Indexed OCR Text
Pages 461-480
أقيم عندَكُمْ(١) شَهْراً فإنْ أحمدتُ مقامي وإلا تحوَّلت. ولا يُقصَدُ بـ(ثمّ) والفاء في هذا المعنى ترتيبٌ وجودي، بل تفصيل معنوي، ألا ترى أن قولك: اغتسلَ وأفاضَ الماءَ على شقَّهِ الأيمن، ثم على الشق(٢) الأيسر، [ثم على رأسه]، (٣) ثم على بطنه، ثم على ظهره، لم يكنْ قصدُك إلا البيانَ، لا الترتيبَ، ولو قَدَّمتَ وأَخَّرتَ جاز. وكذلك لو أتت (الفاء)(٤) موضعَ (ثم)، فإن كان الموضعُ يحتمل ترتيباً جاز أن يُقصَدَ الترتيبُ، وجاز أن يُقصَدَ التفصيلُ؛ نحو: توضأً فغسلَ وجهه، ثم يديه، فإن أردتَ الترتيبَ لا يجوز لك التقديمُ والتأخير، [وإن أردت التفصيلَ، جاز التقديم والتأخير](٥). وإنما استُعْمَلَت (ثم) و(الفاء) للتفصيل حَمْلاً على (أو) في نحو قولك: الجسمُ ساكنٌ أو متحرك، الإنسان ذكر أو أنثى، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، (أو) منها عندَ الشافعيِّ - رحمه الله - للتفصيل، وهي عند مالك - رحمهُ الله - للتخيير (٦) . وهذا الذي ذكرناه عن الشيخ أبي محمد بن بَري في أن التفصيلَ (١) ((ت): ((عندك)). (٢) ((ت)): ((شقه)). (٣) زيادة من ((ت)) . (٤) ((ت)): ((لو أتيت (بالفاء))). سقط من ((ت)) . (٥) (٦) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٥٣). ٤٦١ للمبهم لا يُوجبُ(١) الترتيبَ ولا بدَّ، قد (٢) وجدناه عن بعض من أدركناه، وتأخَّرَ عن زمن أبي محمد، فلا أدري أذكره تقليداً له، أو من وجه آخر؟ ونسوق ما وجدناه عنه، وإن كان فيه زيادة عما ذكرناه من أمر التفصيل. قال: الفاءُ للترتيبِ، وهو على ضربين(٣): ترتيبٍ في المعنى، وترتيبٍ في الذُّكْر. والمرادُ بالترتيب في المعنى أن يكونَ المعطوفُ بها لاحقاً متصلاً بلا مُهْلةٍ؛ كقوله تعالى: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّنكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧]، والأكثرُ على كون المعطوف [سبباً](٤) عمّا قبله؛ كقولك: أملته فمال، وأقمته فقام، وعطفته فانعطف. وأما الترتيبُ في الذكر فنوعان: أحدهما: عطفُ مُفصَّلٍ على مُجمل هوهو في المعنى؛ كقولك: توضَّأَ فغسلَ وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَنَادَىْ نُوحٌ رَّبَّهُ، فَقَالَ رَبٍ إِنَّ أَبْنِى مِنْ أَهْلِىِ﴾ [هود: ٤٥] الآية. الثاني: عطفٌ لمجرد المشاركة في الحكم بحیث یَحسنُ بالواو، کقول امرىء القيس [من الطويل]: (١) في الأصل: ((لا يجب))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت): ((وهذا لابد وقد)). (٣) ((ت)): ((وهي ضربين)). (٤) (ت)): ((بها))، وبعدها بياض بمقدار كلمة. ٤٦٢ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلٍ (١) ثم قال: وأما (ثم) فللترتيب في المعنى بانفصال؛ أي: يكون المعطوفُ بها لاحقاً للمعطوف علیه في حکمه، متراخیاً عنه بالزمان؛ كقوله تعالى: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغَوَىَ ، ثُمَّ أَجْتَبَهُ رَبُّهُ، فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]. وقد تأتي للترتيب في الذِّكر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّءَاتَيْنَا مُوسَى اُلْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. وقد تقعُ موقعَ (الفاء) كقول الشاعر [من المتقارب]: كَهَزِّ الرُّدَيْنِيِّ تَحْتَ العَجَاجِ جَرَى في الأَنَابِيبِ ثمَّ اضْطَرَبْ(٢) وفي التفصيل المذكور؛ كقولك: توضأ فغسل وجهه، ثم یدیه، ثم