Indexed OCR Text
Pages 181-200
المنتَفِقِ))(١) بغيرِ ألفٍ، قالَ: ووجهُهُ أنَّهُ جَعلَ نفسهُ بمنزلةِ الوفدِ الذين هُم الجماعةُ؛ لأنَّ العادةَ في مثل هذا الأمرِ العظيمِ أن لا ينفرَ(٢) فيهِ إلا جماعةٌ منَ الرُّسُلِ، لاسيَّما مثل القدومِ علَى النبيِّ ◌َلِّ، وما كان قد ظهرَ من أمرِهِ العظيمِ وشأنِهِ الجليلِ، الذي غيّر الأديانَ ونسَخَ(٣) الشرائعَ، فانثالَ(٤) الناسُ إليهِ بالوقوفِ علَى حقيقةِ أمرِهِ، وكُنْهِ شأنِهِ، فكانَ(٥) کُّ قومٍ يُنفِذونَ إليهِ جماعةً من أعيانِهِم وأشرافِهِم، يكشِفُونَ لهم ذلِكَ، وما كانوا يقنعونَ بالواحدِ والاثنينٍ، إنما كانوا يَندبونَ إلیهِ جماعةً، فلمَّا كانَ هذا الرجُلُ عظيماً في قومِهِ، نزَّلوهُ مَنزِلَ الجماعةِ في الوثوقِ والاكتفاءِ بهِ في الإصدارِ والإيرادِ، فندبوه وحدَهُ، فقالَ: كنتُ وفدَهُم؛ أي: الذي سدَّ مَسدًّ وفدِهِم، وقامَ مقامَهُ، وجائزٌ في العربيةِ أنْ يَردَ لفظُ الجماعةِ ويرادَ بهِ الواحِدُ؛ كقولهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أرادَ بالناسِ الأوَّلِ: نُعَيمَ بنَ مَسعودٍ، وبالثاني: أبا سفيانَ بنَ حربٍ؛ كذا جاءَ في التفسيرِ. (١) رواه الإمام الشافعي في ((مسنده)) (ص: ١٥)، ومن طريقه: البيهقي في ((السنن الكبرى)» (٧/ ٣٠٣). (٢) ((ت)): ((لا ينفد)). (٣) في الأصل: ((عبر الآذان وفتح))، والمثبت من (ت)). (٤) انثال الناس: انصبوا وتوافدوا إليه. (٥) ((ت)): ((وكان)). ١٨١ قُلتُ(١): هذِهِ وفادَةٌ غيرُ الأولَى ليسَتْ مُتعينةً، ولا أُبَعِّدُ أنْ يكونَ (وفدُ) الذي شرحَهُ من تغييرِ بعضٍ الرواةِ، فإنْ كَانَ مُخفَّفاً فالذي ذَكَرَهُ في توجيهِهِ وجهٌ. الرابعة: قولُهُ: ((كنتُ وافِدَ بني المُنْتَفقِ))، أو ((في وفدٍ بنيٍ المُنتفقِ))، معناهُما مُتغايرٌ، ليسَ مدلولُ أحدِهِما ما يدلُّ عليهِ الآخرُ؛ لأنَّ قولَهُ: ((كنتُ وافدَ بني المنتفِقِ) يُشعرُ إِمَّا بتفردِهِ، أو (٢) بترأُسِه عَلَى من مَعَهُ، وقولُهُ: ((في وفدِ بنىِ المُنتفقِ)) ينافي أحدَ هذينِ المعنيينِ، ولا يُشعرُ بالآخَرِ. الخامسة: إذا تبيَّنَ التفاوتُ؛ ففيهِ التَيَقُّظُ لمدلولاتِ الألفاظِ، وتَرَادُفِها وتَبَائِنِها، والتحرُّزُ عمَّا يقَعُ منَ الغلطِ فيهِ، وإنْ لمْ يتعلَّقْ به الغرضُ المقصود بالذاتِ [فيما يُخبرُ بهِ؛ تحرِّياً للصدقِ، وإقامةً لواجدٍ الحقِّ في الكلام؛ لأنَّ الغرضَ المقصودَ بالذاتِ](٣) ما وَقَعَ مع النبيِّ ◌َِّ سُؤالاً وجواباً وحالاً . السادسة: [الظاهِرُ](٤) أنَّ هذا التردُّدَ في قولِهِ: ((وافد بني المُنتفقِ))، أو ((في وفد بني المنتفقِ))، من الراوي عن الصحابيِّ، أو من دونَهُ، (١) في الأصل: ((وقلت))، والمثبت من ((ت). (٢) ((ت)): ((وإما)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). ١٨٢ لا منَ الصحابِيِّ؛ لأنَّ انفرادَهُ بالوفادَةِ، أو رياستَهُ عَلَى الوافدينِ إلَى رسولِ الله وٌَّ يَبعدُ في العادةِ نسيانُ مِثلِها. السابعة: [قولهُ](١): ((فأمرتْ لنا بخزيرةٍ، فصُنِعتْ لنا»، عادةٌ كريمةٌ من الكرامِ، والاهتمامِ بالضَّيفِ في المبادرةِ إلَى نزلِهِ؛ لما في ذلكَ من المبادرةِ إِلَى حقِّ الضيفِ، وتعجيلِ سرورِهِ بالاهتمامِ بإكرامِهِ. الثامنة: [يجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ بإذنٍ عامٍّ من النبيِّ ◌َّ ، و](٢) يجوزُ أنْ يكونَ بشهادةِ العادةِ بمثلِهِ؛ اكتفاءً بالدلالةِ علَى الرِّضًا عن التصريح، وهذا أقربُ إلَى عادةِ كرامِ العربِ، لاسيَّما (٣) رسولُ اللهِِّ، وهذا أيضاً بناء علَى الظاهرِ في أنَّ المصنوعَ مِلكُهُ ◌َلِ. التاسعة: يُؤْخَذُ منهُ إكرامُ الضيفِ بما الحاجةُ داعيةٌ إليهِ، ورُبَّما زادَ عَلَى الحاجةِ ما(٤) يُتَفَكَّهُ بهِ زيادةً في الإكرامِ. ووجهُهُ من الحديثِ: أنَّ الحاجَةَ داعيةٌ إلَى القُوتِ، وسدٍّ ضرورةِ الجوع، والتمرُ المتَفَكَّهُ بهِ، وقصدُ الحلاوةِ منهُ، زائدٌ علَى ذلكَ، وقد يكونُ لأنَّ الخزيرةَ غيرُ كافيةٍ، والتمرُ قوتٌ فتكمُلُ بهِ الحاجةُ، لكنَّهُ (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)) زيادة: ((سیدنا)). (٤) ((ت)): ((بما)). ١٨٣ شيءٌ لا دليلَ عليهِ، وقصدُ التحلي بالتمرِ ظاهرٌ فيهِ، مُعتادٌ مقصودٌ في التفُّهِ، فلا يُترَكُ اعتبارُهُ(١) لأمرٍ محتمَلٍ لا دليلَ عليهِ. العاشرة: قولهُ - الَّهِ -: ((هل أصبتُم شيئاً، أو أُمِرَ لَكُمْ بشيءٍ» يدُلُّ عَلَى أنَّ الكلامَ محمولٌ علَى ما يُعلمُ من المقصودِ بهِ، لا علَى ظاهرِهِ، إذ ليسَ المقصودُ مُجرَّدَ إصابةِ شيءٍ ما، ولا الأمرَ بشيءٍ ما، وفَهمُ المقصودِ؛ إما أنْ نَجعلَهُ مأخوذاً من مُجرَّدِ العُرفِ، وإِمَّا أنْ نجعلَهُ من حذفِ الصفةِ، فيدخلُ في فنٍّ(٢) العربيةِ، والأوَّلُ عندي أولَى؛ لأنَّ الفَهمَ يحصُلُ مِن غيرِ شعورٍ بحذفٍ أصلاً، وأمثالُ هذا کثیرٌ. الحادية عشرة: مخاطبةُ الصحابة - رضوانُ الله عليهِم - بـ (يا رسولَ الله)، و(يا نبيَّ الله) في المحاوراتِ سُؤالاً وجواباً، والتزامُ ذلكَ في أكثرِ الأوقاتِ، يُؤْخَذُ منهُ مخاطبةُ الأكابِرِ والعُلماءِ بما هو تعظيمٌ لهم، لكنَّ استحبابَهُ في حقِّ غيرِ الرسولِ بَّهِ لكونهِ تسُّباً إلَى سرورٍ المؤمنِ أو المعظّمِ، وأما مخاطبةُ الرسولِ وَّهِ فامتثالاً لقولِ الله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُواْ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْعِكُمْ بَعْضَاً ﴾ [النور: ٦٣] علَى أحدِ التأویلینِ. الثانية عشرة: قولُهُ وَّهِ: ((فاذْبَحْ لنا مَكَانَهَا شاةً» فيهِ التقدیمُ (١) في الأصل: ((اعتبار))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((قول))، والمثبت من ((ت)). ١٨٤ لأعظمٍ(١) المصلحتينٍ، والفعلُ لأفضلِ الإكرامينِ، فإنَّ الشاةَ أَنفعُ في الضيافةِ، وأكملُ من البَهمةِ. الثالثة عشرة: فيهِ دليلٌ عَلَى [صِحَّةٍ](٢) استنابةِ الإنسانِ فيما له مباشرتُهُ بنفسِهِ، وقد يُؤْخَذُ منهُ جوازُ الوكالةِ. الرابعة عشرة: فيه دليلٌ علَى التفويضِ والتخييرِ في مثلِ هذا، وإنِ اختلفَ الغرضُ في آحادِهِ، ويَنشأُ من هذا نظرٌ في الوكالةِ إذا قالَ: بعْ عبداً من عبيدي، أو شاةً من غنَمي، [وهي المسألةُ](٣). الخامسة عشرة: قالَ الرافعيُّ الشافعيُّ(٤). السادسة عشرة (٥): قولُهُ - التَيْهِ -: ((لا تَحْسِبَنَّ أَنَّا من أجلِكَ ذَبَحْنَاها)» فيهِ مَا ذَكرَهُ الخطابيُّ - رحمهُ الله -: أنَّ معناهُ تركُ الاعتدادِ (١) في الأصل: ((لأجل عظم))، والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ورد على هامش الأصل ((بياض))، وفي ((ت)): ((بياض نحو أربعة أسطر في الأصل)). (٥) جاء في الأصل: ((السادسة عشرة: قوله ◌َّفي: ((فاذبح لنا مكانها