Indexed OCR Text
Pages 481-500
بين القائم من النوم وغيرِهِ، ولا بينَ أن يتردّدَ في طهارة يديه، أو يتيقنهما، ولا بينَ مَنْ يُدخِلُ يديه في الإناء [في](١) توضَّئِهِ، و[بين](٢) من لا يفعلُ ذلك(٣). الرابعة: هذا الذي ذكرناه من الاستحباب مُطلقاً، ولو مع تيقّنِ ءِ الطهارة، يقتضي أن يكونَ غسلُهما من طهارة الحَدَث، ومن يعلِّلُ الاستحبابَ عند ابتداء الوضوء؛ بأنَّ علةَ الطواف، وجَوَلانِ اليد موجودٌ مع اليقظة كما في النوم تقتضي أنَّه من طهارة الخَبَث. وذكر بعضهم: أنَّ كلَّ من وصفَ وضوءَ رسول الله بَّ ذكر هذا الغسل(٤)؛ يعني: غسل اليدين؛ وليسَ كما قال الحافظُ(٥) أبو عمر أحمد بن هارون بن أحمد المعروف بابن عَاتٍ(٦)، فيما وجدته عنه (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٣٩٤). (٤) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٨٣ - ٨٤). (٥) ((ت)): ((القاضي)). (٦) هو الإمام الحافظ البارع القدوة الزاهد أبو عمر أحمد بن هارون بن أحمد ابن عات النَّفْزِي الشاطبي، كان أحد الحفاظ، يسرد المتون، ويحفظ الأسانيد عن ظهر قلب، موصوفاً بالدراية والرواية، له تصانيف دالة على سعة حفظه، توفي غازياً سنة (٦٠٩ هـ). انظر: ((التكملة)) لابن الأبار (١ / ١٠١)، و ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٢ / ١٣). ٤٨١ منسوباً إلى شرحه ((للتهذيب)) المالكي: وفي أكثر الأحاديث: إنَّ رسولَ اللهِ﴿ٍ غَسَلَ يديه قبلَ إدخالهما في الإناءِ، وأخرجَ البخاريُّ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديثاً واحداً: أنه وصفَ وُضوءَ رسولَ الله وَ لِّ، فابتدأَ بِالمَضْمَضَةِ(١). الخامسة: اختلف الشافعيةُ في أن غسل اليدين في ابتداء الوضوء من سنن الوضوء، أم لا؟ مع الاتفاقِ على نَدَبيَّتِهِ(٢) في ابتداءِ الوضوء، وأجرَوا هذا الخلافَ في التسمية والسواك. قيل: فلمْ يعدّها كثيرون من سننه، وإن كانت مندوبةً في ابتدائِهِ، وعدَّها آخرون من سننه، وهو الوجهُ، ولهذا يقعُ معتداً به مُثاباً عليها، إذا وى(٣) مُطلَقَ الوُضوء، ولو لم تكنْ معدودةً من أفعاله لما اعْتُدَّ بنيّةِ الوضوء، وبنوا على هذا الخلافِ ما إذا اقترنت النيةُ بغسل اليدين، وعَزَبت قبلَ غسلِ الوجه؛ هل يصحُّ الوضوء على أحد الوجهين، وهو الذي صحح؟(٤) قلت: الفرقُ بين كونها معدودةً من سنن الوضوء، وكونها مندوبةً (١) رواه البخاري (١٤٠)، كتاب: الوضوء، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة . (٢) في الأصل: ((ندبتها))، وفي ((ت)): ((ندبتهما))، والمثبت جاء على هامش ((ت)) . (٣) في الأصل ((قوي))، والمثبت من ((ت)). (٤) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١/ ٣١٧ -٣١٨). ٤٨٢ [في ابتدائه، يَحتاجُ إلى تأمل، فإنه يقتضي أن تكونَ مندوبةً](١) في ابتداءِ الوضوء، ولا تكونَ من سننه وقد تُشُغَّبَ في ذلك. السادسة: لا خفاءَ بأن مراتبَ السنن متفاوتةٌ في التأكد، وانقسامَ ذلك إلى درجة عاليةٍ، ومتوسطةٍ، ونازلةٍ، وذلك بحسب الدلائل الدَّالةِ على الطلب، فمِن الناس [مَنْ](٢) لا يُفرِّق، ويَتَسامح(٣) في إطلاق لفظ واحد على الجميع؛ كما فعله(٤) من عدَّ سننَ [الوضوء](٥) ثماني عشرة، ونسقَها نسقاً واحداً، وهذه الطريقةُ لا تُعدَمُ في كلام أصحاب الشافعي، ولم تظهرْ قوةُ اعتنائهم بالتفريق بين المراتب باختلاف اللفظ الدالِّ على مرتبةٍ مرتبةٍ، وربما فرقوا بلفظ (الهيئاتِ). وأما التفرقة بين السنن والفضائل، كما يفعلُ المالكيةُ، فلم أرَهُ إلا في كلام صاحب ((الذخائر))(٦)، فإنه ذكر الوجهين: في أن غسلَ (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((تسامح))، والمثبت من ((ت)). (٤) هو الإمام الرافعي في ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) (١ / ٣٦٥). (٥) زيادة من ((ت)) . (٦) للإمام شيخ الشافعية بمصر القاضي أبي المعالي مُجَلِّ بن جميع القرشي المخزومي الأُرسوفي المتوفى سنة (٥٥٠ هـ)، كتاب «الذخائر)) وهو من كتب المذهب المعتبرة، وهو كثير الفروع والغرائب، إلا أن ترتيبه ترتيب غیر معهود، ویصعب لمن يريد استخراج المسائل منه . انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤ / ١٥٤)، و ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٠/ ٣٢٥)، و ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١ / ٨٢٢). ٤٨٣ اليدين(١) من سنن الوضوء، أو فضائله. وأما المالكيةُ فإنه كَثُرَ تفريقُهم بين المراتب، ووضعُ الألفاظ المخصوصة بإزاء هذا الاختلاف، فوضعوا لفظ (السنة) للمتأكَّدِ، ولفظ (الفضيلة) و(٢) (المستحب) لما دون ذلك، واستعملوا ذلك في الوضوء والصلاة؛ أعني: تقسيمَهم إلى السنن، وإلى الفضائل، وتفريقَهم بين كل واحد منهما، وذكروا خلافاً في هذا الغسل للكفين؛ هل هو سنة، أو مستحب؟ وذكر أبو الطاهر بن بشير(٣)(٤) منهم ضابطاً فقال: [ما واظب وَّ، مظهراً له في جماعة، فهو سنة، وما لم يواظب عليه، وعدَّه في نوافل الخير، فهو فضيلة، وما واظب عليه ولم يظهره ففيه قولان: أحدهما: (١) ((ت)): ((الكفين)). (٢) ((ت)): ((أو)). (٣) في الأصل: ((بشر))، والمثبت من ((ت). (٤) هو الشيخ الإمام إبراهيم بن عبد الصمد أبو الطاهر بشير التنوخي، كان إماماً عالماً جليلاً، حافظاً للمذهب، ومن العلماء المبرزين في المذهب المترفعين عن درجة التقليد إلى رتبة الاختيار والترجيح، له من المصنفات: ((الأنوار البديعة إلى أسرار الشريعة))، و ((التنبيه)) وقد مشى في هذا الكتاب على استنباط أحكام الفروع من قواعد أصول الفقه، وهي طريقة نبه الشيخ ابن دقيق العيد أنها غير مخلصة، وأن الفروع لا يطرد تخريجها على القواعد الأصولية، توفي بعد سنة (٥٢٦ هـ). وانظر: ((الديباج المذهب)) لابن فرحون (ص: ٨٧). ٤٨٤ أنه سنة، والثاني: أنه فضيلة، انتهى](١). وهذا إن كان راجعاً إلى اصطلاح مُجرَّدٍ من غير اعتبار لما به يقعُ التأكدُ، فهذا قريبٌ لا مشاحَّةَ(٢) فيه، لكن لابدَّ من بيان انحطاط الرتبة فيما عدُّوه منحطاً، وإن كان مع اعتبار الأسباب التي يُعلَمُ بها التأكُّدُ، فمنٍ ادعی انحصار ذلك في شيء معین، ونفی غیره، فلا بدّ له من دلیل. السابعة: فيه دليلٌ على استحبابِ التكرار في غسل الكفين ثلاثاً؛ (١) في الأصل و ((ت)): ((فقال)). وبعده بياض نَبِّه عليه في ((ت)) وتَرَكَ له قدر سطرين، وما بُيِّض له هو ما أثبت بين المعكوفتين، وقد نقلته من ((شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف (١ / ١٧٤)، فإنه ذكر هناك قريباً مما ذكره هنا، فإنه تكلم على تأكد ركعتي الفجر، ثم قال: وقد اختلف أصحاب مالك في أنهما سنة أو فضيلة بعد اصطلاحهم على الفرق بين السنة والفضيلة، وذكر بعض متأخریهم قانوناً في ذلك، ثم ذكر الشيخ ما أثبته بین معکوفتین، ثم قال: واعلم أن هذا إن كان راجعاً إلى الاصطلاح فالأمر فيه قريب، فإن لكل أحد أن يصطلح في التسميات على وضع يراه، وإن كان راجعاً إلى اختلاف في معنى، فقد ثبت في هذا الحديث تأكد أمر ركعتي الفجر بالمواظبة عليها، ومقتضاه تأكد استحبابهما، فليقل به، ولا حرج على من يسميهما سنة، وإن أريد أنهما مع تأكدهما أخفض رتبة مما واظب عليه الرسول و ﴿ مظهراً له في الجماعة، فلا شك أن رتب الفضائل تختلف، فإن قال قائل: إنما سمى بالسنة أعلاها رتبة، رجع ذلك إلى الاصطلاح، انتهى. فهذا - كما ترى - مراد المؤلف في هذا الموطن، والله أعلم، وقد كان سبق للمؤلف رحمه الله في هذا الكتاب ذكر ما نقله هنا عن أبي الطاهر بن بشير رحمه الله تعالى . (٢) ((ت)): ((لا نشاححه)). ٤٨٥ كما في لفظ الحديث. قال القاضي عياض: واختلفت عبارة شيوخنا في الزائد على واحدة، هل هو سنة، أو فضيلة، أو الثانية سنة، والثالثة فضيلة؟