Indexed OCR Text

Pages 141-160

وأمّا أبو بردة: فهو عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس المقدَّم
ذکرُه، الأشعريُّ، الکوفيُّ، قاضیھا.
سمع أباه، وابن عمر، وعبد الله بن سَلام، وعائشة
روى عنه الشعبي، وعبد الملك(١) بن عمير، وأبو إسحاق الهمذاني،
وأبو إسحاق الشيباني، وحُميد بن هلال، وغيلان بن جرير، وابنه
سعيد، وابن ابنه أبو بردة يزيد(٢) بن عبد الله .
قال البخاري: قال أبو نعيم: مات سنة أربع ومئة.
وقال ابن أبي شيبة: وهو ابن نيف وثمانين سنة.
وقال ابن سعد: قال الهيثم: توفي سنة ثلاثة ومئة.
وقال ابن نمير: مات قبل موسى بن طلحة بأيام، وقال: مات
موسى سنة ست ومئة (٣).
= (٣ / ٩٧٩)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٣٢/ ٣٤)، («أسد الغابة)) لابن
الأثير (٣/ ٣٦٤)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (٢ / ٥٤٥)،
((تهذيب الكمال)) للمزي (١٥ / ٤٤٦)، ((سير أعلام النبلاء))، ((تذكرة
الحفاظ)) كلاهما للذهبي (١/ ٢٣)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) لابن
حجر (٤ / ٢١١).
(١) ((ت)): ((عبد الله)).
(٢) في الأصل: ((ويزيد))، والمثبت من ((ت)).
(٣) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦ / ٢٦٨)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٦ / ٤٤٧)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢٦/ ٤٣)، ((تهذيب الأسماء =
١٤١

* الوجه الثاني : في تصحيحه:
وقد ذكر في الأصل: أن مسلماً رواه، وهو حديث أخرجه في
((صحيحه) عن يحيى بن حبيب الحارثي، عن حماد بن زيد، عن
غيلان - وهو ابن جرير المَعْوَلي -، عن أبي بردة، عن أبي موسى،
ولفظه ما في الأصل.
وهو عند البخاري أيضاً من هذا الوجه؛ أعني: من رواية حماد
ابن زيد، عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، بسنده: أتيتُ النبيَّ وَليله
وهو يستنُّ بسِواكٍ، وطرفُ السواكِ على لسانِهِ، وهو يقولُ: عا عا (١).
وقوله في الأصل: ورواه أبو داود ... إلى آخره، يُشعر بأنه
حديث واحد، والذي في كتاب مسلم والبخاري ليس بصريح في
الاستياك على اللسان، ودلالة لفظ مسلم على ذلك أقرب.
ولما وقع التصريح به في لفظ أبي داود ذكره؛ ليجمع بين الدلالة
على صحته، بنسبته إلى رواية مسلم، وبين التصريح بالسواك على
اللسان بلفظ(٢) أبي داود، والدلالة على أنه حديث واحد بقوله: ورواه
= واللغات)) للنووي (٢/ ٤٧٠)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٣٣ / ٦٦)،
((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١ / ٩٥)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢١/١٢).
(١) قلت: تقدم لفظ البخاري عند تخريج الحديث، وهو يغاير اللفظ الذي
ذكره المؤلف هنا، فاللفظ الذي ساقه المؤلف هنا هو من رواية النسائي في
((السنن الكبرى)) (٣)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٤١)، وغيرهما.
ونسبه المؤلف في ((الإمام)) (١ / ٣٨٧) إلى ابن خزيمة فقط .
(٢) في الأصل: ((إذ بلفظ))، والمثبت من ((ت)).
١٤٢

أبو داود بلفظ [كذا](١).
وإنما جعلهما حديثاً واحداً لاتحاد مخرجه؛ فإن أبا داود رواه
عن مُسدَّد وسليمان بن داود العَتكي قالا: حدثنا حماد بن زيد، عن
غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه.
قال مُسدد: أتينا رسولَ اللهِ وَ﴿ ليلةً نستحملُهُ، فرأيتُهُ يستاكُ على
لسانِهِ.
قال أبو داود: وقال سليمان: قال: دخلتُ على النبيِّ الٌَّ وهو
يستاكُ، وقد وقعَ السواكُ على طرفٍ لسانِهِ وهو يقولُ: أَهْ أهْ؛ يعني:
يَتَهَوَّع(٢).
قال مسدد: کان حدیثاً طويلاً اختصرته.
* الوجه الثالث: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل :
الأولى: الاستحمال: طلب الحمل.
الثانية: الاستياك: افتعال من السواك، والأصل(٣): يَسْتَوِكُ؛
تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فانقلبت ألفاً.
الثالثة: قد قدمنا أن السواك يطلق على الفعل وعلى الآلة، وهذا
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يتهوه))، والمثبت من ((ت)).
(٣) أي: أصل الفعل ((يستاك)) المشتق من ((الاستياك)).
١٤٣

[مما](١) أُطلقَ فيه على الآلة؛ أعني قولَه: وطرف السواك على لسانه.
الرابعة: هذا اللفظ الذي ذكر في حديث البخاري وأبي داود،
وقد اختلف في صيغته؛ ففي كتاب أبي داود كما ذكرناه: ((أَهْ أَوْ)) - بفتح
الهمزة، وسكون الهاء - كذا في الأصل بخط ابن طاهر الحافظ(٢).
وروي: ((عَاعًا)) - بالعين والألف -، وقد ذكرنا عن البخاري(٣)،
وهو عند النسائي [أيضاً](٤) من طريق حماد عن غيلان(٥).
وروي: ((أُعْ أُخْ)) - بضم الهمزة، وسكون العين - وهذه رواية أبي
النعمان، عن حماد بن زيد عند البخاري(٦).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) وضبطه الحافظ في ((الفتح)) (١/ ٣٥٦): بهمزة مكسورة ثم هاء؛ أي: ((إه إه)).
(٣) تقدم أن هذه الرواية ليست عند البخاري، وإنما قال فيه: ((أُع أُع)) كما
سيذكره المؤلف، وكذا أثبت البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ٣٥) رواية
((أع أع)) للبخاري، وقال العيني في ((عمدة القاري)) (٣/ ١٨٤): وقوله:
((أع أع)) من أفراد البخاري.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٣٥٦): قوله: ((أع أع)) بضم الهمزة وسكون
المهملة، كذا في رواية أبي ذر، وأشار ابن التين إلى أن غيره رواه بفتح الهمزة.
(٤) زيادة من ((ت).
(٥) وكذا رواية ابن خزيمة في ((صحيحه)) كما تقدم عنهما قريباً.
(٦) كما تقدم تخريجه. وقد رواه أبو بكر الجوزقي في ((صحيحه)) من طريق
مسلم بن إبراهيم، عن حماد، به، إلا أنه قال فيه: ((إِخ إخ إخ))، كما ذكر
المؤلف في ((الإمام)) (١ / ٣٨٨). قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٣٥٦):
بخاء معجمة. وقال العيني في ((عمدة القاري)) (٣/ ١٨٤): بالحاء المهملة . =
١٤٤

* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل :
الأولى: فيه دليل على استحباب السواك على اللسان، وذكرُ
ذلك قليلٌ في أكثر كتب الفقهاء، وقد نصَّ عليه بعضُهم فقال: ويستاك
على [أسنانه و](١)لسانه، واستدلَّ بحديث أبي موسى(٢).
الثانية: العلة في ذلك ظاهرة لما يتركَّبُ على اللسان بسبب
الأبخرة المترقية (٣) من المعدة، بل ربما تكون الحاجة إلى ذلك في
زوال ما يكره من الرائحة أقوى من الحاجة إلى الاستياك على الأسنان،
وأقلُّه أن يساویَه.
الثالثة: فيه الاستياك بحضرة الناس، وترجم النسائي في ((سننه)) :
هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ وأدخل حديث أبي موسى من غير
الوجه الذي ذكرناه، [ورواه](٤) من حديث قُرَّة بن خالد، ثنا حُميد بن
هلال [قال](٥): حدثني أبو بردة، عن أبي موسى قال: أقبلتُ إلى
النبيِّ ◌َّ﴿ ومعي رجلان من الأشعريين؛ أحدهما عن يميني، والآخر
= قال الحافظ: والرواية الأولى؛ أي قوله: ((أُع أُع))، أشهر، وإنما اختلف
الرواة؛ لتقارب مخارج هذه الأحرف، وكلها ترجع إلى حكاية صوته؛ إذ
جعل السواك على طرف لسانه، كما عند مسلم.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٦٩).
(٣) ((ت)): ((المرتفعة)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
١٤٥