شاة»، فيه تقديم لأعظم المصلحتين والفعل لأفضل الإكرامين، فإن الشاة أنفع في الضيافة، وأكمل من البهمة)). كذا وقع في الأصل، وهو تكرار للفائدة الثانية عشرة المتقدمة، ولم يقع هذا الخطأ في النسخة ((ت))، وعليه فإن ترقيم المسائل بدءاً من هذه الفائدة أثبته موافقاً للنسخة ((ت)) حتى الفائدة العشرين . ١٨٥ [بهِ](١) علَى الضيفِ، والتبرؤُ من الرياءِ(٢). قُلتُ: أمَّا ترك الاعتدادِ فقد تقدَّمَ لنا في ((لنا)) ما يُشيرُ إليهِ بألطف في الدلالةِ من هذا، وأمَّا التبرؤ من الرياءِ فينبَغي أنْ يجعلَ وجهاً آخرَ. ووجهٌ ثالِثٌ: أنْ يكونَ المرادُ التنبيه(٣) علَى الزيادةِ من الاستكثارِ في الدُّنيا، والرغبةِ فيما زادَ علَى ما تقتضيهِ الحاجةُ أو المصلحةُ، ويدُلُّ عليهِ ويُشعِرُ بهِ قولُهُ - الَمْه -: ((لا نُرِيدُ أن تَزِيدَ)) إِلَى آخرِهِ. وليسَ بينَ هذهِ المعاني المحتملةِ تنافٍ، فيُمكنُ أن تُرَادَ كُلُّها؛ أعني: عدمَ الاعتدادِ علَى الضيفِ، والتبرؤَ، والزهادةَ. السابعة عشرة: قوله وَ له: ((ما نُريدُ أنْ تَزِيدَ)) فيه الزهادةُ في الدنيا، وعدمُ الرغبة في الاستكثارِ منها. وأما الانتهاءُ إلَى هذا العدد، فلعلَّ السببَ فيه أنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه. ١ الثامنة عشرة: قد يُؤْخَذُ [منهُ](٤) ترجيحُ اتخاذِ الغنَمِ على غيرها منَ الحيوانِ، وقد وردَ في بعضِ الأحاديثِ ما يدُلُّ أو يُشعرُ بذلكَ، وهو ما جاءَ مما يدُلُّ عَلَى الأمرِ باتخاذِ الأغنياءِ الغنمَ (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٤). (٣) ((ت)): ((للتنبيه)). (٤) زيادة من ((ت)). ١٨٦ والفقيرِ (١) الدجاجَ(٢)، وما جاءَ: أنَّ الشاةَ من دوابٌّ الجنَّةِ(٣)، وفِعِلُهُ وَّرِ، واتخاذُهُ لها مما قد يُشعرُ بذلِكَ. التاسعة عشرة: [فيه دليلٌ](٤) علَى جوازِ ذكرِ الصفاتِ المكروهةِ أو الممنوعةِ من الغيرِ بحاجةِ الاستفتاءِ ومعرفَةِ الحُكمِ، أو بحاجةٍ (٥) الاستشارةِ؛ لقولِهِ: ((إنَّ لي امرأةً، وإنَّ في لسانِها شيئاً)، ولم يُنكِرْ علیهِ النبيُّ آلّ. الحاديةُ والعشرون (٦): وفيهِ التورُّعُ عن التصريح بمثلٍ هذا إذا حصلَ فهمُ المعنى، مِنِ [قولِهِ](٧): ((شيئاً))، ولم يَقُل: بذاءةَ(٨)، وقد (١) ((ت)): ((والفقراء)). (٢) رواه ابن ماجه (٢٣٠٧)، كتاب: التجارات، باب: اتخاذ الماشية، من حديث أبي هريرة ، وإسناده ضعيف؛ فيه علي بن عروة منكر الحديث كما قال ابن عدي في ((الكامل)) (٥/ ٢٠٨)، وغيره. (٣) رواه ابن ماجه (٢٣٠٦)، كتاب: التجارات، باب: اتخاذ الماشية، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف، كما ذكر ابن عدي في ((الكامل)) (٣/ ٢٣٩). (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((لحاجة)). (٦) ((ت)): ((الحادية والعشرون)) وجاء في الهامش: كذا وجد، وقد اتفقت النسختان بدءاً من هنا في الترقيم. (٧) زيادة من ((ت)). (٨) ((ت)): ((بذاء)). ١٨٧ يكونُ هذا التعريضُ واجِباً إذا كان التصريحُ مُحرَّماً، وحصلَ الاهتداءُ إلَى الكنايةِ عنهُ. الثانية والعشرون: قد وَرَدَ في الحديثِ ما يدلُّ عَلَى كراهةٍ الطلاقِ(١): ((أبْغَضُ المُبَاحَاتِ إلَى اللهِ الطَّلاقُ))(٢)، ففي هذا الحديثِ دليلٌ (٣) عَلَى جوازِهِ لمثل هذا العذرِ؛ أعني: البذاءةَ في اللسانِ. الثالثةُ والعشرون: ويدُلُّ علَى جوازِهِ أيضاً بما هو أضرُّ من البذاءَةِ بطريقِ الأولَى، وقد تقدمَّ لنا أنَّ ما هو في معنى الأصلِ نذكُرُهُ في فوائدِ الحديثِ. الرابعةُ والعشرون: قولُهُ: ((إنَّ لها صُحبةً، ولي مِنها ولدٌ)) ذكرٌ لقيامٍ المانع من طلاقِها بعدَ وجودِ المُقتضي لهُ من البذاءِ؛ وتقريرُ النبيِّ نَّهِ عَلَى هذِهِ المانِعيةِ دليلٌ علَى أنَّ مِثلها يعارِضُ تلكَ المفسدةَ ويُرجَّحُ عليها. وهذا إنَّما نأخُذُهُ من الترجِيحِ، إنما هو بالنِّسبَةِ إلَى مُسمَّى البذاءِ، (١) ((ت)): ((للطلاق)). (٢) رواه أبو داود (٢١٧٨)، كتاب: الطلاق، باب: في كراهية الطلاق، وابن ماجه (٢٠١٨)، کتاب: الطلاق، باب: حدثنا سويد بن سعید، من حديث محارب بن دثار، عن ابن عمر رضي الله عنهما. قال الخطابي في ((معالم السنن)) (٣/ ٢٣١): المشهور في هذا عن محارب ابن دثار مرسل، عن النبي ێے، ليس فيه ابن عمر. (٣) ((ت)): ((دلالة)). ١٨٨ وأما أفرادُهُ وأشخاصُهُ فقد لا تكونُ هذهِ المصلحةُ راجحةً عليهِ؛ ولكنَّهُ من الأمورِ العارضةِ، وإنما يُعتبرُ عندَ الإطلاقِ ما يدلُّ عليهِ اللفظُ والمُسمَّى. الخامسةُ والعشرون: لمَّا ذكرَ المعارضَ لطلاقِها، وهو الصُّحبةُ والولدُ، أمرَهُ النبيُّ ◌َ﴿ بأمرِها ولم يُرخِّص لهُ في تركِ الأمرِ بالمعروفِ، ففيهِ أنَّ الميسورَ لا يُتركُ بالمعسورِ؛ لأنَّه لمْ يترُكْ وظيفةَ الأمرِ لتعذّرِ الطلاقِ. السادسةُ والعشرون: يتعلَّقُ بهذا مسألةٌ من مسائلِ الأصولِ، وهي أنَّ الأمرَ بالأمرِ بالشيءٍ، هل هو أمرٌ بذلكَ الشيءٍ(١)؟ فإذا قُلنا بذلكَ، فقد توجَّهَ عليها الأمرُ بالكَفِّ عمَّا هي فيهِ من البذاءِ من هذا اللفظِ، فهو من فوائدِهِ(٢)، ولا يمنعُ منهُ كونَهُ معلوماً من غیرِهِ. السابعةُ والعشرون: لا شَكَّ أنَّ الأمرَ قد يوجَّهُ إلَى هذا المخاطَبِ الذي هو الزوجُ، فإذا حملنا الأمرَ علَى الوجوب علَى ما هو ظاهرُهُ، ففيهِ (١) ذهب القاضي والغزالي والآمدي وغيرهم: أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً بذلك الشيء ما لم يدل عليه دليل، ونقل عن بعضهم أنه أمر. انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢١٦)، و((المحصول)) للرازي (٢ / ٤٢٦)، و ((الإحكام)) للآمدي (٢/ ٢٠٢)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٣/ ٣٤٥). (٢) أي: من فوائد الحديث. ١٨٩ وجوبُ أمرِ الزوج أهلَهُ بالمعروفِ؛ للعِلم (١) بأنَّهُ ذو خصوصيةٍ بهذا المعَيَّنِ للوجوبِ جَزماً، أو يُدعَى المُطلَقُ، ولا يحتاجُ إلى هذا. الثامنةُ والعشرون: القاعدةُ(٢) المشهورةُ في أنَّ تَرَكَ الاستفصالِ عن قضايا الأحوالِ يتَنزَّلُ(٣) منزِلةَ العموم(٤)، قد بيَّنا أنَّ المرادَ تركُ الاستفصالِ في القولِ الذي وردَ عَلَى قاعدةٍ(٥) تحتملُ أموراً مُختلفةً، وإذا كان كذلكَ، فقد أخبرَ هذا الزوجُ عن هذهِ المرأةِ بالبَذاءِ، ولها في ذلكَ حالانٍ، أو أحوالٌ؛ منها أن تكونَ قابلةً للموعِظةِ منزجرةً بالزجرِ، ومنها أن لا تكونَ كذلكَ، ولا يفيدُ فيها الوعظُ والزجرُ، وقد أمرَ بأمرِها مُطلقاً مِن غيرِ استفصالٍ، فعلَى القاعدةِ المذكورةِ، يتوجَّهُ الأمرُ سواءً كانت قابلةً أو لا، بل قد نزيدُ علَى هذا ونقولُ: إنَّ الغالبَ علَى من اعتادَ هذا الأمرَ أنَّهُ يَعسُرُ عليهِ الانكفافُ عنهُ، فهو إلَى التناولِ أقربُ، لكنَّا إذا فعلنا هذا، وجَعلنا الأمرَ للوجوبِ، اقتضَى(٦) ذلكَ أنَّهُ يجبُ الأمرُ في حالةِ العلمِ بعدمِ الفائدةِ فيهِ، ولكنَّهم أسقطوا (١) في الأصل: ((للعين))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((القواعد)). (٣) ((ت)): (یبین)) . (٤) ((ت)): ((عموم المقال)) بدل ((العموم)). (٥) ((ت)): ((واقعة)). (٦) في الأصل: ((أفضى))، والمثبت من ((ت)). ١٩٠ الوجوبَ في مثلِ هذهِ الحالةِ، وجعلوهُ في بابِ الجوازِ و(١) الاستحبابِ، لا الوجوبِ، فيحتاجُ إلى دليلٍ معارضٍ لظاهرِ الأمرِ، لكِن بناءً [علَى](٢) هذهِ القاعدةِ . وقد يُقَالُ في بيانِ عدمِ الوجوبِ: إنَّ اللفظَ مُطلقٌ، لا عامٌّ، يتأدَّى بأمرِها في صورةٍ، أو حالةٍ، فلا يقتضي الوجوبَ في حال عدمِ الفائدةِ، ونأخذُ الاستحبابَ من دليلٍ آخَر. التاسعةُ والعشرون: قد فسَّرَ الراوي ((مُرها)) بـ (عِظها)(٣). الثلاثون : (٤) . الحاديةُ والثلاثون: [قولهُ - العَيْلٌ -](٥): ((ولا تَضرِبْ ظَعِينَتَكَ)) فيهِ النهيُ عن ضربِ المرأةِ. قالَ الخطابيُّ: وليسَ في هذا ما يمنعُ [من](٦) ضرِبِهِنَّ، أو تحريمُهُ عَلَى الأزواج عندَ الحاجةِ إليهِ، فقد أباحَ الله تعالَى ذلكَ في قولهِ: (١) ((ت)): ((أو)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ورد على هامش الأصل: ((بياض))، وعلى هامش ((ت)): ((بياض نحو خمسة أسطر من الأصل)). (٤) بياض في الأصل، وسقط من ((ت). (٥) سقط من ((ت)). (٦) زيادة من ((ت)). ١٩١ ﴿فَعِظُوهُربَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِى الْمَضَاِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، وإنما فيهِ النهي عن تبريح [الضربِ](١) كما تُضربُ المماليكُ(٢). قُلتُ: اللفظُ يحتملُ النهيَ عن أصلِ الضربِ، و(٣) عدمَ تشبيهِهِ بأصلِ ضربِ المماليكِ، ويحتملُ النهيَ عن الضربِ الموصوفِ بمشابهتِهِ لضربِ المماليكِ. وإنما (٤) يقتضي [النهيَ](٥) عن أصلِ الضربِ بالمعنى الأوَّلِ، فإذا دلَّ الدليلُ عَلَى جوازِ أصلِ الضربِ، كان مُعارِضاً لهذا (٦)، [و](٧) الأصلُ عَدَمُ (٨) التعارضِ، فَيُعدَلُ إلَى الثاني. ولا يمتنِعُ أنْ يُقَالَ بظاهرِ هذا؛ لأنَّ الضربَ الذي أُبَيحَ هو ضربُ التأديبٍ في الجانبينِ، فيكونُ قد أَمَرَ بأنْ يكونَ الضربُ الذي لتأديبِ المرأة دونَ الضرب الذي لتأديب الخادم؛ جرياً علَى العادةِ (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٤). (٣) ((ت): (في)) بدل ((و). (٤) في الأصل: ((فإنما))، والمثبت من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) في الأصل: ((بهذا))، والمثبت من ((ت). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) في الأصل: ((على عدم))، والمثبت من ((ت)). ١٩٢ المُستحسَنةِ بين الناسِ. وقد اعتبرَ الفقهاءُ مثلَ هذا في بابِ النفقاتِ؛ فلم يجعلوا نفقةً المرأةِ كنفقةِ خادمِها، ومنهُم من يخالِفُ في النفقاتِ بين أحوالِ الزوجاتِ أيضاً، ففي بابِ الإيذاءِ أولَى. الثانيةُ والثلاثون: قد يُتوهَّمُ من: ((كَمَا تَضرِبُ أُمََّكَ (١)) والتفرِقَةِ بينَهُ وبين ضربِ الظعينةِ في النهي، جوازُ ضربِ الإماءِ. قالَ الخطابيُّ في هذا المعنى: لا يوجبُ إباحةَ ضرِبِهِم، وإنما جرَی ذِكرُ هذا علَى طريقِ الذِّ لأفعالهِم، ونهاهُ عن الاقتداءِ بها، وقد نَهَى - الَّهِ - عن ضربِ المماليكِ إلا في الحدودِ، وأمرَ بالإحسانِ إليهِم، وقالَ: ((مَنْ لمْ يوافِقْكُم منهُم فبيعوهُ، ولا تُعذّبُوا خَلقَ الله))(٢). قال(٣): وأمَّا ضربُ الدوابٌّ فمباحٌ؛ لأنها [لا](٤) تتأدَّبُ بالكلام، ولا تعقلُ معنى الخطابِ كما يعقلُ الإنسانُ، وإنما يكونُ تقويمُها (١) في الأصل: ((أمتك))، والمثبت من ((ت)). (٢) رواه أبو داود (٥١٥٧)، كتاب: الأدب، باب: في حق المملوك، والإمام أحمد في «المسند» (٥/ ١٦٨)، من حديث أبي ذر بلفظ: (( .. ومن لا يلائمكم فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله)). وأصل الحديث في «الصحيحين» بغير هذا اللفظ. (٣) في الأصل بياض، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). ١٩٣ غالباً بالضرب، وقد ضربَ رسولُ اللهِ وَِّ، أو حَرَّكَ بعيرَهُ بمحجَنِهِ، ونخَسَ جملَ جابرِ حينَ أبطأَ عليهِ، فسبقَ الركبَ حتَّى ما(١) يملكَ رأسَهُ(٢). قُلتُ: لا ينبغي إطلاقُ القولِ في الإباحةِ في ضربِ الدوائِّ، بل يُقيّدُ بالحاجَةِ؛ كما يُقيّدُ ضَربُ المماليكِ بها، ولا يبعُدُ الفرقُ بينَهُما في مقدارِ الضربِ وصفَتِهِ. الثالثةُ والثلاثون: قولُهُ: (يا رسولَ الله! أخبرني عن الوضوءِ))، [قالَ الخطابيُّ: وقولُهُ: ((أخبرني عن الوضوء)](٣)، فإنَّ ظاهرَ هذا السؤالِ يقتضي الجوابَ عن جملةِ الوضوءِ، إلا أنَّهُ - العَيَّةِ - [لمَّا] اقتصرَ في الجوابِ عَلَى تخليلِ الأصابعِ والاستنشاقِ، عَلِمَ أنَّ السائلَ لمْ يسألُهُ عن حُكمٍ ظاهرٍ(٤) الوضوءِ، وإنما سألَهُ عمَّا يخَفَى من حُكمٍ باطنِهِ(٥)؛ لأنَّ الماءَ قد يأْخُذُهُ بجميع الكفِّ، وضمِّ الأصابعِ [بعضِها (١) في الأصل: ((لا))، والمثبت من ((ت)). (٢) رواه البخاري (١٩٩١)، كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير، ومسلم (٧١٥)، كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح البكر، من . حديث جابر وانظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٤ _ ٥٥). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((ظاهره))، والمثبت من ((ت)). ١٩٤ إِلَى بعضٍ](١)، فيسُدُّ خَصَاصَ(٢) ما بينهما، فرُبَّما لمْ يصلِ الماءُ إِلَى باطنِ الأصابع، وكذلكَ هذا في باطنِ أصابع الرِّجلِ، فرُبما (٣) ركِبَ بعضُها بعضاً حتَّى تكاد تلتحِمُ، فقدَّمَ لهُ الوصاة(٤) بتخليلها، ووَّد(٥) القولَ فيها لئلا يُغْفِلها(٦). الرابعةُ والثلاثون: قد قدَّمنا الكلامَ علَى الإسباغ، وأنهُ الإتمامُ والإكمالُ(٧)، قالَ بعضُ الفقهاءِ: المبالغةُ مُستحبةٌ في سائرِ أعضاءِ الوضوءِ؛ لقولِهِ - الَّم -: ((أسبغ الوضوءَ))(٨). فاستدَلَّ بِهِ علَى المبالغةِ، وأدرَجَها (٩) تحتَ اللفظِ. قالَ: والمبالغةُ في المضمضَةِ إدارةُ الماءِ في أعماقِ الفمِ وأقاصيهِ وأشداقِهِ، ولا يجعلهُ وَجورا١٠ً)، ثمَّ يمُجُّهُ. قالَ: وإن ابتلعَهُ جازَ؛ لأنَّ الغَسلَ قد حَصَلَ. (١) زيادة من ((ت)). (٢) أي: الفرجات. (٣) ((ت): ((ربما)). (٤) في الأصل: ((الوضوء))، وفي ((ت)): ((الوضاءة لأنه))، والصواب ما أثبت. (٥) ((ت)): ((وكذا)). (٦) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٥). (٧) ((ت)): ((والكمال)). (٨) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧٤). (٩) ((ت)): ((وإدراجها)). (١٠) الوَجور: الدواء الذي يوضع في وسط الفم. ١٩٥ قالَ: والمبالغَةُ في سائرِ الأعضاءِ بالتخليلِ، وتَتَبُّعِ المواضِعِ التي ينبو عنها بالدلكِ والعركِ، ومجاوزةِ مواضع الوضوءِ بالغسلِ(١). الخامسةُ والثلاثون: قد أدرجَ في المبالغةِ مجاوزةَ مواضع الوضوءِ بالغسلِ، وهو الذي يُسمِّيهِ الفُقهاءُ الشافعيةُ: تطويلَ الغُرةِ(٢)، وفيهِ نظرٌ؛ لأنَّ الأمرَ متوجّهُ لصِفَةِ(٣) الوضوءِ، فينبغي أن تكونَ معرفةُ الوضوءِ مُتقدمَةً عَلَى الأمرِ بصفتِهِ، ومن معرفتِهِ معرفةُ مواضِعِهِ، فما لمْ يثبُتْ أنَّ هذهِ المواضعَ التي فيها التطويلُ من مواضِعِ الوضوءِ، لمْ يتوجهِ الأمرُ إلَى تلكَ الصفةِ، ولا يكونُ الأمرُ بذلكَ مأخوذاً من الأمرِ بتلك الصفة . نعم ثَمَّ ما يدُلُّ من الحديثِ علَى تطويلِ [الغُرةِ](٤): ((أنْتُمْ الغُرُّ المُحَجَّلونَ يومَ القيامةِ، فمن استطاعَ منكُم فليُطِلْ غُرَّتَهُ وتَحْجِيلَهُ))(٥). السادسةُ والثلاثون: قالَ بعضُهُم: معنى المبالغةِ في الاستنشاقِ اجتذابُ الماءِ إلَى أقصى(٦) الأنفِ، ولا يجعلُهُ سَعوطاً. (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧٤). (٢) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ٢٨٧)، و((روضة الطالبين)) للنووي (١ / ٦٠). (٣) (ت): ((بصفة)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) تقدم تخريجه . (٦) في الأصل، ((أعلى))، والمثبت من ((ت)). ١٩٦ وقالَ: وذلكَ سُنَّةٌ مُستحبَّةٌ في الوضوءِ، إلا أنْ يكونَ صائماً فلا يُستحَبُّ، قالَ: لا نعلمُ في ذلكَ خِلافً(١). السابعةُ والثلاثون: قد تقدَّمَ في مطاوي الكلام ما يقتضي الاقتصادَ في مُسمَّى المبالغَةِ، وعدمَ مجاوزة الحدِّ، وهو صحيحٌ مأخوذٌ من القواعدِ في النهي عن التنطُّعِ، والجري علَى غالبٍ عادةٍ أهلِ الشرعِ في استعمالاتِهِم، ويمكنُ أنْ يُجعلَ ذلكَ تخصيصاً للأمرِ بالمبالغَةِ في الاستنشاقِ. الثامنةُ والثلاثون: لا شَكَّ أنَّ الإسباغَ يتناولُ إكمالَ أعضاءِ الوضوءِ بالمُطهرِ، وتأديةَ الواجِبِ، قالَ : ﴿ لمَّا رَأَى الأعقابَ تلوحُ: ((وَيْلٌ لِلِأعْقَابِ مِنَ النَّارِ))، [و](٢) (أسْبِغُوا الوُضُوءَ)(٣)، فإذا حُمِلَ عَلَى المُستحَبَّاتِ؛ كما حكينا عن بعضهم، كان فيهِ استعمالُ اللفظُ في حقیقَتِهِ ومجازِهِ. التاسعةُ والثلاثون (٤): قالَ الخطابيُّ: وفي الحديثِ دليلٌ علَى أنَّ ما وصَلَ إلَى الدماغ من سَعوطٍ ونحوِهُ، فإنَّهُ يُفطّرُ الصائمَ؛ كما (١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧٤). (٢) سقط من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه . (٤) هذه هي المسألة التاسعة والثلاثون في ((ت))، وجاء الكلام في الأصل متصلاً بالذي قبله، وعليه فإن أرقام المسائل سوف تزيد مسألة على ما في الأصل. ١٩٧ يفُطُّرُهُ ما يَصِلُ إلَى مَعِدَتِهِ، وإذا(١) كان ذلكَ من فِعِلِهِ، أو بإذنه(٢) (٣). قُلتُ: منصُوصُهُ في شيءٍ مخصوصٍ، والتعميمُ الذي ذكرَهُ الخطابيُّ إنما يُؤْخَذُ من طريقِ القياسِ في معنى الأصلِ. الأربعون: قالَ الخطابيُّ: وفيهِ دليلٌ علَى أنَّهُ إذا بالغَ في الاستنشاقِ ذاكِراً لصومِهِ، فوصَلَ الماءُ إلَى دماغِهِ، فقد أفسدَ صومَهُ(٤). وهذِهِ المسألةُ قد اختُلِفَ فيها، ولأصحابِ الشافعيِّ - رحمهُمُ الله - طريقانِ فيما إذا استنشَقَ فوصلَ الماءُ إلَى جوفِهِ : أحدهما(٥): إنْ بالغَ فَسَدَ صومُهُ جزماً، وإلا فقولانِ. والثاني(٦): إذا لمْ يبالغْ لمْ يَفْسُدْ، وإلا