Indexed OCR Text

Pages 21-40

والثاني: أنها صحيفةٌ، لا سماءٌ، فعن أبي زرعة: روَى عنه
الثِّقات، وإنما أنْكروا عليه كثرةَ روايتِهِ عن أبيه، عن جده(١)، وإنما
سمع أحاديث كثيرة، وأخذ صحيفة كانت عنده، فرواها (٢).
فأما الطريق الأول، وهو الإرسالُ، فقد ذكرنا ما رواه البخاريُّ
مما يقتضي سماعَ شُعيب بن عبدالله بن عمرو.
[وعن الدارقطني وغيره من الأئمةِ: أنَّهُ أثبت سماعَ شعيب بن
عبدالله] (٣) (٤).
وقال أبو بكر النَّيسابُوري: صحَّ سماعُ شُعيب من جدِّه عبدِ الله(٥).
وأما الطريق الثاني، وهو كونه صحيفةً، فيطرقُهُ ما يُقَال في كتاب
عمرو بن حزم من: أنَّ هذه الأمورَ المأخوذةَ عن النبيِّ بَّرِ في الأصلِ
مما يَعتني به أهلُ البيت الذين يُنسبون إلَى الصحابيِّ؛ لأنَّهُ من
مفاخرهم، وتقتضي العادةُ تداولهم له، فتكون بمثابة السماع، وقد
عُلم أنَّ عبدالله بن عمرو يَكتب، وتقدَّم أنَّهُ سمَّى صحيفتَهُ:
(١) هنا الموضع الذي أقحمت فيه العبارة السابقة.
(٢) انظر: ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٦ / ٢٣٨).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((سنن الدار قطني)) (٣/ ٥٠).
(٥) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٣/ ٥٠)، ومن طريقه: الحاكم في ((المستدرك))
(٢/ ٥٤).
٢١

((الصادقة))، والظاهرُ في مثل هذا أنَّ [أهلَ](١) بيتِهِ يتداولون نقلَهَا،
ويحتفظون(٢) بها .
ومنهم من يقول: قولُهُ: عن جده، يُحتمَلُ أنْ يُرادَ به جدُّه
الأعلَى، وهو عبدالله بن عمرو، فيكون مسنداً، ويحتمل أنْ يُرادَ
جده الأدنَى وهو محمد، فيكون مُرسلاً(٣)؛ لأنَّ محمداً تابعي،
فقسموا القول بین أن يُقال: [عن](٤) أبيه عن جده عبدالله بن عمرو،
وبين أنْ يَقتصرَ علَى قوله: عن جدِّه، فإنْ ذكرَ عبدَالله بن عمرو
احتُجَّ [به](٥)؛ لسلامته من الإرسالِ، وإنْ لمْ يذكرْ لمْ يحتجَّ به؛
لاحتمال الإرسال.
واعلمْ أنَّهُ قد يُتَقَلِّبُ(٦) في الاحتجاج بهذه الصحيفةِ، فتارةً يحتجُّ
بها بعضُهم إذا وافقَ رأيَهُ، ويتركها إذا لمْ توافقْ؛ إما بالإهمالِ لذكرها،
أو بالطعنِ فيها علَى مذهب مَن يرى ذلك، وهذا تصرفٌ رديءٌ شَنَّعَ به
ابنُ حزم علَى الفاعلِ إذ يقول: إنَّهُ يستحيلُ أنْ يكونَ الشيءُ حجةً في
-
(١) سقط من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يحفظون))، والمثبت من ((ت)).
(٣) ذكره ابن طاهر المقدسي في ((إيضاح الإشكال)) (ص: ٣٠ -٣١) عن
الدار قطني.
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((يتثعلب))، والمثبت من ((ت)).
٢٢