عن يساري، [ورسول الله وَّل﴿ يستاك]، وكلاهما سأل العمل، فقلت:
والذي بعثَكَ بالحقِّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرتُ أنَّهما
يطلبانِ العملَ، فكأني(١) أنظر إلى سواكِهِ تحتَ شفتِهِ قَلَصَت، فقال(٢):
((إِنَّا لا - أو لنْ ـ نستعينَ على العملِ منْ أرادَهُ، ولكن اذهبْ أنتَ))،
فبعثَه على اليمن بمرادفةِ(٣) معاذ بن جبل رضي الله عنهما (٤).
(١) في الأصل: ((وكأني))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((فقلت)).
(٣) في المطبوع من ((المجتبى)) للنسائي: («ثم أردفه)).
(٤) رواه النسائي (٤)، كتاب: الطهارة، باب: هل يستاك الإمام بحضرة
رعيته. وقد رواه البخاري (٦٥٢٥)، كتاب: استتابة المرتدين، باب:
حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، ومسلم (١٧٣٣)، كتاب: الإمارة،
باب: النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، من حديث قرة بن خالد، به.
١٤٦

الحديث السائع
وروى مسلمٌ - وهو مُتَّفقٌ عليه من رواية أبي هريرةَ - حديثاً(١)
فيه: ((والَّذِي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ، لَخُلُوفُ فم الصائمِ أَطْيَبُ عندَ اللهِ يومَ
القيامةِ (٢) منْ ربحِ المِسْكِ))(٣).
(١) في الأصل: ((حدثنا))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل و((ت)): ((عند الله يوم القيامة أطيب))، والمثبت من ((صحيح
مسلم))، وكذا ما سيذكره المؤلف لاحقاً، والنسخة الخطية لكتاب ((الإلمام))
(ق ٥ / أ) بخط الإمام ابن عبد الهادي. وانظر: ((الإلمام)) (١ / ٦٠).
(٣) * تخريج الحديث:
رواه مسلم (١١٥١/ ١٦٣)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام،
والنسائي (٢٢١٦)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على أبي صالح
في هذا الحديث، من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن أبي صالح الزيات،
عن أبي هريرة، به . .
ورواه البخاري (١٨٠٥)، كتاب: الصوم، باب: هل يقول: إني صائم إذا
شتم؟ والنسائي (٢٢١٧)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على أبي
صالح في هذا الحديث، من طريق ابن جريج، به، إلا أنهما لم يقولا :
(يوم القيامة)).
ورواه البخاري (٧٠٥٤)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى : =
١٤٧

الكلام عليه من وجوه :
* الأول: في إيراد الحديث بتمامه على الوجه:
روى مسلم من حديث عطاء، عن أبي صالح الزَّيَّات: أنه سمع
= ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ومسلم (١١٥١ / ١٦٤)،
كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي (٢٢١٥)، كتاب:
الصيام، باب: ذكر الاختلاف على أبي صالح في هذا الحديث، وابن
ماجه (١٦٣٨)، كتاب: الصيام، باب: ما جاء في فضل الصيام، من
طريق الأعمش، عن أبي صالح الزيات، عن أبي هريرة، به.
ورواه البخاري (٥٥٨٣)، كتاب: اللباس، باب: ما يذكر في المسك،
ومسلم (١١٥١ / ١٦١)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، والنسائي
(٢٢١٨)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على أبي صالح في هذا
الحديث، من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به.
ورواه الترمذي (٧٦٤)، كتاب: الصوم، باب: ما جاء في فضل الصوم،
من طريق علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، به.
ورواه البخاري (١٧٩٥)، كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم، ومسلم
(١١٥١/ ١٦٢)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، من طريق أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، به.
ورواه مسلم (١١٥١/ ١٦٥)، كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام،
والنسائي (٢٢١٣)، كتاب: الصوم، باب: ذكر الاختلاف على أبي صالح
في هذا الحديث، من طريق أبي سنان ضرار بن مرة، عن أبي صالح، به.
ورواه النسائي (٢٢١٤)، كتاب: الصيام، باب: ذكر الاختلاف على أبي
صالح في هذا الحديث، من طريق المنذر بن عبيد، عن أبي صالح، به.
ورواه البخاري (٧١٠٠)، كتاب: التوحيد، باب: ذكر النبي ◌َّر وروايته
عن ربه، من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، به.
١٤٨

أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: «قال الله وّت: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ
إلا الصِّيامَ فإنَّهُ لي، وأنَا أَجْزِي به، [والصيامُ جُنَّةٌ](١)، فإذا كانَ يَومُ
صَومِ أحَدِكُمْ فلا يَرِفُثْ [يومَئِذٍ] ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه(٢) أحدٌ أو
قَاتَلَهُ، فَليَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ(٣)، إنِّي امرؤٌ صائمٌ، والَّذِي نفسُ محمدٍ
بيدِهِ! لَخُلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ يومَ القيامةِ منْ ريحِ المِسْكِ،
وللضَّائمِ فرحَتانِ يفرحُهُما: إذا أفطرَ فَرِحَ بفطرِهِ، وإذا لَقِيَ ربَّهُ
فرِحَ بِصَوْمِهِ»(٤).
* الوجه الثاني : في تصحيحه:
[و](٥) قد ذكرنا رواية مسلم له، وأنَّه متَّفقٌ [عليه](٦)؛ أي: بين
الشيخين؛ كما هو العادة بين المحدثين في [إطلاق هذه العبارة؛
أعني: قولهم: متفق عليه.
وقوله: وروى مسلم، إشارة إلى أن اللفظ له.
وقوله: وهو متفق عليه؛ أي: أصل الحديث متفق عليه؛ كما هو
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((شاتمه))، والمثبت من ((ت)) و((صحيح مسلم)).
(٣) قوله: ((إني صائم)) ليس في المطبوع من ((صحيح مسلم)).
(٤) تقدم تخريجه عند مسلم برقم (١١٥١ / ١٦٣).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) زيادة من ((ت)).
١٤٩

العادة عند المحدثين في](١) قولهم(٢): متفق عليه، أو (٣) أخرجه
الشيخان، أو ما أشبهه، ومرادهم به الاتفاق على أصل الحديث، دون
أعيان الألفاظ .
وقوله: من رواية أبي هريرة، أراد: أن الاتفاق على حديث أبي
هريرة، واحترز عن رواية أبي سعيد في هذا، فإنها غيرُ مثَّفقٍ عليها(٤)،
بل انفرد بها مسلم(٥) .
* الوجه الثالث: [في الاختيار]:
لهذا الحديث طرق تختلف فيها ألفاظ الرواية (٦) بالزيادة أو النقص
(١) سقط من ((ت).
(٢) في الأصل: ((قوله))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((و))، والمثبت من ((ت)).
(٤) قال الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) (١ / ٣٦٤): إذا كان المتن
الواحد عند أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه عنه
الآخر مع اتفاق لفظ المتن أو معناه، فهل يقال في هذا أنه من المتفق؟ فيه
نظر على طريقة المحدثين، والظاهر من تصرفاتهم أنهم لا يعدونه من
المتفق، إلا أن الجوزقي منهم استعمل ذلك في كتاب ((المتفق)) له في عدة
أحاديث، وقد قدمنا حكاية ذلك عنه، وما يتمشى له ذلك إلا على طريقة
الفقهاء، انتهى.
(٥) في الرواية المتقدم تخريجها برقم (١١٥١ / ١٦٥) حيث رواه من طريق
أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما.
(٦) ((ت)): ((الرواة)).
١٥٠

أو غيرهما؛ فرواية(١) سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت
رسول الله وَ ل﴿ يقول: قال الله ثمّ: ((كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصيامَ هوَ
لي، وأنا أجزِي بهِ، فوالَّذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ لخُلْفَةُ فمِ الصائمِ أطيبُ
عندَ اللهِ منْ ريحِ المسكِ))(٢).
ورواية عطاء التي اختيرت في الأصل قد ثبت فيها: ((يومَ
القيامةِ))، وعلى مقتضاها لا يمتنع حملُه على الحقيقة، ويكون الله
تعالى يجعل رائحةَ فم الصائم أطيبَ رائحةً(٣) من ريح المسك تشريفاً
وتعظيماً وإظهاراً لمنزلته؛ كما يجعل رائحةَ دم الشهيد كرائحة
المسك.
وإذا لم تَمتنع الحقيقةُ حُمِل اللفظُ عليها، وليس في رواية
أخرى: ((يوم القيامة))، وإنما فيها: ((أطيبُ عندَ اللهِ من ريح المسك))،
وهذا يحتمل وجهین :
أحدهما: أن يكون هذا المطلق يُرادُ (٤) به ذلك المقيد، والعِنْدِيَّة
عِنْدِيَّة الحشرِ أو الدار الآخرة، وهذا قوي إذا كان الحديث واحداً
مُتَّحدَ المَخْرج، فإن الجمع بين اللفظين مُتَأَتٍّ من غير استكراه،
فيحمل عليه، ويجعل اللفظ مختلفاً من جهة الرواة، وبعضُهم أَثْبتَ
(١) ((ت)): ((فرواة)).
(٢) وتقدم تخريجه قريباً.
(٣) في الأصل: ((عند الله)) بدل ((رائحة)).
(٤) في الأصل: مرادُ، والتصويب من (ت)).
١٥١