(١) ذكرَه في مطلقِ تكرار الغسل، ولم يقيِّدْه بغسل الكفين، وهو على اصطلاح المالكية في الفرق بين السنة والفضيلة؛ كما قدمناه، وليس في الحديثِ وغيرِهِ ممَّا هو مثلُهُ من الأفعال النبويَّة ما يُشعِرُ بهذه الرتبة التي تُدَّعَى، فمن اذَّعى دليلاً على ذلك، فعليه بيانُهُ. وقد يمكنُ أن يقالَ من جانب من يرى الثانيةَ سنةً، والثالثةَ فضيلةً: إن احتمالَ النقصان من الواجب عندَ الاقتصار على واحدة أقوى من احتماله بالنسبة إلى الثالثة، فالحاجةُ إلى الثانية أمسُّ بالنسبة إلى تحصيل الواجب منها إلى الثالثة؛ لأنَّ الظاهرَ الاستكمالُ في الغسل مرتين، فتأخرت رتبة الثالثة عن الثانية في هذا المعنى، وإلى هذا يشيرُ قولُ مالكِ: لا أُحِبُّ المرَّةَ إلا مِنْ العالم (٢)، يعني: لاحتمال نقص غير العالم، عن الغسل الواجب. الثامنة: اختلف أصحابُ الشافعيِّ فيمن على محلِّ الطهارة من بدنه نجاسة؛ هل يكتفي بغَسْلةٍ عن طهارة الحَدَث والخَبَث فيه، أم لابدَّ [من](٣) غسلتين؟ (٤) (١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ١٤). (٢) انظر: ((مواهب الجليل)) للحطاب (١ / ٢٦١). (٣) سقط من ((ت)) . (٤) انظر: ((فتح العزيز)) الرافعي (٢ / ١٧١) .. ٤٨٦ ويمكن أن يُؤخَذَ من الحديث أنه [يكتفي](١) بغسلة واحدة، وذلك [لأن](٢) التعليلَ في حديث المستيقظ من نومه؛ لأنه لا يدري أين باتت يده؟ يومِىءُ إلى احتمال النجاسة، وأنه العلةُ في الأمر بغسل اليد ثلاثاً، فلا بدَّ من اعتبار هذا المعنى بالنسبة إلى طهارة الخَبَث، فلو لم يُجْزِ غسلٌ واحدٌ عن الحَدَثِ والخَبَث؛ لكان استحبابُ التثليثِ في الغسل عن الخبث لا يقتضي الاكتفاءَ به عن الغسل في الحدث، وإلا لتُطلبْ دلالةُ الحديث على استحباب التثليث في الطهارة عن الخبث التي دلَّ عليها حديثُ المستيقظ، وإذا لم يُكتفَ به وجبَ أن يُزادَ(٣) عليه لأجل الطهارة عن الحدث، [فيغسلَ](٤) ستَّاً أو أربعاً؛ لأنه إذا دلَّ الدليلُ على استحباب التثليث [في طهارة الحَدَث كانت ستّاً، وإن لم يكُ كانت أربعاً؛ وفاءً بالدليل الدالِّ على استحباب التثليث](٥) في الطهارة عن الخَبَث . التاسعة: قد ذكرنا أنَّ اسمَ اليد عند الإطلاق؛ هل ينصرِفُ إلى الكفين فقط، أو إلى جملةِ العضو إلى المنكب؟ ونسبنا إلى الحنابلة الأوَّلَ، ثم رأيتُ في تصنيف لبعض المتأخرين من الشافعية في شرح ((المُهذَّبِ)) ذَكَرَ عن أبي عُبيد بن حربويه(٦) أنه قال: ينصرفُ - يعني: (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) في الأصل ((أن لا يزاد))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)) . (٥) سقط من ((ت)) . (٦) هو قاضي القضاة العلامة المحدث علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه، ويقال: ابن حرب، والأول أشهر، كان = ٤٨٧ اسم الید - إلى جميعها. قال: واستدلَّ بأنَّهُ لما نزلت آيةُ التيممِ باليدِ مطلقاً مسحت الصحابةُ إلَى المناكبِ، قال: ونحن نقول: إنما قصدوا به الإسباغَ؛ أو كما قال(١). العاشرة: إنْ لمْ يُقصَرِ اسمُ اليد علَى الكفينِ عندَ الإطلاق؛ كما هو الصوابُ، فحقيقةُ قوله: (غسل يديه) يدلُّ عَلَى المجموعِ لا علَى البعضِ، فإذن يقتضي ذلك أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ عندَ غسل اليدين بعد الوجه = عالماً بالاختلاف والمعاني والقياس، عارفاً بعلم القرآن والحديث، عاقلاً عفيفاً، وله اختيارات غريبة في المذهب، وتفرد بأشياء ضعيفة عند الأصحاب، ومع ذلك فقد كان من فحول العلماء. توفي سنة (٣١٩هـ). انظر: ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١١ / ٣٩٨)، و(تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٥٣٦)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٤ / ٥٣٦). (١) لكتاب ((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي أربعة شروح؛ الأول منها: لأبي إسحاق إبراهيم بن منصور العراقي المتوفى سنة (٥٩٦هـ) في عشرة أجزاء متوسطة . والثاني منها: لأبي عمرو عثمان بن عيسى المتوفى سنة (٦٤٢هـ) في عشرين مجدداً، لكنه لم يكمله ووصل فيه إلى باب الشهادات. والثالث: لأبي الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي، إلا أنه لم يكمله. والرابع - وهو أشهرها -: للإمام النووي، إلا أنه لم يكمله أيضاً ووصل فيه إلى باب الربا، فلم يكمل من هذه الشروح إلا شرح العراقي والحضرمي. ولعل المؤلف رحمه الله نقل هذا الكلام عن أحدهما، فإن صاحب الأصل؛ أعني الشيرازي، قد ذكر كلام أبي عبيد في ((المهذب)) (٢ / ٢٠٦) في الجنايات، فصل: وتجب في اليدين الدية، ثم قال: وقال أبو عبيد بن حرب: الذي تجب فيه الدية هو اليد من المنكب؛ لأن اليد اسم للجميع، والله أعلم. ٤٨٨ غَسَلَ جميعَ ما يُراد باليدِ عندَ ذلك، وهو المُغََّى بالمرافقِ كما في الآيةِ الكريمة . إذا تبيَّنَ هذا، فقد اختُلِفَ فيما إذا غسل يديه قبلَ إدخالهما في الإناءِ، ثم يعيدُ(١) غسلَهما مع ذراعيه؛ هل يجزئُهُ ذلك، أم لا؟ فذكر الحافظُ أبو عمرو بن عاتٍ عنْ محمدٍ بن عمر بن لُبابة أنَّهُ قال: لا يُجزئه، قال: قالَ محمد بن يحيى: لأنه بمنزلة من صلَّى نافلةً، فلا(٢) تجزتُهُ من فريضة. قال: وفي ((مصنف عبد الرزاق)) عن عطاء: أنَّهُ تُجزئُهُ. وقال ابن عبد الحكم: إنْ كَان قصدَ(٣) بذلك السنةَ، فلا يُجزئه، ويعيدُ من صلَّى بذلك، وإن قصدَ بذلك الفرضَ، فلم يعدْها، فتجزئه صلاتُهُ، إلا أنَّهُ يصير(٤) كمَن نكس وضوءَهُ؛ لأنَّهُ غسل يديه قبلَ وجهِهِ، وإلى هذا رجع أبو محمد(٥) بعد أن قال: تجزئه. انتهَى ما وجدته في هذا. فلقائل أنْ يقول: هل يدلُّ هذا الحديث علَى أنَّهُ لا يُجزِىء، أم لا يدلُّ؟ فيُقَال علَى هذا: أمَّا مَنْ قالَ بأنَّ أفعالَ الرسولِوَ عَلَى الوجوبِ فالدلالة ظاهرةٌ، وأما من لمْ يقلْ بذلك - علَى ما هو المختار في (١) ((ت): (لم يعد)). (٢) في الأصل: ((لا))، والتصويب من ((ت)). (٣) (ت)): ((إنما قصد)). (٤) ((ت)): ((یکون)) . (٥) يعني: عطاء بن أبي رباح. ٤٨٩ الأصولِ(١) - فظاهرُهُ أنَّهُ لا يدلُّ. ويمكن أنْ يقالَ: بل يدلُّ، ووجهُ الدليل منه أنْ يقولَ: عدمُ وجوبِ غسل الكفين مع الذراعين مع دلالة الحديث علَى غسلهما ثانياً عندَ غسل اليدين، يلزمُ منه أمرٌ ممتنعٌ، فيمتنعُ عدمُ الوجوب مع ما ذكرناه. [وإنما قلنا: إنَّهُ يلزم منه أمرٌ ممتنعٌ علَى هذا التقدير؛ لأنه يلزمُ منه](٢) الزيادةُ علَى الثلاثِ(٣) في غسلِ الكفين، وهو مكروهٌ؛ أعني: الزيادة علَى الثلاثِ في غسل أعضاء الوضوء؛ كما دلَّ عليه الحديثُ الآتي: ((فمَنْ زَادَ عَلَى هذَا أو نَقَصَ فقدْ أسَاءَ وظَلَمْ))، أو ((ظَلَمَ وأَسَاءَ)(٤). الحادية عشرة: للمالكيةِ طريقٌ في الاستدلالِ بالعددِ عَلَى التعبُّدِ، حيثُ يكون أصلُ الفعل محصلاً للمقصود علَى تقدير فهمِ المعنى . مثالُهُ: أنَّهم لمَّا قالوا: إنَّ غسلَ الإناء من ولوغ الكلب تعبدٌ، (١) انظر: ((المحصول)) للرازي (٣/ ٣٤٥)، و((الإحكام)) للآمدي (١ / ٢٤٧). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((التثليث)) . (٤) رواه أبو داود (١٣٥)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، والنسائي (١٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: الاعتداء في الوضوء، وابن ماجه (٤٢٢)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في القصد في الوضوء وكراهية التعدي فيه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. وإسناده صحيح، انظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (١ / ٨٣). ٤٩٠ لا للنَّجاسةِ، استدلَّوا عليه بالأمرِ بالغسل سبعاً، وسلكوا هذه المادةَ حيثُ رأوا المعنَى معقولاً كغسل الرجلين، وهو كثيرٌ مباشرتُهما للأوساخ، واقتضَى ذلك أنْ يكونَ المقصودُ النظافة، فلم يستحبُّوا التثليث في غسلها(١)، وإِنْ كَان صحيحاً في الحديثِ، فقد استعملوا هذه المادةَ طرداً و عكساً؛ أي: حيثُ فُهِمَ المعنَى لمْ يروا بالعددِ، وحيث تعيَّنَ العدد لمْ يروا بكونِ المعنَى مفهوماً. وسلك هذه الطريقةَ في حديث عثمان - ظُه - أبو محمد عبد الواحد بن عمر السَّفاقسيُّ فيما وجدناه [عنه](٢)، فقال: وقوله في حديث عثمان: غسل يديه ثلاثاً، فيه حجةٌ لابن القاسم، أنها عبادةٌ لتوفيتِهِ العددَ؛ هذا أو معناه. وهذه الطريقةُ عندنا ضعيفةٌ؛ لأنه لا منافاةَ بين فهمٍ أصل المعنَى، وطلبِ التأكيدِ فيه والاستظهار بالزيادةِ في تحصيل المقصود [منه](٣). وأيضاً فلو سلَّمنا أنَّ العددَ دليلُ التعبُّد، لمْ يقدحْ ذلك في فهم أصل المعنَى، فقد يكون الأصلُ معقولاً، والتعبُّد في التفصيلِ، هذا يُفهمُ إذا لمْ يتوجهِ (٤) المعنَى في التفصيلِ، فكيف إذا احتمل أنْ يكونَ مؤكداً للأصل، أو غير ذلك من المعاني؟! (١) انظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ٢٦٢). ٠ (٢) سقط من ((ت)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل: ((إذا لم يتوجه يفهم))، والمثبت من ((ت)). ٤٩١ الثانية عشرة: فيه دليلٌ على استحباب تقديم غسل الكفين على المضمضةِ، والاستنشاق؛ كما تقدم، وعلَى الوجهِ. الثالثة عشرة: ودليلٌ علَى استحباب تقديم المضمضة والاستنثارِ على الوجه. الرابعة عشرة: ودليلٌ علَى الترتيبِ بين المسنوناتِ والمفروضات؛ كما بين المفروضات بعضها مع بعض، حتَّى لو أخَّرَ غسل الكفين والمضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه، لمْ يتأدَّ هذا الاستحبابُ. الخامسة عشرة: قد ورد في هذا الحديث التثليث في الغسلِ في الوجه واليدين والرجلين، وقد وقعَ اختلافٌ في بعض الرواياتِ والأحاديثِ بالنِّسبَةِ إلَى عموم التثليث في الأعضاءِ كلها، أو عدمه، وغسلِ بعضها ثلاثاً، وبعضها اثنين. قال القاضي عياض - رحمه الله -: قالَ علماؤنا: فإنما الاختلافُ في فعل النبيِّ وََّ في الوضوءِ مرةً أو مرتين أو ثلاثاً؛ ليُرِيَ الرخصةَ لأمته، والتسهيلَ، وبيانَ الفرض من الزيادةِ علیه. [قال:](١) وأمَّا ما جاء من الاختلافِ في حديث عثمان، وعبد الله ابن زيد ، في (٢) ذكرِ الثلاث(٣) في بعضها(٤)، وتركها(٥) في (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((و)) بدل ((في))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت)): ((التثليث)). (٤) في الأصل: ((بعض))، والمثبت من ((ت)). (٥) جاء في هامش ((ت)): ((صوابه: وتركه)). ٤٩٢ بعض(١)، فإنَّ ذلك من الرواةِ، [فمرةً ذكر بعضُهم العددَ، ومرةً