موضعٍ، غيرَ حجة في موضع آخر؛ هذا، أو معناه، أو قريب منه(١)؛
وهو معذورٌ في أصل التشنيع.
وقد أكثر الشيخ أبو إسحاق في ((المهذَّب)) من الاستدلالِ برواية
عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وقال في ((اللمع في الأصول)):
لا يجوزُ الاحتجاجُ بعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ لاحتمال
[أنَّ المرادّ](٢) جدُّه الأدنى، وهو محمد؛ فيكون مرسلاً(٣).
ونُقِلَ عن غيره من الشافعيةِ أيضاً: أنَّهُ لا يجوزُ الاحتجاجُ به،
وقد أُنْكِرَ عَلَى الشيخِ أبي إسحاقَ ما ذكرناه من التقلب(٤).
وقالَ بعضُ المتأخرين: إنَّ الصحيحَ المختارَ صحةُ الاحتجاج
به، عن أبيه، عن جده؛ كما قاله الأكثرون، فاختارَ في ((المهذَّب)» هذا
المذهب المختار(٥)، والله أعلم.
(١) قال ابن حزم في ((المحلى)) (٦/ ٧٩) في تشنيعه على المالكية في إيجاب
الزكاة في الحلي، وعدم احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب في الباب،
فقال: والمالکیون یحتجون برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده إذا
وافق أهواءهم، ولم يروه هاهنا حجة.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((اللمع في أصول الفقه)) للشيرازي (ص: ٧٥).
(٤) في الأصل: ((التثعلب))، والمثبت من ((ت)).
(٥) قاله النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٣٤٦).
٢٣

وهذا الذي ذكره المتأخرون لا يستمرُّ؛ فإن في هذه الرواية، عن
أبيه، عن جده، ما لا يقوله أبو إسحاق ولا الشافعيُّ، ومُقتضَى كونه
حجةً عندهم أنْ يُقَال به، فيحتاجون إلَى التقلب(١)، وقد يجيبون عن
هذا (٢) بطريق جدلي، وهو أنْ يكونَ تركُ العمل به في بعضٍ المواضع
لقيام مُعارِضٍ منعَ من ذلك، ولا يلزمُ من ترك العمل لمُعارِض تركُ
العمل لا لمُعارضٍ.
وقد يجيبون ابنَ حزم عن كلامه بهذا لكنَّه أمرٌ جدلي، ورُبَّما
یعسر إثباتُ المعارض فیما يدّعونه؛ فإنَّ في بعض تلك الرويات نصٌّ
علَى بعض الأحكام لا يَحتمِلُ التأويلَ، أو يُستكرَهُ جداً تأويلُه(٣) بحيث
يمتنعُ المصیرُ إلیه.
وفيه وجهٌ آخرُ جدليٌّ قد يُعتَذَرُ به عن التقلب (٤)، تُركَ ذكرُهُ لأنْ
لا يُتنبَّهَ به علَى إبطالٍ حقٍّ، أو إثباتٍ باطل، عَلَى أنَّ هذا التقلُّبَ (٥) قد
ذُكِرَ قديماً، فذكر ابنُ عدي عن أبي داود: قالَ أحمدُ بن حنبل:
أصحابُ الحديث إذا شاؤوا احتجُّوا بحديثه عن أبيه عن جده، وإذا
(١) في الأصل: ((التثعلب))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((بهذا))، والمثبت من ((ت)).
(٣) (ت)): ((يعسُر تأويلُه جدّاً) .
(٤) في الأصل: ((التثعلب))، والمثبت من (ت)).
(٥) في الأصل: ((المتثعلب))، والمثبت من ((ت)).
٢٤

شاؤوا تركوه(١) .
قلت: ليس هذا راجعاً إلَى مشيئة أحد؛ وإنما يُرجَعُ في ذلك إلَى
التوثيقٍ و(٢) التضعيف، وإلاَّ جاء الاضطرابُ، وتطرَّقت القالةُ (٣) إلَى
الفاعل (٤) (٥).
: الوجه الثاني: في تصحيحه:
قد أشبعنا القولَ في رواية عمرو بن شعيب من جهةِ حالِهِ
وصحيفتِهِ، وقد ذكرنا في الأصلِ: أنَّ إسناده صحيحٌ إلَى عمرو، فمنْ
یحتجُّ بنسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، فهو عنده صحيح.
وهذا القولُ بناءً عَلَى الظاهرِ والأصل، وإلا فقد(٦) يقومُ في
المحلِّ الخاصِّ عندَ من يحتج بالنسخةِ مانعٌ يمنعُهُ من الحكم(٧)
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (٥/ ١١٤).
(٢) ((ت)): ((أو)).
(٣) ((ت)): ((المقالة)).
(٤) جاء على هامش (ت)): ((بياض نحو صفحة من الأصل)).
(٥) وقال الذهبي في ((السير)) (٥ / ١٦٨): هذا محمول على أنهم يترددون في
الاحتجاج به، لا أنهم يفعلون ذلك على سبيل التشهي.
(٦) في الأصل: ((قد))، والمثبت من ((ت)).
(٧) ((ت)): ((بالحكم)).
٢٥

