Indexed OCR Text
Pages 181-200
السابعة عشرة: إذا تعيَّنَ المجاز في (قاتله)، أو (قتله)، فلا بدَّ من تحرير العبارة في المعنى المجازي المراد بـ (قتله)، أو (قاتله). الثامنة عشرة: الخُلُوف: بضم الخاء المعجمة واللام، قال أبو عبيد: الخلوف: تغيُّر طعم الفم لتأخير الطعام، [يقال](١): خلَف فمْه، يخلُف خُلوفاً؛ قاله الكسائي، والأصمعي، وغيرهما. قال: ومنه حديث علي - ظُه - حين سئل عن القُبلة، فقال: وما أَرْبُك(٢) إلى خُلوف فيها (٣). وقال ابن دُرَيد في ((الجمهرة)): وخلَف فوه خُلوفة، وخُلافة: إذا تغير من صوم، أو مرض(٤). وقال ابن فارس في ((المُجْمَل)): وخلَف فوه: تغيّرت رائحته(٥). [وقال الجوهري: وخلف فم الصائم خُلَوفاً: إذا تغيّرت رائحتُه](٦) (٧). وقال ابن سِيْدَه: وخلف اللبن وغيره، وخلف يخلُف خلوفاً: (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل و((ت)): ((أردت))، والمثبت من المطبوع من ((غريب الحديث)). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٤٢٨). وانظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١ / ٣٢٧). (٤) انظر: ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (١ / ٦١٥). (٥) انظر: ((مجمل اللغة)) لابن فارس (١/ ٣٠٠). (٦) سقط من ((ت). (٧) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤/ ١٣٥٦)، (مادة: خلف). ١٨١ تغيَّرَ ريحُه وطعمه، وخلف فوه يخلَف خلوفاً: تغير، ومنه: ((خُلُوفُ فم الصائمٍ))، وقد خلف فوه، وأخلف، لغتان(١). قال محمد بن جعفر التميمي في كتاب ((جامع اللغة)): وقال بعضهم: إنما يقال: أخلف فوه؛ أي: حدث له رائحة بعدما عهد منه، وأنشد [من الكامل]: بَانَ الشَّبَابُ وأخْلَفَ العَمْرُ(٢) والعَمْر هاهنا: اللحم الذي بين(٣) الأسنان، ويريد بقوله: أخلف: تغيرت رائحته. قلت: العَمْر هاهنا: بفتح العين وسكون(٤) الميم. التاسعة عشرة: يجوز أن يطلق الخلوف على الجسم الحامل(٥) للخلوف، الذي هو التغير، وسيأتي بحث متعلَّقُ بذلك. ويقع في ألسنة [الفقهاء](٦): (خَلوف فم الصائم) بفتح الخاء، (١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٥ / ٢٠٣)، (مادة: خلف). (٢) صدر بيت لابن الأحمر، كما نسبه إليه ابن سيده في ((المحكم)) (٢ / ١٥١)، والزمخشري في ((الفائق في غريب الحديث)) (١ / ٣٨٧)، وابن منظور في لسان العرب (٤ / ٦٠١). وعجزه: وتبدَّل الإخوانُ والدَّهرُ (٣) في الأصل: ((من الأسنان))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((فسكون)). (٥) ((ت)): ((الحاصل)). (٦) زيادة من ((ت)). ١٨٢ وقد غُلِّط قائله؛ لأنه ينقل المعنى إلى غير المراد به، المستحيل إرادته هاهنا، فإن (الخَلوفَ) الشخصُ الذي يكثر إخلافه لوعده(١). العشرون: ذكر الراغب: أنَّ (عند) لفظٌ موضوع للقرب؛ فتارة يستعمل في المكان، وتارةً للاعتقاد؛ نحو: عندي كذا، وتارة في الزُّلفى والمنزلة، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وعلى هذا النحو قيل: الملائكة المقربون، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى: ٣٦]. وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، [وقوله](٢): ﴿َحْسَبُّونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]، وقوله ◌َّ: ﴿إِن كَانَ هَذَاهُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فمعناه: في حكمه. والعنيد: المعجب بما عنده، [قال تعالى: ﴿كُلَّكَفَّارِعِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلَئِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦]. والعنود](٣): قيل: مثله؛ يعني: أنه هو، وقيل: بينهما فرق(٤)؛ لأن العنيد: الذي يُعاند ويخالِف، والعَنُود: الذي يَعْنُدُ عن القصد. (١) انظر: ((إصلاح غلط المحدثين)) للخطابي (ص: ١٠١ - ١٠٢)، و ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (١/ ٢٣٩)، و((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٢١٥)، و((شرح مسلم)) للنووي (٢٩/٨). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) في المطبوع من ((مفردات القرآن)): ((قال: لكن بينهما فرق)). ١٨٣ قال: ويقال: بعير عَنود، [ولا يقال: عنيد(١)] (٢)، وأما العنيد فجمع عائد، وجمع العَنُود: عَنَدَة، [وجمع العنيد: عُنُد](٣). وقال بعضهم: العُنُود: هو العدول عن الطريق، لكن خُصَّ العنود بالعادل عن الطريق في الحكم، وعَنَدَ عن الطريق: عَدَل عنه. وقيل: عاندَ: لازَم، وعاند: فارق، وكلاهما مِنْ: عَنَدَ، لكن باعتبارين مختلفين؛ [كقولهم: (البَين) في الوصل والهجر باعتبارين مختلفين] (٤)(٥). قلت: قوله: وتارة للاعتقاد؛ نحو: عندي كذا، ينبغي أن يُبدل لفظة الاعتقاد بالعلم، أو يَجمع بينهما معاً؛ لأن ذلك يُستعمل بالنسبة إلى علم الله تعالى، ولا يقال له: اعتقاد. الحادية والعشرون: الفرح: انبساطُ النفس وسرورها بما يَرد عليها من الملائم، والفرحة: الواحدة منه. وقد تطلق الفرحة على سببها، يقال: لك عندي فرحة؛ أي: بشرى؛ [لأن البشرى](٦) سببُ الفرحة. (١) في الأصل: ((عنيدة))، والصواب ما أثبت. (٢) سقط من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٩٠). (٦) زيادة من ((ت)). ١٨٤ والرجل فَرحان، ومِفْراح، ويقال: أفرحه كذا؛ بمعنى: سرَّه، وأفرحه؛ بمعنى: غمَّه، والهمزة للسَّلْب. وأنشد [من البسيط]: ولما تَوَلَّى الجَيْشُ قُلْتُ ولمْ أكنْ لُفْرِحَهُ: أَبْشِرْ بغزوٍ(١) ومَغْنم (٢) ولو أراد السرور لكان قد أفرحه، ولم يصح قوله: ولم أكن لأفرحه، ومنه يقال: المرء دائر بين مُفْرِحين، قاعدٌ بين سلامة وحَيْن(٣). وقال أبو محمد بن قُتيبة: [الفرح](٤): المسرَّة، قال الله تعالى: حَتََّ إِذَا كُنْتُمْ فِ الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾[يونس: ٢٢]؛ أي: سُزُّوا. والفرح: الرضا؛ لأنه عن المسرّة يكون، قال الله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيِّهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]؛ أي: راضون، [و](٥) قال: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ﴾[غافر: ٨٣]؛ أي: رضوا. والفرح: الأَشَرُ(٦)؛ لأن ذلك عن إفراط السرور، قال الله - رَّت -: ﴿إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، [وقال: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ﴾ [هود: ١٠]، (١) في الأصل: ((بعز))، والمثبت من (ت)). (٢) البيت لابن الأعرابي، كما نسبه إليه الزمخشري في ((أساس البلاغة)) (ص: ٤٦٨). وعنه نقل المؤلف رحمه الله هنا. (٣) في الأصل: ((خير))، والمثبت من (ت). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) ((ت)): ((البطر)). ١٨٥ وقال: ﴿ذَلِكُمُ بِمَا كُمْ تَفْرَحُونَ](١) فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الِّْ﴾[غافر: ٧٥]. وقد تبدل الحاء هاءً في هذا المعنى، فيقال: فره؛ أي: بطر، قال الله تعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]؛ أي: أشرین بطرین. والهاء تبدل من الحاء لقرب مخرجيهما، تقول: مدحته، ومدهته؛ بمعنى واحد(٢). الثانية والعشرون: قد ذكرنا: أن الذوات [قد](٣) يُقصد بذكرها صفاتُها الجميلة المناسبة لما يذكر معها؛ كما تقول: أنت تقول كذا؟! ومثلُك يفعل كذا؟! ويراد به مناسبة صفته لذلك الفعل، فقوله تعالى: ﴿وَأَنَا﴾ [طه: ١٣] قد يَجري هذا المجرى، فكأنه يقال: وأنا المحسنُ المنعمُ الواسعُ العطاءِ أجزي به . الثالثة والعشرون: تأمل إشارة تقديمه الضمير [العلي](٤) في صدر الكلام، والفرق بينه وبين (الصوم لي)، و(أجزي به) لو قيل(٥)، (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (ص: ٣٨٠). (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) أي: لفظ الحديث: ((وأنا أجزي به))، و((فإنه؛ أي: الصوم، لي))، وليس: وأجزي به، والصوم لي، وفي لفظي الحديث تقديم للضمير الذي يعود= ١٨٦ فإن فيه إشارة عُظمى إلى فضيلة الصوم. الرابعة والعشرون: الْمَحِ المناسبةَ بين (لي)) و ((أجزي به)). الخامسة والعشرون: استبعد بعضهم أن يكون المراد بفرح الصائم [عند فطره: فرحه بما يتناوله من الطعام والشراب](١)(٢). * الوجه الخامس : في شيء من العربية، وفيه مسائل: الأولى: ((سابه)) قد اجتمع فيه ساكنان، ولا يلتقي ساكنان في الأَعرف من كلام العرب في الوصل إلا بثلاثة شروط : أحدها: أن يكون الأول حرف مدٍّ ولين: ألفاً، أو واواً مضموماً [ما](٣) قبلها، أو مفتوحاً، [أو ياء ساكنةً مكسوراً ما قبلها] (٤). الثاني: أن يكون الثاني من الساكنين مشدّداً. الثالث: أن يكون الساكنان من كلمة واحدة؛ نحو: دابّة (٥). وهذه الشروط موجودة في ((سابَّه))، أما الألف(٦) فظاهر، وكذلك = على الخالق تَلَّ . (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٤ / ١١٢). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٤ / ١٥٢). (٦) ((ت)): ((الأولى)). ١٨٧ کونه من كلمة واحدة. وأما الإدغام فجاء؛ لأن المثلين إذا التقيا في الفعل، وكان الحرف صحيحاً، وكان الثاني منهما متحركاً بحركة لازمة، فالإدغام، نقول(١): ردَّ، وشدَّ، وشمَّ، وأردُ، وأَشَمُّ. وهذه الشروط موجودة في ((ساب))؛ لأن الأصل سابب، فاجتمع المثلان في كلمة واحدة، والثاني متحرك بحركة لازمة، فجاء الإدغام الذي هو أحد الشروط الثلاثة. وقولنا: حركة لازمة، احترازٌ عن الحركة العارضة، كما إذا كان الثاني ساكناً سكوناً تصل إليه الحركة؛ نحو: لم نردد، واردُد(٢)، فإن الحركة تصل إلى هذا الحرف الثاني الساكن فنقول: لم يرددِ الرجل، واردُدِ (٣) المتاعَ، فهذا يختلف فيه العرف على ما يتبين (٤) في موضعه إن شاء الله . الثانية: (أحدٌ) أحدُ المواضع التي أُعلَّت فيها الواو فاءً مع فتحها، وهو شاذّ باتفاق، ومثله في الشذوذ (أناة)(٥). (١) ((ت): ((نحو)) بدل ((نقول)). (٢) في الأصل: ((نزدد وازدد))، والمثبت من ((ت)). (٣) في الأصل: ((وازداد)). (٤) (ت): (تبين)). (٥) قال في ((العين)) (مادة: أن ى): ويقال للمرأة المباركة الحليمة المواتية: أناة، والجمع: الأنوات. قال أهل الكوفة: إنّما هي من الوَنَى، وهو الضعف، ولكنّهم همزوا الواو. ١٨٨ وإنما اختلفوا إذا كانت مكسورة؛ كإشاح في وشاح؛ هل يُوقَفُ فيه على السماع، أو يكون قياساً؟ والمنقول عن الخِرَقي: أنه ذهب إلى الوقوف على ما سمع. وأنَّ أكثر النحويين ذهبوا إلى القياس؛ لأنه كثير، ومثلُ (أناة) واحد أسماء(١). وقد استُضعف هذا الإبدال؛ لأن الهمزة لا تجتمع مع الواو، ألا ترى أن هذه من حروف طرف الفم، والهمزة من أقصى الحلق. واعتُذْرَ: أنهم(٢) [قد](٣) أبدلوا الواو من الهمزة كثيراً، فلذلك(٤) أبدلوا الهمزة من الواو، قال بعضهم: وعلته (٥) - والله أعلم - أنهما وإن بَعُدا في المخرج، فقد تقاربا في الصفة (٦). الثالثة: قال ابن سيده في ((المحكم)): والمَرْءُ: الإنسان، تقول: هذا مَرْءٌ، وكذلك(٧) في النصب والخفض بفتح الميم، هذا(٨) هو القياس، ومنهم من يضم الميم في الرفع، ويفتحها في النصب، (١) أي: كلمة (اسم)؛ لأنها من مادة (وس م). (٢) ((ت)): ((بأنهم)) . (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل: ((وكذلك))، والمثبت من ((ت)). (٥) في الأصل: ((وعليه))، والتصويب من ((ت)). (٦) وانظر: ((المقتضب)) للمبرد (١ / ٩٤). (٧) في الأصل: ((كذلك))، والمثبت من ((ت)). (٨) في الأصل: ((لهذا»، والمثبت من ((ت)). ١٨٩ ويكسر[ها] (١) في الخفض؛ يتبعها الهمزة (٢) على حدٍّ ما يتبعون الراء إياها إذا أدخلوا ألف الوصل، فقالوا (٣): امرُؤٌ، وقول أبي خراش [من الطويل]: جَمَعْتَ أُمُوراً يُتْفِذُ المِزْءَ بَعْضُها من الحِلمِ والمعروفِ والحَسَبِ الضّخمِ هکذا رواه السُّكري بکسر الميم، وزعم أن ذلك لغةُ هذيل. ولا يكسّر هذا الاسم، ولا يُجمع جمعَ السلامة، لا يقال: أمراء، ولا: أَمْرُؤْ، ولا: مَرؤون، ولا: أمارِىء. وأنََّوا فقالوا: مَرْأَةً، وخفَّفوا التخفيفَ القياسي، فقالوا: مَرَة، وهذا مطرد. قال سيبويه: وقد قالوا: مَرَاة، وذلك قليل، ونظيره(٤): كماة. قال الفارسي: وليس بمطرد، كأنهم توهموا حركة الهمزة على الراء، فبقي مَرَأَة، ثم خُفِّف على هذا اللفظ. وألحقوا ألف الوصل في المؤنث أيضاً فقالوا: امرأة، فإذا عرَّفوا قالوا: المَرْأَة، وقد حكى أبو علي: الامْرَأَةَ. وحكى ابن الأعرابي: أنه يقال للمرأة: إنها لامرُؤ(٥) صدقٍ، (١) زيادة من ((ت)). (٢) ((ت)): ((الهمز)). (٣) في الأصل: ((فقال))، والمثبت من ((ت)). (٤) (ت)): ((كقولهم)) . (٥) في الأصل: ((لامرأة))، والتصويب من ((ت)). ١٩٠ کالرجل(١)، وهذا نادر(٢). الرابعة: قد ذكرنا أن العِنْدِيَّة قد يراد بها عِنْدِيَّةُ العلم، فإذا حملناها هاهنا على ذلك، فهاهنا معنيان : أحدهما: أن يكون المراد: [أن](٣) الخُلوفَ عند الله يوم القيامة أطيب من ريح المسك، ولا يكون كذلك في علم الله تعالى حتى يكون كذلك في الخارج؛ لأن علم الله تعالى لا بدّ وأن يكون على وَفق المعلوم، فإذا غيَّر الله تعالى رائحة الخُلوف إلى