Indexed OCR Text

Pages 221-240

يوم القيامة؛ كما في دم الشهيد.
وهذا (١) الفضلُ (٢) الذي ذكرناه يُقصَدُ به أمران:
أحدهما: بيانُ الحاجة إلى ذكر ما يتعلق بعلم الأصول والكلام؛
تنبيهاً على (٣) الجواب عن قول من يمنع الخوض في مثل هذا.
والثاني: أنه إذا انقسم(٤) الحال في العلاقة بين القريب والبعيد،
وأن البعد سبب للمرجوحية إلا لمعارض، وتبيَّنَ(٥) كل ذلك، احتاج
أبو العباس إلى أن يبيِّن العارضَ المرجِّحَ لتقرير حُسنٍ ما قال.
وأما قول أبي العباس: ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة،
يستطيبون ريحَ الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك.
فإن أراد بذلك في الدنيا، فهو خلاف ما جاء: أن الملائكة تتأذَّى
مما يتأذى منه بنو آدم، وما جاء: أن السواكَ مطلوبٌ لتطبيب الفم
بسبب الملائكة.
وإن أراد أن يكون ذلك(٢) يوم القيامة، ففيه مجاز حذف
المضاف؛ أي: عند ملائكة الله.
(١) في الأصل: ((وهو))، والمثبت من ((ت)).
(٢) أي: القدر الزائد الذي يمكن أن يعد استطراداً.
(٣) في الأصل: ((عن))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((أيقنتم)).
(٥)
((ت)): ((وبتبين)).
(٦) ((ت)): ((ذلك يكون)).
٢٢١

وعلى ما قلناه لا حاجةَ إلى هذا الحذف(١).
(١) قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: وقد اختلف في وجود هذه الرائحة
من الصائم، هل هي في الدنيا، أو في الآخرة؟ على قولين، ووقع بين
الشيخين الفاضلين أبي محمد عز الدين بن عبد السلام وأبي عمرو بن
الصلاح في ذلك تنازع، فمال أبو محمد إلى أن تلك الرائحة في الآخرة
خاصة، وصنف فيه مصنفاً رد فيه على أبي عمرو، وسلك أبو عمرو في
ذلك مسلك أبي حاتم بن حبان، فإنه في ((صحيحه)) بوَّب عليه كذلك
فقال: ذكر البيان بأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح
المسك، ثم ساق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
النبي ◌ّ: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ... )) الحديث. ثم قال: قال
أبو حاتم: شعار المؤمنين يوم القيامة التحجيل بوضوئهم في الدنيا فرقاً
بينهم وبين سائر الأمم، وشعارهم في القيامة بصومهم طيب خلوف
أفواههم أطيب من ريح المسك، ليعرفوا من بين ذلك الجمع بذلك العمل
جعلنا الله تعالى منهم. ثم قال؛ أي: ابن حبان: ذكر البيان بأن خلوف فم
الصائم قد يكون أيضاً من ريح المسك في الدنيا .
واحتج الشيخ أبو محمد بالحديث الذي فيه تقييد الطيب بيوم القيامة .
ثم قال ابن القيم: وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي (وَيه
بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة؛ فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب
الأعمال وموجباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف
على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك،
وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصير علانية، ويظهر فيه قبح
رائحة الكفار وسواد وجوههم، وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحین
يمسون؛ فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها على ريح
المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة
للعباد، فرب مكروه عند الناس محبوب عند الله تعالى و بالعكس، فإن
الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره=
٢٢٢

السادسة والعشرون: رأيتُ مَنْ يَستبعدُ أنَّ الفرح عند الفطر بنيل
المأكول والمشروب، ويستحطّ هذه الدرجة عن أن تكون مذكورةً
معنيةً في هذا الموضع مقرونةً بالفرح عند لقاء الله تعالی.
واقتضى ذلك: أن يَحمل الفرح بالفطر على أن المرادَ الفرحُ
بكمال عبادته وصومه؛ ليرجعَ ذلك إلى ما يناسب أحوال المتدیِّنين،
والتعظيم المقصود المناسب للاقتران بالفرح بلقاء الله تعالی.
وذُكِرَ (١) احتمالٌ آخر: وهو أن تكون الفرحةُ عند إفطاره بما يجب له
من الثواب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعز، وفرحه يوم القيامة بما يصل
إليه منه، فإنَّ ما وجبَ له من فضل [الله](٢) لن يخلفَهُ الله إياه.
ورضاه ومحبته، فيكون عنده أطيب من ريح المسك عندنا، فإذا كان يوم
القيامة ظهر هذا الطيب للعباد وصار علانية، وهكذا سائر آثار الأعمال من
الخير والشر، وإنما يكمل ظهورها ويصير علانية في الآخرة، وقد يقوى
العمل ويتزايد حتى يستلزم ظهور بعض أثره على العبد في الدنيا في الخير
والشر كما هو مشاهد بالبصر والبصيرة، فهذا فصل الخطاب في هذه
المسألة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. انظر: ((الوابل الصيب))
لابن القيم (ص: ٤٣ - ٤٩).
وقد ذكر الدميري في ((حياة الحيوان)) (٢ / ٦٧٦) هذا الخلاف بين الشيخين
أبي محمد وأبي عمرو، ثم قال، والذي ينبغي أن يعلم أن جميع ما وقع فيه
الخلاف بينهما، فالصواب منه ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام،
إلا هذه المسألة، فإن الصواب فيها ما قاله الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح
رحمهم الله .
(١) في الأصل: ((ذلك))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
٢٢٣

وفيه احتمال آخر: [وهو](١) أن الفرحَ بأن له عند فطره دعوةً
مستجابة، وله يوم القيامة فرحة بالثواب والجزاء.
وذكر آخر: وهو أن للصائم فرحتين، أحدهما عند الإفطار، وهو
أن تصدَّقَ الله بنفسه عليه(٢) عند انسلاخ النهار، ولم يأذن له في وصل
الليل بالنهار، فيتعجَّل هلاكُه، لكنه، وإن تعرَّضَ بالصيام للهَلَكة، فقد
رضي الله تعالى منه [بما](٣) دونَها، أو مثله؛ ليزداد خيراً وبراً(٤) في أيام
مُهلِهِ(٥)، فله بهذا البر الوارد عليه من الله - تعالى - فرحة، وبما يردُ
عليه يوم القيامة من الثواب فرحة؛ ذكره الحليمي(٦).
وهذا کله عندي ليس بالقوي لو جھین :
أحدهما: أنه صحَّ في بعض الروايات: ((فَرِحَ بفطرِهِ، وإذا لقيَ
ربَّهُ فرحَ بصومِهِ))(٧)، وظاهر هذا: أن الفرحَ بنفس الفطر.
والثاني: أن انبساطَ النفس بسبب نيلٍ ما يزيلُ الحاصلَ بسبب
الصوم من الجوع والعطش، وهذا الأمر الطبيعي يمكن أن يُعَبَّرَ عنه
بالفرح، وتكون الفائدة في اقترانه بالفرح بلقاء الله تعالى تحقيقَ وقوع
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((عليه بنفسه)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((ويرى)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) انظر: ((المنهاج)) للحليمي (٢ / ٣٧٤).
(٧) تقدم تخريجها عند البخاري برقم (١٨٠٥)، وعند مسلم برقم (١٦٣/١١٥١).
٢٢٤

الموعود به من الثواب عند لقاء الله تعالى؛ لاقترانه بالمحقّق حساً
ووجوداً؛ بمعنى: أن الفرح بلقاء الله تعالى محقّقُ الوقوع في الآخرة؛
كقرينِهِ من الفرح عند الفطر في الدنيا حساً ووجوداً.
السابعة والعشرون: هاهنا طريقة أدبية تُمتحن بها الأذهان، وهو
أن يُطلبَ الجمعُ بين شيئين يبعد الجمع بينهما في الذهن، فيمكن أن
يقال هاهنا على هذه الطريقة: في أي شيء يجتمع قوله تعالى: ﴿وَمَا
كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ مِنَ ﴾ وَلَكِنَّ أَنْشَأْنَا
قُرُونَا فَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص: ٤٤ - ٤٥]، وبين قوله - العَيْهِ -: ((فإِنْ
سابَّهُ أحدٌ، أو قاتلَهُ، فليقلْ: إني صائمٌ))؟
فيجاب عنه: بأنهما يشتركان في إقامة السبب مقامَ المسبب.
بيانُهُ: أن طولَ العمرِ للقرون سببٌ لعدم علمهم بما كان، وعدمُ
علمهم [سببٌ](١) للإيحاء (٢) إليك بما كان؛ للمصالح المتعلقة بذلك
الوحي، وسببُ السببِ سببٌ، فيكون طولُ العمر سبباً للإيحاء، فكان
الأصل في هذا الكلام: وما كنت بجانب الغربي، فأوحينا إليك بما
كان، فوضع (تطاولَ العمر بالقرون) الذي قررناه أنه سبب الوحي(٣)
موضعَ (أوحينا إليك).
وكذلك في الحديث: ((فإنْ سابَّهُ أحدٌ، أو قاتَلَهُ، فليقلْ: إنِّي
(١) زيادة من ((ت)) .
(٢) ((ت)): ((الإيحاء)).
(٣) ((ت)): ((للوحي)).
٢٢٥