بالتصحيحِ في المحلِّ الخاص، لكنَّ ذلك باعتبارِ أمرٍ زائد علَى
الاحتجاج بالنسخة، وقيام المانع لو كان، والموانعُ لا تلزمُ [إلا] (١)
التعرضُ لها في الإطلاقات.
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولَى: (الطُّهُور)؛ بضم الطاء: [الفِعل](٢)، وبالفتح: الماء، وقد
تقدّم هذا في حديث آخر .
وقال الأستاذ أبو محمد بن السِّيْد الأندلسي فيما ظننته عنه:
الطَّهور بفتح الطاء سواءً أردتَ به المصدرَ أو الماءَ.
وكان قدَّم في الوضوء: أنَّهُ بضم الواوِ الفعلُ، ويفتحها الماءُ.
قال: وهو قولٌ مشهورٌ عن الكوفيين، وأما سِيبَوَيْهِ وأصحابُهُ
فقالوا بالفتح في المصدر والماء جميعاً، وذكروا أنَّ المصادرَ حُكمُهَا
أن تجيءَ عَلَى فُعوُل ـ بضم الفاء -؛ كالقُعُودِ، ونحوه، والأسماء
بالفتحِ، إلا أشياء شذَّت من المصادرِ وهي الوَضوء، والطَّهور،
والوَلوع، والوَقود، والوَزوع(٣)، كما شذَّت أشياء من الأسماءِ فجاءت
بالضمِّ؛ كالشُّدوس(٤)، والكُعوب.
(١) زيادة من ((ت))، وجاء فوقها: ((كذا)). إشارة إلى غموض يكتنف هذا الكلام.
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((الزروع))، والمثبت من ((ت).
(٤) (ت)): ((السُّدود)).
٢٦

وقال الأصمعي: الوُضوء - بالضمِّ - ليس من كلام العرب، وإنما
هو قیاس قاسَهُ النحویون.
فهذا الذي ذكره في الطهورِ جرى فيه علَى مَا ذَكرَهُ في الوضوء.
الثانية: السَّبَّاحَةُ، والمُسَبِّحَةُ، والدَّعَاءَةُ، والسَّبَّابَةُ: الإصبع التي
تلي الإبهام، سُمِّت مُسَبِّحَةً؛ لرفعها في التسبيح، وبالسََّّابةِ للإشارة
بها عندَ السَّبِّ إلَى المسبوب(١)(٢).
الثالثة: قالَ ابن سِيدَه: الظلم: وضعُ الشيءِ في غير موضعِهِ (٣).
قال ابن الأنباري: قالَ أهلُ اللغة؛ الأصمعيُّ، وأبو عُبَيدة،
وغيرهما: الظالمُ معناه في كلامهم(٤) الذي يضعُ الأشياءَ في غير
مواضعها .
ثم قال: ومن الظلمِ قولهم: (مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ)؛ معناه: فما
وضع الشبيه(٥) في غير موضعه.
ثم قال: وقد ظلمَ الرجلُ سِقَاءَهُ: إذا سقاه قبل أنْ يَخْرِجَ زُبْدُهُ.
ويقال: قد ظلمَ المطرُ أرضَ بني فلان: إذا أصابها في غير
(١) (ت)): ((للمسبوب)).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٢/ ٣٢٥)، (مادة: دع و).
(٣) المرجع السابق، (١٠/ ٢٣)، (مادة: ظلم).
(٤) (ت)): ((كلام العرب)).
(٥) ((ت)): ((التشبُّه».
٢٧

وقته.
ويقال: قد ظلمَ الماءُ أرضَ بني فلان: إذا بلغ منها مَوضعاً لمْ
يكنْ يبلغُهُ.
ويكون الظلم النقصان؛ كما قالَ الله - ◌ََّ -: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]؛ ما نقصونا من ملكنا شيئاً إنما نقصوا
أنفسهم، وقال - جل ذكره -: ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئًاً﴾ [الكهف: ٣٣].
[قال:](١) ويكون الظلم الشرك: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيَمَنَهُم
بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ معناه: بشرك(٢).
والأصلُ في الظلم ما قاله أهلُ اللغة .
الرابعة: الإساءَةُ: ضدُّ الإحسان، قالَ الجَوهَرِيُّ: [و](٣) أساءَ
إليه: نقيضُ أحسنَ إليه، والسُّوْأَى نقيضُ الحُسْنَى، وفي القرآن: ﴿ثُمَّ
كَانَ عَلِقِبَةَ الَّذِينَ أَسَُّواْ السُّوَ﴾ [الروم: ١٠]؛ يعني: النار(٤)، والله أعلم.
* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولَى: هاهنا مباحثُ تتعلق بقوله: ((هَكَذَا(٥) الوُضُوءُ))، [و](١)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) لابن الأنباري (١ / ٢١٦ -٢١٧).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٥٦)، (مادة: س وأ).
(٥) في الأصل ((تتعلق بهكذا الوضوء))، والمثبت من ((ت)).
٢٨