مسح رأسه، ثم رجليه. وقد تعطف بـ (الفاء) متراخ؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِىّ أَخْرَجَ الْعَى ١) فَجَعَلَهُ, ثُثَةَ أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤ -٥](٣). التاسعة: في طريق أخرى لتخريج(٤) الألفاظ المنافية للتعقيب في (١) انظر: ((ديوان امرىء القيس))، وصدر البيت: قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ (٢) البيت لحميد بن ثور الهلالي، كما في ((ديوانه)) (ص: ٤٣) وعنده: ((بين الأکف)) بدل ((تحت العجاج)). (٣) انظر: ((شرح الكافية)) لابن مالك (ص: ١٢٠٦) وما بعدها، وهو الذي قصده المؤلف بكلامه ونقل عنه . (٤) في الأصل: ((لتخرج))، والمثبت من ((ت)). ٤٦٣ (الفاء)، والترتيب والتراخي في (ثم)، وهو حَملُ الترتيبِ على الترتيب في الإخبار، وقد ذكرنا آنفاً عن هذا الذي أدركناه من المتأخرين الترتيب في الذكر. وقال أبو الحسن بن أبي الربيع النحويُّ الأندلسيُّ لما تكلَّمَ على الفاء: اعلم أن (الفاء) تقتضي أن الثاني بعد الأول بغير مُهلة، فإذا قلت: قام زيد فعمرو، فمعناه أن عَمْراً قام بعد زيد مُتصلاً [به](١)، وقد يكون الترتيبُ للإخبار، تقول: مُطرنا مكانَ كذا فمكانَ كذا، إذا أردتَ أن تستوعبَ جميعَ الأماكن التي أخذها المطرُ، [فأخذتَ جهةً، ثم فَرَوَتْ شيئاً بعد شيء إلى أن تنتهيَ إلى آخرها، وربما أصابها المطرُ](٢) كلَّها في وقت واحد، [ولم تدرِ كيفَ نزل المطرُ فيها؟. وكذلك تقول: شتمني زيد، فعمرو، فخالد، فلا تزال تتخبطُ من واحد](٣) إلى آخرَ حتى تنتهي إلى أقلُّهم منزلةً، وربما الذي شتمك أولاً ذكرتَهُ(٤) آخراً، لكنك قصدتَ أن تخبر بالأمر على هذا التدريج، وعلى حسب مراتبهم، ولو جئتَ بالواو لم يكنْ فيه إلا الجمع، وأنَّ الفعلَ وقع بالجميع، ولم تقصدْ إلى هذا التدريج، ولم يكنْ ذكرك الأولَ، والثاني بعده، والثالث بعده، بالقصد، وإنما كان باتفاقٍ، إذ لابدَّ من تقديم واحد على آخر، إذا أخبرتَ أنَّ الفعلَ وقع بالجميع . (١) زيادة من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((ذكرك)) . ٤٦٤ [ثم](١) لما تكلّمَ على ذكر أنَّ (ثم) يكون الترتيبُ فيها على وجهين: ترتيب الإخبار، وترتيب الوجود، قال: ويجوز أن [يكون](٢) على هذا (٣) قولُهُ سبحانه: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. قال: وقد يكون الترتيب بالنظر إلى شخصٍ [ دونَ شخص](٤)، تقول: ساد زيد عندي، ثم عمرو، ثم خالد؛ أي: علمتُ سيادةَ زيد أولاً، ثم سيادة عمرو، ثم سيادة خالد، وإن كان خالد قد ساد قبلهما، ومثلُ هذا موجودٌ في كلام العرب، إذا اعتبرته وجدته(٥). فهذا مع كلام مَنْ قدَّمنا رضَى بكونِ الترتيبِ يكونُ في الذكر، وقد وردَ هذا، وذكرنا تضعيفهُ عن أبي محمد بن بري فيما سبق . ووجدتُ عن أبي الحسن بن عُصفور أنه لما تكلَّمَ على قوله: بلغني ما صنعتَ اليومَ، ثم ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، وهو (٦) أحدُ ما ذُكِرَ في الاستدلال لمن يقول: إن (ثم) [تكونُ](٧) بمعنى الواو، وخرَّجه على أن (ثم) لتفاوت ما بين الصُّنعين. (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)) . (٣) ((ت)): زيادة ((فى)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) انظر: ((البسيط في شرح جمل الزجاجي)) لابن أبي الربيع (١/ ٣٣٦ -٣٣٨). (٦) ((ت)): ((وهذا)). (٧) زيادة من ((ت)). ٤٦٥ قال: وما ذكره الفرَّاءُ من أن المقصودَ بـ(ثم) ترتيبُ الإخبار، لا ترتيبُ الشيء في نفسه، وكأنه قال: اسمعْ مني هذا الخبرَ الذي هو: بلغني ما صنعتَ اليوم، ثم اسمعْ مني هذا الخبرَ الآخرَ الذي هو (١): ما صنعتَ أمسِ أعجبُ، ليس بشيء؛ لأن (ثم) تقتضي تأخيرَ الثاني عن الأول بمُهلة، ولا مُهلة بين الإخبارين(٢) . فأقول: أما إبطالُ حملِ التراخي، والمُهلةِ على التراخي بين الإخبارين، فصحيحٌ لاشكَّ فيه، وأما على الترتيب فلا، وأبو الحسن لم يذكر عن الفراء أن المقصودَ بـ(ثم) تراخي الإخبار، وإنما ذكر أن المقصودَ فيها (٣) ترتيبُ الإخبار، والترتيبُ في الإخبار أعمُّ من التراخي(٤)، فلا يلزمُ من إبطال التراخي في الإخبار إبطالُهُ في الترتيب . ولئن قال: إن (ثم) مُقتضيةٌ للتراخي في نفس الأمر، فإذا جعلها للترتيب في الإخبار لزمَهُ الترتيبُ في التراخي، قيل له: إذا كان مدلولها الشيئين؛ الترتيب، والتراخي، وتعذَّرَ التراخي، جرَّدناها عن دلالتها عليه، وأثبتنا دلالتها على الترتيب، الذي هو أحدُ مدلوليها، وهو أقربُ من تجريدها عنهما معاً. العاشرة: في ذكر طريق أُخرى في تخريج ما ظاهرُهُ المخالفةُ (١) ((ت)): ((وهو)). (٢) وانظر: ((شرح الجمل)) لابن عصفور (١ / ٢٣٤ - ٢٣٥). (٣) ((ت)): ((بها)). (٤) ((ت)): زيادة ((فيه)) . ٤٦٦ [لقاعدتي (الفاء) و(ثم)، وهو احتمالُ المخالفة](١) اليسيرة: فذكر (٢) عن عبد القاهر في (الفاء): أنَّ أصلَها الإتباعُ، ولذلك لا تَعْرى عنهُ (٣) مع تَعَرِّيها عن العطفِ في جواب الشرط، ولكنها مع ذلك لا تُنافي التراخيَ اليسير. وقال ابن أبي الربيع: الاتصالُ يكون حقيقةً، ويكون مجازاً؛ فإذا كان حقيقةً فلا تراخيَ فيه، وإذا كان مجازاً ففيه تراخ بلا شكٌّ، ألا ترى أنَّ قولك: دخلتُ البصرة، فالكوفة، فيه تراخ، فإنما جاءت (الفاء)؛ لأن سببَ دخول الكوفة اتصلَ بدخول البصرة، لم [يكنْ](٤) بينهما مُهلة، فلذلك جاءت (الفاء)، وقد يكون التراخي قليلاً، فيكون كالمُستهلَكِ لكونه غيرَ معتبرِ لقلته، فتَدخلُ الفاء كذلك(٥). الحادية عشرة: [في](٦) طريق أخرى للتخريج في المخالف لظاهر (ثم) أو (الفاء) أو هما، وهو حملُ الترتيب أو التراخي، [على (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((وقد ذكر)). (٣) في الأصل: ((منه))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) انظر: ((البسيط في شرح الجمل)) لابن أبي الربيع (١ / ٣٣٦ - ٣٣٧). (٦) زيادة من ((ت)). ٤٦٧ الترتيب أو التراخي في الرُّتبة](١)، وقد ذكرنا عن أبي الحسن بن عصفور من النحاة تسليمَ ذلك، وهو مجاز(٢) في (ثم)، وأما أهلُ صناعة البيان فهو مشهورٌ بينهم، مُتَداوَلُ(٣) الذكر، يُبدونَ [فيه](٤) معانيَ حسنة، ويستخرجون بلطف(٥) الذهن محاسنَ الكلام، ويأتي بعضُهم فيه بأشياءَ مهمة، فمنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَتِهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ لبعد ما بين الكفرِ، وبين خَلْقِ السموات والأرض وجَعْلِ الظلمات والنور. ومن لطيف هذا ما قاله الزمخشريُّ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآَ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]؛ فإنه قال: وفي (ثم) ما فيها من تعظيمٍ منزلةِ محمد بَّ وإجلال محله، والإيذانِ(٦) بأنه أولى وأشرفُ ما أُوتَي خليلُ الله من الكرامة، وأجلُّ ما أوتي من النعمة اتِّبَاعُ رسول الله ◌َّ له في ملته(٧). وأمثالُ هذا كثيرٌ في كلام أهل البيان. الثانية عشرة: الذي أوجب لنا أن نتكلمَ في (ثم) [ومدلولها ما جاءً (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((مجوز)). (٣) في الأصل: ((متناول))، والمثبت من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)) . (٥) ((ت)): ((بلطيف)). (٦) في الأصل: ((إيذان))، والمثبت من ((ت)). (٧) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٦٠٠). ٤٦٨ في الحديث الذي نحن في شرحه من قوله: ((ثم تمضمضَ،](١) ثم غسلَ وجهَهُ ثلاثَ مراتٍ))، وكذلك [كل](٢) ما ورد فيه (ثم) في هذا الحديث، فإن(٣) التراخيَ غيرُ مراد من هذه اللفظة في هذه الأماكن، إذ الموالاةُ هي المطلوبةُ؛ إما وجوباً، أو ندباً، ولا نَظُنُّ أنَّ النبيَّ وَّ راخى بين غسل هذه الأعضاء عن بعض، فيحتاج إلى تخريج ذلك، والذي نذكر فيه وجوهٌ: أحدها: أنْ تُجعل (ثم) بمعنى الواو بناءً على جواز ذلك مطلقاً. وثانيها: (٤) أن تُجعلَ بمعناها في التفصيل، للمُجمَل الذي تقدمها؛ کما حکینا عن كلام ابن بري، والمتأخر عنه. وثالثها: الترتيبُ في الإخبار، أو التراخي، وهو باطلٌ في التراخي کما قدمناه. ورابعها: التراخي في الرُّتبة(٥)، ويحتاج إلى تأمُّلِ في تراخي ترتيب(٦) غسل هذه الأعضاء بعضها عن بعض، وقد يظهر ذلك في بعضها، فإنه لما ناسبَ أن يكون الوضوءُ لأجل الوَضاءة، وهي (١) زيادة من (ت)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) ((ت)): ((كان)). (٤) في الأصل: ((وثانيها بمعنى))، والمثبت من ((ت)). (٥) ((ت)): ((المرتبة)). (٦) ((ت)): ((رتب)). ٤٦٩ النظافة، ولا يكون الدخول في العبادة على الوجه المستحسن في العادة، كان هذا معنى يُلحَظُ في سببِ الترتيب، والتقديمِ والتأخيرِ في هذه الأعضاء. ومن(١) أسباب ما ذكرنا أيضاً الشرفُ، ومنه مطابقةُ الترتيب اللفظي للوضع الخارجي، فإذا ثبت هذا، فقد جَمَعَ الوجهُ [أشياء](٢) لم تجتمع في غيره؛ منها: الشرفُ، ومنه: التعبيرُ به عن الجملة، [﴿يُرِيدُونَ وَجْهَدُ﴾ [الأنعام: ٥٢]](٣)، ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ومنها: بروزُهُ غالباً، ومنها: علوُهُ في وضع الخِلقة، ومنها: أنه المقصودُ بالرؤية والمباشرة بها عند التخاطب؛ قصداً، أو عادة وملكة، وذلك يرجِّح طلبَ الوضاءة فيه، فباجتماع هذه الوجوه فيه، ناسبَ تقديمُهُ على جميع هذه الأعضاء الأربعة، وتراخت عنه رتبة اليدين لعدم مُساواتها له في البروزِ [للمعتبرات، وتأخرِها عنه في الشرف والرؤية، ولها حظّ من التقديم بسبب المطابقة للخِلْقة، وتقدمت على الرأس؛ لأنها(٤) مستورةٌ غالباً، فلا يحصلُ فيها معنى البروز للمعتبرات](٥)، ولا هي أيضاً مما تقع عليها الرؤيةُ عند التخاطب غالباً، وإنما لها الشرف والعلو بحسب الخِلقة، وهاتان المناسبتان متأخرتان عن (١) ((ت)): ((وما)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) أي: الرأس. (٥) سقط من ((ت)). ٤٧٠ معنى الوَضاءة والنظافة الذي جُعِلَ سببَ الوضوء وعُمدته، فتقدمت(١) اليد على الرأس ترجيحاً لأظهرِ المناسبتين. وأما تقديمُ الرأس على الرجل فيمكنُ أن يكونَ باعتبار مناسبةِ الشرف [والرفعة، واعتبار الوضع الخَلْقي، فإنها لو تأخرت لتُرِكَ اعتبارُ مناسبة الشرف](٢)، والمطابقة للوضع الخَلْقي من كل وجه، بخلاف ما إذا تقدمت على الرجلين، فإن في ذلك اعتبارها بين المناسبتين من [كل](٣) وجه، وتُؤَخَّرُ الرِّجلُ لاعتبار الوضع الخَلقي إذ(٤) لم يبقَ غيرُهما. وقد بلغني أنه تناظرَ شافعيٌّ وحنفيٌّ في مجلس