صائمٌ))، تذكارُ النفس بأنَّه صائمٌ سببٌ للسكوت وعدم الجواب،
فوضع (إني صائم) الذي هو سبب موضعَ (فلا يسب(١)).
* الوجه السابع: في الفوائد والمباحث سوی ما تقدم، وفيه مسائل:
الأولى: فيه إطلاقُ لفظ (الابن) على غير ولد الصلب من ولد
الولد، ولا خلافَ في ذلك، وإنما اختلف في كونه حقيقة أو مجازاً،
وانبنَى عليه من مسائل الفقه: ما إذا وَقَفَ على ولده؛ هل يدخل فيه
ولد ولده؟
ورجّح الماورديُّ عدم الدخول، وادَّعى: أن الحقيقة في (الولد)
ولدُ الصلب، وأن إطلاقه على ولد الولد مجاز؛ هذا معنى كلامه، وإن
لم یکن بلفظه.
الثانية: فيه الفضيلة الباهرة لعبادة الصوم، وفي ذلك أحاديث غير
هذا في الصوم المطلق، والصوم المعين؛ لأنه لا شكَّ أن وصف
الفعل بالأوصاف المرغبة فيه دليلٌ على طلبیته.
وقد ذكر هاهنا أشياء من ذلك كـ: إضافتِهِ إلى الله تعالى، ووعد
الجزاء عليه، وعدم تقدير الثواب له، وكونه جُنَّة، والثناء على فاعله؛
لكونه يدع الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، والفرح عند لقاء الله
(١) ((ت): ((تسب)).
٢٢٦

تعالى، [و](١) كلُّ هذه(٢) دلائلُ على طلبيته وشرفيته.
الثالثة: الألف واللام في ((الصوم)) يجوز أن تكون لتعريف
الماهية، فتدلَّ على فضيلته من حيثُ هو هو، ويحتمل أن تكون
للعموم بناءً على أن الألف واللام في الاسم المحلى بهما للعموم،
ويحتمل أن تكون للعهد، والمعهود هو الصوم الشرعي.
الرابعة: الصوم ينقسم بحسب الحكم الشرعي أقساماً:
واجبٌ؛ كرمضان والكفارة.
ومحظورٌ؛ کصوم العیدین.
ومكروهٌ؛ كصوم يوم الجمعة منفرداً، وكصوم يوم السبت عند
بعضهم(٣).
ومندوبٌ؛ کعاشوراء، وعرفة، وغيرهما.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((ذلك هذه))، والمثبت من ((ت)).
(٣) روى أبو داود (٢٤٢١)، كتاب: الصوم، باب: النهي أن يخص يوم
السبت بصوم، والترمذي (٧٤٤)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم
يوم السبت وَقَال: حسن، وابن ماجه (١٧٢٦)، كتاب: الصيام، باب:
ما جاء في صيام يوم السبت، من حديث عبد الله بن بسر، عن أخته: أن
النبي ◌َّ قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم ... ))
الحديث قال فيه أبو داود: منسوخ، ونقل عن مالك أنه قال: هذا كذب،
وقد أعلّ الحديث بالاضطراب، كما في ((التلخيص الحبير)) (٢١٦/٢)
وانظر: ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) (٤٨/٧).
٢٢٧