ترجعُ إلَى هذا العلم؛ أعني: العربية.
منها: أنَّ المبتدأَ والخبرَ إذا اجتمعَ التعريفُ والتنكير، فالمبتدأ
هو المعرفةُ، والخبرُ هو النَّكرةُ، وكذلك إذا وُجِدَ جارٌّ ومجرور(٢)
[فيه](٣)، فهو الخبر.
ومنها: أنَّ الكافَ الجارةَ قد تكون اسماً بمعنى: مثل، ولا تتعيَّنُ
للحرفية، وقد استدلَّ علَى اسميَّتِها بأمورٍ مسموعةٍ [كقولِهِ](٤):
يَضْحَكْنَ عَنْ كَالْبَرَدِ(٥)
فإنها عُيِّنت للاسميةِ لدخول حرف الجر عليها.
ومثله [من الطويل]:
(١) سقط من ((ت)).
(٢) (ت)): ((وجدنا جارّاً ومجروراً).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) لرؤية بن العجاج؛ انظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص: ٢٥٥)،
و((المحكم)) لابن سيده (٤/ ١١١)، و((المفصل)) للزمخشري (ص: ٣٨٥)،
و((لسان العرب)) لابن منظور (١٢ / ٦١٩). وتمامه، مع الذي قبله، كما
في ((خزانة الأدب)) للبغدادي (١٠ / ١٦٨).
عند أبي الصَّهباء أقصى همِّي
ولا تلمني اليومَ يا ابن عمِّي
يضحكْنَ عن كالَبَرد المنهمِّ
بِيضٌ ثلاثٌ كنعاجِ حُمِّ
تحت عرانينِ أنوفٍ شُمِّ
٢٩

لِأُوْلَعَ إلا بِالْكَمِيِّ المُقَنَّع (١)
بِكَالِقْوَةِ الشَّغْوَاءِ جَلَّتْ فَلَمْ أَكُنْ
فقد دخل حرفُ الجر عليها (٢).
[و](٣) كقول الشاعر يصفُ سَحاباً ذا بَرْقٍ [من الخفيف]:
وَسْطَهُ كاليَراعِ أَوْ سُرُجِ المَجْــ ـدَلِ طَوْرَاً يَخْبُو وطَوْرَاً يُنِيرُ (٤)
فيمن روَى (وسطَه) بالنصبِ عَلَى الظرفية والخبرية، فتكون(٥)
الكافُ اسماً في موضع رفع بالابتداء(٦).
وقول الأعشَى [من البسيط]:
(١) البيت ذكره المرادي في ((الجنى الداني في حروف المعاني)) (ص: ٨٢)
ولم ينسبه.
واللُّقوة - بالكسر -: العُقاب؛ سميت بذلك لسعة أشداقها، وتسمى:
الشغواء: لاعوجاج منقارها. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (٤ / ٩٣)
و(١٤ / ٤٣٦).
(٢) (ت)): ((دخل عليها حرف الجر)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) البيت لعدي بن زيد، كما نسبه ابن منظور في ((اللسان)) (٧ / ٤٢٦).
(٥) ((ت)): ((وتكون)).
(٦) (ت)): ((على الابتداء)).
٣٠