أطيب من رائحة المسك، عَلِمَه الله [في](٤) يوم القيامة كذلك، فـ((يوم القيامة)) ظرف لِعِنْدِيَّة العلم بذلك، وليس في هذا ما يوهم عدم العلم قبل ذلك اليوم؛ أعني: يوم القيامة. والمعنى الثاني: أن يكون المراد أن عِنْدِيَّة العلم حاصلةٌ الآن بأنه یکون يوم القيامة أطيب من ريح المسك. فعلى المعنى الأول يتعلق ((يوم القيامة)) بالظرف الذي [هو](٥) ((عند الله تعالى))، ويتعلق ((عند الله تعالى)) بالمصدر الذي هو (١) المراد: يشترك المذكر والمؤنث في لفظ (امرىء)؛ فيمكن أن يقال: هذه امرؤ صدق، بدل: امرأة صدق. (٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (١٠ / ٢٩٣ - ٢٩٤). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) زيادة من ((ت)). ١٩١ ((الخلوف))؛ بمعنى: التغير. ويجوز أن يتعلق الظرفان معاً، الذي هو ((عند الله)) و((يوم القيامة)) بـ ((أطيب))، ولا مانع من ذلك، فإن الظرفين إذا اختلفا؛ فكان أحدهما زمانياً، والآخر مكانياً، جاز تعلقهما بعامل واحد؛ نحو: حضرتُ زيداً يوم الجمعة عند الأمير؛ لأن الفعل يطلبهما معاً، إذ لا يعقل حصوله في الوجود إلا واقعاً منهما. وإن اتفقا؛ أعني: الظرفين، وكانا زمانيين أو مكانيين، فإن عطف أحدهما على الآخر، أو كان بدلاً منه؛ نحو: صليت يوم الجمعة ويوم السبت، وقعدت عند زيد وفوق الدار، وصليت يوم الجمعة وقت الأذان، وقعدت عندك قُدَّامك، جاز تعلَّقهما بعامل واحد؛ لأن حرف العطف ينوب عن العامل، والبدل هو المقصود بالنسبة دون المبدل منه، فإن لم یکونا کذلك لم يتعلقا بعامل واحد، فلا يقال: قعدت عند زيد عند بكر، ولا صليت يوم الجمعة يوم السبت، إلا على الوجه المذكور؛ لأن تعلَّقَ الظرف(١) بعامل عبارةٌ عن وقوع ذلك العامل منه بمعنى: اقترانه بجزء من الزمان وحصوله في جهة من المكان، وغير ممكن أن الفعل الواحد یصدر حین صدوره من فاعله الواحد مقترناً بجزأين من الزمان، ولا حاصلاً في (٢) جهتين متغایرتین . (١) في الأصل: ((اللفظ))، والمثبت من (ت)). (٢) في الأصل: ((من))، والمثبت من ((ت)). ١٩٢ وعلى الثاني يتعلق ((يوم القيامة)) بـ((أطيب))؛ أي: إن علم الله تعالى الآن متعلق بأنه يوم القيامة أطيب(١) من ريح المسك. الخامسة: حيث يتعلق الظرفان المختلفان بعامل واحد، قالوا: ينبغي أن يقدم إلى العامل الظرف الزماني؛ لأن طلبَهُ له أقوى من طلبه للمكاني(٢) بدليل جواز عمله في المبهم والمعيَّن من الزمان؛ نحو: اعتكفت وقتاً، وصليت يوم الجمعة، وامتناع عمله في المعيَّن من(٣) المكان؛ نحو: صليت المسجد، وجلست(٤) البيت، ولا يعمل إلا في المبهم منه؛ نحو: جلست فوق المسجد، وسرت فَرسخاً. وعلى هذا جاء لفظ الحديث، إذ الظرف الزماني - وهو ((يوم القيامة))(٥) - وليَ العامل الذي هو ((أطيب))، فهو في معنى التقديم الذي ذكروه؛ لأن المقصود من التقديم إذا تقدم العامل أن يكونَ يليه ويباشره، وهذا البحث على تقدير تعلق الظرفين بـ((أطيب)). السادسة: فيما ذكرناه تقديم معمول ((أطيب)) عليه(٦)، وقد مُنع أو استبعد . والشيخ أبو عمرو بن الحاجب [أجازه](٧)، ولم يستبعدْه(٨) حيثُ (١) في الأصل: ((أطيب يوم القيامة))، والتصويب من ((ت). (٢) في الأصل: ((المكاني))، والمثبت من ((ت)). (٣) ((ت): ((في)). ((ت)): ((وصليت)). (٤) ((ت)): ((الجمعة)) . (٥) (٦) ((ت)): ((يستعبد)) بدل ((عليه)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) في الأصل: ((يستعمله))، والمثبت من ((ت). ١٩٣ تكلّم [على قولهم: ](١) (هذا بسراً أطيبُ منه رطباً)، ورجَّح أنَّ العامل في الحال (أطيب)، وحكى عن أبي عليٍّ الفارسي: أن العامل اسم الإشارة، ولم يرتضه، وذكر أنه - يعني: الفارسي - لم يأتِ بشيء غير ما ذكرته، واستبعد عمل أفعل فيما فعله، وهو غير مستبعد. قلت: وكأنه لم يستبعدْه للاتِّساع(٢) في الظروف ما لا يُتَّسعُ في غيرها، ألا ترى أن البصريين لا يجيزون في (كان) أو إحدى أخواتها تقديمَ معمول الخبر إلا إذا كان ظرفاً، أو حرف جر؛ نحو: كان يوم الجمعة زيد قائماً، وأصبح فيك أخوك راغباً. ولا يجوز عندهم في نحو: كانت الحمى تأخذ زيداً، أن يقال: كانت زيداً الحمى تأخذ، والظروف [والجار](٣) والمجرور يقعان موقعاً، لا يقع فيه غيرهما. وقال الشيخ أبو عمرو: ولا يلزم من قصوره - يعني: أفعل - عن العمل (٤) في المفعول به، أن لا يعملَ في الحال(٥). السابعة: رأيت عن بعض قدماء النحويين كلاماً، أدرجَ تحته شيئاً من الكلام على هذا الحديث، وهو قوله [في قوله](٦) تعالى: (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((يستبعده الاتساع))، والمثبت من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((المعمول)). (٥) وانظر: ((شرح الرضي على الكافية لابن الحاجب)) (٢/ ٢٤) وما بعدها. (٦) زيادة من ((ت)). ١٩٤ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [نوح: ١٧] وشبهه: أصلُ هذا: والله أنبتكم من الأرض إنباتاً، فنبتُّم نباتاً، فحذف مصدرَ الأول؛ لدلالة فعله عليه، والفعلَ الثاني؛ لدلالة مصدره عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلَا بَعِيدًا﴾﴾(١) [النساء: ٦٠]، ففعل فيه ما ذكرت لك. وهذا كحذف ظرفي الزمان والمكان لدلالة مثلهما عليهما الإرشاد(٢) المعنى ذلك؛ [نحو] (٣) قوله ◌َّ: («الخُلوفُ فم الصائمِ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ أطيبُ من ريح المسكِ))؛ المعنى: أطيب من ريح المسك عندكم في الدنيا؛ لأنَّ المعنى تفضيلُ ريح الخلوف في يوم القيامة في الطيب على ريح مسك أهل الدنيا عندهم، لا على مسك الجنة، فالله أعلم (٤) أيهما أطيب، وليس في الحديث تعرُّضٌ إلى مسك الآخرة؛ لأن أهل الدنيا لا يعهدونه، ولا تصلح (٥) المشاركة في (أفعل) التفضيل إلا بين أمرين معهودين عند المخاطب؛ لئلا يخلوَ من كمال الفائدة أو منها، فإذن الألف واللام في ((المسك)) للعهد لا للجنس؛ لأن مسك الجنة يطلق عليه اسم مسك، وليس(٦) مراداً بلفظ الحديث. (١) ((ت)): ((فيضلون ضلالاً بعيداً)). (٢) في الأصل: ((بإرشاد))، والمثبت من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) في الأصل: ((فاعلم))، والتصويب من ((ت)). (٥) ((ت)): ((تصح)). (٦) في الأصل: ((فليس))، والمثبت من ((ت)). ١٩٥ الثامنة: قد ذكرنا في الكلام(١): أن الألف واللام للعهد، فتأمَّلْه بالنسبة إلى المعنيين الآخرين؛ أعني: الجنس وتعريف الحقيقة. وقد تقدَّم منعُه لكونها للجنس، فيُوقَفُ للنظر في تعريف الحقيقة . * الوجه