فقولانِ(٧). وقولُ الخطابيِّ: (فوصلَ الماءُ إلَى دماغِهِ) فيهِ تخصيصٌ لا يقتضيهِ اللفظُ . الحادية والأربعون: استدلَّ بهِ الخطابيُّ علَى أنَّ الاستنشاقَ (١) في الأصل: ((أو))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((تعدية))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٥). (٤) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٥) ((ت)): ((إحداهما)). (٦) في الأصل: ((الثانية))، والمثبت من ((ت)). (٧) انظر: (فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٦ / ٣٩٣). ١٩٨ ليسَ بواجبٍ، فقالَ في الكلام علَى الحديثِ: وفيهِ من الفقهِ: أنَّ الاستنشاقَ في الوضوءِ غيرُ واجبٍ، ولو كان فرضاً فيهِ، لكان علَى الصائمِ كَهُوَ علَى المُفطِ(١). والاعتراضُ: أنَّ الحديثَ إنما يتعلقُ بالمبالغةِ(٢)، وفيها وقعُ التفريقِ بينَ الصومِ وغيرِهِ، لا في أصلِ الاستنشاقِ، فإنْ وجبَ الاستواءُ بين الصائمِ وغيرِهِ، فليكُنْ في المبالغةِ التي تعلَّقَ بها الأمرُ(٣)، لا في أصلِ الاستنشاقِ، ولم يقُلْ أحدٌ بوجوبِ المبالغةِ، فيقام عليهِ الدليلُ المذكورُ في الاستواءِ، ولو قيلَ بِهِ لكانَ الفارقُ ظاهِراً، وهو التقريرُ بالصومِ. الثانية والأربعون: قالَ الخطابيُّ - رحمهُ الله -: ونَرَى أَنَّ مُعظَمَ ما جاءَ من الحَثِّ والتحريضِ (٤) علَى الاستنشاقِ في الوضوءِ، إنَّما جاءَ لما فيهِ من المعونَةِ عَلَى القراءَةِ، وتنقيَةٍ مجاري النَّفَسِ، والذي تكونُ بهِ التلاوَةُ، وبإزالةِ ما فيهِ منَ الُّفْلِ (٥) تَصِحُ(٢) (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٥). (٢) ((ت)): ((على المبالغة)). (٣) (ت)): ((لا في الاستنشاق، فإن وجب الإستواء بين الصائم وغيره قليل في المبالغة التي تعلق بها الأمر ولا في أصل الاستنشاق)). (٤) في الأصل: ((والتعريض))، والمثبت من ((ت)). (٥) التُّفْل: بالضم، والثافل: ما استقر تحت الشيء من كدره. انظر: ((القاموس المحيط)» للفيروز أبادي (ص: ١٢٥٦)، (مادة: ثقل). (٦) في الأصل: ((تصح فيه))، والمثبت من ((ت)). ١٩٩ مخارجُ الحروفِ، انتهَى(١). وهذا إظهارُ عِلَّةٍ مُناسبَةٍ لهذا الحُكمِ. الثالثةُ والأربعون: فيه الأمرُ بتخليلِ الأصابعِ؛ أي: في الوضوءِ، وهذا فيما يُعلمُ منَ (٢) السياقِ، ولا يُتردّدُ فيهِ، وهو ممَّا يُدفَعُ في صدرِ الظاهريةِ الجامدةِ، فلم يزَلِ(٣) الناسُ يحمِلونَهُ علَى هذا. الرابعةُ والأربعون: لا شكّ في خروجِ الأصابعِ الملتصقَةِ خِلقَةً، قالَ الشافعي - رحمَهُ الله -: وإنْ كَان في أصابِعِهِ شيءٌ خُلِقَ مُلتصِقاً أو صَلَ (٤) الماءَ علَى عُضويهِ حتَّى يصلَ الماءُ ما ظَهرَ من جِلدِهِ، وليسَ عليهِ أنْ يفتُقَ ما خُلقَ مُرتَتِقاً(٥)، انتهَى(٦). فإمّا أنْ يجعلَهُ من قبيلِ التخصيصِ، وإِمَّا أنْ يُخرجَهُ عن دلالةٍ اللفظِ ؛ لأنَّ المُلتصِقَ خِلقَةٌ لا (بَيِّنَ) فيهِ، واللفظُ يقتضي تعليقَ الحُكمِ بـ(البَيِّنِ). الخامسةُ والأربعون: وعامٌّ في أصابع اليدين والرجلينِ، ولم (١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٥). (٢) (ت): ((وهو مما يعلم في)). (٣) (ت)): ((تزل)). (٤) في الأصل: ((أواصل))، والمثبت من ((ت)). (٥) في الأصل: ((مرتقاً)، والمثبت من ((ت))، والمرتتق: الملتئم. (٦) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١ / ٢٧). ٢٠٠