أَتَنْتُهُونَ ولنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطِ
كالطَّعْنِ يَذْهبُ فيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ(١)
وقول امرىء القيس [من الطويل]:
وإِنَّكَ لمْ يَفْخَرْ عليكَ كَفَاخِرٍ
ضَعِيفٍ ولم يغْلِكَ مِثْلُ مُغَلَّبٍ(٢)
وقول الآخر [من الطويل]:
[يَمِيناً](٣) لَعَمْرُ اللهِ مَا ظِلَّ مُسْلِماً
كَغُرّ الثَّنَايَا وَاضِحَاتِ المَلاغِمِ(٤) (٥)
الكاف في (كفاخر) فاعل يفخر، وفي (كغر) فاعل ظل(٦).
وقول الشاعر [من الخفيف]:
حينَ يَطْوِي المَسَامِعَ الصَّرَّارُ (٧)
أبداً، كَالْفَرَاء فَوْقَ ذُرَاهَا
فإنه حُكِمَ هاهُنا بوقوعها مبتدأً.
(١) انظر: ((ديوان الأعشى)) (ص: ٦٣).
(٢) انظر: ((ديوانه)) (ص: ٤٤).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((البلاغم))، والمثبت من ((ت)).
(٥) البيت لأبي حية النميري، كما في ((الأمالي)) لأبي علي القالي (٢/ ٢٨١)،
و ((الكامل)» للمبرد (٩٩/١ - ١٠٠).
(٦) في الأصل: ((والكاف في ذلك فاعل يفخر، وفي كغر فاعل ظل))، والمثبت
من ((ت)).
(٧) ذكره المرادي في ((الجنى الداني في حروف المعاني)) (ص: ٨٣) دون نسبة.
٣١

فهذه مواضعُ عُيِّنت الكافُ فيها للاسمية(١)، وقد عُيِّنت للحرفية
في نحو قولك: جاءني الذي كزيد، وعُلَّلَ بأنَّك لو جعلتها اسماً
لوصلت (الذي) بالمفردِ.
ووردتْ(٢) بين الحرفية والاسمية في نحو قولك: زيدٌ كعمرو(٣).
والذي يجرُّ إلَى هذا الكاف في قوله: ((هَكَذَا الوُضُوء)»، المشهورُ
في (مثل) أنها لا تتعرَّفُ بالإضافةِ، وذكر أبو عبدالله بن مالك الجَيَّاني:
أنَّ (مثل) إذا أُضيفَ إلَى معرفةٍ دونَ قرينة تشعرُ بمماثلةٍ خاصّة فإنَّ
الإضافةَ لا تعرَّفُه، ولا تزيلُ إبهامه، قال: فإن أُضيفَ إلَى معرفةٍ،
وقارنه ما يُشعرُ بمماثلةٍ خاصَّة تعرَّفَ.
* الوجه الخامس: في شي من علم البيان والمعاني، وفيه مسائل:
الأولَى: لقد ذكرنا في اسمٍ هذه(٤) الإصْبَعِ: السََّّابَةَ، والسََّّاحَة،
والمُسَبِّحَة، والدَّعَاءَة، واختيارُ السَّاحِةِ في الحديثِ اختيارٌ لأحسن
(١) (ت): ((الاسمية)).
(٢) في الأصل: ((ورددت))، والمثبت من ((ت)).
(٣) انظر: ((الجنى الداني في حروف المعاني)) للمرادي (ص: ٧٨) وما بعدها،
ففيه ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا .
(٤) ((ت)): ((هذا)).
٣٢

اللفظين في التعبيرِ، وقد لمح الزمخشريُّ هذا فقال في قوله تعالَى:
﴿جَعَلُواْ أَصَنِعَهُمْ فِّ ◌َذَانِهِمْ ﴾ [نوح: ٧]: وإنما توضعُ في الأذنِ السَّابة،
فذكر الإصبع، وهو الاسمُ العامُّ أدباً؛ لاشتقاقها من السبِّ، ألا تراهم
كُتُّوا عنها بالمسحبّةِ والدغَّاءة والسبَّاحة، وإنما لمْ تذكرِ المُسبحةُ
والدعَّاءة؛ لأنها ألفاظٌ مُستحدَثٌ لمْ تكنْ في ذلك العهد(١).
قلت: ويمكن أنْ يقال: إن ذكرَ الإصبع هاهنا جامعٌ لأمرين:
أحدهما: التَّنَزُّهُ عن اللفظِ المكروه.
والثاني: حطُّ منزلة الكفار عن التعبيرِ باللفظِ المحمود.
والأعمُّ يُفيدُ المقصودين معاً، فأُتيَ به، وهو لفظُ الإصبع، وبهذا
يَتبينُ حسنُ التعبير بالسبَّاحتينِ في الحديثِ؛ لنسبِهِما إِلَى رسولِ اللهِ،
ولم يُؤْتِ بالأدنَى؛ الذي هو (٢) السبّابةُ، ولا بالإصبعِ الذي لا يدلُّ عَلَى
معنى التعظيم، فوجب اختيارُ السَّاحتين، والله أعلم.
الثانية: اختلفوا في مفهوم الحصر، ويمثّلون ذلك بقولهم:
العالمُ زيدٌ، أو (٣) زيدٌ العالم، والقائلون به يحصِرون المبتدأ في الخبرِ،
ومثالُهم المشهورُ: صديقي زيد، وزيد صديقي؛ فـ(صديقي زيد)
يقتضي الحصرَ عندَ هؤلاء، واستدلوا على ذلك بأنَّهُ لو لمْ يقتضٍٍ
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ١١٧).
(٢) (ت): ((هي)) بدل ((هو)).
(٣) ((ت)): ((و)).
٣٣

