Indexed OCR Text
Pages 361-380
وفي كتاب ((رفع اليدين في الصلاة)) للبخاري، عن جابر بن عبد الله: لم يكنْ أحدٌ منهم ألزمَ لطريق النبي ◌ِِّ، ولا أتبعَ من ابن عمر رضي الله عنهما(١). وأما العبادةُ فحسبُّكَ حديثُه في رؤياه وقولُ النبي ◌َّ: ((نِعْمَ الرجلُ عبدُ اللهِ، لو كانَ يُصَلِّي من الليلِ))، قال سالم: وكان عبد الله لا ينامُ من الليل إلا قليلاً(٢). وكذلك ذُكر عنه: أنه كان كثير الحج، وعُدَّ في الصحابة الساردين للصوم؛ منهم: عمر، وابنه، وأبو طلحة، وحمزة بن عمرو، وعائشة وأما الصدقة والجود فقيل: كان كثيرَ الصدقات، فربّما تصدَّقَ في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً(٣). وعن نافع: [كان ابن عمر](٤) إذا اشتدَّ عجبُهُ بشيء من مالِهِ تقرَّبَ [به](٥) إلى الله تعالى، وكان رقيقُهُ قد عرفوا ذلك منه، فربما (١) لم أقف عليه في مطبوعة ((جلاء العينين بتخريج روايات البخاري في جزء رفع اليدين)) تصنيف بديع الدين شاه السندي، والله أعلم. (٢) رواه البخاري (١٠٧٠)، كتاب: التهجد، باب: فضل قيام الليل، ومسلم (٢٤٧٩)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١ / ٢٩٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)» (٣١/ ١٤١). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). ٣٦١ لزمَ أحدُهم المسجدَ فإذا رآه ابنُ عمر على تلك الحالة الحسنة أعتقه، فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له. قال نافع: وقد رأیتنا ذاتَ لیلة، وراح ابن عمر علی نَجیبٍ له قد أخذه بمال، فلمَّا أعجبَهُ سيرُه أناخه بمكانه، ثم نزل عنه فقال(١): انزعوا عنه زِمامَهُ ورحلَهُ، وأشعروه، وجلِّلؤُه، وأدخلوه في البُدْن(٢). وعنه: أنه كاتبَ عبداً له على خمسة وثلاثين ألف درهم، ثم حطّ عنه [منها](٣) خمسةَ آلاف(٤). وکذلك ذکر عنه: أنه کان کثیرَ الحج. فأما(٥) الزهادةُ والورعُ فإنه لم يقاتلْ في الحروب التي جرت بين المسلمين، وذكر أبو عمر (٦): أن جابر بن عبد الله قال: ما منا أحدٌ إلا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمرَ وابنهِ عبد الله(٧). وعن نافع: سمعتُ ابنَ عمر - وهو ساجد في الكعبة - يقول: قد (١) ((ت)): ((وقال)). (٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٤ / ١٦٦)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١ / ٢٩٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١/ ١٣٣). (٣) سقط من ((ت)). (٤) انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ٢٦٣). (٥) ((ت)): ((وأما)). (٦) ((ت)): ((عمرو)). (٧) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١ / ٢٩٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١/ ١٠٩) إلا أنهما قالا: ((إلا عبد الله بن عمر)). ٣٦٢ تعلمُ يا رب! ما منعني (١) من مزاحمةٍ قريشٍ [على هذه الدنيا] إلا خوفُك (٢). وأما الخشوع فقال: وكان إذا قرأ هذه الآية: ﴿أَلَمَ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بكى حتى يغلبَهُ البكاءُ. والمنقبة العُظمى والفضيلة [الكبرى](٣) قولُ(٤) النبي ◌َ لهُ في رواية في ((الصحيح)): ((إنَّ أخاكِ رجلٌ صالحٌ))؛ قاله لحفصة(٥) . وتوفي ابن عمر - رضي الله عنهما - بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزُّبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، وقال يحيى بن بكير : توفي ابن عمر بمكة ودفن بالمُحَصَّب، وبعض الناس يقول: بفَخ، وهو مفتوح الفاء وبعدها خاء معجمة موضعٌ بقرب مكة. قال بعضُ الناس(٦): رُوي له عن رسول الله وَل﴾ ألفُ حديث وست مئة حديث وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم منها على مئة وسبعين، وانفرد البخاري بأحدُ وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين. (١) ((ت)): ((يمنعني)). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٣٧٠)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (١/ ٢٩٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١/ ١٩١). (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل: ((قال))، والمثبت من ((ت)). (٥) رواه البخاري (٦٦١٣)، كتاب: التعبير، باب: الإستبرق ودخول الجنة في المنام. (٦) هو الإمام النووي كما في ((تهذيب الأسماء واللغات)) له (١ / ٢٦٢). ٣٦٣ فأما ما أتُّفقَ عليه أو انفرد به أحد الشيخين فمحصور، وأما جملة ما رواه فلا ينبغي أن نطلقَ القولَ فيه إلا بالنسبة إلى كتاب معلوم أو محدث معين؛ لعدم الحصر في ذلك(١). قال الغلابي: قال ابن حنبل: مات سنة ثلاث وسبعين. قال الذُّهلي: قال يحيى بن بكير: وبعض الناس يقول: مات سنة أربع وسبعين، وهذا الذي قاله مذكور عن خليفة، ومحمد بن نمير، والواقدي(٢). (١) قلت: قال الذهبي في ((السير)) (٣/ ٢٣٨): لابن عمر في ((مسند بقي)) ألفان وست مئة وثلاثون حديثاً بالمكرر، انتهى. قلت: لعلَّ ما ورد في ((التهذيب)) للنووي من قوله: ((ألف حديث)) خطأ نسخ، وإنما أراد ((ألفا حديث))، وعليه يكون الإمام النووي قد اعتمد في ذكره هذا الرقم على (مسند بقي بن مخلد))، والله أعلم. (٢) * مصادر الترجمة : ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٤ / ١٤٢)، (التاريخ الكبير)) للبخاري (٥/ ٢)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٢٠٩)، ((المستدرك)) للحاكم (٣/ ٦٤١)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣/ ٩٥٠)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٣١/ ٧٩)، ((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (١ / ٥٦٣)، ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٣/ ٣٣٦)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ٢٦١)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله غالب ترجمته هنا، ((تهذيب الكمال)» للمزي (١٥/ ١٨٠)، ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٣/٣)، («تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (١ / ٣٧)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٤ / ١٨١)، ((تهذيب التهذيب)) كلاهما لابن حجر (٥ / ٢٨٧). ٣٦٤ : الوجه الثاني: في تصحيحه: قد ذكرنا أنه متفق عليه، وقد اختلف في إسناده، فرواه حماد بن زيد وابن جريج وسفيان، عن عبيد الله - هو ابن عمر -، عن نافع. ورواه يحيى بن سعيد ومحمد بن بشر فزادا: عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع(١) . وقال النسائي بعد ذكره حديث حماد بن زيد وابن جريج وسفيان: حديث يحيى بن سعيد ومحمد بن بشر أولى بالصواب؛ يعني: [أولوية زيادتهما عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع] (٢). وكذلك رواه بزيادة عمر أبو