وأما المُباح؛ بمعنى: التساوي، فليس في الصوم المترجِّح جانبُهُ.
فينبغي أن ينظر في حال الصوم بالنسبة إلى هذه الأحكام،
وإلى الألف واللام؛ هل يجبُ أن يكون مخصوصاً، أو مقيداً، أو
مطلقاً؟
الخامسة: أما إذا جعلنا الألف واللام للعموم فهو مخصوص؛
لأنه يَخرج منه(١) الصومُ المحرم والمكروه.
وإن جعلناهما لتعريف الماهية، وتعليقِ الطلبِ بمطلقهما، فيقيَّدُ
بما عدا الصور المنهي عنها.
وإن جعلناهما للعهد، والمعهود الصوم الشرعي السالم من
النقائص، فلا تخصيصَ ولا تقیید.
وينبغي(٢) أن يلتفتَ في هذا إلى معنى ((لي)) الذي تكلمنا فيه.
السادسة: سألني بعضُ من ينسب إلى الفضيلة - قديماً - عن
الجمع بين قوله - الكَيْهِ - عن الله تعالى: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا
الصومَ))، وبين قوله - الَّي -: ((قسمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدِي
نصفَين، ولعبدي ما سألَ)) (٣)، [و](٤) وجهُ الحاجة إلى الجمع: أنَّ
(١) (ت)): ((عنه)).
(٢) (ت)): ((فينبغي)).
(٣) رواه مسلم (٣٩٥)، كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل
رکعة، من حديث أبي هريرة څ.
(٤) سقط من ((ت)).
٢٢٨

حديثَ الصوم [يقتضي](١) أن لا يخرجَ من أعماله كلّها عن كونه له إلا
الصوم، وحديث الفاتحة يقتضي أن يخرجَ بعض عمله غير الصوم عن
کونه له.
والجواب عنه: أن المعنى في اللام مختلف، ففي حديث الفاتحة
هي محمولةٌ على أن بعض معاني ألفاظ الفاتحة مختصٌّ به، ومتعلق
بخصوصيته؛ کالعبادة وسؤال الهداية.
واللام في حديث الصوم على غير هذا الوجه، على ما ذكرناه في
الوجوه السابقة، وعلى ما اخترناه أنها دالةٌ على التقدير في الثواب
بجميعِ أعمالِهِ(٢) إلا الصومَ.
فلا تجامُعَ، ولا تعارُضَ(٣)، وهذا الوهمُ الذي وقع للسائل سببُهُ
الاشتراكُ في معنى اللام.
السابعة: لا شكَّ أنَّ مقصود الكلام الترغيب في الصوم بسبب
ترتب الجزاء عليه، فيكون ذلك دافعاً لما يقوله المتأخرون من
المتصوفة: إن العبادةَ لطلب الجزاء مرتبةٌ مرغوب عنها، أو مذمومة،
حتى يقال: إن العامل للجزاء كالأجير، وإنما الطريق العمل لوجه الله
تعالى، وامتثال أمره.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((الأعمال)).
(٣) ((ت)): ((فلا تعارض ولا تجامع)).
٢٢٩

وإنما قلنا: إنه يكون دافعاً لما قالوه، أو معنى ذلك؛ لأن ذلك
يُبطل الترغيبَ بذكر الجزاء على الأعمال، مع أن المعنى عليه جزماً.
وهذا في ألفاظ الشرع كثير جداً، [نعم](١) لو قيل: إن غيرَه أعلى
منه، فقد يسلم ذلك، وأما أن يكون هذا في محلِّ الذم والاستكراه، فلا.
الثامنة: في رواية وكيع، عن الأعمش: ((الصومُ لي، وأنا أجزِي
بهِ، يدعُ شهوتَهُ(٢) وطعامَهُ من أجلِي))(٣).
وهذه الجملة التي هي: ((يدعُ شهوتَهُ وطعامَهُ من أجلِي)) تقتضي
التعليل بها لما سبقها؛ أي: تقتضي تعليل ترتب الجزاء على هذا
الأمر؛ أعني: ترك الشهوة والطعام لأجل الله تعالى، [والجمل](٤) قد
تفيدُ معنى التعليل كثيراً.
التاسعة: وصفُ العام بالخاص غيرُ جائز، وبعبارة(٥) المنطقيين:
حملُ الخاص على العام غيرُ سائغ، فلا يقال: الحيوان إنسان، وإطلاق
العام لإرادة (٦) الخاص مجاز، لا [على](٧) سبيل الحقيقة(٨).
(١) زيادة من ((ت)) .
(٢) ((ت): ((شهواته)) .
(٣) وهي رواية مسلم المتقدم تخريجها برقم (١٦٤/١١٥١) عنده.
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) ((ت)): ((وعبارة)).
(٦) في الأصل: ((على))، والمثبت من ((ت)).
(٧) زيادة من ((ت)).
(٨) انظر: ((البرهان في أصول الفقه)) للجويني (٧٧٣/٢).
٢٣٠