الحصرَ لزمَ أنْ يكونَ المبتدأُ أعمَّ من الخبرِ، وهو غير جائزٍ (١).
بيانه: أنَّا إذا قلنا: العالم زيد، فالألف واللام ليست للجنس
قطعاً، ولا للعهد [لعدمه](٢)، فتعيَّنَ أن تكونَ لماهيةِ العالم، فتلك
الماهيةُ؛ إما أن تكونَ موجودةً في غير زيد، أو لا، فإنْ لمْ تكنْ،
انحصرت العالِمِيَّةُ في زيد، وهو المطلوب، وإنْ كَان موجودةً في
غيره فتكون أعمَّ من زيد، وزيدٌ أخصُّ منها، وقد أخبرَ عنها، فلزم
الإخبارُ بالأعمِّ عن الأخصِّ؛ كما ادعينا.
واعترضَ بعضُ المتأخرين بأنَّ هذا الدليلَ إنما يتمُّ بجعل
(العالِم) مُخبراً عنه، و(زيد) مخبراً به، أما لو جعل (العالم) خبراً
متقدِّماً على المخبرِ عنه، فحينئذ لا فرق بين (العالم زيد) و(زيد
العالم)، فمن يقول: (العالم زيد) يفيد الحصر.
وقال أيضاً: ولو جُعِلَ الألفُ واللام في العالمٍ لمعهودٍ ذهني
بمعنى: الكامل(٣) والمُنتهَى في العالميةِ، فحينئذٍ تفيدُ المبالغةَ،
ولا تفيدُ الحصرَ، انتهَى (٤).
(١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٧١)، و((البرهان في أصول الفقه))
للجويني (١ / ٣١٧)، و((الإحكام)) للآمدي (٣/ ١٠٨).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) (ت): ((في العالم المعهود، وهي بمعنى الكامل)).
(٤) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٥/ ١٨٥) ووقع في المطبوع منه:
((والمشتهر في العالمية)).
٣٤

* الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولَى: فيه السؤالُ عمَّا يجبُ تعلُّمُهُ من أمور الدين، والأقربُ
أنْ يكونَ هذا السائلُ حديثَ عهد بالإسلامِ، إنْ كَان سؤالُهُ عن أصل
فعلِ الطهور، وما يجبُ من كيفيَّهِ، وهو ظاهرُ اللفظ، ويحتمل أنْ
يكونَ السؤالُ عمَّا زاد علَى الواجبِ؛ إما قصداً، أو تبعاً.
[و](١) الثانية: الجوابُ الخاصُّ عن السؤالِ العامِّ يكون لقرينة
تدلُّ علَى أَنَّ المقصودَ بالسؤالِ الخاصُّ، والنبيُّ بَّهِ أجابَ بكيفية
الوضوء، وهو خاصٌّ بالنّسبةِ إلَى الطهورِ، وهو عامّ؛ لتناوله الوضوء
والغسل، فيحتملُ أنْ يكونَ لقيام قرينة دلَّت علَى أنَّ السؤالَ عن
الوضوءِ، ويحتمل أنْ يكونَ لأنَّه الأعمُّ الأغلب؛ والموجباتُ له
متكررة، والغسلُ في محلِّ العارض عندَ وجود مُوجِهِ العارض،
فالبيانُ الأولُ ضروريٍّ، ويتأخَّرُ بيانُ الثاني إلَى حين وجودٍ ما يوجبُهُ،
ووقوع السؤال عنه.
الثالثة: قوله: ((فَدَعَا بمَاءٍ)) إذا(٢) ضممته إلَى روايةٍ من روَى:
«فدعا بوَضُوء)»، استُدِلَّ بالمجموعِ علَى أنَّ الوَضوءَ اسمٌ للماء.
الرابعة: فيه ما قدمناه من الاستعانة في أسباب الوضوء بإحضار
الماء، وبعضُ المتأخرين من الشافعيةِ حكَى عن أصحابهم أنَّ الاستعانةَ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) (ت)): ((وإذا)).
٣٥