الشيخ أبي الحسن علي بن عيسى الربعي - رحمه الله (٥) - في ترتيب الأعضاء في الوضوء، واستدلَّ الشافعي بالحديث: ((توضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثمَّ يَدَيْهِ، ثم مَسَحَ برأسِهِ، ثم غَسَلَ رِجْلَيه)) أو كما قال. قال: و(ثم) للترتيب، فقال أبو الحسن: مُحتملٌ أن يُراد بالترتيب (١) ((ت)): ((فقدمت)). (٢) سقط من ((ت)). زيادة من ((ت)) . (٣) (٤) (ت): ((إذا)). (٥) هو إمام النحو أبو الحسن علي بن عيسى بن الفرج الربعي البغدادي صاحب التصانيف، قال أبو علي: قولوا لعلي البغدادي: لو سرت من الشرق إلى الغرب، لم تجد أحداً أنحى منك، من تصانيفه: ((شرح الإيضاح))، و((شرح مختصر الجرمي))، توفى سنة (٤٢٠ هـ). انظر: ((إنباه الرواة)) للقفطي (٢ / ٢٩٧)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١٧/ ٣٩٢). ٤٧١ في هذا الحديث: ترتيبُ الأعضاء في شرفها لا في غسلها، وبيان ترتيب شرفها من وجهين : الأول: أن أعاليَ الإنسان [خيرٌ و](١) أشرفُ من أسافله، بدليل أن المشروعَ للمصلي أن يكونَ أعاليه في السجود أخفضَ من أسافله، قالوا: لأن أشرفَ [الإنسان](٢) إذا كان منخفضاً كان أبلغَ في التذلل، فقدم في الحديث ذكرَ الوجه على اليدين؛ لأنه أعلى، واليدين على الرجلين؛ لأنهما أعلى، وقد تبين أن العلوَّ في الخلقة شرف. الثاني: أنَّ شرفَ الوجه على اليدين: أنه جمعَ السمع والبصر والنُّطْق، وهي من أجل الأدوات المستعملة في العبادات؛ ولأن به يكونُ الاستقبال والاستدبار، فكان لذلك أعزَّ الأعضاء، ويؤيده قوله إنَّه: ((أقرب ما يكونُ العبدُ مِنَ اللهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)(٣). قالوا: لأنه وضعَ أعزَّ الأعضاء في الأرض، وهو غايةُ التذلل، فكان سبباً لزيادة القرب. واليدان بهما يكون البطش، وهو أَعْوَنُ شيء على العبادة، وأَدْخَلُه فيها؛ لاستيعابه كثيراً منها، والرجلان يكون بهما السعي، وهو دونَ (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) رواه مسلم (٤٨٢)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، من حديث أبي هريرة څ . ٤٧٢ البطش في ذلك، بدليل أن أقطعَ الرجلين [أقدرُ](١) على العبادات من أقطع اليدين، ويؤيدُه قوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] الآية، وبُدِىءَ(٢) فيها بالأدنى لغرض الترقي؛ لأنَّ منفعةَ الوصف الرابع أعمُّ من منفعة الثالث؛ فهو أشرفُ منه، ومنفعة الثالث أعمُّ من منفعة الثاني؛ فهو أشرفُ منه، ومنفعة الثاني أعمُّ من منفعة الأول، فهو أشرفُ منه، وقد قُرِنَ السمع بالعقل، ولم يُقرِنْ به البصرُ في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم ◌َنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُتْمِعُ الْضُمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ (٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢ -٤٣]، وما قُرنَ بالأشرف كانَ أشرفَ . قال: فإن قيل: كان الأَولى أن يُقدَّمَ في الآية المذكورة الوصفُ الأعلى، ثم ما دونه حتى يُنتهى إلى أضعفِها؛ لأنه إذا بُدِىءَ (٣) بسلب الوصف الأعلى، ثم سُلِبَ ما دونه، كان ذلك أبلغَ في الذم؛ لأنه لا يلزمُ من سلب الأعلى سلبُ ما دونه، كما تقول: ليس زيدٌ بسلطانٍ، ولا وزيرٍ، ولا أميرٍ، ولا والٍ، والغرضُ من الآية المبالغة في الذم. قلت: ما ذكرتَهُ طريقةٌ حسنة في علم المعاني، والمقصودُ من الآية طريقةٌ أخرى، وهي أنه - تعالى - أثبت