وإذا كان كذلك، فيظهر بهذا (١)، وبما ذكرناه من التعليل: أن
الإمساكَ الذي لا يكون بهذه الحالة - أعني: أن يكونَ [لا](٢) لأجل الله
تعالى - لا يكون صوماً شرعياً؛ لأنه لو انقسم الصوم الشرعي إلى
ما يكونُ بهذه الصفة، وإلى ما لا يكونُ كذلك(٣)، كان فيه وصف العام
بالخاص، أو إطلاق العام وإرادة الخاص، والأول: غير سائغ،
والثاني: ليس بحقيقة، والأصلُ عدمُهُ.
العاشرة: فيَحْسُنُ(٤) هذا في(٥) أن يقولَ القائل: الحديث يدل
على اشتراط النية في الصوم؛ لدلالة ما ذكرناه من لزوم التعليل،
وامتناع وصف العام بالخاص، أو لزوم المجاز من إطلاق العام لإرادة
الخاص، مع أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، على أن ما ليس بهذه
الصفة ليس صوماً، ولا يمكن أن يقال: إنه ليس صوماً لغوياً، فيتعين
أن يكون المنتفي الصوم الشرعي، إلا أن فيه بحثاً ونظراً، نذكره في
المسألة بعدها .
الحادية عشرة: إذا قيل: افعلْ كذا لكذا، فله معنیان:
أحدهما: أن تكون اللام تعليلاً للأمر بذلك الفعل.
(١) ((ت)): ((بها)) بدل («بهذا».
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((كان كذلك))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((فيحل))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((إلى))، والمثبت من ((ت)).
٢٣١

والثاني: أن يكون أمراً بتعليل الفعل بذلك الشيء.
فإذا قلنا: أكرمْ زيداً لأنه عالم، وكان ذلك تعليلاً للأمر بالإكرام،
فلا يَلزمْ منه الأمر بالتعليل، حتى لو أكرمه - ولم يقصد بإكرامه التعليل
بالعلم - کان ممتثلاً.
وإذا جعلناه أمراً بالتعليل، بمعنى: أكرمه؛ معللاً إكرامك له
لکونہ عالماً، فلو أکرمہ ۔ لا لأجل ذلك۔لم یکن ممتثلاً.
فظهر الفرق بين التعليل للأمر، و[بين](١) الأمر بالتعليل، وكذلك
نقول: في باب مدح الفعل، وتعليل مدحه بعلة بلفظ (أجل)؛ أو
ما في معناه.
وإذا ثبتَ(٢) هذا فقوله تعالى: ((يدعُ شهوتَه وطعامَه من أجلِي)»،
يحتمل أمرين :
أحدهما: أن يكون تعليلاً للأمر؛ أي: أنه فعل ذلك بسبب أمري له
بالصوم، فلا يلزم أن يكون فعل ذلك معللاً لفعله بأنه لأجل الله تعالى.
ويحتمل المعنى الآخر(٣)، وهو أن يكون ممدوحاً على كونه فعل
ذلك لأجل الله تعالى؛ أي: مقصود أنه كونه لله تعالى، فعلى هذا الثاني:
يمكنُ الاستدلالُ الذي ذكره القائل، وعلى الوجه الأول: لا يصح.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) من هنا بداية المسألة ((الثانية عشرة)) في ((ت)). والمسألة الثانية عشرة كما
هي في الأصل سقطت من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((معنى آخر)).
٢٣٢