ثلاثةُ أقسام:
أحدها: أنْ يستعينَ بغيرِه في إحضار الماء، فلا كراهةَ فيه،
ولا نقصَ.
والثاني: أنْ يستعينَ به في غسل الأعضاء، ويباشرُ [الأجنبيُّ](١)
بنفسه غسلَ الأعضاء، [فهو مكروهٌ إلا لحاجة.
والثالث: أنْ يصبَّ عليه](٢)، فهذا الأولَى تركه، وهل يُسمَّى
مكروهاً؟ فيه وجهان(٣).
قلت: وقد ثبتَ عن النبيِّ وَطِّ: أنَّهُ صُبَّ عليه الماء لوُضوئه، من
رواية المغيرة [بن شُعبة](٤)، وأسامة(٥)، فالأَوْلَى أنْ يُؤْخَذَ ذلك في
الجواز(٦)، ولا يُضعَّفَ إلا لمعارض.
والأحاديثُ التي جاءت في ترك الاستعانة لا تكادُ تثبتُ، [أو
لعلّها لا تثبتُ.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) قاله النووي رحمه الله في ((شرح مسلم)) (٣/ ١٦٨ -١٦٩) وذكر أنه نقله عن
الأصحاب.
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) تقدم تخريجهما.
(٦) في الأصل: ((بالجواز))، والمثبت من ((ت)).
٣٦

هذا علَى أنَّ في بعض الآثار التي تقتضي ترجيحَ عدم الاستعانة،
ما يتناولُ الاستعانةَ](١) في أسباب الطهارة.
الخامسة: قوله: ((فَغَسَلَ كَفَّيِهِ ثَلاثاً» يدلُّ عَلَى استحبابِ التكرار
في المغسولِ، والمالكيةُ يعدُّونه في الفضائلِ، لا في السننِ على
اصطلاحهم (٢).
السادسة: ويدلُّ على استحباب هذا العدد، وقد ورد غسلُهُما
مرّتین في حدیث عبدالله بن زید.
قال الفاضلُ أبو عبدالله المازري: أما مقدارُ عددٍ غسلِهما فقد
أشارَ بعضُ أصحابنا إلَى غسلهما مرّتين؛ أخذاً بحديث ابن زيد المتقدِّم،
وذكر أنَّ المختارَ ثلاثاً؛ [لقوله: ((فلْيغسلْهُمَا))] (٣)، ولأنَّه القَدرُ الذي
تتعلق به الفضيلةُ في سائر أعضاء الوضوء المغسولة (٤).
قلت: الأولَى أنْ يستندَ في استحباب الثلاث إلَى هذا الحديث،
وما هو مثله، الذي ليس فيه دلالةٌ علَى الغسلِ عندَ القيام من
النوم؛ كالحديث الذي استدلَّ به؛ فإنَّهُ لا يتناول صورةَ عدم القيام
من النومِ بلفظِهِ، وفي تناولِهِ إِيَّاه بمعناه نظرٌ أيضاً؛ إذ قد يناسب
(١) سقط من ((ت)).
(٢) كما تقدم عنهم.
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) انظر: ((المعلم بفوائد مسلم)) للمازري (١/ ٢٣٣).
٣٧

القيامَ من النوم زيادةُ العدد في التنظيفِ بالنُّسبَةِ إلَى مُطلَقٍ غسلِ اليدين
في ابتداءِ الوضوء.
السابعة: فيه دليلٌ علَى أَنَّ [أولَ](١) الأعضاء غسلاً في الوضوء
الكفَّان، مأخوذٌ من تعقيب الفاءِ الذي في قوله: ((فَدَعَا بمَاءٍ في إِنَاءِ، فَغَسَلَ
كَفَّيْهِ))، وقد وردَ في بعض الحديث ما يقتضي المنعَ من البُداءةِ بالفم.
الثامنة: لمْ تذكرِ المضمضةُ والاستنشاقُ في هذا الوضوء،
وليست يُعدمُ(٢) في تصرفِ الفقهاء الاستدلالُ بعدم الذكر علَى عدم
الوقوع، فإذا سلكتَ هذه الطريقةَ أمكنَ أنْ تستدلَّ بذلك علَى عدم
وجوبِ المضمضة والاستنشاق، ويُؤْخَذُ الاستحبابُ من أحاديثَ أُخرَ.
التاسعة والعاشرة والحادية عشرة: غسلُ الوجه، وترتيبُهُ، وعددُ
مرَّاته(٣) .
وكذلك نقولُ في غسل اليدين، فهي ثلاثٌ، مع زيادةِ ما يتعلَّقُ
بالذِّراعِ، فإنَّ أهلَ العُرفِ لا يُطلقون لفظ الذِّراعِ علَى ما دون إبرة
المِرْفَقِ؛ [لا قولاً ولا فعلاً، فأذرع أحدهم فعلاً من إبرة المرفق](٤)،
وإذا أخبرَ عن فعلِهِ وقال: بذراعي، أراد ذلك، فيكون هذا اللفظُ أدلّ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يقدم))، والتصويب من (ت)).
(٣) في الأصل: ((عدم مراته))، والتصويب من (ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
٣٨

