Indexed OCR Text

Pages 581-600

الرابعة والعشرون: فيه الأمر بتخمير الإناء، وهو تغطيته، وقد
ذكرنا أن اللفظةَ تدل على معنى الستر، وقد ورد مصرَّحاً بلفظ التغطية
في رواية أبي الزبير: ((غَطّوا الإناء))، وكذلك في حديث القعقاع بن
حكيم، عن(١) جابر: ((غطوا الإناء))(٢).
الخامسة والعشرون: يظهر أن المرادَ من تخمير الإناء أن فيه
شيئاً، ويشهد له روايةُ همَّام وعطاء، عن جابر في حديث ذكره:
((خمِّروا الطعام والشرابَ))، قال همَّام: وأحسَبُه: ((ولو بعود))، أخرجه
البخاري(٣).
ويليق بالظاهرية أن يخصُّوه بذلك، إذ ليس في لفظ هذا الحديث
تخصيصٌ بإناءٍ فيه شيء، وليس هذا - ولا بدَّ - من مُشَنَّعات الظاهرية،
فإنه سيأتي التعليلُ بنزول وَباءٍ في ليلة في السنة، وأنه لا يمر بإناءٍ ليس
عليه غطاءٌ، أو سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه من ذلك الوَباء، فإذا
كان هذا هو العلة فلا يختص ذلك بإناء فيه شيء، فقد يكون نزولُ
الوباء في الإناء الفارغ مُضِرّاً عند استعمال شيء، فیکون بعد ذلك فيه.
ومما يقوّي هذا أن في رواية مالك - رحمه الله - عن أبي الزبير،
عن جابر: ((أكفؤا الإناء))(٤)، وهذا إنما هو في إناء فارغ؛ لأن إكفاءه
(١) (ت)): ((وعن)).
(٢) رواه مسلم (٢٠١٤ / ٩٩)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء.
(٣)
تقدم تخريجه عنده برقم (٥٣٠١) و(٥٩٣٨).
(٤) تقدم تخريجها عند مسلم وأبي داود والترمذي، وقد رواه الإمام مالك=
٥٨١

قلبُه، ولو كان فيه شيء لتلف عند قلبه، فيقتضي ذلك أن إكفاء الإناء
أيضاً مطلوب كتغطية الإناء المشغول.
ولولا أن الحديث واحد، والاختلاف في اللفظ على راوٍ وهو
أبو (١) الزبير، وقال مالك: ((أكفؤا الإناء))، وقال الليث: ((غطوا
الإناء)»، لقوي ما قدمناه من عموم الحكم للإناء الفارغ والمشغول؛
أعني: التغطيةَ وما يقومُ مقامَها من الإكفاء، ويُنَزَّل ذلك على
اختلاف حالين: ففي الإناء المشغول التغطيةُ، وفي الإناء الفارغ
الإکفاءُ.
السادسة والعشرون: تغطية الإناء المشغول بشيء مطلق في هذه
الرواية من غير تعليل، ويمكن تعليله عند هذا الإطلاق بأمرين:
أحدهما: صيانته من وقوع المُفسِدات لطهوريته، أو لطهارته.
والثاني: صيانته عن المُضِرَّات البدنية.
والتعلیل الوارد في حدیث اللیث یُشْعِر بالثاني، فإنه عن یزید بن
عبد الله بن أسامة بن الهَاد اللّيثي، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن
عبد الله بن الحكم، عن القعقاع بن الحكيم، عن جابر بن عبد الله
قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَله يقول: ((غطُوا الإناءَ، [وأوكوا السِّقاء]،
فإنَّ في السنةِ ليلةً ينزلُ فيها وباءٌ، ولا يمرُّ بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو
= في ((الموطأ» (٢ / ٩٢٨).
(١) (ت)): ((ابن))، والصواب ما أثبت.
٥٨٢

سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلاَّ نَزَلَ فيه من ذلك الوباء))، أخرجه مسلم(١).
وفي رواية: ((فإن في السنةِ يوماً ينزلُ فيه وباءٌ))، وفيه قال الليث:
فالأعاجم(٢) عندنا يتقون ذلك في كانون الأول(٣).
وهذا يقتضي التعليلَ بما ذُكر في الحديث على ما تقرر في مثله
فيما تقدم.
السابعة والعشرون: فيه الأمرُ بتسمية الله تعالى عند تغطية الإناء.
الثامنة والعشرون: ليس في هذه الرواية تعليلُ وِكاء السقاء، وقد
ذكر ذلك في التي سقناها في حديث القعقاع عن جابر، وفي رواية أبي
الزبير، عن جابر أيضاً: ((وأوْكِئُوا السقاءَ».
وفيه: أن الشيطان لا يحل سقاءً، فيأتي من مجموع الحديث علتان.
التاسعة والعشرون: قوله - التكليف - في هذه الرواية: ((ولو أنْ
تَعْرِضُوا عليه شيئاً) في لفظ الشيء عموم، وقد ورد ما هو أخص منه،
وهو العُود؛ كما يأتي ذكرُه في حديث الليث، عن أبي الزبير، وروايته
هذه أبلغُ من الرواية التي ذكرتُها في طلب التغطية؛ لأن الشيء يحتملُ
ما هو أبلغُ في التغطية من العود.
(١) تقدم تخريجه قريباً برقم (٢٠١٤ / ٩٩).
(٢) ((ت)): ((ولاحاجة)) بدل ((فالأعاجم))، والتصويب من ((صحيح مسلم)).
(٣) رواه مسلم (٢٠١٤)، (٣/ ١٥٩٦)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية
الإناء .
٥٨٣

الثلاثون: قوله - الظلية -: ((ولو أن تَعْرِضوا عليه شيئاً)) يحتمل
وجھین:
أحدهما: أن لا يكونَ على حقيقةِ الطلب بتعريض العود،
فيحتمل أن يكون ذلك مخصوصاً بحالة عدم غيره، ويحتمل أن يكون
مخصوصاً بحالة العجز؛ للمبالغة في طلب التغطية .
واللفظ يحتمل الأمرين، ولعل فيه إشارة إلى حالة العدم، وقد
ورد التصريحُ بذلك في رواية الليث، عن أبي الزبير، وهو: ((فإنْ لم
يجدْ أحدُكم إلا أن يَعْرِضَ على إنائِهِ عوداً، أو يذكر اسمَ اللهِ
فليفعلْ))(١).
الحادية والثلاثون: فإن حملناه على الطلب حقيقة التغطيةَ
بالعود، فقد ذكرنا أن في تغطيته صيانةً مما يفسده، ويخرجه عن
الطهورية، أو الطهارة، والثاني: صيانته مما ينزل فيه من الوَبَاءِ
المُضِرِّ، فعلى الأمر الأول أن يكون ذلك من باب تقليل الفاسد على
حسب الإمكان؛ لأن الواقعَ يختلف بالكِبَر والصِّغَر، وقد يكون من
الصغر بحيث يمنعه الشيء المعروض، فكل معروض يَمنع بحسبٍ
ما تقتضيه صورتُه ومقداره.
وعلى الأمر الثاني يحتمل أن يكون كذلك، ويكون العود
المعروض مما يمنع نزولَ ذلك الوباء على تقديرِ مضادٍ فیه، له دافع
(١) وتقدم تخريجها في أول الحديث.
٥٨٤

للمفسدة على تقدير ممكن، فليُفعَل.
ويحتمل أن يكون العُود المعروضُ مانعاً من وقوع ذلك الوَباء في
الإناء مطلقاً؛ لأن هذه الأمور والأسرار الغيبية لا تَنْقَاس بالإمكان
والأوهام، ولا يُطَّلع على مقتضياتها وموانعها بصور الفكر والعقل،
والله أعلم.
الثانية والثلاثون: يجعل أصلاً في الاحتراز والاحتياط للأمور
الدينية والمصالح البدنية على حسب العلتين، فإن كان لأجل صيانة
الماء عن مُفْسِداته الشرعية، فهو احتياط للأمور الدينية، وإن كان
الاحتراز عن الوباء؛ كما دلَّ عليه الحديثُ الآخر، فهو احتياط للأمور
البدنية وصيانتها من المُضِرَّات.
الثالثة والثلاثون: لأهل الطب أقوالٌ في حفظ الصحة،
والاحتراز من الأمراض وأسبابها، فيمكن أن يجعل هذا أصلاً في
ذلك، إلا أن يقومَ مانعٌ خاصٌّ في بعض ما يقولونه، كما سيأتي في ذم
الإفراط في هذه الأمور، فلا يتم ما ذكروه فيه، والله أعلم.
الرابعة والثلاثون: كل واحد من الاحترازين؛ أعني: الديني
والدنيوي، المحمودُ منه مقدارٌ معلوم، متى جاوزه الإنسانُ خرج في
حيِّرُ الذم، فالاحتراز في الطهارات يُحْمَد منه الورعُ، والإفراط في
ذلك يخرج إلى حد الوسوسة والغلوِّ في الدين، وكذلك الاحتراز عن
المؤذِيات الدنيوية يُخرِجُ إفراطُه إلى ضعف التَّوُّل وشدةِ الإغراق
٥٨٥