أسامة، وهو عند ابن ماجه. ورواه عن عمر بن نافع: عثمان بن عثمان الخَطَّفاني، وهو عند أبي داود وعبد الرحمن بن محمد بن أبي الرِّجال، وهو عند النسائي(٣). ويقوِّي قولَ النسائي في [أولوية] (٤) زيادة عمر على إسقاطها؛ أعني: بين عبيد الله ونافع وجهان(٥): أحدهما: أن الطريقَ المسلوك والأكثر عبيد الله عن نافع؛ لأنه (١) في الأصل: ((عمر بن عبيد الله ونافع))، والتصويب من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) رواه النسائي (٥٠٥٠)، كتاب: الزينة، باب: النهي عن القزع. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) ((ت)): ((ويقوي قول النسائي في أولوية زيادة عمر بن نافع بين عبيد الله ونافع زيادة عمر على إسقاطها؛ أعني بين عبيد الله ونافع وجهان)). ٣٦٥ من أكابر أصحابه مقدمٌ في روايته عن نافع، والذي زاد عمر أتى بأمر على خلاف المشهور، فالسهوُ إلى الأول أقرب منه؛ لأن الثاني يدل علی زیادة علمٍ وتثبيت. والثاني: ما ذكرناه من رواية غيرِ عبيد الله عن عمرَ بن نافع(١). * الوجه الثالث: في شيء من مفرداته: [ذكر أبو محمد بن أبي زيد، عن مالك أنه قال](٢): يُكرهُ القَزَعُ، وهو أن يحلقَ من الرأس أماكن ويتركَ أماكن(٣). [و](٤)قال الجوهري بعد ذكر قَزَع السحاب: وإن القَزَع(٥) صغارُ الإبل، والقَزَعُ أيضاً: أن يُحلقَ رأسُ الصبي ويُتركَ في مواضع منه الشعر متفرقاً، وقد نُهي عنه، وقزَّع رأسه تَقْزِيعاً: إذا حلق شعره [وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه] (٦)، ورجل مُقَزَّع: رقيقُ شعرِ الرأس(٧). وهذا الذي ذكره الجوهري موافق لما فسَّر به مالك القزع، وهو الأقرب. وفي كلام بعضهم تفسيره بما هو أعم من ذلك، قال (١) ترك بياض في ((ت))، وكتب في الهامش: ((بياض نحو من سطر)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) وانظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١٣ / ٢٧٨). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((القزاع))، والمثبت من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) انظر ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٦٥). ٣٦٦ الزمخشري: ونُهي عن القَزَع والقَنَازِعِ، وهي بعض الشَّعْر يتركُ غيرَ محلوق، قال زهير(١) [من الطويل]: وأشعثَ قدْ طارت قَنَازِعُ رأسِهِ دعوتُ على طولِ الكَرَى ودَعَاني(٢) لطول اعتمامه في السفر(٣). وقال ابن سِيْدَه في ((المحكم)): القَزَعُ: قطعٌ من السحاب رِقاق، كأنها ظلُّ إذا مرت من تحت السحابة الكبيرة، قال [من الوافر]: مقانِبُ بعضُها يُبْرِی لبَعْضٍ كأنَّ زُهاءَهَا قَزَعُ (٤) الظَّلالِ (٥) وقيل: القَزَعُ: السحاب المتفرق، واحدتها: قَزَعَةٌ، وما في السماء قزعةٌ، وقِزاع؛ أي: لطيخة غيم. والقَزَعُ من الصوف: ما تناتفَ(٦) في الربيع فسقط، وكبش أَقْزَعُ، وناقة (٧) قَرْعَاءُ: سقط بعض صوفها وبقي بعض (١) انظر: ((ديوانه مع شرحه لأبي العباس ثعلب)) (ص: ٣٦٣). (٢) في الأصل: ((فدعاني))، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٥٠٦). (٤) (ت): ((قطع)). (٥) وكذا ذكره في ((العين)) (١ / ١٣٢)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (٨/ ٢٧١) دون نسبة . (٦) ((ت)): ((تناثر)). (٧) في المطبوع من ((المحكم)): ((ونعجة) بدل ((وناقة)) وجاء في ((اللسان)) : - ٣٦٧ [صوفها] (١)، وقد قَزِع قزعاً. وقزعُ السهم: ما رقَّ من ريشه، والقزعُ أيضاً: أصغر ما يكون من الريش، وسهم مقزَّع: رِيْشَ بريش صغار. والقُرْعة والقُزَّعة: خُصَلٌ من الشعر تترك على رأس الصبي كالذوائب متفرقة في نواحي الرأس. والقزع: بقايا الشعر المتنتف، الواحدة: قَزَعة. ورجل مُقَزَّعٌ ومُتقزِّع: لا يُرى على رأسه إلا شعيرات(٢) متفرقة تَطَايَرُ مع الريح . والقَزَعة: موضع الشعر المتقزِّع من الرأس(٣). والمُقزَّع(٤) من الخيل: الذي تنتفُ ناصيته حتى ترقَّ، وقيل: هو الرقيق الناصية خلقةً . وقَزَعَ الشارب: قَصَّه. والقَزَع: أخذ بعض الشعر وترك بعضه، وفي الحديث: ((نهَى رسولُ اللهِ وَ﴿ عن القَزَع)»؛ يعني: أخذ بعض الشعر وترك بعضه. والمُقزَّع(٥): السريع الخفيف من كل شيء، وقزَع الفرس، = ((وناقة))، كما ذكر المؤلف رحمه الله . (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((شعرات)). (٣) في الأصل و((ت)): ((الريش))، والتصويب من ((المحكم)). (٤) في الأصل: ((المتقزع))، والمثبت من ((ت)). (٥) في الأصل: ((القزع))، والمثبت من ((ت)). ٣٦٨ يقزَع قزعاً: مرَّ مَرّاً شديداً أو سهلاً، وقيل: عدا عَدْواً شديداً، وكذلك البعير والظبي. وقَوْزَعَ الدِّيك: فرَّ من صاحبه. وقَوْزَعُ: اسم الخزي، والعار، عن ثعلب. وقال ابن الأعرابي: قلَّدْته قلائدَ قوزع؛ يعني: الفضائح(١)، وأنشد [من الطويل]: أبَتْ أُّ دینارٍ فأصبحَ فرْجُها حَصاناً وقُلِّدْتُمْ قلائدَ قَوْزَعَا (٢) وقال القاضي عياض: نُهي عن القزع، وهو أن يُحلقَ من رأس الصبي مواضعُ وتترك مواضع، وأصله من قزع السحاب، وهو قطعٌ رقاق ومتفرقة(٣)، ومنه: وما في السماء قَزَعة(٤)، وقوله: فجاءت به قزعة (٥)(٦). (١) في الأصل: ((من الفضائح))، والمثبت من ((ت)). (٢) البيت للكميت بن معروف الأسدي، كما في ((ديوانه)) (٢ / ٢٤). وانظر ((المحكم)) لابن سيده (١ / ١٥٧ - ١٥٨)، (مادة: قرع). (٣) في المطبوع من ((مشارق الأنوار)): ((وهي قطعة الرقاق المتفرقة)). (٤) رواه البخاري (٨٩١)، كتاب: الجمعة، باب: الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، ومسلم (٨٩٧)، كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: الدعاء في الاستسقاء، من حديث أنس بن مالك (٥) رواه البخاري (٧٨٠)، كتاب: صفة الصلاة، باب: السجود على الأنف، والسجود على الطين، ومسلم (١١٦٧)، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، من حديث أبي سعيد الخدري زه . (٦) انظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضى عياض (٢/ ١٨٢). ٣٦٩ * الوجه الرابع : ذَكَر الزمخشريُّ القزعَ المرادَ هاهنا في المجاز وقزعَ السحابِ في الأصل، فإذا جُعل مجازاً، كان [من](١) مجاز التشبيه. ويمكن على طريقة [المتأخرين](٢) أن يُجعلَ حقيقةً(٣) في القدر المشترك بين ما نحن فيه وبين قزع السحاب، ويقصدُ المتأخرون [بذلك](٤) نفيَ الاشتراك والمجاز اللذين هما على خلاف الأصل(٥)، وهذا ليس بقوي في بعضٍ، وهو ما [إذا](٦) كَثُرَ الاستعمالُ، فابتدارُ الذهن إلى أحد المعنيين من اللفظ، وبُعْدُ(٧) وجود المشترك في بعض مواضع الاستعمال إلا بتكلُّفِ. وفي هذا الموضع نقول: إنه قد ورد القَزَعُ منطلقاً على صغار الإبل كما قدمناه، وفي تناول القدر المشترك لهذا (٨) تكلفٌ، فليجعلْ مشتركاً. (١) زيادة من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت). (٣) في الأصل: ((تحقيقه))، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصفهاني)) (١ / ٢٠٧). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) في الأصل: ((أو بعد))، والمثبت من ((ت)). (٨) (ت)): ((بهذا)). ٣٧٠ * الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأولى: مذهب الفقهاء والمختار عند الأصوليين(١): أن هذه الصيغة؛ أعني: (نهى) منزَّلَةٌ مَنْزلةَ حكاية صيغة لفظ النهي من النبي ◌ِّر، وربما نازع فيه قوم؛ لاحتمال اعتقاد ما ليس بنهي نهياً، وهو ضعيف؛ لأن معرفةَ الراوي باللغة طبعاً وتحرُّزَهُ عن المجازفة شرعاً وتحسين الظن به يُبعد ذلك، فإن وقع دليلٌ يدل على هذا الاحتمال ورُجِّحَ على ما ذكرناه، قُدِّم حيث وُجدَ ذلك بخصوصه لا مطلقاً(٢). الثانية: قد ذكرنا عن مالك، وصاحب ((الصحاح)) ما يدلُّ على أن القَزَعَ في مواضع متفرقة، وذكرنا عن بعضهم ما هو أعم من ذلك وهو تركُ حلق بعض الشعر، فيحتمل أن يقال: إن اللفظ مشترك، وهو الذي يقتضيه كلام ابن سيده، فإنه ذكر الأمرين معاً؛ أعني: أن يكون القزعُ أخْذَ بعض الشعر وترْكَ بعضه، وأن يكون القزع في مواضع (١) ((ت)): ((أهل الأصول)). (٢) قال ابن العربي في ((المحصول في أصول الفقه)) (ص: ١١٧ - ١١٨): ألفاظ الشريعة على قسمين : أحدهما: أن يتعلق بها التعبد كألفاظ التشهد، فلابد من نقلها بلفظها. والثاني: ما وقع التعبد بمعناه، فهذا يجوز تبديل اللفظ بشرطين: أحدهما: أن يكون المبدِّل ممن يستقل بذلك، وقد قال واثلة بن الأسقع: ليس كل ما سمعناه من رسول الله مثل ﴿ نحدثكم فيه باللفظ، حسبكم المعنى. والدليل القاطع في ذلك: قول الصحابة ﴿ عن بكرة أبيهم: نهى رسول الله ◌َ عن كذا وأمر بكذا، ولم يذكروا صيغة الأمر ولا صيغة النهي، وهذا نقل بالمعنى، انتهى. ٣٧١ متفرقة وهو معنى(١) قوله: والقُزْعة والقُزَّعة: خُصَلٌ من الشعر تترك على رأس الصبي كالذوائب متفرقة. ويحتمل أن يقال: إنَّ كلَّ واحد ممن نَقَلَ أحد الأمرين مُفْرداً ذكرَ ما هو مقتضى اللغة عنده [ف](٢) -يكون ذلك تعارضاً في النقل عن اللغة؛ لأن أحدَ الأمرين أعمُّ من الآخر، فإن كان كذلك(٣)، فينبغي أن يُنظر فيمن زاد على صاحبه فيؤخذ بقوله؛ لأنا إنما نحن ننقل عن المتأخرين الذين يأخذون اللغة عن تتبُّع مواضع استعمال اللفظ، فإذا زاد أحدٌ على غيره دلَّ ذلك على اطلاع منه على استعمالٍ أَزْيَدَ مما اطَّلِعَ عليه الآخر، والأخذُ بالزائد متعيِّنٌ. [المسألة](٤) الثالثة: إذا جعلناه اختلافاً في النقل عن اللغة، وتعيَّنَ الأخذ بالزائد، فيمكن أن يقال: الذي جعله دالاً على المعنى الأعم هو الزائد، وذلك بأن يكون الذي نقل أنه دال على التفرق في أماكنَ لم يطلعْ على استعماله في حلق البعض دون البعض من غير(٥) كثرة، واطلع هذا على استعماله في مطلق حلق البعض وترك البعض، فیکون زائداً على الآخر. (١) في الأصل: ((يعني))، والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((ذلك)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((غيره)). ٣٧٢ ويمكن أن يقال: إن الذي اطلع على المعنى الأعم لم يشعرْ بتخصيصه بالكثرة والتفرق، وشعر بذلك من خصَّصه بالتفرق والكثرة مما دلَّ الاستعمال عليه، فيكون زائداً. وهذا إنما يتبيَّنُ لمن شاهدَ أحد الأمرين منفرداً عن الآخر؛ أعني: الأعم منفرداً عن الأخصِّ، ورأى الاستعمال فيه، فحينئذ يتعيَّنُ أن يكون قولُهُ هو المأخوذ به. [المسألة](١) الرابعة: هذا الذي ذكرناه هو بالنسبة إلى الوضع ومعرفة مدلول اللفظ، وإنما ذكرناه هاهنا لما ينبني عليه من الحكم فنقول: إذا حلق نصف شعره مثلاً وترك النصف، فهل يكون ذلك مكروهاً ويحمل اللفظ عليه أم لا؟ وقد عُرف في علم الأصول الفرقُ بين الوضع والحمل، ونحن الآن نتكلم على (٢) الحمل فنقول: إنْ جعلناه مشتركاً بين حلق البعض وترك البعض، وبين ذلك بقيدِ(٣) الكثرة والتفرق، بنينا ذلك على أن اللفظ المشترك يحمل على جميع مسمياته أو لا . فإن (٤) قلنا: يُحمل، تعينَ كراهة كل واحد من الأمرين؛ أعني: الحلق مع الكثرة، والتفرق والحلق من غير كثرة ولا تفرق. وإن قلنا: لا يحمل على جميع مسمياته، فإن لم يقمْ دليلٌ على (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((في)). (٣) في الأصل: ((تقييد))، والمثبت من ((ت)). (٤) (ت)): ((وإن)). ٣٧٣ [تعيين](١) أحد المعنيين للإرادة، كرهنا كل واحد منهما أيضاً؛ لا لأنه مقتضى اللفظ وضعاً، بل لأن اللفظ دلَّ على كراهة أحدهما ولم يتعينْ، ولا يُخرج عن عُهْدةِ هذه الكراهة إلا بترك الجميع (٢). وهكذا ينبغي أن يكون في جميع المشتركات التي لا يقوم دليل على تعيين(٣) أحد المحامل منها للإرادة (٤) بعد أن يكون هاهنا حكم أعمُّ من كل واحد منهما متبيِّن(٥)؛ لأنه لا يخرج عن العهدة إلا بالمجموع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الحكمُ وجوباً أو كراهةً. ولو لم يقمْ دليل على تعيين(٦) القُرْء للطُّهر عند من يراه، ولا على تعيينه للحيض عند من يراه، لوجبَ أن تتربَّصَ المرأة بهما جميعاً؛ لأنه تبينَ تعلق الوجوب بالقرء(٧)، وإنما المبهمُ(٨) تعين المراد منهما، ولا يُخرج عن عُهدةٍ وجوبِ التربصِ والحِلِّ للأزواج إلا بذلك. ولذلك أقول: إن صحَّ أن (الشفقَ) مشتركٌ بين الحمرة والبياض، ولم يقم دليل على تعين أحدهما للإرادة، وجب أن لا تصحَّ صلاة العشاء (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((الجمع))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((تعين))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((الإرادة)). (٥) في الأصل: ((تعين))، والمثبت من ((ت)). (٦) في الأصل: ((تعين))، والمثبت من ((ت)). (٧) ((ت)): ((القروء)). (٨) (ت)): ((أمكنكم)). ٣٧٤ إلا بعد غيبوبة آخرهما وهو البياض، ومن رجَّح الحمل على أحدهما فلا بدَّ من دليل يدل على تعينه للإرادة بخصوصه(١). [المسألة](٢) الخامسة: إن قلتَ: قد ذكرتَ: أنه يعمل على تقدير الاشتراك بالأمرين في الكراهة مع عدم تعين المراد، وعدمُ تعين المراد يوجب الإجمال، والإجمال يوجب التوقّفَ، وذلك خلافُ ما قلتَ؟ قلتُ: هذا صحيحٌ إذا لم يكنْ تعلَّقُ [الخطاب](٣) مبيّناً من وجه؛ كما لو قال: ائتني بعين. أما إذا كان مبيناً من وجه؛ كالنهي عن القزع مثلاً، وكان الامتثال ممكناً، فإنه يتعين الخروج عن العهدة في التكليف المتبين، وذلك ممكن بالعمل في الأمرين، وصار هذا كما قال بعض الشافعية: إنه يجب في الخُنثى المشكِلِ أن (٤) يُختَنَ في فرجيه(٥). والختانُ إنما يجب فيما هو فرج، فأحدُ الفرجين هو الفرجُ حقيقةً، والآخر مشتبهٌ [به](٦)، فلما كان وجوب الختان أمراً متبيناً لا إجمالَ فيه، والخروج عن العُهدة ممكن