ما لم يثبت(١) الآخر، فنقبل(٢) زيادته.
والوجه الثاني: أن يكون المراد بذلك في الدنيا، وعلى هذا لا بدَّ
من التأويل؛ لأن علم الله تعالى إنما يتعلق بالأشياء على ما هي عليه،
وإذا كانت متغيرة فلا(٣) يتعلق علم الله تعالى بها إلا متغيرة، ومن أثبت
من المتكلمين إدراكاً خارجاً عن العلم، فالأمر فيه كذلك أيضاً،
لا يجوز أن تكون إلا على وَفْقِ المُدْرَك، ثم في التأويل وجهان:
أحدهما: أنه يحتمل أن يقال: إن الرضا بالشيء من لوازم طيبه،
فيكون المعنى إنَّ رضا الله تعالى بهذا، أو عن صاحبه، أعظمُ من رضا
مُذْرِك المسك بإدراكه.
وإنما اخترنا التأويل بالرضا لكونه(٤) أقربَ إلى قوله عليه
السلام: ((السِّواك مطهرةٌ للفم(٥)، مرضاةٌ للرب))(٦).
ثم يرجع(٧) الأمرُ إلى معنى الرضا، فإذا جُعل بمعنى: إرادة
الثواب، كان مجازَ مجازٍ؛ لأن الطيبَ مجازٌ عن الرضا، والرضا مجاز
عن إيصال النفع.
(١) ((ت)): ((يثبته)) .
(٢) ((ت): ((فقبل)).
(٣) في الأصل: ((ولا))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((ليكون)).
(٥) ((ت)): ((الفم)).
(٦) تقدم تخريجه.
((ت)): ((رجع)).
(٧)
١٥٢

الثاني: أن يكونَ من باب مجاز الحذف على أن يكون عند
ملائكة الله تعالى، أو ما أشبهه (١)، إلا أنه يبعد؛ لأنه روي أن المَلَك
يتأذى برائحة الفم(٢)، وأن السواك يُطْلب لذلك؛ إما مطلقاً، وإما عند
الصلاة؛ أو كما جاء.
وإذا كان المَلَك يتأذى بذلك لم يصحَّ حَمَلَه عليه إلا أن يقال:
و
هذا مخصوصٌ بِخُلوفِ الصائم، والتأذي(٣) يكون بخُلوف غير الصائم(٤)،
والله أعلم.
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٤ / ١١٢).
(٢) كما تقدم تخريجه من حديث علي څته .
(٣) ((ت)): ((والثاني)).
(٤) قال أبو العباس القرطبي في ((المفهم)) (٣/ ٢١٥): لا يتوهم أن الله تعالى
يستطيب الروائح ويستلذها، كما يقع لنا من اللذة والاستطابة، إذ ذاك من
صفات افتقارنا، واستكمال نقصنا، وهو الغني بذاته، الكامل بجلاله
وتقدُّسه، على أنا نقول: إن الله تعالى يدرك المدركات، ويبصر المبصرات،
ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه
مخلوقاته، وإنما معنى الأطيبية عند الله تعالى راجعة إلى أن الله تعالى يثيب
على خلوف فم الصائم ثواباً أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك،
حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها؛ كالجُمع والأعياد وغير ذلك،
انتھی .
وهذا الذي رجحه الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (٨/ ٣٠). قال الحافظ
في ((الفتح)) (٤ / ١٠٦): وحاصله حمل معنى الطيب على القبول والرضا.
قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله في ((الوابل الصيب)) (ص: ٤٣)
وما بعدها: وقد اختلف في وجود هذه الرائحة من الصائم، هل هي في
الدنيا أو في الآخرة؟ على قولين.
١٥٣

* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل:
الأولى: (كلٌّ) اسم لمجموع أجزاء الشيء(١)، ومعناه الإحاطة
= ووقع بين الشيخين الفاضلين أبي محمد عز الدين بن عبد السلام وأبي
عمرو بن الصلاح في ذلك تنازع. فذكر ابن القيم رحمه الله حجة کل واحد
من الإماميين الجليلين، ثم قال: ثم ذكر - أي: أبو عمرو - كلام الشراح
في معنى طيبه، وتأويلهم إياه بالثناء على الصائم، والرضا بفعله على عادة
كثير منهم بالتأويل من غير ضرورة، وأي ضرورة تدعو إلى تأويل كونه
أطيب عند الله من ريح المسك بالثناء على فاعله، والرضا بفعله، وإخراج
اللفظ عن حقيقته، وكثير من هؤلاء ينشىء للفظ معنى، ثم يدّعي إرادة
ذلك المعنى بلفظ النص، من غير نظر منه إلى استعمال ذلك اللفظ في
المعنى الذي عينه، أو احتمال اللغة له، ومعلوم أن هذا يتضمن الشهادة
على الله تعالى ورسوله بأن مراده من كلامه كيت وكيت، فإن لم يكن ذلك
معلوماً بوضع اللفظ لذلك المعنى، أو عرف الشارع وعادته المطردة أو
الغالبة باستعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى أو تفسيره له به وإلا كانت
شهادة باطلة. ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة
المسك، فمثَّل النبي هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا
وأعظم. ونسبة استطابة ذلك إليه ، كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه،
فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين، كما أن رضاه وغضبه وفرحه
وكراهيته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك، كما أن ذاته ات
لا تشبه ذوات خلقه، وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم، وهو ثَان
يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه، والعمل الصالح فيرفعه، وليست هذه
الاستطابة كاستطابتنا .
ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال؛ إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم
مثله الرضا، فإن قال: رضا ليس كرضا المخلوقين، فقولوا: استطابة ليست
كاستطابة المخلوقين. وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب، انتهى.
قلت: وهكذا كلام في غاية التحقيق والمتابعة للسلف رضوان الله عليهم.
(١) انظر: ((الخصائص)) لابن جني (٣٣٤/٣).
١٥٤

والعموم، وتُستعمل تابعة وغيرَ تابعة، ولذلك كانت مقدمةً في التأكيد
على (أجمعين)؛ لأن (أجمعين) لا تستعمل إلا تابعة، وهي في لفظ
الحديث غيرُ تابعة .
الثانية: قال أبو محمد بن الخشاب(١) في ((الشرح العوني))؛
[يعني: شرحه لمقدمة عون الدين بن هُبيرة الوزير] (٢): وأما (كل)
فالجيدُ(٣): أخذت المالَ كلَّه، وجائز أن تقول: أخذت كل المال،
وجاءني كلُّ القوم وفي التنزيل: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا بِذَنِبِهِ،﴾ [العنكبوت: ٤٠]،
ومنه: ﴿ كُلَّا تُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ﴾ [الإسراء: ٢٠]، ومنه:
﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وقرئت الآية على وجهين: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]
بالنصب على التأكيد للأمر، وقوله: (لله) خبر إن، و(كلّه) بالرفع على
أنه مبتدأ، و(لله) خبره، والجملة خبر إن .
وهذا الكلامُ منه يقتضي ترجيحَ التأكيد في (كل)، وأن يكون
(١) هو الإمام العلامة إمام النحو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن نصر البغدادي
المعروف بابن الخشاب، يضرب به المثل في العربية، حتى قيل: إنه بلغ
رتبة أبي علي الفارسي، له تصانيف كثيرة منها: ((شرح مقدمة الوزير ابن
هبيرة في النحو))، و((شرح اللمع)) لابن جني، و((الرد على مقامات
الحريري)) وغيرها. توفي سنة (٥٦٧هـ). انظر: ((وفيات الأعيان)) لابن
خلكان (٣ / ١٠٢)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٠ / ٩٣)، و((بغية
الوعاة)) للسيوطي (٢ / ٢٩).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((فالحد))، والمثبت من ((ت)).
١٥٥