أن الأصنامَ التي يعبدها (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((بدأ)). (٣) في الأصل: ((بدأ))، والمثبت من ((ت)). ٤٧٣ الكفار - [أمثالُ الكفار](١) في أنها مقهورةٌ مربوبةٌ، ثم حطّها عن درجة المثلية بنفي(٢) هذه الصفات الثابتة للكفار عنها، وقد علمتَ أنَّ المماثلةَ بين الذوات المتباينة إنما تكون باعتبار الصفات الجامعة بينها، إذْ هي أسبابٌ في ثبوت المماثلة بينها، وتقوى المماثلةُ بقوة أسبابها، وتضعُفُ بضعفها، فإذا سُلِبَ وصفٌ ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى، انتفى وجهٌ من المماثلة بينهما، ثم إذا سُلِبَ وصفٌ أقوى من الأول، انتفى وجهٌ من المماثلة أقوى من الأول، ثم لا تزالُ تُسلَبُ أسبابُ المماثلة أقواها فأقواها، حتى تنتفيَ [المماثلةُ كلّها بهذا التدريج، وهذه الطريقةُ ألطفُ من](٣) سلبٍ أسباب المماثلة أقواها، ثم أضعفها، فأضعفها، فُقدِّمَ الوجهُ على اليدين، واليدان على الرجلين كذلك. وكان ينبغي على الوجهِ الأولِ أن يُبدأَ بذكر الرأس؛ لأنه أعلى الأعضاء، إلا أن الوجه هو معظمُهُ، وقد قُدِّمَ، ولم يَبْقَ منه إلا منبتُ الشعر، وأُخِّرَ ذكرُهُ بعد ذكر الأعالي تتمةً لها. وعلى الوجه الثاني لا ينبغي أن يُبدأَ منه(٤) إلا بالوجهِ لخلوِّ ما عداه منه من الأدواتِ المُعِيْنَةِ ظاهراً على العبادات(٥)، بل ينبغي أن (١) زيادة من (ت)) . (٢) ((ت)): ((نفي)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) أي: من الرأس. (٥) ((ت)): ((العبادة)). ٤٧٤ يؤخَّرَ ما عدا الوجهِ منه بعد الرجلين؛ لأن منهما بطشاً دونه، وهو مُعتَبرٌ في الوجه، لكنه ذُكِرَ قبلهما؛ ليكون الافتتاحُ بذكر عضو فيه أداةٌ من أدوات العبادات، والاختتامُ بذكر عضوٍ كذلك، ليتشاكلَ الطرفان، وإنه أنسبُ، وأَدْخَلُ في الفصاحة. ومَنْ قال باستفادة ترتيب الأعضاء في الغسل في هذا الحديث من (ثم)، أمكنَهُ أن يستنبطَ من (ثم) تكرارَ الغسل؛ لأنها حينئذٍ تفيدُ تراخياً ومُهلة في الزمان، فإذا لم يحصلْ تكرارٌ، لم يكنْ بين غسل العضو الأول والثاني مُهلة زمانية، فإذا حصل التكرار، كان بين الشروع في الغسلة الأولى من العضو الأول، وبين الشروع في الغسلة الأولى من العضو [الثاني](١) مُهلة زمانية؛ لأن ذلك التكرارَ يتخللُ بين الشروعين، فيتحقَّقُ به التراخي، والله أعلم، انتهى. وقد ذكرنا ما وجدناه على الوجه، مع ما فيه من الاستطراد بما لا يتعلَّقُ بغرضنا. وخامسها: ما ذكره بعضُ المتأخرين في اعتبار معنى المُهلة في (ثم)، ومعناه: أن يجعل (غسل) [بمعنى: شرع، وبين الشروع في غسل الوجه، والشروع في](٢) غسل اليدين مُهلة. وسادسها: ما ذكرَهُ غيرُهُ من المُتأخرين(٣)، ومعناه: أن حقيقةَ (١) زيادة يقتضيها السياق، وقد أشير في ((ت)) إلى وجود كلمة ناقصة. (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل: ((الباحثين))، والمثبت من ((ت)). ٤٧٥ غسل وجهه في تمام غسله، وحقيقةُ غسل يديه [بتمام غسلهما](١)، وبين التمامين تراخٍ ومُهلة. وهذان الوجهان معاً مردودان، فإنه یکون حينئذ إخبارُ الراوي بما أخبر به من بيان الواضحات، ومما لا فائدةَ فيه؛ لأنه معلومٌ جزماً أن بين الشروعين وبين التمامين مُهلة قطعاً، وقد ذكرنا فيما بلغنا عن الربعيِّ قريباً من هذا حيثُ يقول: إنه يمكن أن يُستنبطَ من (ثم) تكرارُ الغسل، ولا يُرَدُّ على الربعي ما رددنا به على المباحثين؛ لأن التكرارَ، إذا كان فائدةً، لم يكنِ الإخبارُ بما يفيد عَرِيّاً عن الفائدة. الثالثة عشرة: قد ذكرنا الكلامَ في الوَضوء، والوَضوء على المشهور يدل على(٢) اللفظ، وهو أن الوَضوء - بفتح الواو - هو الماء؛ لأَنَّ الفعلَ لا يُدْعَی به. الرابعة عشرة: لابدَّ من الحذف في قوله: دَعَا بوَضُوءٍ فتوضَّأَ، تقديره: فحضرَ فتوضاً. الخامسة عشرة: يقال: فعل بمعنى: شرع، وفعل بمعنى: فرغ، وقوله: فتوضأ، محمولٌ على الأول؛ أي: شرع في الوضوء؛ لتفصيله ذلك بقوله: فغسل كفيه ... إلى آخره. (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت): ((هذا)). ٤٧٦ * الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: قيل: الوضوءُ تعبُّدٌ، وأُخذَ منه تعيُّنُ الماء له. وقيل: معقولُ المعنى معلَّلٌ، ومقصوده النظافة، ولذلك خص الأعضاء البارزة، [و](١) الرأسُ لما استترَ بالعمامة غالباً كفاه المسحُ، قيل: ويؤيده ﴿مَآءَ لَيُطَهِّرَّكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. واعتُرِضَ عليه: بأنه لا يطَّرَدُ؛ فإن المتوضَّىءَ المنطلي بالأوساخ لا يتوضَّأ. وأجيب بأنها نادرة، وفي النفس وازع [عنها] (٢) فأغنى، بخلاف العِبرات الخفية، ونُظُّرَ ذلك بإيجاب الإجابة على المرأة للواطىء لا العكس؛ أي: عدم الإجابة على الرجل، وإن كانا في مقصود التحصين سواءً، لكن أغنى عن الإيجاب عليه باعثُهُ على الوطءِ ليعتاضَ عما يختصُّ(٣) به من الكلف، ولا سيَّما إذا انحصر مطلبُهُ في الحلال. ومُثُّلَ أيضاً بالبيع على معنى أنه شُرِعَ للحاجة، فلو عكس فباع المُحتاج إليه بالمُستغني عنه لصحَّ، وأغنى النُّدور والوازع عن المنع. واعتُرِضَ أيضاً بالإجماع على اختصاص الوجوب بالحَدَثِ وليس مُلطخاً، وعلى سقوط الوضوء بالملطخ؛ أي: من غير الأحداث، (١) زيادة من ((ت)) . (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((يخص))، والمثبت من ((ت)). ٤٧٧ وجوابه: أن ظهورَ المعنى في الأصل(١) لا يمنعُ [من](٢) التعبُّدِ في التفصيل، فرُبَّ أصلٍ [معنوي](٣) تعبدي من وجهين؛ كالنُّصُبِ المُزْكَّاة والمسروقة، أصلَها معنويٌّ، وتحديداتها تعبدية(٤)، وقيل في هذا: إنه قام الوضوءُ مقامَ الزاجر عن الحَدَث لغير حاجة لفحشه حينئذٍ. الثانية: في قوله: دعا بوَضُوء، دليلٌ على جواز الاستعانةِ في أسباب الطهارة؛ لدلالةِ لفظ (دعا) على عدم حضوره عنده، وعدم ذهابه لتحصيله، وعند الشافعية في كراهة الاستعانة في الوضوء وجهان (٥)، وهذا الذي ذكرناه من فعل عثمان - رضي الله عنه-، وقد جاء عن النبي وَله الاستعانةُ في الوضوء في حديث المغيرةِ ابن شُعبةَ لما ضاق كُمُّ الجُبَّةِ (٦)، وحديث أسامة بن زيد(٧)، وكلا (١) ((ت)): ((أصل)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)) . (٤) في الأصل: ((أنها تعبدية))، والمثبت من (ت)). (٥) الأصح أنه لا يكره، لكنه خلاف الأولى، انظر: ((المجموع في شرح المهذب» للنووي (١ / ٤٠٢). (٦) رواه البخاري (٣٥٦)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الجبة الشامية، ومسلم (٢٧٤)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين. (٧) رواه البخاري (١٣٩)، كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، ومسلم (١٢٨٠)، كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، عن أسامة قال: ((ردفت رسول الله مَّر من عرفات، فلما بلغ رسول الله الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة، أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء ... )) الحديث، لفظ مسلم. ٤٧٨ الحديثين صحيحُ السند، وحديث الرُّبيع بنت معوِّذ [بن عفراء](١)(٢)، والذين كرهوا أوردوا حديثَ النبيِ نَّهِ: «أَنَا لا أَسْتَعِينُ على وُضُوئي بِأَحَدٍ))(٣)، وليس سندُهُ في الصحةِ كسندٍ حديث الاستعانة التي دلَّ (١) زيادة من ((ت)). (٢) رواه أبو داود (١٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي وَ لّره والترمذي (٣٣)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس، وابن ماجه (٣٩٠)، كتاب: الطهارة، باب: الرجل يستعين على وضوئه فيصب عليه، عن الربيع بنت معوذ قالت: أتيت النبي وَلغز بميضأة، فقال: ((اسكبي)) فسكبت، فغسل وجهه وذراعيه ... ، الحديث، لفظ ابن ماجه. قال النووي في ((شرح المهذب)» (١ / ٤٠١): في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، واختلفوا في الاحتجاج به، واحتج به الأكثرون، وحسن الترمذي أحادیث من روایته، فحدیثه حسن . (٣) قال النووي في ((المجموع في شرح المهذب)) (١ / ٤٠١): باطل لا أصل له. قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٩٧): وذكره الماوردي في ((الحاوي)) بسياق آخر فقال: روي أن أبا بكر الصديق همَّ بصب الماء على يد رسول الله ﴿ فقال: ((لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد)) قال الحافظ: ولم أجدهما. ثم قال الحافظ: لكن تعيين أبي بكر وهمٍّ، وإنما هو عمر، أخرجه البزار وأبو يعلى من طريق النضر بن منصور عن أبي الجنوب قال: رأيت علياً يستقي الماء الطهور، فبادرت أستقي له، فقال: مه يا أبا الجنوب! فإني رأيت عمر بن الخطاب يستقي الماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال: مه يا أبا الحسن! فإني رأيت رسول الله تَليّ يستقي الماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال: ((مه يا عمر! فإني لا أريد أن يعينني على وضوئي أحد)) قال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: النضر بن منصور، عن أبي الجنوب، وعنه: ابن أبي معشر تعرفه؟ قال: هؤلاء حمالة حطب، انتهى. وانظر: ((المجروحين)) لابن حبان (٣/ ٥٣). ٤٧٩ عليها هذا الحديثُ، وهذا أُخِذَ من فِعلِ الصحابي، لا من(١) اللفظ المرفوع إلى النبي ◌َّ في هذا الحديث. الثالثة: فيه دليلٌ على أنَّ غسل اليدين في ابتداء الوضوء من الأمور المطلوبة شرعاً؛ لفعل النبي وَلخير، والفقهاءُ أطلقوا القول بذلك، ولم يخصُّوه بحال القيام من النوم؛ لما جاء في الحديث الآخر، لدلالة فعل النبي وُلّ عليه. قال القاضي أبو محمد المالكي في غسل اليدين في ابتداء الوضوء: وذلك من سنن الوضوء لكلِّ طاهرِ اليدين، يريد الوضوءَ بأيِّ نوع كان انتقاض وضوئه به من الأحداث وأسبابها، وقوله: طاهر اليد، يحترزُ به عن النَّجِس الید. قال المازري: إنما قَيَّدَ بقوله: طاهر اليد؛ لأنَّ مَنْ كان نَجِسَ اليد فغسلُ يده(٢) واجبٌ، إذا كان الماء الذي أعده(٣) لوضوئه قليلاً. قال: هذا على طريقةِ مَنْ قال من أصحابنا: إنَّ الماءَ القليل تنجِّسه النجاسة القليلة، ومَنَعَ الاعتدادَ بالوضوء. قال: فعلى هذه الطريقةِ يكون غسلُ اليد واجباً؛ لأنَّ بغسلٍ يده يُتَوَصَّلُ إلى صحة وضوئه. قال الرافعي: قال الشافعيُّ - رحمه الله -: ولا فرقَ في استحبابه (١) في الأصل و((ت)): ((إلى))، وقد جاء في هامش ((ت)): (لعله: من))، وهو الصواب فأثبته . (٢) ((ت)): ((يديه)). (٣) في الأصل: ((يعده))، والمثبت من ((ت)). ٤٨٠