[الثانية عشرة: الأمر بالإخلاص، الكلام فيه كالكلام في النية
سواء] (١).
الثالثة عشرة: ويتعلَّق بهذا الذي تقدَّمَ: أنَّ إضافةَ العبادة إلى الله
تعالى بالنية؛ هل تجب، أم(٢) لا؟
والمراد: النية بالفعل، لا بالقوة، وفي المسألة خلافٌ(٣) بين
الفقهاء مذكورٌ في الصلاة.
الرابعة عشرة: قد تقدم من الكلام في معنى كونِ الصوم جُنَّة
ما يهدي إلى ما يرشدُ إليه اللفظُ من التعليل لعدم الرفث والصخب،
فكونه جُنّة - على حسب المعاني التي قدمنا في كونه جُنَّة -؛ هل هو
راجعٌ إلى أمر شرعي، أو أمر وجودي؟ فتأمله.
الخامسة عشرة: في مقدمة لغيرها: اختلف الناس في الكلام؛
هل هو حقيقةٌ في الألفاظ، مجازٌ عن المعنى القائم بالنفس مجازَ
إطلاق لفظ الدليل على المدلول، أو هو حقيقةٌ في المعنى القائم
بالنفس، مجازٌ في اللفظ مجازَ إطلاق لفظ المدلول على الدليل، أو
هو مشترك بينهما؟
ورجَّحَ بعضُ [المتكلمين من] (٤) المتأخرين المثبتين(٥) لكلام
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((أو)).
(٣) ((ت): ((اختلاف)).
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) ((ت)): ((المنتسبين)).
٢٣٣

النفس كونَهُ حقيقةً في اللفظ (١).
السادسة عشرة: من يجعله حقيقةً في اللفظ يَحملُ عليه قولَه - العَالِ -:
(فليقلْ: إني صائمٌ)) عملاً بالحقيقة، ومن يجعله حقيقة في كلام النفس
يحمل اللفظ عليه(٢)، فلا يكون مأموراً بقوله لفظاً، والمجازُ على كلِّ
مذهب سائغٌ في أن يَجعلَ أحدهما مراداً من الآخر .
السابعة عشرة: اختلف الفقهاء في أنه يقول ذلك جهراً، أو
[لا](٣)، على أقوال:
ثالثها: الفرقُ بين الصوم الواجب والنفل، ففي الواجب يجهر
به؛ لعدم الخوف من وقوع الرياء، وفي النفل يُسِرّ؛ أي: في نفسه؛
للخوف من ذلك(٤).
وهذا التعليل يناسب الصومَ المشتركَ في وجوبه بين الناس، وأما
الصوم الذي يختصُ(٥) به بعض الناس؛ كالمنذور، فلا تناسبه فائدة(٦)
الجهر به .
(١) انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه الأصبهاني)) (١٨٣/١)، و ((البحر
المحيط)» للزركشي (١١٦/٣).
(٢) أي: على كلام النفس.
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (٢٩٥/٣). وانظر: ((المفهم))
للقرطبي (٢١٥/٣)، و((شرح مسلم)) للنووي (٢٨/٨)، و((فتح الباري))
لابن حجر (١٠٥/٤).
(٥) في الأصل: ((يخص))، والمثبت من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((فلا بد))، والمثبت من ((ت)).
٢٣٤

الثامنة عشرة: لا شكَّ أن المقصود بهذا النهيُ عن سبِّ
المُسابِّ، وليس اللفظ دالاً على ذلك بنفسه، لكنه معلوم جزماً، وإلا
لكان هذا القول بالنسبة إلى هذا الأمر [أجنبياً](١) بمثابة أن نقول: قام
زيد، وقام عمرو، مما لا يناسب التعليل، ويكون الأمر بعدم السبّ
مأخوذاً من مطلق تحريمه، فيبقى ((فليقلْ: إني صائم)) أجنبياً معدومَ
المناسبة، والمعلومُ خلافه.
التاسعة عشرة: إذا كان المقصود هو النهي عن السب، فقد(٢)
يُعطي ذلك أحكامَ صيغة السبِّ، حتى يدلَّ ذلك على فساد الصوم
بالسبِّ؛ كما لو قالوا: لا تسبَّ في الصوم، بناءً على أنَّ النهي عن
الشيء يقتضي الفساد، لا سيَّما في العبادات.
وإنما خرج على هذه [القاعدة](٣)؛ لأنه وإن كان النهي واقعاً
على السبِّ، لكنه مخصوص بالصوم، فيكون الصومُ الموصوف بأنه
مسبوب فيه منهياً عنه، فيخرج على أن النهيَ يقتضي الفساد؛
كما قلناه .
أو لا يُعطَى أحكامَ صيغة النهي (٤)؟
في هذا بحث؛ فيمكن أن يقال: [إنّا](٥) إذا جعلناه دالاً على
(١) سقط من ((ت)).
(٢) (ت)): ((فقد)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((السبّ))، والمثبت من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
٢٣٥