عرفاً علَى دخول المرفق في (١) الغسل من ((إِلَى المرفقِ))، فهي
خمسٌ(٢).
السادسة عشرة والسابعة عشرة: مسحُ الرأس، وترتيبُهُ.
الثامنة عشرة: [قولُهُ](٣): ((ثمَّ مَسَحَ برأسِهِ؛ فَأَدخَلَ إصبَعِيهِ
السَّبَّحَتينِ في أُذُنِيهِ» كالتفسيرِ لقولِهِ: ((مَسَحَ رأسَهُ»، كما جعل ذلك
في قوله: ((مَسَحَ رأسَهُ بيدَيهِ؛ فأقبلَ بِهِما وأدْبَرَ)).
ويُحتمَلُ أنْ يكونَ قولُهُ: ((فأدخلَ إصبَعِيهِ السَّبَّحَتينِ في أُذُنِيهِ» من
باب عطفِ الجُملِ بعضِها علَى بعضٍ بالفاءِ، ولا يكون تفسيراً لمسح
رأسِهِ؛ كما تقول: قامَ زيدٌ، فمشَى إلَى المسجد.
التاسعة عشرة: [علَى](٤) التأويلِ الأول يكونُ مُشعراً بمسحِهما(٥)
(١) في الأصل ((و)) بدل ((في)) والمثبت من ((ت)).
(٢) أي: مسائل اليدين، والذي ظهر لي أربع مسائل، وهي: غسل اليدين،
وترتيبه، وعدده، ودخول المرفقين في الغسل، وقد تابع المؤلف ترقيم
المسائل من السادسة عشرة، فدلَّ ذلك أن مسائل اليدين أربع لا خمس، والله
أعلم.
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) أي: الأذنين.
٣٩

معَ الرأسِ مِن غيرِ تجديدِ ماءٍ؛ كما (١) يذهبُ إليه بعضُ الفقهاء.
العشرون: فيه دليلٌ علَى مسح الأُذُنين في طهارة الوضوء، وكثيرٌ
من الألفاظِ الصحيحةِ ليس له فيها ذكر[٥](٢)، فيُؤْخَذَ استحبابُهُ من هذا
و
الحديث وغيره.
الحادية والعشرون: ودليلٌ علَى مسح ظاهرِهما، وباطنِهما،
وعلَى أَنَّ ظاهرَهما يُمسَحُ بالإبهامينِ، وباطنَهما بالسبَّاحتينِ،
فهن(٣) أربع.
الخامسة والعشرون: ليس دلالتُهُ عَلَى [استحبابِ] (٤) مسحٍ
الظاهر بالإبهامينِ، والباطنِ بالسبَّاحتينِ [بالقوية](٥)؛ لاحتمال أنْ
يكونَ ذلك ليُسرِ (٦) هذه الهيئة، ولا يظهرُ قصدُ القُربة(٧) في ذلك، فلا
يقوَى مقصودُ التأسِّي، وليس يخلو عن الترجيحِ بالجُملة، وإنَّما
الكلامُ في دلالته علَى السنةِ المُتأكدة.
(١) في الأصل: ((تحديد ما يذهب))، وسقطت كلمة ((ماء)) من ((ت))، ولكنها
استُدركت في الهامش.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) ((ت)): ((فهي)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((لتفسير))، والمثبت من ((ت)).
(٧) ((ت)): ((ليسر هذه الهيئة فعلاً، فلا يكون يظهر قصد القربة)).
٤٠