [من الطويل]:
أنَتْ في لسانَي ◌ُرهُمٍ وَمودٍ
أنحويَّ هذا العَصْرِ ما هيَ لفظةٌ
وإنْ أُنْبِتَت قَامَت مَقامَ جُحودٍ(٢)
إذا نُقِيَتْ واللهُ أعلمُ أَثْبَتْ
وثانيها: أنها كسائر الأفعالِ؛ إثباتُها إثباتٌ، ونفيُها [نفيٌ](٣).
وثالثها: أنها مع الماضي مخالفةٌ للأفعال، وفي المُستَقبَل موافقةٌ؛
أي: تدلُّ علَى النفي مع الماضي في جانب الإثبات: (كاد زيد يقوم)، أو
في المُستَقبَل تدلُّ عَلَى الإثباتِ ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١].
فأمَّا المذهبُ الأول فإنْ أُريدَ به أن مدلولَها النفيُ، [فليس بصحيح؛
لأنَّ مدلولَها المقاربةُ، وإِنْ أُرِيدَ به أنَّ لازمَ مدلولِها النفيُ](٤)، فصحيحٌ
في جانب الإثبات؛ لأنَّ هذا المدلولَ؛ أعني: المقاربةَ، يلزمُهُ عدمُ الفعل
(١) في الأصل ((كان))، والتصويب من ((ت)).
(٢) قالهما أبو العلاء المعري ملغزاً، كما في ((مغني اللبيب)) لابن هشام
(ص: ٨٦٨).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٢٩٨

وضعاً، ولا يلزمُ ذلك في جانب النفي؛ لأنَّ مدلولَها؛ الذي هو المقاربة،
إذا انتفَى، فانتفاؤُهُ أَعمُّ من انتفائِهِ مع وجود الفعل ومن انتفائه مع
عدمه؛ فإنَّ المستحيلَ لا يقعُ ولا يقاربُ الوقوعَ، والممكنُ قد يقعُ مع
عدمِ المُقاربة؛ كالأشياءِ الممتنعةِ عادةً مع إمكانها عقلاً .
واعلم أنَّهُ لا بدَّ أن لا يرادَ بالمقاربةِ في قولنا: (كاد زيد يفعل)،
و(ما كاد زيدٌ يفعل) المقاربةُ الزمانية، وقال تعالَى: ﴿قُلُمَتُ بَعْضُهَا
فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ، لَمْ يَكَدِّ بَهَا﴾ [النور: ٤٠]، فيحتملُ ما رآها
وما قارَبَها، وهذا هو الذي يقتضي تعدادُ الظلمات، ويحتمل أنْ يكونَ
رآها علَى عُسْرٍ وبعدٍ.
الوجهُ الثامن: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولَى: صرَّحَ الشافعيةُ باستحباب تطويلِ الغُرة في الوضوءِ(١)،
ولم يذكرْهُ المالكيةُ، [و](٢) الذين يتكلَّمُون علَى الحديثِ منهم يقتضي
كلامُهُم المخالفةَ للشافعيةِ فيما يستحبُّونه، أو في بعضه، قالَ أبو
العباس القُرطبي: وكان أبو هريرة يَبلغُ بالوضوءِ إِبْطَيه وساقيه، وهذا
الفعلُ مذهبٌ له، وانفردَ به، ولم يحكِهِ عن النبيِّ وَ ◌ّر فعلاً، وإنما
استنبطَهُ من قوله ◌َّهِ: ((أنتمْ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ»، ومن قوله: ((تَبْلُغُ الحِليةُ
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٣٤٦)، (١ / ٤٢٢).
(٢) زيادة من ((ت)).
٢٩٩

من المؤمنِ حيثُ يبلغُ الوُضُوءُ».
وقال أبو الفضل عِياضٌ - رحمه الله _ (١): والناسُ مجتمعون علَى
خلافِ هذا، وأنْ لا يتعدَّى بالوضوءِ حدودَهُ؛ لقوله {وَّهِ: ((فمَنْ زادَ
فقدْ تَعَدَّى وظَلَمَ))(٢)، والإشراعُ المرويُّ عن النبي ◌ِّي من حديث أبي
هريرة هو محمولٌ علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، وعبَّرَ
عن ذلك بالإشراع في العَضُدِ والساق؛ لأنهما مباديهما، وتطويلُ الغرة
والتحجيل بالمواظبةِ علَى الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ، وإدامتِهِ، فتطولُ غرتُهُ
بتقوية نور وجهه، وتحجيلَهُ بتضاعُفِ نورِ أعضائه، انتهَى (٣).
الثانية: ذكر بعضُ الشارحين من الشافعيةِ في باب استحباب
إطالةِ الغُرة والتحجيل: أنَّ هذه الأحاديث مصرِّحَةٌ باستحباب تطويل
الغرة والتحجيل، قال: وأمَّا دعوَى الإمام أبي الحسن ابن بطَّال
المالكي والقاضي عياضٍٍ اتفاقَ العلماء على أنَّهُ لا تستحبُّ الزيادةُ فوق
المرفق والكعب، فباطلةٌ، فكيف تصحُّ دعواهما، وقد ثبتَ فعلُ ذلك
عن رسول الله وَ لٌ وأبي هريرة - ﴿ُه -، وهو مذهبُنا لا خلافَ عندنا
فيه؛ كما ذكرناه؟ ولو خالفَ فيه مَنْ خالفَ كان محجُوجاً بهذه السننِ
الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجُهُما بقولِهِ وَّهِ: ((مَنْ زادَ علَى هذا،
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) له (٢ / ٤٤).
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٩).
٣٠٠