النهي، فيعطى(١) أحكام النهي، ويمكن أن يقال: إن تلك الأحكام من
لوازم الصيغة المخصوصة؛ أعني: لا تفعلْ، وإنما يدلُّ هذا على
مُجرَّد ترجيح الترك، ويكون تَحتُّم الترك من أحكام الصيغة
المخصوصة .
وكذلك أقول في الخبر إذا كان بمعنى الأمر: هل يعطى حكم
صيغة الأمر في الوجوب؛ لأنا نزَّلناه منزلتَهُ، فهو كما [لو](٢) لفظ (٣)
به، أو يقال: إن التحتم من أحكام الصيغة المخصوصة التي هي:
افعلْ مثلاً؟
العشرون: إذا أعطيناه حكمَ صيغة النهي استدلَّ به من(٤) يقول: إن
ذلك مفسد(٥) للصوم؛ لأن النهي يدل على الفساد، وقد قيل به؛ نسب
إلى الأوزاعي، بل قد قيل بإفساد الصوم(٢)، ويؤيد هذا قوله (٧) وَّ}: ((منْ
لمْ يدع قولَ الزُّورِ والعملَ به، فليسَ للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَهُ
(١) ((ت)): «فليعطَ)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((لفظه))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((على من))، والمثبت من ((ت)).
(٥) (ت)): ((يفسد)) .
(٦) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (١١٠/٤).
(٧) في الأصل: ((بقوله))، والمثبت من ((ت)).
٢٣٦

وشرابَه))(١)، فإنه يشعر أنه لم يبق معه إلا تركُ الطعام والشراب، وذلك
مجرَّدُهُ ليس بعبادة، وإذا انتفت العبادة انتفى الصوم.
الحادية والعشرون: في بحث على هذا الاستدلال، وهو أن
نقولَ: قولنا: المقصود من هذا الكلام كذا، يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون ذلك الكلام استعمل للدلالة على ذلك
[المعنى](٢) بالمطابقة حقيقةً، أو مجازاً.
ويحتملُ أن يكونَ يدلُّ عليه بطريق اللزوم، أو السياق.
فعلى الأول: يقرُبُ أن يكونَ اللفظ بمعنى ما دل عليه به، وأن
ينزَّل منزلتَهُ، على نظرٍ فيه. وعلى الثاني: لا يلزم ذلك، فتأمَّلْه جيداً،
فَبِهِ تظهر صحةُ هذا الاستدلال، [أو عدمُها](٣).
الثانية والعشرون: قوله - الَّه -: ((الخُلوفُ فمِ الصائمِ)) تستدلُ به
الشافعيةُ على كراهة السواك للصائم بعد الزوال، قال الشافعي - رحمه الله -:
وأكرهُهُ بالعشي؛ لما أحبهُ من خُلوف فم الصائم (٤).
وقد حكينا عن جماعة من أهل اللغة: أن الخُلوف: التغير من
(١) رواه البخاري (١٨٠٤)، كتاب: الصوم، باب: من لم يدع قول الزور
والعمل به في الصوم، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١٠١/٢). وقد تقدم أن المختار عند الشافعية
عدم الكراهة، كما ذكر النووي في ((المجموع)) (٣٤١/١).
٢٣٧

غير تخصيص، ومقتضاه لا يوجب تخصيصَ الكراهة بما بعد الزوال،
إلا أن يُدَّعى أن التغيير لا يحصل إلا بعد الزوال، والوجود قد
لا یساعد على ذلك.
أو يقال: إن التغيير قد يحصل قبل الزوال، [و](١) لكنه لا يُسمَّی
خلوفاً إلا بعد الزوال، وهو خلاف ما نقلناه عن هؤلاء الجماعة من
أهل اللغة، ولا نعلم أحداً منهم خصَّصَ الخلوف بما بعد الزوال.
أو يقال: إن المراد تغيرٌ يحدث عن الصوم، والتغيرُ الحادث عن
الصوم إنما هو بعد الزوال.
ولما استدل بالحديث بعضُ الشافعية قال: والخُلوف: بضم الخاء
واللام، وهو الرائحة، وذلك يحدث من الزوال إلى آخر النهار(٢).
وهذا فيه أمران:
أحدهما: النزاع في أن التغير عن الصوم لا يكون إلا بعد
الزوال، فإن ذلك غير منضبط، وربما اختلف بحسب أمزجة الناس،
وقوة المعدة وضعفها، وطول النهار وقصره.
والثاني: أنه - على تقدير التسليم فيه - خروجٌ عن الإطلاق، فإن
تغير فم الصائم يحصل قبل الزوال جزماً، فيندرج تحت اللفظ، فإن
كان ذلك مقتضياً لكراهة الإزالة، فاللفظ يقتضيه.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (٣٤٠/١)، و ((فتح
الوهاب)» لزكريا الأنصاري (٢٦/١).
٢٣٨

