Indexed OCR Text
Pages 601-620
بالماءِ، الذي هو أعمُّ من الغسلِ، فيمكنُ حينئذٍ أنْ يدَّعيَ أنَّ الغسلَ الأخصَّ هو الأعمُّ وزيادة، ونحن نمنعُ ذلك، بأنْ (١) نأخذ في المسح قيد الاقتصار على ما دون الإسالة والصبّ، وهو مع هذا القيد مقابلٌ للغسل المأخوذ فيه [قيد الإسالةِ والصَّبِّ، لا داخلٌ فيه](٢)، ويدلُّ علَى ذلك أنَّ الغسلَ لا يُسمَّى مسحاً عُرفاً، ولو حلف: لا يمسح رأسه، فغسله، لمْ یحتَثْ. الثامنة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى المدِّ في المسح، والشافعيةِ وجهٌ في اشتراطه(٣)، وهذا الخلافُ في المدِّ مذكورٌ (٤) عندَ الحنفية، وأنَّ في بعض الروايات عن أصحابهم: لا يجوز إلا أنْ يكونَ ممدوداً ليَبلُغَ ربعَ الرأس، وفي بعض الروايات: يجوز وإنْ كَان موضوعاً غيرَ ممدود، مأخوذٌ(٥) من أنَّهُ لا يُسمَّى مسحاً، والحديثُ لا يدلُّ على ذلك إلا على طريقةٍ سنذكرها. التاسعة والثلاثون: فيه دليلٌ علَى مسح الرأس باليدينِ معاً دونَ أحدهما. (١) (ت)): ((بل))، بدل ((بأن)). (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٣٥٦). (٢) زيادة من ((ت)) . فى الأصل: ((المذكور))، والمثبت من ((ت))، وهو خبر لـ هذا الخلاف. (٤) (٥) هو خبر ثان لـ هذا الخلاف؛ أي: هذا الخلاف مذكور ... مأخوذ من ٠٠٠ ٦٠١ الأربعون: مُقْتضَى الحديثِ مسحُ جميع الرأس، ومالكٌ - رحمه الله - يوجبه، واختاره المُزَنِيُّ من أصحاب الشافعي، وهو رواية عن أحمد. ومذهب الشافعي: أنَّ الواجبَ المُسمَّى. وعن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنَّ الواجبَ ربعُ الرأس، ورُبَّما عُبِّ عنه بالناصية. ولأتباع مالكٍ - رحمه الله - اختلافٌ فيما يُجزىء عندَ الاقتصار علَى البعضٍ، فمنهم من يقول: الثلثان، ومنهم من يقول: الثلث، ومنهم من يقول: الناصية(١)، ولا يلزم من هذا أن تكون هذه المقادير هي القَدْرُ الواجب على أصولهم، والله أعلم. الحادية والأربعون: من أراد الاستدلال بالحديثِ علَى وجوب التعمیم فله مسلکان: المسلك الأول: أنْ يذهبَ إلَى أنَّ الفعلَ للوجوب، والقاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي يفعل ذلك، إلا أنَّ المرجَّح في الأصولِ خلافُهُ؛ أعني: عدم دلالة الفعل علَى الوجوبِ. المسلك الثاني: أنْ يذهبَ إلَى الإجمالِ في قوله تعالَى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وقد نُقِلَ ذلك عن بعض الحنفية، ووُجِّهَ بأنَّهُ مُحتملٌ لأنْ يكونَ المرادُ منه مسحَ جميع الرأس، وأنْ يكونَ (١) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (١ / ١٢)، و((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٥٩)، و((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤٥٨)، و((المحرر)) للمجد ابن تيمية (١ / ١٢). ٦٠٢ المرادُ مسحَ بعضه، وليس أحدُهما أولَى من الآخر، فكان مُجملاً، وإذا كان مُجملاً جُعِلَ الفعلُ بياناً. ثم يقول: الاستيعابُ بيانٌ للإجمال الواجب، وبيانُ المُجمل الواجب واجبٌ، فالاستيعابُ واجبٌ. وقد سَلَك هذا المسلكَ بعضُ المالكية، فقال بعدما تكلم على كون (الباء) للتبعيض؛ ثم يقول: نحن وإن تنزلنا أنَّ الباءَ تكون مبعِّضَةً وغيرَ مبعِّضةٍ فذلك يوجبُ فيها إجمالاً أزالَهُ (١) النبيِ نَّ بفعله، فكان فعلُهُ بياناً لمُجمل واجب، فكان مسحُهُ كلِّه واجباً. والاعتراض عليه في مقامين : المقام الأول: منعُ الإجمال، وهو المختارُ في علم