تبعاً، وترجيحَ قراءة النصب في (كله) على الرفع، وأن يكون المذكور
في الحديث على الوجه الجائز؛ كما في الآيات العزيزة التي تلاها مما
يقتضي عدمَ التبعية في (كل).
الثالثة: تعرَّض بعض الأدباء لاشتقاق لفظة (كل) [فقال: ويجوز
أن يكون اشتقاق (كل)](١) من: كللَ الشيء: إذا صار له إكليل،
ويحتمل أن يكون من قولهم: [ألقَى عليَّ كَلَّهُ؛ أي: ثقله، ويكون
قولهم: ](٢) أخذ كله؛ أي: أخذ ما يكِلُّ [به](٣) الحاملُ إذا حمله.
الرابعة: العمل يطلق على عمل الجوارح وعلى عمل القلوب،
وقد دخل الصوم تحت اسم العمل باستثنائه منه في (٤) الحديث،
ويمكن أن يجعل من أعمال القلوب؛ لأنه(٥) يتمُّ بنيةٍ وكفٍّ، وكلاهما
عملٌ قلبي.
الخامسة: اشتُهر أن الصوم في اللغة: الإمساك، يقال: خيل
صيام وصائمة، وصام(٦) الفرس على آرِيِّه، إذا لم يَعتِلِفْ(٧).
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((وفي))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((إلا أنه)، والمثبت من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((صيام))، والمثبت من ((ت)).
(٧) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٨/ ٣٩٠)، و((أساس البلاغة)) للزمخشري
(ص: ٣٦٥)، و((لسان العرب)) لابن منظور (١٢ / ٣٥٠)، (مادة: صوم).
١٥٦

وصام؛ بمعنى: صمت؛ لأنه إمساك عن الكلام، وقوله تعالى:
﴿إِنِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] يحتمل أن يراد به الصمتُ عن الكلام،
وعبَّر عنه بالصوم(١)، ويحتمل أن يكون [الصوم](٢) أطلق على العرف
الشرعي في الشرع السابق على ما قيل، ويكون الصمت لازماً(٣)، فإذا
عُلم أنه صائم، عُلم أنه صامت.
وعن أبي عبيدة: يقال لكلِّ مُمسكٍ عن الطعام، والشراب،
والكلام، أو عن أعراض الناس وغيبتهم: صائمٌ، وأنشد للنابغة [من
البسيط]:
خَيْلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ
تحتَ العَجاجِ وأُخرى (٤) تَغْلُكُ اللُّجُما(٥)
قال: قياماً من غير اعتلاف، ممسكةً عن الجري، وعن تعليك
اللجم، وعن الصَّهیل.
قال أبو عبيد: وقد جاء في التفسير ما يصدِّق هذا المذهب، وروى
بإسناد له عن ابن عباس: ﴿إِنِِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] قال:
(١) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (١٢ / ١٨٢)، (مادة: صوم)، و((مفردات
القرآن)» للراغب (ص: ٥٠٠).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((ملازماً))، والمثبت من (ت)).
(٤) ((ت)): ((وخيل)).
(٥) انظر: ((ديوانه)) (ص: ١١٢)، (ق ١٣ / ٢٥).
١٥٧

صمتاً(١)؛ حكاه السجستاني(٢) في (٣) ((الزينة)) عن أبي عبيد(٤).
ويقال للقائم أيضاً: صائم، وأنشد الأعشى [من المتقارب]:
وهنَّ صِيامٌ يَلُكْنَ اللُّجُمْ (٥)
وفسر صيام بـ: قيام، وكلُّ صائمٍ قائمٌ، وهو الرافع لرأسه لا يرعى
ولا يعتلف، والمَصام: المقام.
قلت: جعلُ الصوم حقيقةً لغويةً في الإمساك جارٍ على القانون
الذي قرَّره المتأخرون من النظَّار، وهو جعلُ المعنى العامِّ في موارد
الاستعمال حقيقةً للَّفظ (٦) (٧)؛ لأنه يقال: صام عن الطعام، وعن
الشراب، والأعراضٍِ، والجريٍ، والصهيلِ(٨)، والمشي، والاعتلافِ،
وغيرِ ذلك، والمعنى العام للموارد: الإمساك.
(١) ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٧٠ / ٩١).
(٢) هو الإمام أبو حاتم السجستاني النحوي، المتوفى سنة (٢٥٠هـ).
(٣) في الأصل: ((عن))، والمثبت من (ت)).
(٤) وانظر: ((غريب الحديث)) لأبي عبيد (١/ ٣٢٦ -٣٢٧).
(٥) وانظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (١٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، و((لسان العرب))
لابن منظور (١٢ / ٥٣٠)، (مادة: ل أم). وصدر البيت:
وقوفاً بما كان من لَأْمَةٍ
(٦) ((ت)): ((اللفظ)).
(٧) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٣/ ١٤).
(٨) (ت)): ((والصهيل والجري)).
١٥٨