السادس: في شيء من البيان والمعاني(٢)، وفيه مسائل: الأولى: قد(٣) ذكرنا في شرح هذا الحديث: أن الحكم قد يضاف(٤) إلى الذوات، والمراد صفاتها المناسبة، أو المنافية لما يذكر، فالْمَحْ هذا في قوله تعالى: ((وأنا أجزي به))، فكأنه يقال(٥): وأنا المحسن المنعم الواسع العطاء أجزي به . الثانية: لا تَغْفَلَنَّ عمَّا يقتضيه تقديمُ هذا الضمير العلي في صدر الكلام، والفرق بينه وبين: (لي) و(أجزي به)، فإن فيه إشارة [عظمى](٦) إلى فضيلة الصوم. الثالثة: المح المناسبة بين ((لي))، و((أجزي به)). (١) في الأصل: ((هذا الكلام))، والمثبت من ((ت)). (٢) ((ت)): ((المعاني والبيان)). (٣) في الأصل: ((وقد))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((یراد)) بدل ((يضاف)). (٥) ((ت)): ((قال)). (٦) زيادة من ((ت)). ١٩٦ الرابعة: لفظ (الجُنَّة) دالٌّ على الاستتار، وأنه حقيقة في الأجسام، فهو إذاً مجاز في الصوم، وظاهره الإخبار عن كونه جُنَّة، [ويحتمل أن يكون خبراً بمعنى الأمر؛ أي: ليكن الصوم جُنَّةً](١) مانعةً لكم من الرفث والمعاصي، وأمثال ذلك. فإذا جعلناه خبراً، فتكون دلالته على الطلب دلالةً [التزامية، وإذا جعلناه بمعنى الأمر؛ أي: أُريد به الأمر، كانت دلالته على الطلب دلالة](٢) مطابقية . الخامسة: إذا حملناه على الخبرية، فيحتمل أن يكونَ خبراً عن كونه جُنَّة من النار، ويُرجِّحه: أنه ورد كذلك في بعض الروايات: (جُنَّة من النار))(٣)، وفي بعضها: ((جُنَّة ما لم يخرقها))(٤)؛ التقدير: جنة مانعة من النار، ما لم تخرق الجُنَّة(٥) بارتكاب ما يَمنع منه الصوم، فلا تكون جُنَّة حينئذ بانخراقها، ولا يَحسنُ في هذا اللفظ أن يكونَ بمعنی (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) هي رواية الترمذي المتقدم تخريجها برقم (٧٦٤). (٤) رواه النسائي (٢٢٣٣)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على محمد ابن أبي يعقوب في حديث أبي أمامة في فضل الصائم، والإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ١٩٦)، من حديث أبي عبيدة ﴾ه. وقد حسنه المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢ / ٩٤)). (٥) ((ت)) زيادة: ((لأنه على هذا التقدير يرتفع للأمر بجعله ما جنة))، وهذا الموضع غير مناسب لها، فأثبت ما في الأصل. ١٩٧ الأمر بتقدير: ليكنْ الصومُ جنة [ما لم يخرقها؛ لأنه على هذا التقدير يرتفع الأمر بجعله جُنَّة](١) عند انحراقها، وليس كذلك؛ لأنه لو خرقها لاستمرَّ الأمرُ بعد ذلك بأن يُجعل جُنَّة، فلا بدَّ أن يكون خبراً؛ أعني: ((جُنَّة ما لم يخرقها)). السادسة: يحتمل أن يكون خبراً عن أمر شرعي؛ أي: حكمه في الشرع أن يكون جُنَّة، وهذا غيرُ كونه بمعنى الأمر؛ لِما ذكرنا من الفرق بين الدلالة في أن يكون [بمعنى] (٢) الأمر، والدلالة الالتزامية في أن يدلَّ على شيء يلزم منه الطلب، ولا شكَّ أن كونَ(٣) الشيء حكمَ الشرعُ أن يكونَ جُنَّةً يلزمُ (٤) منه الطلب، لا أنه موضوع للطلب. السابعة: إذا حملناه على أنه جُنَّة من النار، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المراد به: يَمنع من دخول النار، ويُبعد عنها، وتَجَوَّز عن معنى المنع والإبعاد بالستر، ويقوِّي