الأصول(٢)، واستدلوا عليه بأنّهُ إِنْ لمْ يثبتْ عرفٌ في استعمال مثل ذلك في البعضٍ لزم الاستيعابُ، وإن ثبت اكتُفِي بالبعضِ، فلا إجمالَ علَى كلا التقديرين. وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنَّ محلّ الترديد؛ إما عُرْفُ الاستعمال العامِّ الذي(٣) يتبادرُ الذهن إليه، أو مُجرَّد ثبوت عُرف الاستعمال مطلقاً، مِن غيرِ هذا القيد - أعني: العمومَ - في عرف الاستعمال. (١) ((ت)): ((أن)) بدل: ((أزالة)). (٢) كما تقدم. (٣) ((ت)): ((التي)). ٦٠٣ فإِنْ كَان محلُّ الترديد هو الأولُ، فلا يلزمُ من انتفائه عدمُ الإجمال؛ لجواز تعارض عرف الاستعمال في وجهين مُتكافئين علَى تقدير انتفاء العرف العام، أو تكافىء دليلين في الدلالةِ على الوضع اللغوي، فيحصلُ الإجمالُ علَى تقدير انتفاء العرف العام، وتبطل الملازمةُ بین انتفائه وعدم الإجمال. وإِنْ كَان محلُّ الترديد ثبوتَ عُرْفِ الاستعمالِ لا يفيدُ العموم، فلا يلزمُ من ثبوت ذلك في البعضِ عدمُ الإجمال؛ لجواز أنْ يعارضَهُ عرفٌ آخرُ في الاستعمالِ على سبيل التكافؤ، ويحصل الإجمال. والذي يوضّحُ هذا أنَّ الذينَ قالوا: إن (الباء) للتبعيض، وإنَّ عرفَ الاستعمال وُجِدَ في ذلك، لا يدَّعون أنَّ ذلك من العرفِ العام؛ كلفظ (الغائط) و(الدَّابة)(١)، ومع ذلك فلم يقولوا بالتعميم(٢). المقام الثاني: أنَّا لو سلَّمنا الإجمالَ، فلا يَسلمُ أنَّ ما ذكرَ من الفعلِ يكون بياناً، ومستندُ(٣) المنع وجهان: أحدهما: أنَّ الفعلَ إنما يكون بياناً إذا اقترنت به دلالةٌ علَى قصد النبيِّ ◌َ﴿ِ [البيانَ به؛ إما بقولٍ منه ◌َِّ،](٤) أو بقرائنَ دلت على ذلك، أو بقولٍ يتوَقَّف علَى أَنَّهُ الفعل الأول بعد الإجمال، وشيءٌ من ذلك لمْ یثبتْ. (١) ((ت)): ((أو الدابة)). (٢) على هامش ((ت)) قوله: ((بياض))، ولم يشر إليه في الأصل. (٣) في الأصل: ((لسند))، والمشت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). ٦٠٤ وثانيهما: تُخصُّ هذه الصورةُ، وما هو في معناها، وهو أنَّهُ وردَ فعلان كلُّ واحد منهما يصلحُ للبيان؛ مسحُ النبي ◌ِّرِ جميعَ الرأس، ومسحُهُ للناصية، وجُهِلَ المتقدمُ منهما، واتّفقا في جهة البيان، والتَّساوي في الدلالة (١)، فيكون أحدُهُما بياناً مِن غيرِ تعيين، وذلك بتوقف (٢) الدلالة. واعلم أنَّ هذا المحكيَّ عن الحنفيّ في الإجمال والبيان بالمسح علَى الناصية، قد فعله غيرُ الحنفية في إدخال المرفقين في الغسلِ، وجعلَ لفظَ الآية الكريمة مُجملاً مبيّناً بالفعلِ، وعلَّهُ في ذلك جميعاً ما ذكرناه، إلا الوجهَ الأخير، وهو تعارضُ الفعلين(٣). الثانية والأربعون: يدلُّ عَلَى استحباب هذا الإقبالِ والإدبار في مسح الرأس، والمالكية - أو بعضهم - يرون أنَّ الردَّ من المؤخرِ إلَى المقدمِ من السننِ، لا من الفضائلِ(٤)، علَى اصطلاح في الفرقِ بينهما، وأصلُ الفعل إنما يدلُّ على أصل الطلب، وما زاد عليه مشكوكٌ فيه یحتاج إلی دلیل. [أبو حفص بن الوكيل(٥) من الشافعية المنقول عنه: أنَّ السعيَ (١) في الأصل: ((والدلالة))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((یوقف)) . (٣) انظر: ((المحصول)) للرازي (٣/ ٢٤٥)، و((الإحكام)) للآمدي (٣/ ١٧). (٤) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٧٧). (٥) هو الفقيه الجليل عمر بن عبدالله بن موسى أبو حفص بن الوكيل الباب شامي، من أصحاب الوجوه المتقدمين، ومن أعيان النقلة، مات بعد = ٦٠٥ بين الصفا والمروة يكونُ فيه السعيُّ من الصفا إلَى الصفا مرةً واحدة، فيكون أربعَ عشرةَ مرة، وقد جعل هذا الحديث أصلاً لهذا المذهب من حيثُ إنَّ المعنَى يُدِلي به هو الذي ختم به؛ أعني: في مسح الرأس، وهو مرة واحدة، فكذلك يكون في السعي، وهذا المذهبُ غيرُ صحيح؛ لأنه قد ثبت في السعي أنَّ النبيَّ بَّر بدأ بالصفا، وختم بالمروة؛ كما ورد في ((الصحيح) (١). وهذا مضادٌّ لِما قاله هذا القائل، وليس القياس على مسح الرأس مع هذا النصِّ بشيء](٢). الثالثة والأربعون: قولُهُ في روايةٍ وُهيب: ((فَمَسَحَ برأسِهِ فأقْبَلَ بِهِ وأَدْبَرَ))، فيه ضميرُ تذكير وإفراد، وهو خلافُ رواية: ((وأقبَلَ (٣) بهما وأدبَرَ))، فإنَّ تلك عائدةٌ علَى اليدينِ، وأمَّا هذه فقد حُملت علَى المسح؛ أي: أقبل بالمسح(٤) وأدبر، وبعد ذلك فيَحْتمل وجهين: أحدهما: أنْ يعود إلَى المصدرِ الذي دلَّ عليه الفعل. سنة (٣١٠هـ). انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٥٠٠)، = و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١ / ٩٧). وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤٦٠). (١) رواه مسلم (١٢١٨)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي ◌َّر، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما .. (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((فأقبل)) . (٤) في الأصل: ((المسح))، والمثبت من ((ت)). ٦٠٦ والثاني: أنْ يكونَ الضميرُ للرأس، وفي الكلام حذفٌ؛ أي: أقبل بمسح رأسه وأدبر. الرابعة والأربعون: هذا الإقبالُ والإدبار المذكورُ عَلَى مسح الرأس حكايةٌ(١) بحالٍ مخصوصة على هيئة مخصوصة، وهي حالةٌ وجود الشعر؛ لأنها الحالةُ الغالبةُ في حقِّ رسول الله وَّ، فلا شكَّ في دلالته على الاستحبابِ في مثل هذه الحالة. وأما إذا انتفت؛ كما في محلوق الرأس والأصلع، فالمنقول عندَ الشافعية(٢): أنَّهُ لا يُستحبُّ الردُّ من المؤخرِ إلَى المقدم(٣)؛ بناءً على معنّى مناسبٍ جُعِل علةً، وهو أنَّ المقصودَ من الإقبالِ والإدبار مسحُ وجهي الشعر، وهو معنى مناسب، فيكون علةً، والأصلُ انتفاءُ الحكم عندَ انتفاء علَّتِهِ. ولقائل أنْ يقولَ: الأصلُ [اعتبارُ الأوصاف التي في محلِّ النص، إلا ما قام دليلٌ علَى عدم](٤) اعتباره، وفي محلِّ النص وصفان؛ أحدُهما خاصٌّ، والآخرُ عامٌ، والخاصُّ قيامُ الشعر بالرأس، فإذا ألغينا العام، ونفينا الاستحبابَ عندَ انتفاء الشعر، كنا ألغينا في الحكم معنى لمْ يقمْ دليلٌ علَى إلغائِهِ، ويؤيدُ هذا استحبابُهم إمرارَ الموسَى عَلَى رأس الأصلع(٥)، وإِنْ كَان المعنى الأخصُّ الذي هو حلقُ الشعر (١) في الأصل: ((المذكوران مستحبّ حكاية))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((فالمقول عنه)). (٣) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤٦٠). (٤) سقط من ((ت)) . (٥) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٣٤٨). ٦٠٧ مُنتفياً، وإنَّ المعنى المذكور في الإقبالِ والإدبار ليس فيه إلا مُجرَّدُ مناسبةٍ تقتضي التخصيص. الخامسة والأربعون [والسادسة والأربعون، والسابعة والأربعون]: فيه دليلٌ علَى استحباب البُداءة بمقدم الرأس، واستحباب ما انتهَى إليه فيه، واستحباب ما انتهى إليه في الردِّ أيضاً، فهذه ثلاثُ مسائل. الثامنة والأربعون: لا شكّ في أنَّ المرادَ باليدينِ هاهُنا الكفَّان، وقد تقدم أنَّ اليدَ حقيقةٌ في جملة العضو من أطراف [الأنامل إلَى](١) المناكب، وبعضُ الناس يحمله عندَ الإطلاق علَى الكفّينِ، وظاهرُ هذا يقتضي أنَّهُ حقيقةٌ فيهما؛ لأنَّ المحمولَ عندَ الإطلاق وعدم القرينة حقيقةٌ، فإِنْ كَان لا يرَى أنَّهُ حقيقةٌ في جملة العضو فبعيدٌ أو باطل، وإن رآه فهو مُشترَكٌ بين الكلِّ والجزء، وهو جائزٌ؛ كما في لفظ (الإنسان)(٢). إذا ثبت هذا فحمْلُهُ علَى الحقيقةِ الأولَى متعذِّرٌ جزماً، وإذا تعذَّرَ، وقلنا بالاشتراكِ، فقد تعيَّنَ حمْلُهُ عَلَى الحقيقةِ الأخرَى؛ [و](٣) لأنَّ المشتركَ إذا انحصر في معنيين وتعذَّرَ الحملُ علَى أحدهما وجبَ الحملُ عَلَى الآخرِ . (١) سقط من ((ت)). (٢) فهو يطلق على إنسان العين، وهو جزءٌ من الإنسان المعروف. (٣) زيادة من ((ت)). ٦٠٨ وإن قلنا بأنَّ اللفظَ حقيقةٌ في الجملةِ مجازٌّ في البعضِ، فلا يتعيَّنُ حمله [على](١) البعضِ المعيَّنِ؛ الذي هو الكفَّان، إلا بدليل، ودليلُهُ العُرْفُ في استعمال مثل هذه اللفظة في [مثل](٢) هذا المحل، واللفظُ مُنَزَّلٌ(٣) عليه، فلا تتأدَّى السنَّةُ إلا به، فلو مسح ببعضٍ ذراعيه لمْ يكنْ مُؤدِیاً لها. التاسعة والأربعون: وبمثل (٤) هذا العُرْفِ يُحملُ [على](٥) المسح بباطن الكفين، ويُنزَّلُ اللفظ عليه، ولا تتأدَّى السنةُ بالمسح بظاهرهما، وإِنْ كَان إطلاقُ اللفظ يتناوله. الخمسون: الشيخ أبو القاسم [بن](٢) الجلاب البَصْري المالكي - رحمه الله - اختارَ في صفة مسح الرأس أنْ يلصقَ طرفي اليدين بمقدم رأسِهِ، ثم يذهبُ بهما إلَى مؤخره، ويرفع راحتيه [عن فَوْدَيَه - والفَودان: جانبا الرأس -، ثم يردهما إلَى مقدمه، ويلصق راحتيه](٧) بفَوديه، ويفرِّقُ أصابعَ یدیه . (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) في الأصل: ((مشترك))، والتصويب من (ت)). في الأصل: ((ومثل)». (٤) (٥) زيادة من ((ت)) . سقط من ((ت)). (٦) (٧) سقط من ((ت)). ٦٠٩ وعبَّرَ بعضُ المتأخرين عن زمنِهِ عن هذه الصفة بأنْ يمضيَ بأصابع يديه علَى وسط رأسه رافعاً أصابعه عن وسط رأسه. وهذه الصفةُ تنحو نحواً من وجهٍ إلَى الصفةِ التي اختارها الشافعيةُ في مسح اليدين في التيمم. وقد عُلِّلَ ما قاله الشيخُ أبو القاسم بأنَّهُ إنَّما اختيرَ لئلا يتكررَ المسحُ، واعتُرِضَ عليه بأنَّ التكرارَ المكروهَ إنما يكون بماءٍ جديد(١). ولقائل أنْ يقول: في الحديثِ ما يدلُّ عَلَى خلافِ ما اختاره من هذه الصفة، بيانُهُ: أنَّ العضوَ حقيقةٌ في جملته، فيكون قوله: ((فأقْبَلَ بهما وأدْبَرَ)) راجعاً إلى جملة اليدين، وعلَى مَا ذَكرَهُ في الصفةِ لا يكون مُقبلاً ومُدبراً [بجملة اليدين، بل مُقبلاً ببعضِهما، وغيرَ مقبل ببعضٍ آخر، مع أنَّ الظاهرَ أنَّ الإقبالَ والإدبار بكليهما؛ لأنه الحقيقةُ في لفظ الیدین. فإن قيل: المسحُ وإنْ كَان ببعضِهما في الإقبالِ وبعضِهما في الإدبارِ، ولكنَّهُ صدَّقَ الأخبار في الإقبالِ بهما والإدبار بهما؛ لملازمة ذلك للمسح ببعضِهما في الإقبالِ، وببعضهما في الإدبار. قلنا: اللفظُ يقتضي مقبلاً ومدبراً](٢) في المسحِ بهما؛ لوقوع قوله: ((أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ)) كالتفسيرِ لقوله: ((مَسَحَ رأْسَهُ بيدَيهِ))، فيقتضي (١) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٧٨). (٢) سقط من ((ت)). ٦١٠ أنْ يكونَ مُقِبلاً ماسحاً بيديه، وكذلك مقابلُهُ، فيتلازمُ حينئذٍ الإقبالُ والمسح، ويضافان إلَى اليدِ؛ الذي هو حقيقةٌ في الجملة. الحادية والخمسون: هذه الهيئة المذكورة في الحديثِ لا تقتضي أكثر من الإقبالِ والإدبار. وذكر بعضُ الشافعية زيادةً في كيفية استيعاب مسح الرأس، [و](١) قال: والأحبُّ [في كيفيَِّهِ أنْ يضعَ یدیه علَى مقدم رأسه، وكلُّ واحد من سبَّابتيه](٢) مُلصقةٌ (٣) بالأخرَى، وإبهاماه علَى صُدْغيه، ثم يذهب بهما إلَى قفاه، ثم يردُّهما إلى المكانِ الذي بدأ منه(٤). وفي هذا زيادةُ إلصاقٍ إحدَى السبابتين بالأخرَى، ووضع الإبهامين علَى الصُّدغينِ، وليس في الحديثِ ما يدلُّ على ذلك، ولعلَّ ذلك إرشادٌ إلَى تحقيق الاستيعاب، والهيئة الميسَّرة(٥) لذلك، وإلا فإنِ ادَّعَى أن ذلك مستحبٌّ شرعاً، فلا بدَّ له من دليل؛ لأنَّ الاستحبابَ حكمٌ شرعي يتوَقَّفُ علَى دليل شرعي . الثانية والخمسون: الحديثُ يقتضي مسحَ الرأس مرةً واحدة، كما تقدم في حديث عثمان - ربه -، وليس ذلك مأخوذاً من حيثُ (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)) . في الأصل: ((ملصق)»، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٢٤). (٤) (٥) (ت)): ((المتيسّرة)). ٦١١ إنَّ الدلالةَ قاصرةٌ علَى المرةِ، وإنَّ الأصلَ عدمُ الزيادة، بل لقرينَةٍ أخرَى، وهي التفريقُ بين الممسوح والمغسول في ذكر العدد، ولو كانا مسنونين فيه لمْ يكنْ للاقتصارِ (١) عليه في المغسولِ دونَ الممسوح حينئذٍ موجبٌ أصلاً، وقد روَى سُفيان بن عُيَينة هذا الحديث عن عمرو بن يحيى - شيخ مالك فيه -، فذكر فيه: مسحَ الرأس مرتین. قال أبو عمر الحافظ: [و](٢) لم يذكرْ فيه أحدٌ (مرتين) غيرُ ابن عُيَينة، قال: وأظنُّهُ - والله أعلم - تأوَّلَ الحديثَ قولَه فيه: ((فمَسَحَ رأسَهُ بيدَیه؛ أقبَلَ بهما وأدبَرَ)). وذكر أبو عمر هذا أن ابن عُيَينة أخطأ فيه - يعني: في هذا الحديث - في موضعين، وجعل أحدَهُما هذا(٣) الذي ذكرناه من ذِكْرِ المسح مرتين (٤). والظاهرُ أنَّ هذا التأويلَ(٥) الذي ذكره صحيحٌ؛ لأنه محتمل، فيحمل عليه [ليوافق] (٦) روايةَ الناس. (١) في الأصل: ((الاقتصار))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)) . (٣) (ت)): ((هو)) بدل ((هذا)). انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢٠ /١١٥). (٤) (٥) في الأصل: ((أن تأويل))، والمثبت من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). ٦١٢ والشافعيةُ لما استحبُّوا التكرارَ في مسح الرأس تكلموا في أنَّ الذهابَ والردَّ مسحةٌ واحدة، [أو](١) الذهابُ وحدَهُ مسحةٌ. فقيل: إنْ لمْ يكنْ عَلَى رأسه شعر، أو كان عليه شعر لا ينقلب بذهابه باليدِ ورده لكونه ظفيرة معقوصة، أو لطوله، فإمرارُهُ من المقدم إلَى المؤخرِ [مسحةٌ](٢) واحدة. قال الرافعي - رحمه الله -: قالَ في ((التهذيب)): ولا يُحسبُ الرُّّ - [و](٣) الحالةُ هذه - مسحةً أخرَى؛ لصيرورةِ البلل مستعملاً بحصول مسح جميع الرأس. وإِنْ كَان علَى رأسه شعرٌ ينقلب بالذهابِ باليدِ وردِّها فهما جميعاً مسحةٌ واحدة، يستوعبُ البللُ جميع الرأس، فإنَّ منابتَ الشعر مختلفةٌ؛ فمنها(٤) ما يكون وجهُهُ [إلَى المقدم، ومنها ما يكون وجهُهُ](٥) إلَى المؤخر (٦)، فبالذهابِ تبتلُّ بواطنُ القسم الأول وظواهرُ الثاني، وبالردِّ تبتل ظواهرُ الأول وبواطنُ الثاني(٧) . الثالثة والخمسون: الاتفاقُ علَى أنَّهُ إذا حصل القدرُ الواجب في جاء في الأصل و(ت)): ((إذ))، والمثبت من هامش ((ت)). (١) (٢) سقط من ((ت)). زیادة من «ت)». (٣) ((ت)): «منها)» . (٤) (٥) سقط من ((ت)». ((ت)): ((مؤخره)) . (٦) (٧) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٢٤ -٤٢٦). ٦١٣ المسحِ علَى اختلاف المذاهب فيه(١) كفَى مِن غيرِ اشتراط هيئةٍ مخصوصة في ذلك، وإنما الاختلافُ في الهيئةِ المستحبَّةِ، وقد اختلفوا في ذلك بعد اعتبار الاستيعاب علَى مذاهبَ: المذهب الأول: أنْ يبتدىءَ الماسحُ من مبدأ الشعر مما يلي الوجهَ، ويذهبَ بيديه إلَى قفاه، ثم يردهما إلى المكانِ الذي بدأ منه، وهو مبتدأُ الشعر مما يلي الوجه، ويُستدلُّ له بهذا الحديث(٢). إلا أنَّهُ عُورضَ بقولِهِ في الحديث: ((فأقبَلَ بهما [وأدبَرَ](٣))، فإنَّ الإقبالَ المرورُ [إلَى جهة القُبُل، والإدبارَ المرورُ إلَى جهة الدُّبُر](٤)، وعلَى هذهِ الهيئة المذكورة، يكون الإقبالُ المرورَ إلَى جهة الدبر، والإدبارُ المرورَ إلَى جهة القبل، فكان مُقتضَى الصفة المذكورة أنْ يقال: فأدبر بهما وأقبل، وأجيب عن هذا الاعتراض بوجوه: الأول: أنَّ (الواو) لا تقتضي ترتيباً فلا فرق بين أقبل وأدبر(٥)، وأدبر وأقبل، فحُمِلَ عَلَى الثاني؛ لظهورِ الدلالة على ذلك من قوله: ((بدأ بمقدم رأسه ... )) إلَى آخره، وقصورِ دلالة المعارض الذي ذكره عنها، وتؤيدُ ذلك روايةُ البخاري في حديث سليمان بن بلال: ((ثُمَّ أَخَذَ بَيَدَيهِ مَاءً فمَسَحَ رأسَه، فأدبَرَ بيديه وأقبَلَ)). (١) في الأصل: ((به))، والمثبت من ((ت)). (٢) وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما الله. (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((فأدبر))، والمثبت من ((ت)). ٦١٤ وفي كلام بعضهم إشارةٌ إلَى أن سببَ التقديم في الإقبالِ معنى التفاؤل، وهذا إبقاءٌ للفظِ الإقبال والإدبار عَلَى معناه الإفرادي الذي اعتقده، وهو أنَّ الإقبالَ المرورُ إلَى جهة القبل، والإدبار المرور إلَى جهة الدُّبر، ولكنه تصرَّف في اللفظِ بالتقديم(١) والتأخير. الوجه الثاني: أنَّ الإقبالَ والإدبار من الأمورِ الإضافية؛ تختلف بالنِّسبَةِ إلَى ما إليه يُقبَلُ، وعنه يُدبَرُ، فما كان إقبالاً إلَى شيء فمقابلُهُ الإدبارُ عنه، فيمكن أنْ يكونَ الإقبالُ منسوباً إلَى مؤخر الرأس والإدبار منسوباً إليه أيضاً؛ أي: يكون إليه الإقبالُ، وعنه الإدبار. وهذا تصرفٌ في المعنى الإفرادي بالنِّسَةِ إلَى اللفظينِ؛ أعني: الإقبال والإدبار؛ لأنه لمْ يجعلِ الإقبالَ هو المرور إلى جهة القبل، بل أعمَّ من هذا، وهو المرورُ إلَى الجهة (٢) المقصود إليها، والإدبار عن الجهةِ التي أقبل عليها كيفَ ما كانت الجهةُ، وفيه مع ذلك إبقاءُ الهيئة على ما هي عليه [من](٣) الابتداءِ بمنابت الشعر التي تلي الوجهَ إلَى القفا، ثم الرجوع إلَى حيثُ بدأ. الوجه الثالث: أنَّ الفعلَ يُطلَقُ باعتبار مُبتَدَئِهِ [تارةً](٤) ومُنتهاه أخرَى، فيُقَال لمن ابتدأ بمقدم رأسه: أدبر؛ لأنه فعلٌ إلَى الدبرِ، فسمَّاه بما يؤول إليه، وبهذا المعنى تُؤُوِّلت روايةٌ من روَى: ((فَأَدبَرَ (١) ((ت)): ((في التقديم)). (٢) في الأصل: ((جهة))، والتصويب من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). ٦١٥ وأقبَلَ)): علَى أنَّهُ بدأ بمقدم رأسه، وسماه إدباراً؛ لأنه فعلٌ إلَى الدبرِ، فسماه بما یؤول إليه. قالَ بعضُ المصنفين: وهي مسألةُ خلافٍ في أصول الفقه، هل يُسمَّى الفعل بمبتدئه، أو بمنتهاه؟