بالختان فيهما(٧)، أوجبوه(٨)، والله أعلم. (١) في الأصل: ((لخصوصه))، والمثبت من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((أنه)) . (٥) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٣٦٨). (٦) سقط من ((ت)). (٧) ((ت)): ((فما)). (٨) جرى المؤلف - رحمه الله - في هذا البحث على طريقة الإمام الرازي في حمل= ٣٧٥ السادسة: هذا هو الكلام على تقدير الاشتراك، وأما إذا حملنا النقلين على الخلاف في مدلول اللفظ لغةً، فيمكن أن يقال: يحمل عليهما معاً، ويستوي الحكم في الصورة بين هذا الاعتبار وبين اعتبار الاشتراك، إلا أنَّ المعنى مختلفٌ، فتأمله؛ لأنَّا في تقرير الاشتراك نعلم أنَّ الوضع لكل واحد منهما، وإنما حملناه على الجميع للجهل بالدليل الدال على إرادة أحد المعنيين، وهاهنا عرفنا أنَّ الوضع لواحد منهما دونَ الآخر لا لهما معاً، فحملناه عليهما للشبه في الوضع؛ لاشتباه الموضوع له بغیره. وصار هذا قريباً مما نقول في اشتباه الزوجة بالأجنبية: إنهما معاً محرمتان على المختار، أما الأجنبية فَلِعِلَّة عدم الزوجية، وأما الزوجة فلعلَّةِ الاشتباهِ بغيرها. وهاهنا حملنا النقل على الاختلاف، فأحدهما هو الواقع، فعمَّمنا (١) حكمَ الكراهة بين ما هو الواقع وغير الواقع؛ للاشتباه المذكور، ولطلب التعيين في الخروج عن الكراهة والسلامة من = اللفظ المشترك عند الإطلاق على الاحتياط، وقد ذهب إمام الحرمين وابن القشيري، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب: أن اللفظ المشترك يحمل عند الإطلاق على العموم، وأن نسبة المشترك إلى جميع معانيه كنسبة العام إلى أفراده. انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٢ / ٣٩٧)، وقد نقل عن المؤلف - رحمه الله - كلامه هنا في الفائدتين الرابعة والخامسة . (١) في الأصل: ((عممنا))، والمثبت من ((ت)). ٣٧٦ ٠ الوقوع فيما هو مُحتملٌ للوضع والإرادة. وقد يقال: إن كان الوضع لمطلق حَلْقِ البعض وترك البعض فالكثيرُ المتفرِّق داخلٌ تحته فهو متيقَّن، والمعنى الآخر مشكوك فيه، فيحكم بكراهة المتفق على أنه داخل في الموضوع له وهو الكثير المتفرق(١)، ونُبيح(٢) المشكوك فيه وهو حلق البعض وترك البعض؛ لأن الأصلَ في الأشياء الإباحة. [المسألة](٣) السابعة: قال أبو العباس القرطبي: لا خلافَ [في](٤) أنه إذا حُلِقَ من الرأس مواضعُ وأبقيتْ مواضعُ: أنه القزعُ المنهيُّ عنه؛ لما عرف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير(٥) نافع له بذلك. واختلف فيما إذا حُلق جميعُ الرأس وتُرك منه موضع؛ كشعر النَّاصية، أو فيما إذا حلق موضعاً وحدَه وبقي أكثر الرأس، فمنع ذلك مالكٌ ورآه من القزع المنهي عنه. وقال ابن نافع: أما القصّةُ والقفا للغلام، فلا بأسَ به(٦). [المسألة](٧) الثامنة: تكلموا في تعليل هذه الكراهة، قال أبو (١) في الأصل: ((التفرق))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((بفتح))، والمثبت من (ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((کتفسیر))، والمثبت من ((ت)). (٦) قول ابن نافع: رواه البخاري (٥٥٧٦) كما تقدم عنه في صدر الحديث. وانظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٤١). (٧) سقط من ((ت)). ٣٧٧ العباس: واختلف في [هذا](١) المعنى الذي لأجله كُره؛ فقيل: لأنه من زِيِّ (٢) أهل الزَّعَارَةِ(٣) والفساد، وفي كتاب أبي داود: [و](٤) إنه زيُّ اليهود(٥)، وقيل: لأنه تشويهٌ. وكأنَّ هذه العلة أشبهُ؛ بدليل ما رواه النسائيُّ من حديث ابن عمر: أن رسولَ اللهِ وَ﴿ رأى صبياً حُلِقَ بعضُ شعره وتُرِك بعضه، فنهى عن ذلك وقال: ((اتْرُكُوهُ كُلَّهُ أو احلقُوهُ كُلَّهُ)) (٦). قلت: وهذا الحديث يشهدُ لمن يقول بكراهة حلق البعض وترك البعض من غير اشتراطٍ للكثرة والتفرق، إلا أنه لا يلزم أن يكون هو القزع المذكور (٧) فيه (٨) بذلك اللفظ. ويمكن عندي أن تكون العلةُ في كراهة القزع وحلقِ البعض (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((رأي)). (٣) الزَّعَارة: الشراسة، بتخفيف الراء وتشديدها. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) رواه أبو داود (٤١٩٧)، كتاب: الترجل، باب: ما جاء في الرخصة، من حديث أنس بن مالك (٦) رواه النسائي (٥٠٤٨)، كتاب: الزينة: باب: الرخصة في حلق الرأس، وكذا أبو داود (٤١٩٥)، كتاب: الترجل، باب: في الذائبة. وانظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٤١ - ٤٤٢). (٧) ((ت)): ((المدلول)). (٨) ((ت)): ((عليه)). ٣٧٨ وتركِ البعض دخولَهُ في تغيير خلق الله تعالى الذي دلَّت الآيةُ الكريمة على نسبته للشيطان، والذي يدلُّ عليه قولُهُ وَّهِ: [((لعنَ اللهُ الواشمةَ والمُستوشمَةَ .... )) إلى أن قال](١): ((والمُتَنَمِّصاتِ المغيراتِ خلقَ اللهِ)(٢) فوصف جميعهن بكونهن مغيراتٍ لخَلقِ الله، ومنهنَّ(٣) من تحلِقُ بعضَ حاجبها وتترك بعضه، فالنصُّ دالٌّ على أنه داخل في تغيير خَلقِ الله، وهذا موجودٌ في القزع. [المسألة](٤) التاسعة: ظاهرُ النھي التحریمُ، فإن ذهب إليه أحد فقد جرى على الطريق المختار عند أرباب الأصول والفقهاء، ومن أخرجه عن ذلك يحتاج إلى دليل يوجب الخروجَ عما اعترفَ بأنه الأصل، وإن انعقدَ(٥) الإجماعُ على عدم تحريمه فهو دليل على صرف هذا النهي عن ظاهره. [المسألة](٦) العاشرة: [في كلام بعضهم](٧) ما يدلُّ على أن (١) زيادة من ((ت)). (٢) تقدم تخريجه من حديث ابن مسعود (٣) ((ت)): ((ومنهم)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) في الأصل: ((لم يعقد))، والمثبت من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) سقط من ((ت)). ٣٧٩ القَزَعَ راجعٌ إلى النقل، وهو قول(١) من يقول: والقزعُ: أخذُ بعضٍ الشعر، وتركُ بعضه. وفي كلام بعضهم ما يدلُّ (٢) على أن القزع: [هو] (٣) الشعر المتفرق بعضه(٤)؛ كما حكيناه عن الزمخشري: أنه جعله مجازاً، فتكون الحقيقة هي فَزَع السحاب؛ أعني: القطعَ، فالمشبّهُ به تكونُ أيضاً هي القطع المتفرقة من الشعر. [المسألة](٥) الحادية عشرة: النهي عن القزع لا بدَّ فيه من إضمار بتقدير النهي عن فعل القزع، فهل تدخل تحته إزالةُ ما تقزَّع من شعر الرأس من غير فعل فاعل؛ كما لو وُلد كذلك، أو طرأت علةٌ أوجبت ذلك؟ أما على ما قررناه فلا يدخل. وقد صحَّ في حديث: أنَّ النبيَّ رأى مَنْ حَلَقَ بعضَ شعره، وتركَ بعضه، فنهاهم عن ذلك وقال: ((احْلقُوهُ كُلَّه أو اتركُوهُ كُلَّه))(٦). وهذا أيضاً إنما تناول ما فُعل، فإن أريد الحكم فيما لم يفعله (١) ((ت)): ((مقول)). (٢) في الأصل: ((تجوز))، والمثبت من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) (ت)): ((نفسه)) . (٥) سقط من ((ت)). (٦) تقدم تخريجه قريباً. ٣٨٠