Indexed OCR Text
Pages 81-100
التاسعة: تعليقُ الحكم بالاستيقاظِ تعليقٌ لهُ بالصِّفةِ، فمَن يقولُ بدلالتِهِ علَى نفي الحُكمِ عما عَدَاهُ(١) يحتاجُ إلَى اعتذارٍ عن هذا؛ لأنَّ استحبابَ الغسلِ لا يَختَصُّ بالاستيقاظ من النومِ عندَ الفقهاءِ، بل هو مُستحَبٌّ في [ابتداءٍ](٢) كلِّ وضوءٍ، وكلامُ الشافعيةِ مُختلفٌ [فيه](٣)، فمنهم من يُطلقُ الاستحبابَ في ألفاظِهِ عندَ الكلامِ علَى هذا الحكمِ، والشيخُ أبو إسحاق لمَّا قَالَ في («تنبيهِهِ»: ثُمَّ يغسِلُ يديهِ ثلاثاً، فإنْ كان قد قامَ من النومِ، كُرِهَ له أنْ يَغمسَ كفّيهِ في الإناءِ قبلَ أنْ يغسلَهُما ثلاثاً(٤). اقتضَى كلامُه أنَّ الغسلَ مُستحَبٌ في صفةِ الوضوءِ؛ وأنَّ [كراهةَ](٥) الغَمسِ فيما إذا قامَ منَ النومِ. ومعلومٌ أنَّ استحبابَ الفعلِ لا يلزَمُ منهُ كراهةُ التركِ، فعلَى هذا(٦) يمكنُ أنْ يقالَ: إنَّهُ وَفَّينا بدلالةِ المفهوم؛ لأنَّ الثابتَ عندَ الاستيقاظ من النوم هو الكراهةُ، وأنها مُنتَفيةٌ عندَ غيرِ هذهِ الحالةِ؛ (١) ((ت)): ((عدا الصفة)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) سقط من (ت)). (٤) انظر: ((التنبيه)) الشيرازي (ص: ١٥). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) ((ت)) زيادة: ((حينئذ)). ٨١ أعني: في ابتداءِ الوضوءِ؛ لما بيَّنا أنَّ استحبابَ الفعل لا تُلازمُهُ كراهةٌ [التركِ، ولا استحبابُ تركِ الفعلِ مُلازِمٌ كراهةَ](١) الفعل. العاشرة: لمْ يخُصُّوا الحكمَ بحالةِ الاستيقاظِ؛ كما أشرنا إليهِ؛ أعني: طلبيةَ الغسلِ قبلَ الإدخالِ في الإناءِ. قالَ إمامُ الحرمينِ في ((النهايةِ)) بعد أنْ ذكرَ الاستحبابَ المذكورَ، ثمّ قالَ: [قال] (٢) الأئمةُ: هذهِ السُّنَّهُ قائمةٌ وإنْ استيقنَ المرءُ طهارةَ يدِهِ، ولا فرقَ بين أنْ يستيقظَ منْ [نومِهِ](٣)، وبينَ أنْ يُقدمَ عَلَى الوضوءِ عن دوامِ اليقظةِ(٤). وقالَ الشيخُ أبو القاسمِ البصريُّ المالكي بعد أنْ ذكرَ الاستحبابَ عندَ الاستيقاظ من النوم: وكذلكَ كلُّ مُنتقضِ الطهارةِ من متغوطٍ وبائلِ وجُنُبٍ وحائضٍ وماسٌّ لذكَرِهِ ومُلامِسٍ لزوجَتِهِ. وإنما حَمَلُهُم عَلَى [هذا](٥) النظرُ إلَى العلَّةِ المذكورةِ في الحديثِ، وأنها موجودةٌ في غيرِ حالةِ النوم، وهي إمكانُ تَطوافُ (٦) (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤١١). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) ((ت)): ((طواف)). ٨٢ اليدِ علَى البدنِ، وقد يوجَدُ ذلكَ منَ المستيقِظِ (١) في حالِ غفلاتِهِ، ولعلَّ ذلكَ أكثرُ وُقوعاً منَ المستيقِظِ (٢) في تصرفاتِهِ وتحركاتِهِ، وإنما جرَى ذكرُ النوم؛ لأنهُ مظنَّةُ الغفلَةِ غالباً، وفي ذكرِ السببِ المرتبِ علَى النومِ ما يُشعِرُ بتعميم المعنَى، والحُكمُ [يَعمُّ](٣) بعمومٍ علَّتِهِ. الحادية عشرة: في مطاوي هذا الكلام الذي حَكيناهُ ما يُشعِرُ بأنَّ العلَّةَ في حالِ اليقَظَةِ؛ [أعني:](٤) التطوافَ، أكثرُ منها في حالِ النومِ، ورُبَّما ادُّعي ذلك، فإن صحَّ فيكونُ هذا من بابِ مفهوم الموافقةِ، ولا يحتاجُ إلَى الجوابِ عن اقتضاءِ المفهومِ مخالفةَ الحكمِ. الثانية عشرة: قد نقلنا نصَّ إمامِ الحرمينِ علَى: أنَّ هذه السنَّةَ قائمةٌ، وإنْ استيقنَ طهارةَ يديهِ(٥)، وقالَ أيضاً: [و](٦) لو استيقنَ المتوضِّيءُ طهارةَ يديهِ، فَغَسلُ اليدين في حَقِّهِ سنةٌ أيضاً. وبعضُ المتأخرينَ عن زمانِهِ يَذْكُرُ فيما إذا لمْ يكنْ قد قامَ منَ النوم؛ أي: وهو يتحقَّقُ طهارةَ [يديه](٧): أنَّهُ بالخيارِ؛ إنْ شاءَ غمَسَ (١) في الأصل ((في المتيقظ))، والتصويب من ((ت)). (٢) في الأصل: ((المتيقظ))، والتصويب من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) ((ت)): ((یده)) . (٦) زيادة من ((ت)). (٧) زيادة من ((ت)). ٨٣ يديهِ(١) في الإناءِ، وغرَفَ منهُ الماءَ، ثمَّ يَغسِلُ كفّيهِ، وإنْ شاءَ أفرغَ الماءَ عَلَى يديهِ فغسلَهُما، ثمَّ غَمَسَ؛ أي: يديهِ(٢) في الإناءِ(٣). [و](٤) ظاهرُ هذا الكلام إنَّما هو التخييرُ مِن غيرِ [ترجيحٍ](6) الاستحبابِ. وقالَ: فإنْ(٦) لمْ يدرِ [حالهما](٧)، أو كان قد قامَ منَ النومِ، ولم يدرِ حالهما، فالمُستحَبُّ أنْ لا يَغمِسَ يدَهُ في الإناءِ حتَّى يغسِلَهُما (٨) ثلاثاً. قالَ: ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: غَسلُ اليدينِ(٩) قبلَ إدخالهِما [في الإناءِ](١٠) مُستَحَبٌّ، وإنْ تيقَنَ طهارةَ يدِهِ، والمذهبُ الأولُ (١١). (١) ((ت): ((يده)) . (٢) ((ت)): ((يده)) . (٣) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤١١). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) في الأصل: ((إن))، والمثبت من ((ت)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) ((ت)): ((يغسلها)). (٩) (ت)): ((الكفين)). (١٠) زيادة من ((ت)). (١١) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤١١). ٨٤ وهذا ممَّن أطلَقَ لفظَ الاستحبابِ علَى حالةِ القيامِ من النومِ. الثالثة عشرة: المالكيةُ يذكُرُونَ خِلافاً في أنَّ هذهِ(١) عِبادةٌ، أو للنظافةِ؟ ويريدونَ بالعبادةِ التَّعْبُدَ، ويُنِيَ عليهِ ما إذا تيقَّنَ طهارةَ يدِهِ، وأنَّهُ هل يغسلهُما مجموعتينٍ أو مُتُفرقتين، وأنَّهُ هل تُشتَرطُ النيةُ (٢)؟ فعلَى التعبُّدِ تثبُتُ هذهِ الأحكامُ؛ أعني: الغَسلَ مع تَيَقَّن الطهارةِ، وغَسلَهُما مفردتينٍ، واشتراطَ النيةِ، ومع التعليلِ بالنظافةِ تنتفي هذهِ الأحکامُ. وفي كلامٍ بعضٍ الحنابلةِ [أيضاً](٣) ما يقتضي أنَّهُ تعبد، ذَكرَ ذلك في تعليلٍ ومُباحثةٍ أورَدَهُما(٤). فتقولُ: إِنْ كَان مَحَلُّ هذا الخلافِ استحبابَ غسلِ اليدينِ في ابتداءِ الوضوءِ - وإنْ لمْ يكنْ نومٌ - فهذا قريبٌ، وإنْ كَان مَحَلُّهُ ما إذا قامَ من النوم فهو بعيدٌ [جدّاً](٥)؛ لما يَدُلُّ عليهِ اللفظُ من التعليلِ، وتقتَضيهُ مناسبةُ الوصفِ للحكم، فلا وجهَ لقولِ من يقولُ بالتَّعْبُّدِ هاهنا . (١) ((ت)): ((هذا)). (٢) انظر: ((مواهب الجليل)) للحطاب (١ / ٢٤٣). (٣) سقط من ((ت)). (٤) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧١). (٥) زيادة من ((ت)). ٨٥ الرابعة عشرة: يستدلُّ المالكيةُ علَى التعبُّدِ - أو مَنْ قالَ منهم - بطلبِ العددِ، ويقولونَ: لو كان للنظافةِ [لم يُعتَدَّ بالعدد](١)، وكذا قالوا في تعدادِ المراتِ في غسلِ الإناءِ من ولوغ الكلبِ. وهو ضعيفٌ؛ لأنَهُ لا يلزمُ من كونِ الشيءِ مَقصوداً انحصارُ المقصودِ فيهِ، وقد يكونُ معهُ شيءٌ آخرُ مقصودٌ، وهو زيادةُ الاستظهارِ في التطهيرِ بالعددِ. الخامسة عشرة: قد ذكرنا أن المُعَمِّمين(٢) للحكمِ يُعَلَّلُونَهُ بِعُمومٍ العِلةِ، وهاهُنا طريقٌ (٣) أخرَى تُخيَّلُ من خيالِ الفقهاءِ، وهو أنَّ أسبابَ النجاسةِ، قد يخفَى دَرْكُها علَى مُعظَمِ الناسِ، فَيَعتقدُ انتفاءَ السببٍ يقيناً، وليس الأمرُ علَى ما يَعتقدُهُ، فاطَّدَتِ السُّنَّةُ علَى الناسِ كافةً. وشُبَّهَ هذا بالعِدَّةِ المنوطَةِ بالوطءِ؛ فإنها تَجِبُ لتبرِئَةِ الرحِمِ، وقد تجِبُ مع القَطعِ ببراءةِ الرحمِ تعميماً للبابِ. قال: وقالَ بعضُ المُصَنفين: إذا استيقَنَ المرءُ طهارةَ يدَيهِ فلا عليهِ أنْ يَغْمِسَ يديهِ، ولكِنَّا نستحبُ غَسلَ اليدينِ مع هذا(٤). قالَ: وهذا عندي خطأً، فليُقَدِّم غَسلَ اليدينِ علَى غَمسِهما، إذ الغرضُ تعميمُ رعايةِ الاحتياطِ في حقُوقِ الناسِ، وذلك يتعلقُ بالماءِ. (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((المعلل)). (٣) ((ت)): ((طريقة)). (٤) ((ت)): ((ذلك)). ٨٦ وهذا الذي قالَهُ(١) فيهِ نظرٌ؛ لأنَّهُ يقتضي ثبوتَ هذا الحُكمِ في حالةِ التَيَّقُّنِ، والحكمةُ(٢) إذا تُيُقِّنَ انتفاؤُها لا نُثِتُ الحكمَ بالمظنةِ علَى قاعدةِ مذهبِ الشافعي - ◌َُ - بدليلِ مسألةِ المشرقي والمغربية . وأما العِدَّةُ والاستبراءُ فقد عُلِمَ أنَّ المقصودَ بهما براءةُ الرحِمِ جَزماً، وصيانةُ المياهِ عن الاختلاطِ، فمهما احتملَ وقوعُ هذِهِ المفسدةِ وجَبَ الحُكمُ بالتحريمِ جَرياً علَى ظواهِرِ (٣) العموماتِ والألفاظِ الدالةِ عَلَى الحكمِ؛ أعني: الوجوبِ، وإنْ انتفَى الاحتمالُ وحصلَ القطعُ بانتفاءِ المفسدةِ؛ فإِمَّا أنْ يقومَ الإجماعُ عَلَى الوجوبِ، أو لا ، فإنْ قامَ وجَبَ اتباعُهُ، ويكونُ الدليلُ علَى الحكم هاهُنا هو الإجماعُ، وإنْ لمْ يقُمْ إجماعٌ علَى ذلِكَ الحُكمِ فالقياسُ الإباحةُ، وعلَى من يوجِبُ التحريمَ مع انتفاءِ العلةِ قطعاً الدليلُ(٤). السادسة عشرة: ما تقدمَ في القواعدِ من اقتضاءِ (الفاء) و(إنّ) للتعليلِ، ومقتضى ذلك تعليلُ الأمرِ أو النهي السابقِ علَى دخولِ الفاءِ بعدم الدراية المذكورةِ، أعني: دراية ((أينَ باتَتْ يدُهُ))، ومناسبةُ هذا (١) (ت)): ((ذكره)). (٢) جاء على هامش (ت)): ((لعله: والعِلَّة)). (٣) (ت)): ((ظاهر)). (٤) (ت)): ((الدليل)). ٨٧ تحتاجُ إلَى أمرٍ آخرَ، وهو أنَّ الغَمسَ قبلَ الغَسلِ يُفضِي إِلَى مَفسَدَةٍ، أو قد يُفضِي إليها، فبهذا تتِمُّ المناسبةُ. فَمِنَ الناسِ من يقولُ: إنَّ التطوافَ قد يُفضِي إِلَى مُمَاسَةِ مَحَلِّ النجاسةِ؛ أي: محلِّ الاستنجاءِ بالأحجارِ؛ لأنَّهُ كانَ عادَتَهُم. ومنهُم من يُحيلُ ذلِكَ عَلَى أَعَم مِنَ النجاسةِ، وهوَ مُماسةُ ما يُستَقذر. والأول: مُقْتَضَى مذهبٍ [مَنْ يرَى أنَّ النجاسةَ تُفسِدُ قليلَ الماءِ. والثاني: مُقْتَضَى مذهبٍ](١) من يرى أنَّهُ لا يَفسُدُ الماءُ إلا بالتغيرِ. السابعة عشرة: فإذا كانَ كلُّ واحدٍ مِنَ الأمرينِ مُحتَمَلاً، فلا بُدَّ لِكُلِّ واحدٍ ممَّنْ قالَ بقولٍ [من](٢) ترجيحِ مَذْهَبِهِ(٣)، فَيُمكِنُ أنْ يُرَجَّحَ الأولُ بأنَّ عنايةَ الشرع بالتحرُّزِ عنِ النجَاسَةِ أقوَى مِنْ عنايتِهِ بالتحرُّزِ عن المستقذراتِ، فالظاهرُ انصرافُ الحكمِ إليهِ. ويُمكِنُ الثاني أنْ يُرَجَّحَ(٤) بأنَّ مُلامسةَ النائم المستقذراتِ أكثرُ (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((مذهب))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((ويمكن أن يرجّح الثاني)) . ٨٨ وأقربُ(١) من ملامَسَتِهِ لِمَحَلِّ الاستنجاءِ، وإذا كانَ أكثرَ و(٢) أقربَ وُقوعاً، فَحَمْلُ اللفظِ عليهِ أولَى؛ لأنَّ المناسَبَةَ فيهِ أكثرَ. وقد قالَ بعضُهُم: إنَّ موضِعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يدُ النائمِ إلاَّ معَ القصدِ لذلِكَ. وقالَ أيضَاً: ولو كانَ غَسلُ اليدينِ بتجويزِ (٣) ذلكَ، لأَمَر بغسلِ الثيابِ؛ لجوازِ ذلِكَ عليها . قالَ: والأظهرُ ما ذَهَبَ إليهِ العراقيونَ مِنَ المالكيةِ وغيرهِم: أنَّ النائِمَ لا يَكَادُ يَسلَمُ مِن حَكِّ(٤) مغاِهِ(٥)، أو بَثْرةٍ في بَدَنِهِ، وموضعٍ عَرَقِهِ، وغير ذلكَ، فاستُحِبَّ لهُ غَسلُ يدِهِ تَنَظَّفاً(٦). وفي كلامِهِم ما يشعر بأنَّ العلَّةَ احتمالُ مَسِّ نجاسةٍ خَرَجَتْ مِنْهُ لمْ يَعلمْ بها (٧)، أو غيرِ نجاسةٍ ممَّا يُتَقَّذَّرُ، وكانَ هذا تَعليلاً يَعُمُّ النائمَ (١) ((ت)): ((أقرب وأكثر)). (٢) ((ت)): ((أو)) بدل ((و)). (٣) في الأصل ((بجواز))، والمثبت من ((ت)). (٤) في الأصل ((حد))، والتصويب من (ت)). (٥) المَغيِن: الإبط، وجمعه: مغابن. (٦) انظر: ((المنتقى في شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٤٨)، حيث نقل ما ساقه الشارح هنا عن ابن حبيب في ((الواضحة)). (٧) ((ت)): ((احتمال نجاسةٍ خرجتْ منه فمسَها، ولم يعلم بها». ٨٩ والمستيقظَ [وغيرَهُ](١). واعتُرضَ عليهِ: بأنَّ النجاساتِ لا تخرجُ في الغالبِ إلا بِعلمٍ مِنْهُ، وما لمْ يعلمْ به، فلا(٢) حُكمَ لهُ. الثامنة عشرة: صريحُ الأمرِ [بغسلِ اليدِ يقتضي] (٣) طلبِيَّةَ(٤) ذلك، وصريحُ النهيِ يقتضي تركَ ذلكَ، لكنْ في حقِّ المستيقظ من النومِ. ورأيتُ في كتابٍ (الأنوارِ)) لأبي الحُسينِ بن زرقونَ: أنَّ ابنَ شَعبانَ حكَى عن مالكِ: أنَّهُ لا بأسَ أنْ يُدخِلَ المستيقِظُ يَدَهُ في الإناءِ قَبَلَ غَسلِها. وفي سماع ابنِ القاسم في ((العتبية)) ما ظاهِرُهُ مثلُ ما حَكَى ابنُ شعبانَ من إجازةِ ذلكَ ابتداءً. وهذا الكلامُ المحكيُّ عنِ ابنِ شعبانَ يحتملُ أمرين: أحدَهُما: أنْ يُريدَ بالمستيقظِ منْ لمْ يقمْ من النوم، فعلَى(٥) هذا يوافقُ دلالةَ مفهوم المخالفةِ الذي قَدَّمنا الكلام [فيه](٦). (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((لا)) بدل ((فلا)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) في الأصل: ((طلبه))، والمثبت من ((ت)). (٥) ((ت)): ((فغسل)) بدل ((فعلى)). (٦) سقط من ((ت)). ٩٠ ويحتملُ أنْ [يُريد](١) المستيقظَ منَ النومِ، فعلَى هذا يكونُ مُخالفاً للحديثِ، إنْ لمْ يُرِدْ بقولِهِ: (لا بأسَ) نفيَ التحريمِ فقط. التاسعة عشرة: ظاهرُ الأمرِ الوجوبُ، وظاهرُ النهي التحريمُ، وأكثرُ الفقهاءِ أخرجوا كلَّ واحدٍ منهُما عنْ ظاهِرِهِ، وبعضُهُم يقولُ بظاهِرِهِ في الوجوبِ والتحريمِ، و[الإمامُ] (٢) أحمدُ فَرَّقَ بينَ نومِ الليلِ ونومِ النهارِ، فأوجَبَ ذلِكَ في نومِ الليلِ دونَ نومِ النهارِ؛ لأجلِ لفظةٍ المبيتِ(٣). وعن إسحاقَ بن راهَوَيْهِ أنَّهُ قال: القياسُ في نومِ النهارِ مثلُ نومٍ الليلِ، وإنما خَرَجَ ذِكرُ المبيتِ عَلَى الأغلبِ؛ لأنَّهُ نومٌ كُلُّهُ(٤). وقد ذكرنا [ما] (٥) في لفظِ (المبيتِ) في [وجهِ](٢) العربيةِ. العشرون: أرادَ بعضُ أتباع أحمدَ ذِكرَ الفرقِ بينَ نومِ الليلِ ونومِ النهارِ، وامتناعٍ قياسِ نومِ النهارِ على نومِ الليلِ، فذكرَ وجهين: (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧١). (٤) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٨ / ٢٥٥). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) زيادة من ((ت)). ٩١ أحدهما: أنَّ الحُكمَ ثبتَ تعبُّداً فلا تَصِحُ تعديتُه(١). الثاني: أنَّ الليلَ مَظِنَّةُ النومِ والاستغراقِ فيهِ، وطولِ مُدَّتِهِ، واحتمالُ إصابةِ يدِهِ لِنجاسةٍ لا يشعرُ بها آكدُ منَ احتمالِ ذلكَ في (٢) نومِ النهارِ(٣) . قلت: أما القَولُ في هذا بالتَّعبُّدِ، ففيهِ عن الصوابِ تَبَغُّدٌ، وكيفَ يذهبُ إليهِ معَ ظُهورِ التعليلِ منَ (الفاءِ) و(إِنَّ)، ومناسبةٍ ما دلَّ اللفظُ عليهِ من العلةِ للحكمِ [المعلِّل](٤). وفي المنقولِ عن بعضٍ فضلاءِ المالكيةِ: أنَّهُ اختلفَ العلماءُ في غسلِ اليدِ قبلَ إدخالها في الإناءِ عندَ الوضوءِ هل ذلكَ للعبادةِ، أو معللٌ بالنظافةِ (٥)؟(٦). وهذا أقربُ قليلاً ممَّا ذَكرَهُ الحنبليُّ؛ لأنَّه لمْ يفرِضِ المسألةَ عندَ القيامِ من النوم، وإنَّما فرضَها عندَ الوضوءِ، فلا يقعُ الحكمُ بالتَّعبُّدِ (١) في الأصل: ((تعديه))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((من))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٧١). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) ((ت)): ((للنظافة)). (٦) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٤١). ٩٢ مُصادِماً لما دلّ عليهِ التعليلُ في حديثِ المستيقظ من النومِ(١). الحادية والعشرون: الذينَ أخرجوا الأَمرَ عن ظاهرِهِ في الوجوبِ، والنَّهيَ عن ظاهِرِهِ في التحريمِ، يستَدِلون - أو بعْضُهُم - عَلَى عَدَم الوجوب بأنَّ الحُكمَ مُعَللٌ بالشكِّ؛ لقولِهِ - التَيْهِ -: ((فإنَّهُ لا يدري أينَ باتَتْ يَدُهُ»، والشَّكُّ لا يوجِبُ حُكماً في الشرعِ. واعتُرضَ عليهِ بوجهینِ : أحَدهما: منعُ كونِ الشَّكِ لا يُوجِبُ حُكماً في الشرعِ؛ فإنَّ النائمَ يجبُ عليهِ الوُضوءُ، والأصلُ عدمُ خروج الخارجِ منهُ، وليسَ الظاهرُ خروجَ الحدثِ، ولا الغالبُ، حتَّى يُحكمَ بهِ علَى الأصلِ، فليسَ إلا مُجرَّدَ الاحتمالِ المخالفِ للأصلِ، فلیکُنْ کذلِكَ في غسلِ اليدينِ قبلَ إدخالِهِما الإناءَ؛ لتساويهِما في أنَّ الأصلَ عَدمُ الموجِبِ، وأنَّ المخالفةَ له غيرُ متيقَّنةٍ(٢)، بل رُبَّما يُدَّعَى تَرَجُحُ هذِهِ المسألةِ عَلَى مسألةِ النومِ؛ لأنَّ جولانَ اليدِ أغلبُ من خروجِ الحَدَثِ عندَ النومِ. ولقد شجعَ القاضي أبو بكر بنُ العربي - وذلكَ من شأنِهِ رحِمَهُ اللهُ - مع مالكيَّتِهِ حيثُ قالَ - فيما وجدتُهُ عنهُ في ((عارضةِ الأحوَذِيِّ في شرح كتابِ الترمذي)) -: والصحيحُ وجوبُ الغَسلِ من (١) ((ت)): ((نومه)). (٢) في الأصل: ((ليس منتفية))، والمثبت من ((ت)). ٩٣ طريقِ الأثرِ والنظرِ، وذلكَ أنَّهُ قالَ في الحديثِ: ((فإنَّ أحَدَگم لا يدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»، فعَلَّلَ بذلك؛ كما علَّلَ في وجوبِ الوُضوءِ من النومِ: ((فإذا نَمَتِ العينانِ استطلَقَ الوِكَاءُ) (١)، وكما يوجِبُ النومُ الوضوءَ، كذلكَ يُوجِبُ غسلَ اليدِ، هذا إذا لمْ يكنِ استنجَى بالماءِ، وفي المذهبِ أنَّ منْ شكَّ هل أصابَتهُ نجاسةٌ، أم لا؟ وَجَبَ عليهِ غَسلُ اليدِ في مشهورِ المذهبِ، والصحيحُ أنَّهُ لا يَجِبُ(٢)، انتھَى. الوجهُ الثاني مِنَ الاعتراضِ: أنَّ مُرسِلَ السَّهمِ والكلبِ علَى الصيدِ، إذا وُجِدَ مع ذلِكَ أمرٌ يُمكنُ أنْ يَكُونَ له مدخَلٌ في الموتِ حَرُمَ الصيدُ(٣)، وإرسالُ السهمِ والكلبِ سببٌ ظاهِرٌ في الموتِ، وقد أُزِيل باحتمالِ إحالةِ الموتِ علَى ما طَرَّأَ، مع مخالفَتِهِ للظاهِرِ . فأمَّا الاعتراضُ الأولُ: فأجابَ الجُوريُّ الشافِعِيُّ(٤) - وهو بضَمِّ الجيمِ، والراءِ المُهمَلَةِ - في شرحِهِ لكلامِ الشافعيِّ - ظُ - بأنَّ النائِمَ (١) تقدم تخريجه. (٢) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٤٢). (٣) ((ت)): ((المصيد)). (٤) للإمام علي بن الحسين القاضي أبي الحسين الجوري الفارسي، كتاب: ((المرشد)) في عشرة أجزاء، و((الموجز على ترتيب المختصر))، كان من أجلاء الشافعية، لقي أبا بكر النيسابوري. انظر: ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٢/ ١٢٩ - ١٣٠). ٩٤ يخرجُ مِنْهُ الريحُ فلا يشعرُ بِهِ، والأغلبُ من الناسِ كذلك، وإذا انتبَهَ لمْ يَكُنْ لهُ سبيلٌ إلَى معرفةِ حدثٍ إِنْ كَان تقدَّمَ [في النوم] (١)، فَمِن أجلِ ذلِكَ وَجَبَ عليهِ الوضوءُ؛ وإنْ لمْ يتيقَّنِ الحدث، وليسَ كذلكَ إدخالُ اليدِ في الإناءِ؛ لأنَّ الذيَ يُتَخَوَّفُ عليهِ أنْ يكونَ [مَسَّ](٢) موضِعَ الاستنجاءِ في نومِهِ، فتعلَّقَ بيدِهِ من بقايا الاستنجاءِ، وإذا(٣) انتبهَ كانَ لهُ سبيلٌ إلَى معرفةِ ذلِكَ إِنْ كَانَ أصابَهُ ريحٌ تَعلقُ بيدِهِ أو لون، فإذا لمْ يجدْه كانَ علَى يقينِهِ الأول، فلذلكَ لمْ يجبْ عليهِ الوضوءُ هاهنا فرضاً، واللهُ أعلمُ. وهذا الذي اذَّعاهُ من الأغلبيةِ بخروجِ الريحِ في النومِ من الناسِ غيرُ مُسَلَّم. وأما الاعتراضُ الثاني: فُيجابُ عنهُ بأنَّ الأصلَ تحريمُ الميتةِ إذا لمْ تقَعْ في الحيوانِ ذكاةٌ، وحِلُّها في حالةِ الصَّيد رُخصةٌ؛ إحالةً عَلَى الظاهرِ، فإذا وقعَ ما يُوجِبُ الشَّكَّ رَجَعنا إلَى الأصلِ، وهو تحريمُ الميتة. وهاهنا يرجعُ إلَى الأصلِ، وهو طهارةُ اليدِ، [فلا يثبتُ الوجوبُ؛ وفيه نظرٌ ](٤). (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت): ((فإذا)) . (٤) سقط من ((ت)). ٩٥ الثانية والعشرون: اختلفَ الفُقهاءُ في تعارضِ الأصلِ والظاهرِ ؛ أيُّهُما يُرَجَّح؟ فلقائِل أنْ يقولَ: الحديثُ يقتضي ترجيحَ الظاهرِ لمخالفةِ الحُكمِ للأَصلِ، ورأيتُ الإشارةَ إلَى هذِهِ المسألةِ في هذا الحديثِ في كتابٍ ((المسالكِ)) المنسوبِ للقاضي أبي بكرِ بنِ العربيِّ، وأنَّهُ قالَ: سمعت أبا بكرِ الطَرطوشي(١) يقولُ بالمسجدِ (٢) الأقصَى - طهَّرهُ الله -: خَرَجتُ مِنَ الأندلسِ، وقد تفقَّهتُ(٣) عَلَى الباحِيِّ ولَزِمتُهُ مُدَّةً؛ ودَخَلتُ بغدادَ فَأَتَيتُ(٤) المدرسةَ، وكانَ النائبُ في إقامةِ التدریسِ بِها أبا سعيدِ المُتُوَّلِّي، فَسَمِعتُهُ يَقُولُ: خُذوا مسألة: إذا تعارضَ الأصلُ والظاهرُ بأيِّهِما يُحكَم؟ فما علِمتُ ما يقولُ، ولا دَرَيتُ إلَى ماذا يُشيرُ(٥) . (١) هو الإمام العلامة، القدوة الزاهد، أبو بكر محمد بن الوليد بن خلف الفهري الأندلسي الطرطوشي، شيخ المالكية وعالم الاسكندرية، لازم الباجي بسرقسطة، ثم حج ودخل العراق وسمع بها، له عدة مصنفات منها: ((سراج الملوك))، توفي سنة (٥٢٠هـ). انظر: ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١٩/ ٤٩٠)، و((نفح الطيب)) للمقري (٢ / ٨٥). (٢) ((ت)): ((بالجامع)) . (٣) في الأصل: (سمعت))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((فدخلت)). (٥) في الأصل: ((يشعر))، والمثبت من ((ت)). ٩٦ قالَ: ثمَّ لِزِمتهُ حتَّى فَتَحَ اللهُ، وبلغْتُ ما بلغتُ مِنَ العلمِ. وفيما رأيتُهُ مِنِ النُّسخةِ تصحيفٌ لاسمٍ أبي سعيدِ المُتولي فَكَتَبْتُهُ علَى الصوابِ. وذكَرَ القاضي هذِهِ الحكايةَ بعدَ ألفاظٍ أوردَها لقصدِ تعظيمٍ المسألةِ، وأنَّها تفتقرُ إلَى مزيدٍ بيانٍ، واحتفالٍ في الاهتبالِ(١)، هذا معَ ادِّعاءِ أنَّ الظاهرَ يُخالفُ الأصلَ، وفيهِ نظرٌ؛ لاسيما إذا عُلِّلَ بإصابةٍ مَحَلِّ الاستنجاءِ، فإنَّ كونَ الظاهرِ ذلكَ فيهِ بعدٌ، وقد قدَّمنا قولَ مَنْ قالَ: إنَّ موضِعَ الاستجمارِ لا تنالُهُ يدُ النائِمِ إلَّ معَ القصدِ لذلكَ، وما قالَهُ ظاهِرٌ أو قريبٌ من الظهورِ، وأمَّا إذا عُلّلَ بملامَسةِ المُستقذراتِ فدعوَى الظهورِ في ذلكَ أقرب. الثالثة والعشرون: جرَى الظاهريُّ عَلَى سبيلهِ المعروفةِ وطريقِهِ المألوفَةِ، وقالَ: زعَمَ قومٌ أنَّ هذا الغَسلَ خوفَ نجاسةٍ تكونُ في الیدِ، وهذا باطلٌ لا شكَّ فيهِ؛ لأنَّهُ - الَّةِ - لو أرادَ ذلكَ لمَا عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَّهُ، ولما (٢) كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ، وأيضاً فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسةٍ لكانَت الرّجلُ كاليدِ في ذلِكَ، ولَكانَ باطنُ الفَخِذَينِ، وما بينَ الألْيَتَينِ، أولَى بذلكَ. (١) الاهْتِبال: الاغْتِنام. (٢) في الأصل: ((وما))، والمثبت من ((ت)). ٩٧ قالَ: ومِنَ العجبِ عَلَى أصُولِهِمِ أنْ يكونَ ظَرُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسلَهُما ثلاثاً، فإذا تَقَّنَ كونَ النجاسَةِ فيهِ أجزأ إزالتُهَا (١) بِغَسَلَةٍ واحدةٍ. وإنَّما السببُ الذي من أجلِهِ وَجَبَ غَسلُ اليَدِ هو ما نصَّ رسولُ اللهِ صَُّ من مَغيبِ النائِمِ عن دِرايَةٍ أينَ باتَتْ يُدُهُ فقط، ويجعلُ اللهُ تعالَى ما شاءَ سبباً لما شاء؛ كما جعلَ بُعدَ الريحِ الخارجِةِ من أسفَل سَبَاً(٣) يوجِبُ الوضوءَ، وغَسلَ الوجهِ، ومسحَ الرأسِ؛ وغسلَ الذراعين؛ والرِّجلينِ (٤). فنقولُ: أمَّا قولُكَ: إنَّهُ باطِلٌ لا شَكَّ فيه؛ لأنه - العَّ - لو أرادَ ذلكَ لما عَجَزَ عن أنْ يُبَيِّنَهُ، ولما كَتَمَهُ عن أُمَّتِهِ. فإِنْ أَرَدْتَ بِهِ وجوبَ البيانِ بالنصِّ الصريحِ الذي لا يحتملُ التأويلَ فهذا