(١) قلت: فعلَى هذا يُقَال أيضاً لمن بدأ بمؤخر رأسِهِ: أقبل؛ باعتبار المُنتَهَى (٢)، فيتساوَى الاصطلاحان، ولكنَّهما يفترقان فيمن بدأ بمقدم رأسه ذاهباً إلَى مؤخره(٣)، فصاحب الاصطلاح الأول [لا](٤) يقول: أقبل؛ لأنه لمْ يمرَّ إلَى جهة القبل، وصاحب الثاني يقول: أقبل؛ باعتبار الابتداء. الوجه الرابع: نُقِلَ عن العابدِ المشهور الموصوف بالولايةِ مُحرِزُ ابن خلف المغربي(٥): أنَّ (أقبل) هاهنا مأخوذٌ من (القَبَلِ) في العينِ، وهو ميل الناظر (٦)، وكثيراً ما يكون في الخيل، يقال: فرسٌ أقبلُ، فمعنى: ((أقبل بهما))؛ [أي: ](٧) أمالهما. (١) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٥٢). (٢) ((ت): ((اعتباراً بالمنتهى)). (٣) ((ت)): ((آخره)). (٤) سقط من ((ت)) . (٥) هو الإمام العابد الزاهد أبو محفوظ محرز بن خلف بن زرين، من نسل أبي بكر الصديق ظله، وقد تهافتَ عليه الناس لسماع كلامه، توفي سنة (٤١٣ هـ). انظر: ((شجرة النور الزكية في طبقات المالكية)) لابن مخلوف (٢/ ٢٠٢). (٦) في الأصل: ((وهو مثل الناظر)). (٧) زيادة من ((ت)). ٦١٦ الوجه الخامس: أنْ يكونَ (أقبل) من باب (أفعل) الذي يأتي(١) عَلَى أن غيره أدخله في الفعلِ؛ نحو: أدخله، وأخرجه(٢)، فيكون معنى ((أقبل بيديه)): أدخلهما في القبل، وقد قالوا: إنَّ هذا مطَّردٌ في غير المتعدي، سماعٌ في المتعدي، و(أقبل) مِن غيرِ المتعدي، وإنما عُدِّيَ بالباء. الوجه السادس: إن معنى (أقبل) دخل في قُبُل الرأس؛ كما يقال: أَنْجَدَ، وأَتْهَمَ، إذا دخل نَجداً، وتِهامةَ. المذهب الثاني: أنْ يبدأَ الماسحُ من مؤخر رأسه إلَى مبتدأ الشعر، ثم يردَّ إلَى المؤخر، وهذا يحافظ على أن (أقبل) ذهب إلَى القبلِ، و(أدبر) ذهب إلَى الدبر، وقد جاءت البُدأة بالمؤخرِ في حديث الرُّبِيِّع بنت معوِّذ، وحديثُهَا عندَ أبي داود والترمذي وابن ماجه مختصراً ومطوَّلاً (٣). وهذا وإن حافظَ على ما ذكرناه، إلا أنَّهُ يصادمُهُ قوله: ((بَدَأَ بمقدّم رأسِهِ)) مُصادمةً يتعذَّرُ عليه دفعها، والأوْلَى أنْ يحمل حديثُ الرُّبيع علَى بيان الجواز، ولا تعارضَ بين الفعلين إذا اختلف وقتاهما. (١) ((ت)): ((التي تأتي)). (٢) في الأصل: ((فأخرجه))، والمثبت من ((ت)). (٣) رواه أبو داود (١٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي وَلّره والترمذي (٣٣)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، وابن ماجه (٤٣٨)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في مسح الرأس. قال الترمذي، هذا حديث حسن، وحديث عبدالله بن زيد أصح من هذا أو أجود إسناداً، وقد ذهب بعض أهل الكوفة إلى هذا الحديث منهم وكيع بن الجراح. ٦١٧ وذكر الحافظ أبو بكر بن العربي قال: ولا أعلم أحداً قال: إنَّهُ يبدأُ بمؤخر رأسه، إلا وكيعُ بن الجرَّاح؛ كمَا ذَكرَهُ أبو عيسَى عنه، والصحيحُ البُداءة بالمقدمِ، وهي رواية الحفاظ كلُّهم(١). ورأيت في كتاب ((الأنوار)) أنَّ الحسنَ بن حيٍّ قال: يُبدأ بمؤخر الرأس(٢). المذهب الثالث: أنَّهُ يَبدأ بناصيته، ثم يقبِلُ بيده إلَى مقدم رأسه، ثم يُدبِرُ بهما إلَى قفاه، ثم يردُّهما إلَى ناصيته، وهو الذي بدأ منه، ومعنى هذه الصفة مرويٌّ عن أحمد بن داود المنسوب إلَى المالكيةِ، وهذه الصفةُ كأنَّهُ قَصَدَ بها الجمعَ(٣) بين قوله: ((فأقبل وأدبر))؛ [بتفسير (أقبل): مرَّ إلَى جهة الإقبال، (وأدبر):](٤) مرَّ إلَى جهة الإدبار، وبين قوله: ((بدأ بمقدّم رأسه))؛ أما أقبل فلأنَّهُ مر في هذه الصفة