تركه، ومنهم من نسي ذلك في بعضه، إذ قد وجدنا هذا الخلاف في الحدیثِ الواحد، وفي القضيةِ المعينة التي إنما فُعِلت مرَّة، فدلَّ أنَّ الاختلافَ من الرواة] (٢). ويصحُّ التأويلُ المتقدم فيما جاء منها في غير الحديث الواحد؛ كحديث ابن عباس، مع حديث عثمان وعبد الله بن زيد، فأمَّا (٣) إذا وجدنا الخلاف في حديث عثمان بعينه، وحديث عبد الله بن زيد، [و](٤) لم يكونا إلا في مرة واحدة، [وصفة واحدة]، علمنا أنَّهُ من الرواةِ، وأثبتنا ما زادَ ثقاتُهُم(٥). السادسة عشرة: قالَ القاضي: والأظهر(٦) فيما فعله ◌َّ وما حُكِيَ عنه في ذلك من قولهم: (فغسلَ وجهَهُ ثلاثاً)، ومثلِهِ: أنَّها أعدادُ الغسلات، لا أعدادُ الغَرَفات؛ كما ذهب إليه بعضُهم، وأنه أتَى بما بعد الأولى(٧) للكمال والتمام. وهذا احتمالٌ بعيد؛ لقولهم: غسل، ولم يقولوا: غرف، ولعدم (١) في المطبوع من ((الإكمال)): ((في ذكر ترك الثلاث في بعض، واستيعابها في بعض)). (٢) سقط من ((ت)). في الأصل: «أما». (٣) زیادة من «ت)). (٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ١٤). (٥) (٦) ((ت)): ((الأفضل)). (٧) في الأصل: ((الأول))، والمثبت من ((ت). ٤٩٣ الزيادة علَى الثلاثِ، ولو كان؛ يعني: للتمام، لمْ يقفْ عَلَى حدٍّ، ولأنه موضعُ بيانٍ وتعليم لا يمكن إغفالُهُ بَّةً(١). وهذا الذي حكاه(٢) عن بعضهم قد وجدته في كتاب ((عارضة الأحوذي)) للقاضي أبي بكر بن العربي مُختاراً له، قال: قالَ الرواةُ عن النبي وَّجُ: إنَّهُ توضأ مرة، ومرتين، [وثلاثاً]، وذلك من قولهم لا يخلوا أنْ يخبروا به عن الغَرفاتِ، أو عن استيعابِ العضو(٣) كلَّ مرة، ولا يجوز أنْ يكونَ اختياراً عن استيعاب العضو، فإن ذلك أمرٌ مغيَّبٌ لا يصحُّ لأحد أنْ يعلمه، فعاد القولُ إلَى أعداد الغرفات، فلأجل ذلك قالَ ابن القاسم: لمْ يكنْ مالكٌ يوقتُ في الوضوءِ مرة ولا مرتين ولا ثلاثاً، إلا ما أسبغ، وقد اختلفت الآثار في التوقيتٍ، إشارةً إلى أنَّ المعوَّلَ عَلَى الإسباغ، وذلك يختلف بحسب اختلافٍ قدر الغرفة، وحال البدن في الشعثِ والسلاسة (٤)، وحال العضو في الاعتدالِ أو الاختلاف(٥). وقال أبو العباس القُرطبي: قوله: ثلاث مرات، هو تعديدُ الغسلات، لا تعديدُ الغرفات؛ كما ذهب إليه بعضهم، وليس بشيء، إذا لمْ يجرِ للغرفات في هذا الحديث ذكرٌ، وإنما قال: غسل يديه ثلاثَ مرات، (١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ١٤). (٢) (ت)): ((حكي)). (ت)): ((الوضوء))، وعلى الهامش استدراك قوله: ((لعله: العضو)). (٣) (٤) في المطبوع من ((العارضة)): ((والسلامة)). (٥) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٦٤). ٤٩٤ و(ثلاث) منصوب بنصب المصدر؛ لإضافته إليه، فكأنَّهُ قال: غسلات ثلاثاً، ومن ضرورة ذلك تعديدُ الغَرَفات(١). قلت: الذي قاله القاضي أبو بكر في تعذُّرِ الحمل علَى الغسلاتِ(٢)، وهو: أنَّهُ أمر مغيَّبٌ لا يصح لأحد أنْ يعلمَهُ، لمْ يتعرضِ القاضي عياضٌ ولا أبو العباس القرطبي لردِّه، ولم يظهر لي وجهُهُ، فإن غسلَ الوجه أمرٌ محسوسٌ يدركه البصرُ استيعاباً وتقصيراً، فما المانعُ من الإحاطةِ به؟ السابعة عشرة: قد عُرف الكلام في المضمضةِ، وما قيل: إنَّ أصلَها التحريكُ، ومنه قولُ بعضهم: المضمضةُ: وضعُ الماء في الفمٍ، ومضمضَتُهُ فيه، وهذا يقتضي أنَّ السنةَ لا تتأدَى إلا بالتحريكِ للماء في الفم، وفيه نظر . الثامنة عشرة: ذكرُ الاستنثارِ في هذا الحديث دونَ الاستنشاق، هو الروايةُ التي أوردناها(٣) عن مسلم، وهو عندَ أبي داود أيضاً من رواية مَعْمر، عن الزُّهريّ، عن عطاء بن يزيد، كذلك ليس فيه ذکر الاستنشاق(٤)، ومَن جعل الاستنثارَ مأخوذاً من النَّثْرةِ جعله مُنطلقاً علَى استنشاق الماء ودفعه. قالَ بعضُهم: والاستئثارُ: إيصالُ الماء إلَى الأنفِ ونثرُه منه بنَفَسٍ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٨٠). في الأصل («الغرفات)»، والمثبت من ((ت)). (٢) (٣) (ت)): ((أوردها)). (٤) تقدم تخريجه عند أبي داود برقم (١٠٦). ٤٩٥ ٠٠ أو بإصبعه، وسُمِّيَ استنثاراً بآخر الفعل، و[قد](١) سُمِّي استنشاقاً بأوله، وهو استدعاءُ الماء بنَفَس الأنف(٢). وقال غيره: وأما الاستنثارُ؛ فتارةً يُراد به الاستنشاقُ، وهو اجتذابُ الماء بالنَّفَسِ إلَى باطن الأنف، وتارةً يراد به رمي ما في الأنفِ من الأَذَى، والنَّثْرَةُ الأنف. والقاضي عِياض خالفَ في هذا وحكَى عن ابن قتيبة أنَّهُ قال: الاستنشاقُ والاستنثار سواءٌ، مأخوذٌ من النَّثرة، وهو طرف الأنف، قال: ولم يقلْ شيئاً، بل الاستنشاقُ من النَّشْق، وهو جذبُ الماء إلَى الأنفِ بالنَّفَسِ، والنشوقُ الدواءُ الذي يصبُّ في الأنفِ، والاستئثارُ من النَّثرة، وهو الطرح، وهو هنا طرحُ الماء الذي نُشِقَ قبلُ ليُخرِجَ ما تعلق به من قذر الأنف، وقد فرَّقَ بينهما النبيِّهِ بقولِهِ: ((فَلْيَسْتَنْشِقْ بمنخَرَيْهِ من الماءِ، ثمَّ لِيَنْتَشِرْ (٣))(٤). التاسعة عشرة: إفرادُ الاستئثار بالذكرِ كما في هذه الرواية يدلُّ علَى أنَّها سنةٌ مُستقلةٌ، إذا حملناه على الدفع، هكذا ظاهره، ویکون الدليلُ علَى أن الاستنشاقَ سنةٌ من وجه آخر . وإن جعلنا الاستئثارَ يتناولُ الأمرين معاً؛ أعني: الجذب (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٨٤). (٣) في الأصل: ((ليستنثر)). (٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ٣٠ -٣١). ٤٩٦ والدفعَ، فيُحتملَ أنْ يقال: إنهما سنتان، ويحتمل أنْ يُقَال: إنها سنةٌ واحدة . والقاضي عياض - رحمه الله - قال: وهما عندنا سنتان؛ يعني: الاستنشاق والاستنثار، قال: وقد (١) عدَّها بعضُ شيوخنا سنةً واحدة(٢). والأمرُ في هذا قريبٌ بعد ثبوت استحباب فعل كل واحد منهما. العشرون إلَى الخامسة والعشرين: فيه دليلٌ على أصل المضمضة، وعددها، وأصل الاستنثار، وعدده، فهي أربعُ مسائلَ، وإن دخلَ(٣) فيه الاستنشاقُ، وعدده، كانت ستّاً. السادسة والعشرون: تقديمُ المضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه يعلَّلُ بأنَّ الصفاتِ المعتبرةَ في طهورية الماء وعدم طهوريته وجوداً وعدماً ثلاثٌ: اللونُ، والطعمُ، والرائحةُ؛ فاللونُ يُدرَكُ بالبصرِ، والطعمُ بالذوقِ، والرائحةُ بالشم، فَقُدِّمَتْ عَلَى الفرض؛ ليُعلَمَ اجتماعُ صفاتِ الطهورية في الماءِ قبل الشروع في أداء الفرض به، ولو لم تسنَّ هاتان السنَّتانِ لأمكنَ أنْ يكونَ الماءُ علَى صفة لا يُدفَعُ بها الحَدَث، ولو سُنَّتا متأخرتين لاحتيج إلَى الإعادةِ للفرض، وفي ذلك عسرٌ، فمشروعيتهما مُتقدِّمتين محصِّلٌ لمقصود اعتبار صفة الماء (١) في الأصل: ((فقد))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ٣٠). (٣) ((ت): ((أدخل)). ٤٩٧ المعتبرة في التطهيرِ، نافٍ للعسر الناشىءٍ من(١) الإعادة. السابعة والعشرون: [قوله](٢): (إلَى المرفقين) في اليدينِ، ليس فيه بيانٌ لدخولهما أو عدم دخولهما؛ كما في الآيةِ الكريمة، غير أنَّهُ يدل على أنَّ المرفقَ معلومٌ عندَ الراوي، غيرُ مُشتبِهٍ؛ لأنه ذكره مُعْلِماً ومُخْبراً عن فعل الرسول وال﴿ الذي المقصودُ منه القدوة، وذلك ينافي اشتباهه عنده، وذكر عن أبي إسحاق الزجَّاج أنَّهُ قال(٣). الثامنة والعشرون: قوله: (ثم مسح رأسه)، يستدِلُّ به مَن لا يرَی تكرارَ مسح الرأس، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالكِ، والشافعيُّ يستحبُّه ثلاثاً، وعن الإمام أحمد روايتان (٤). وليس وجهُ الدليل من هذا الحديث مجرَّدَ عدم الذكر، بل معه قرينةٌ زائدة علَى ذلك، وهو ذكرُ التكرار في جميع الأعداد، وإفرادُ الرأس عمَّا تقتضيه قرائنُهُ في الذكر. وقد [تنبَّهَ، و](٥) نبَّهَ علَى ذلك أبو داود السِّجستاني - رحمه الله - فقال: أحاديثُ عثمان - ◌َ﴿به - الصِّحاح، كلّها تدلُّ علَى مسح الرأس (١) في الأصل: ((إلى))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) إلى هنا قيدت الفائدة السابعة والعشرون في كلٍّ من نسختي ((م) و((ت))، وجاء على هامش ((ت)): ((بياضٌ نحو السطرين من الأصل)). (٤) الصحيح منهما: أنه لا يمسح، انظر: (المغني)) لابن قدامة (١ / ٨٨)، و((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤٩٥). (٥) سقط من ((ت)). ٤٩٨ أنَّهُ مرةً؛ فإنهم (١) ذكروا الوضوءَ ثلاثاً، وقالوا فيها(٢): (مسح رأسه)، ولمْ يذكروا عدداً(٣)؛ كما ذكروا في غيره(٤). ورجَّحَ بعضُ الحنابلة(٥)(٦) التكرارَ بأنَّهُ قد روى مسلمٌ من حديث عثمانَ أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ توضَّأَ ثلاثاً ثلاثاً، قالَ: ورواه أبو داود من حديث حُمران، وشقيق، عن عثمان: أنَّهُ وصفَ وُضوءَ رسول الله ضل﴾، فمسح برأسه(٧) ثلاثاً(٨). ورواه الدارقطني من حديث حُمران، وشقيق، وعبد الله بن جعفر، وابن دارهَ مولَى عثمان، وابن البيلماني، عن أبيه؛ كلهم عن عثمان: أنَّهُ حكَى وضوء رسول الله بَّه، ومسح برأسه ثلاثاً(٩). (١) في الأصل ((فإنه))، والمثبت من ((ت). (٢) في الأصل: ((منها))، والمثبت من ((ت). (٣) ((ت)): ((أعداداً). (٤) انظر: ((سنن أبي داود)) (١/ ٢٦)، عقب حديث (١٠٨). (٥) ((ت)): ((الحنبلية)). (٦) نَصَرَ أبو الخطاب وابن الجوزي الرواية المنقولة عن الإمام أحمد بتثليث مسح الرأس، كما ذكر ابن مفلح في ((الفروع)) (١ / ١٢٠). (٧) ((ت)): ((رأسه)). (٨) رواه أبو داود (١٠٧)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي ◌َّ، من حدیث حمران، به. ورواه (١١٠)، من حديث شقيق بن سلمة، به. (٩) انظر: ((سنن الدار قطني)) (١ / ٩١ -٩٢). قلت: وأسانيدها ضعيفة، كما ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ / ٣١). ٤٩٩ قال: والأخذَ بهذه الزيادةِ وهذا البيانِ أولَى من الأخذِ بأمر مُحتمل؛ لأنَّ من لمْ يذكرْ في المسح عدداً يُحتملُ أنَّهُ لمْ يحفظِ العدد، ويُحتمل أنْ يكونَ أحالَ به عَلَى العددِ المتقدم. قلت: الأحاديثُ التي لمْ يذكرْ فيها التكرارُ في مسح الرأس علَى وجهين : أحدهما: سُكِتَ عن العددِ فيه، وذكر في غيره. والثاني: نُصنَّ فيه علَى المرة. والأحاديثُ التي تدلُّ عَلَى التكرارِ أيضاً علَى وجهين: أحدهما: ما يدلُّ بطريق العموم؛ كالذي ذكره عن مسلم، فإنه ليس بنصٌّ في التكرارِ في مسح الرأس بخصوصه. والثاني: ما نُصَّ فيه علَى التكرارِ في مسح الرأس. وإنما نتكلم الآنَ علَى حديث عثمان - ◌َ﴿ه - خاصَّة، فإنه [الذي](١) تكلَّم(٢) عليه هذا الحنبلي، فنقول: ترجيحُهُ الأخذ بهذه الزيادة وهذا البيان علَى الأخذِ بأمرٍ مُحتمل، فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ يحتاج إلَى ثبوت بعضٍ هذه الروايات المقتضية للتكرار، وقد ذكرنا قول أبي داود: أحاديث عثمان الصحاح ... إلَى آخره، وفيه تعريضٌ بالتمريضِ في غيرها، والذي صُرِّحَ فيه بالمسحِ (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((يتكلم))، والمثبت من ((ت). ٥٠٠