باطلٌ، وكَم من نُصوصٍ في الكتابِ والسنةِ تحتاجُ في تعيينِ المرادِ مِنها إِلَى نَظَرِ دقيقٍ، ولو وَجَبَ البيانُ الصريحُ الذي لا يقبلُ الاحتمالَ لارتفعَ الخلافُ. (١) ((ت)): ((إزالتهما)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت): (سببها)). (٤) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١ / ٢٠٧). ٩٨ وإنْ أردتَ ببيانِهِ ما هوَ أعَمُّ مِنْ ذلِكَ، فقدْ بَّنَهُ وََّ عَلَى حسبٍ ما يَفْهَمُهُ الناسُ، ويتخاطَبُونَهُ(١) بينهم؛ فأمَّا أصلُ التعليلِ فَقَد تَبَيَّنَ بـ (الفاءِ) و(ثمَّ)، وأمَّا كونُهُ لأَجلِ احتمالِ النجاسةِ، أو القذارةِ، فذلكَ لفَهمِ السياقِ في مثلِ هذا الكلام للعلةِ؛ لأنَّ مَنْ عَلِمَ من قواعِدِ الشرعِ التحرُّزَ(٢) مِنَ النجاسةِ، وتأثرَ الماءِ بوقوع النجاسةِ فيهِ، وطَلَبَ الشرع النظافةَ، وسَمعَ هذا اللفظ المُقتضي للتعليلِ، لمْ يَشكَّ بأنَّ المقصودَ التَّحُّزُ؛ إمَّا عن النجاسةِ، أو القذارةِ. ومِنْ زَعَمَ أنَّهُ لا فَرِقَ بينَ أنْ يُؤْمَرَ قاصدُ وضْعِ يدهِ في الماءِ للوضوءِ بِغَسلِهَا قبلَ ذلك؛ ويُعلَّلُ ذلِكَ بأنَّهُ لا يدري مبيتَ اليدِ أيَّ مكانٍ من الجسدِ، وبينَ أنْ يؤمَرَ بهذا الغسلِ في مثلِ هذه الحالةِ، ويعلَّلَ بهبوبِ الرياح، و(٣) نَعَيقِ الغرابِ، بالنُّسْبَةِ إلَى عدم(٤) المناسبةِ، فما بهِ في العقلِ من طباخٍ. وأما قولُهُ: فلو كانَ ذلِكَ خوفَ نجاسَةٍ لكانَتِ الرِّجلُ كاليدِ في ذلكَ، ولكانَ باطنُ الفخذينِ، وما بينَ الأَليتينٍ، أولَى بذلكَ، فكأنَّهُ فهمَ أنَّ المقصودَ من قولِ مَنْ قالَ: إنَّ ذلِكَ للنجاسةِ، (١) ((ت)): ((ويتخاطبوه))، وكتب فوقها ((كذا)). (٢) في الأصل: ((على التحرز))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((أي)) بدل ((و))، وكتب فوقها ((كذا)). (٤) ((ت)): ((هذا)) بدل ((عدم)). ٩٩ مُجرَّدُ إزالة النجاسة، وليسَ الأمرُ كذلِكَ، وإنما المقصودُ إزالةُ احتمالٍ النجاسةِ؛ حَذَراً مِنْ أنْ تَصِلَ إلَى ماءِ الوضوءِ فتُفسِدَهُ، وهذا المعنَى مُحَالٌ في الفَخِذَينِ؛ لأنَّهُما لا تَعَلَّقَ للوضوءِ بهما، وإنَّما المقصودُ ما يتعلقُ بأعضاءِ الوضوءِ وغَسلِهِما، وتنزيهُ ماءِ الوضوءِ المستعملِ في أعضائِهِ عن احتمالِ الَّنچِیسِ. وأمَّا قَولُهُ: ومِنَ العَجَبِ عَلَى أُصُولِهِم أنْ يكونَ ظَرُّ كونِ النجاسةِ في اليدينِ يوجِبُ غَسَلَهُما ثلاثاً، فإذا تيقَّنَ كونَ النجاسةِ فيهِ أجزاً إزالتُهَا بغسلةٍ واحدةٍ . فإمّا أنْ يكونَ كلامُهُ معَ منْ يقولُ: إنَّ هذا الأمرَ للاستحبابِ أو الندبِ، أو مع منْ يقولُ بأنَّهُ للوجوبِ، فإنْ كَانَ الأولُ فقدْ [التزمَ](١) ذلكَ، وقيلَ بأنَّه(٢) يُستَحَبُّ في غسلِ النجاسةِ التثليثُ، فإنَّهُ إذا استُحبَّ مع الشكِّ فَلَأَنْ يُستَحَبَّ مع اليقينِ أولَى. وإنْ كَان مع منْ يقولُ بالوجوبِ فلأحمدَ بنِ حنبلٍ - وهوَ منَ القائلينَ بهِ - قولٌ: إنَّ النجاسةَ تُغْسَلُ سبعاً؛ كما في الكلبِ، واختلفَ أصحابُهُ في وجوبِ التتريبِ علَى وجهينٍ(٣)، فلا عجَبَ من (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((أنه)). (٣) انظر: ((الفروع)) لابن مفلح (١/ ٧٤)، و((الإنصاف)) للمرداوي (١ / ٩١ - ٩٢). ١٠٠