إلَى جهة القبل، وأما كونه بدأ بمقدّم رأسه، فإنَّ الناصيةَ تسمَّى مقدّم الرأس(٥)، فيصدق عليه أنَّهُ بدأ بمقدّم رأسه. لكني لمْ أقفْ في روايةٍ من الرواياتِ علَى فعل هذه الصفة من الراوي، ولا من النبي ◌َّ، وما كأنَّها أُخِذَت إلا لمجرَّدٍ قصد الجمع بين اللفظين؛ أعني: البداءة بمقدم الرأس، وقوله: ((أقبل وأدبر))، فإنْ لمْ ترد (١) انظر: ((عارضة الأحوذي) لابن العربي (١ / ٥١). وكذا نقله ابن عبد البر فى ((التمهيد)) (٢٠ /١٢٤). (٢) (٣) ((ت)): ((جامعة)) بدل ((كأنه قصد بها الجمع)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((رأسٍ))، والمثبت من ((ت). ٦١٨ بذلك(١) روايةٌ، فالتأويلاتُ المتقدمة، أو بعضها، مع تقرير ظاهر اللفظ يكونُ العمل بها أولَى من هذه الكيفية. الرابعة والخمسون: قد ذكرنا فيما مضى اقتضاءَ الحديث للمسح باليدينِ، والمراد به الجمعُ بينهما في المسح، لا الاقتصارُ علَى أحدهما، وفيه معنى آخر يقتضيه ظاهرُ الحديث، وهو أنَّ المسحَ بجملة أصابع كلِّ واحدة منهما؛ لما في دلالة لفظ (اليد) عليه. والحنفية يرون أنَّهُ لا يجوز مسح الرأس بإصبع أو إصبعين، وتجزئُهُ ثلاثة(٢) أصابع، ونقلوا عن زُفَرِ: أنَّهُ إذا مسح بإصبع(٣)، أو إصبعين، وبلغ ذلك ربعَ الرأس يجوز(٤). ولا اعتبارَ بالأصابع في الإجزاء عندَ مالكٍ والشافعي - رحمهما الله -، ولا يمنعنا ذلك من أن نأخذَ من الحديثِ استحبابَ المسح بالجميع؛ لدلالة لفظ (الید) عليه . ونقول: إنَّ الاقتصارَ علَى بعض الأصابع خلافُ السنة، والحنفيَّةُ وجَّهوا الإجزاء بثلاثة أصابع بأنَّ الأكثرَ يقومُ مقامَ الكلّ، وهذه قاعدة غيرُ مطَّرِّدة، وكم من حكم لا يقوم فيه الأكثرُ مقامَ الكل، ومع الاضطراب لا يحصل دليل، وكأنَّ الاكتفاءَ بذلك من قاعدة الاستحسان، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أنْ يُكتفَى في إقامة السنّة (١) في الأصل: ((فإن يرد بذلك))، والمثبت من ((ت)). ((ت)): ((ويجزئه بثلاثة)). (٢) (٣) في الأصل: ((أنه إذا أصبع))، والتصويب من ((ت)). (٤) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (١ / ١٢). ٦١٩ بالأكثرِ من الأصابع إلا بدلیل یَخصُّه ویرجحُهُ. الخامسة والخمسون: يدلُّ عَلَى تجديد الماء لمسح الرأس من قوله: (ثُمَّ أَخَذَ بيديه ماءً، فمسَحَ رأسَهُ))، ولا خلافَ في جواز ذلك بين من يُعتَدُّ بخلافه، وذكر بعض الإمامية: أنَّهُ لا يجوز أنْ يستأنفَ لمسح الرأس والرِّجل. قال: ورُوِيَت روايةٌ شاذة: أنَّهُ يستأنف؛ يعني: بماء جديد. قال: وهو محمولٌ علَى البقيةِ. وليس قوله: إنَّهُ لا يعتدُّ بخلافهم من جهة بِدعتهم، إذا لمْ يأتوا بما يُكَفَّرُون به؛ لأنَّ لفظ الأمّة حينئذٍ يشمُلُهُم، ودلائلُ الإجماع(١) لا تنهض في حقِّ بعض الأمة، وإنما قلت: لا يُعتدُّ بخلافهم لعدم حصول أهلية الاجتهاد لهم، وعدمُ حصول الأهلية بسبب نفيِهِم(٢) لبعض الحجج الشرعية المقطوع بها التي لا بدَّ في الاجتهادِ منها، وهو خبرَ الواحد، ولا فرقَ في عدم الأهلية، وعدم حصول ما يحتاج إليه، بين أنْ يكونَ بسبب نفي ما هو حجةٌ، وبين أنْ يكونَ بسبب فقدانِهِ بعد كونه حجةً، والله تعالى أعلم. السادسة والخمسون: وكما يثبت(٣) الجوازُ، فكذلك يثبتُ الرُّجْحان، ولكن هل هو رُجْحان صفةِ الوجوب، أو صفةِ الاستحباب؟ (١) في الأصل: ((الإجمال)) والتصويب من ((ت)). (٢) ((ت)): ((لسبب تفهم))، بدل ((بسبب نفيهم)). ((ت)): ((ثبت)) . (٣) ٦٢٠