واعلم أنَّ الذي يظهر أنَّ الإمساكَ أخصُّ من عدم الفعل، وأنه
يقتضي قصداً وكفّاً للنفس عن الفعل بعد كونه بعرضيته.
وإذا كان كذلك فقد استعمل الصوم فيما لا إمساكَ(١) فيه بهذا
الاعتبار الذي ذكرناه، فيقال: صام الماءُ؛ بمعنى: قام ودام، وصام
النهار: إذا قام قائمُ الظهيرة، وركدَ الحرُّ.
قال الأعشى (٢) [من الطويل]:
ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجَّرًا
فيحتمل أن يكون أطلقوا الإمساك على المعنى الأعمِّ العدمي،
فيكون (صام الماء) و(صام النهار) حقيقةً لغويةً، ويحتمل أن يكون
(صام الماء والنهار) مجازاً؛ لأن العدمَ يشبه الإمساكَ المقصود.
السادسة: اللام للملك والاختصاص؛ العبدُ لزيد، والسَّرْج
للدابة، ويمكن أن يجعل حقيقةً في الاختصاص؛ لأنه المعنى الأعم،
فإنَّ كلَّ مِلْكِ اختصاصٌ، وليس كلُّ اختصاصٍ مِلْكَاً، وقد قدمنا من
(١) ((ت)): ((الإمساك)).
(٢) كذا في ((م)) و((ت)): ((الأعشى))، والمعروف أنه لامرىء القيس، كما في
(ديوانه)). وكذا نسبه إليه أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (١ / ٣٢٨)،
والأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١٢ / ١٨٢)، والجوهري في ((الصحاح))
(٢ / ٨٥١)، والزمخشري في ((أساس البلاغة)) (ص: ٩٣)، وابن منظور
في ((لسان العرب)) (١٢ / ٣٥٠).
وصدر البيت:
فدعها وسلِّ الهمَّ عنكَ بَحسْرَةٍ
١٥٩

طريقة النظّار المتأخرين: أن المعنى العام يجعل حقيقة للّفظ؛ دفعاً
للاشتراك أو المجاز.
وإذا كان (١) بمعنى (٢) الاختصاص على كل تقدير، فهو أعمُّ من
الاختصاص النافع والاختصاص الضارِّ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
وَإِنْ أَسَأَتُّ فَلَهَا﴾[الإسراء: ٧]، وقد كَثُر استعمالُه في الاختصاص
النافع، ويقابلُ بـ(على) في الاختصاص الضارّ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا
أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، «كلامُ ابنِ آدمَ كلُّهُ عليه، لا له)) (٣).
ومما يؤكد أن مدلولَها الاختصاصُ قولُه _ العَيْهِ -: ((كلُّ عملِ ابنِ
آدمَ له»، فإنه لا يمكن حمله على المِلك؛ إذ لا معنى لمِلك ابن آدم
لما يعمله من الطاعات.
وستأتي وجوهٌ في معنى قوله تعالى: ((إلا الصوم فإنه لي))، وأنَّ
الاختيارَ فيه عندنا: أن المعنى: كلُّ عمل ابن آدم مُقدَّرٌ له ثوابُه إلا
الصومَ، فإنه لا تقدير في ثوابه، على ما سيأتي في تقريره.
السابعة: ذكروا وجوهاً في معنى: ((فإنه لي))، نذكر ما حضر، ثم
ننظر في ذلك إن شاء الله تعالى.
(١) ((ت)): ((كانت)).
(٢) في الأصل: ((لمعنى))، والمثبت من ((ت)).
(٣) رواه الترمذي (٢٤١٢)، كتاب: الزهد، باب: (٦٢)، وابن ماجه
(٣٩٧٤)، كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، من حديث
أم حبيبة رضي الله عنها. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه
إلا من حديث محمد بن یزید بن خنیس .
١٦٠