وتقييدُه(١) بـ: تغير يحدث عن الصوم؛ بخصوصه، خلافُ
الإطلاق، لكنه قد يؤخذ من جهة أن المقصود: إظهار شرف الصوم
[والترغيب فيه، وذلك يناسب اعتبار سببية الصوم](٢)، وهذا الاعتبار
لا يدفع المنع المذكور.
وعلى الجملة: فليس هذا بالظاهر القوة، والعموماتُ التي تدل
على استحباب السواك عند كل صلاة، أو عند كل وضوء، تقتضي
خلافَهُ، واقتضاؤها له أظهرُ من الاستدلال على الكراهة بهذا
الحديث؛ لما يحتاج إليه من المقدمات التي نبَّهنا عليها، ولأن دلالة
حديث الخلوف على ما ذكر ليست مقصودة، ودلالةُ استحباب السواك
عند كل صلاة وعند كل وضوء مقصودةٌ.
والذي يقتضيه الظاهر: [أنه](٣) حيثُ حصل مسمَّى الخلوف؛
قبل الزوال، أو بعده، وثبت أن الحديث يقتضي كراهةً إزالته، أن يثبت
الحكمُ بثبوت الخلوف مطلقاً، وذلك بعد استيفاء النظر في الترجيح
بين العمومات الدالة على استحباب السواك عند الصلوات الواقعة بعد
الزوال، وبين دلالة هذا الحديث، وقد بيَّنا أوجه(٤) الترجيح آنفاً.
قال شيخنا أبو محمد بن عبد السلام: وأمَّا تحملُ الصائم مشقة
رائحة الخلوف، فقد فضَّله الشافعي - رحمه الله - على إزالة الخلوف
(١) في الأصل: ((يقيده))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((وجه)).
٢٣٩

بالسواك، مُستدلاً بأن ثوابَه أطيب من ريح المسك، ولم يُوافقْ
الشافعيُّ على ذلك، إذ لا يلزم من ذكر [ثواب العمل أن يكون أفضلَ
من غيره؛ لأنه لا يلزم من ذكر](١) الفضيلة حصول الرجحان
بالأفضلية، ألا ترى أن الوترَ عند الشافعي - في قوله الجديد - أفضلُ
من ركعتي الفجر، مع قوله - الَّه -: ((ركعتا الفجرِ خيرٌ منَ الدُّنيا
وما فيها))(٢)؟! وكم من عبادة قد أثنى الشرع عليها، وذكر فضيلتها، مع
أن غيرها أفضلُ منها.
وهذا من باب تزاحم المصلحتين اللتين لا يمكن الجمع بينهما،
فإن السواك نوع من التطهير المشروع لإجلال الرب؛ لأن مخاطبة
العظماء مع طهارة الأفواه تعظيم لا يُشَكُّ فيه، ولأجله شُرعَ السواك،
وليس في الخلوف تعظيم ولا إجلال، فكيف يقال: إن فضيلة الخلوف
تربو على تعظيم ذي الجلال بتطبيب الأفواه؟
ويدل على أن مصلحةَ السواك أعظمُ من مصلحة تحمُّلِ مشقةٍ
الخلوف قولُهُ وَّهِ: ((لولا أن أشقَّ على أمَّتي، لأمرتُهُم بالسِّواكِ عندَ كلِّ
صلاةٍ)(٣)، ولولا أن مصلحته أتمُّ من مصلحة تحمل مشقة الخلوف،
لما أسقطَ إيجابَهُ لمشقته، وهذا يدل على أن مصلحتهُ انتهت إلی رتبٍ
الإيجاب، وقد نصَّ على اعتباره بقوله: ((لولا أنْ أشقَّ على أمَّتي،
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) تقدم تخريجه .
٢٤٠