هذا الحديثُ الصحيح: ((منْ صامَ يوماً في سبيلِ اللهِ باعدَ اللهُ وجهَهُ عن النارِ سبعينَ خريفاً))(٥). وثانيهما: أن يكون كونُهُ جُنَّة من النار من باب ذبح الموت في (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) في الأصل: ((يكون))، والمثبت من ((ت)). (٤) ((ت)): ((وهذا يلزم)). (٥) رواه البخاري (٢٦٨٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الصوم في سبيل الله، ومسلم (١١٥٣)، وكتاب: الصيام، باب: فضل الصيام في سبيل الله لمن يطيقه بلا ضرر ولا تفويت حق، من حديث أبي سعيد ﴿څته. ١٩٨ الآخرة(١)، ومن باب: ((تجيءُ البقرةُ وآل عمرانَ كأنَّهما غمامتان، أوغيايتان، أو فرقان من طير صواف))(٢)، فيكون المعنى: أن الله تعالى يُبرزُ للأبصار ساتراً بين صاحب الصوم والنار؛ إظهاراً للمعاني في الأمثلة الحسية . الثامنة: إذا جعلناه من باب ذبح الموت، فيجوز أن يكونَ إطلاق لفظ (الجُنَّة) عليه(٣) حقيقة؛ بأن يكون اللفظ لما يبدو للحسِّ ساتراً بين الشيئين، ولا يدخل في الحقيقة خصوصُ الجسمية في الخارج، ولهذا إن من رأى ذلك الساتر، ولم يكن ممن يفهم(٤) هذا المعنى، أو ممن لم يثبته(٥)، أطلقَ عليه اللفظَ لا على جهة المجاز؛ لأنه لم يفهمه، فکیف يطلقه علیه ویریده؟! وهذا يسوق(٦) إلى المسألة الأصولية، وهو: أن اللفظ موضوع (١) رواه البخاري (٤٤٥٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ اَلْخَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، ومسلم (٢٨٤٩)، كتاب: الجنة وصفه نعيمها وأهلها، من حديث أبي سعيد الخدري ټڅ. (٢) رواه مسلم (٨٠٤)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، من حديث أبي أمامة ظه (٣) في الأصل: ((علته))، والمثبت من ((ت)). (٤) في الأصل: ((يعزم))، والمثبت من (ت)). (٥) غير واضحة في الأصل، والمثبت من ((ت)). (٦) في الأصل: ((سوق))، والمثبت من ((ت)). ١٩٩ للمعنى الذهني، أو الخارج؟ وهذا الوجهُ يكون هاهنا (١) مجاز حذفٍ (٢). وإن جعلناه مجازاً عن المباعدة وعدم دخول النار، فهذا من مجاز الملازمة؛ لأن الساتر بين الشيئين مانعٌ من المخالطة والملابسة، [فأطلقَ لفظ الستر على المنع من المخالطة والملابسة] (٣)، فهو من باب إطلاق الاسم(٤) الملازم على الملزوم؛ لأن المنعَ من المخالطة والملابسة لا يلزمُ منه الستر. التاسعة: يجوز أن يُجعَل الصومُ جُنَّة، بمعنى: كسره للشهوات التي مادتها الطعام والشراب، بالإضعاف، أو(٥) الإزالة، ويكون وصفه بأنَّه جُنَّة كوصفه بأنه وجاء؛ أي: يقوم مقام الجُنَّة الساترة بين النفس وبين الشهوات؛ [كما أنه يقوم مقام الوجاء في دفع عادِيَةٍ شهوة النكاح، وتكون تسميته جُنَّة مجازاً عن المانعية بين النفس وبين الشهوات،](٦) وهذا راجع إلى حمله على الخبر، كما هو ظاهرُ لفظٍ (٧) الحديث. (١) في الأصل: ((هذا))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((صدق))، والتصويب من ((ت))، ومن هامش الأصل أيضاً. (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل: ((اسم))، والمثبت من ((ت). (٥) ((ت)): (و)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) في الأصل: ((الظاهر ولفظ))، والتصويب من (ت)). ۔ ٢٠٠