في التعلَّق بالأسبابِ، وهو مذموم، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ
قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٣].
والفرق بين الموضعين دقيق عسِرُ العلم، وله طريق ونظر طويل
يتعلق بباب التوكل، والذي يحتاج إليه هاهنا أن يُعلم أن هذا المقدارَ
من الاحتراز؛ أعني: على الطهارة بتغطية الإناء وصَوْنه عن النجاسات
والمفسدات، ليس من باب الوسواس والتنطّع، إن كان ما ذكر من هذا
المعنی داخلاً في هذا التعليل.
وكذلك يؤخذ منه إن كان هذا الاحترازُ وقدره من المؤذي
وأسبابه لا يُذُّ.
الخامسة والثلاثون: في مقدمة لغيرها؛ قال الرسول وَلقه: ((إذا
سمعتُمْ بهِ بأرضٍ فلا تَقْدَموا عليهِ، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتمْ بها فلا
تخرجُوا فِراراً منه»(١)، فقيل فیه: إن الوباء مرض عام، فإذا وقع بأرض
والإنسان فيها فالظاهرُ مداخلةُ سببهِ له، فلا یفید الفرار منه بعد دخول
سببه في جسده، وإذا لم يكن بأرض فالظاهر سلامتُه، فإقدامه عليه
تعرُّضٌ للضَّرر.
(١) رواه البخاري (٣٢٨٦)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الغار، ومسلم
(٢٢١٨)، كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، من
حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما .
٥٨٦

والذي يترجَّح فيه عندي - والله أعلم -: أن الإقدام عليه یعرِّض
النفسَ للبلاء، وما لعلها لا تصبِر عليه، وربما كان فيه ضربٌ من
الدَّعوى لمقام الصبر والتوكّل، فلا ينبغي ذلك؛ لاحتمال اغترار
النفس، ودعواها ما لا يثبت عند الحقيقة، فإذا كان بأرض ووقع بها،
فالفِرار منها قد يكون داخلاً في باب التوغّل في الأسباب، وتصوراً
بصورة الفارِّ مما لعله يُقضى عليه به، فالتكلِّف في الأول في القدوم،
والتكلف في الثاني في الفرار، فأمرَ بترك التكلف فيهما، وقد لمحَ
الصحابيُّ ما ذكرناه بقوله: أفراراً من قدر الله؟! غير أنه استعمله في
القدوم عليه، وهو الذي يشير إليه قولُه وَلِهِ: ((لا تتمنَّوا لقاءَ العدوِ،
وإذا لقِيتُمُوهُمْ فاصبرُو)) (١)، فالنهي عن التمني؛ لما فيه من التعرض
للبلاء، وخوف الاغترارِ من النفس وخَورِها عند الحقيقة(٢).
السادسة والثلاثون: فإذا تقرَّر هذا، فأمرُه - الَّة - بتغطية الإناء
لدفعٍ متوقَّعٍ لسبب البلاء، منعٌ لوقوع المسبّب المُؤذي بالإنسان، وهو
نظيرُ المنعِ مَنْ قدومُه على أرضٍ وقع فيها الوباء؛ لما يشتركان
(١) رواه البخاري (٢٨٦٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء
العدو، ومسلم (١٧٤١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء
العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، من حديث أبي هريرة .
(٢) نقل هذا الترجيح عن المؤلف: الحافظ ابن حجر في ((الفتح))
(١٠ / ١٩٠).
٥٨٧

فيه من عدم التعرض لسبب الأذى البدني، والتسبب هاهنا [لا] يدفعه،
بل هاهنا أولى؛ لأن ذلك قد يَرْجِع إلى التَّرك، وهذا راجعٌ إلى
الفعل.
السابعة والثلاثون: قد يؤخذ منه الإِحتراز بالحِمْية عما يؤذي
البدن، وأنه غيرُ مذموم، ولا داخلٌ في باب التوغُّل في الأسباب، وبل
أولى؛ لما ذكرناه، وهذا فرد من أفراد ما ذكرناه في المسألة الثانية
والثلاثين، وإنما أفردناه لِخصوصيته بدفع الضرر عن البدن من جهة
الأمراض والأَعْلال.
الثامنة والثلاثون: الأمر بإطفاء المصابيح في هذه الرواية مطلقٌ،
وهو محمولٌ على إطفائها عند إرادة النوم، وقد جاء ذلك مبيّناً مصرَّحاً
به في روايةٍ عن عطاء، عن جابر في حديث ذكره: «أطفِئُوا المصابيحَ
بالليلِ إذا رقدْتُم))، أخرجه البخاري(١).
التاسعة والثلاثون: قد ورد تعليلُ إطفاء السراج، فأخرج
البخاري من حديث كثير، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله - رضي الله
عنهما - قال: قال رسول الله وَله: ((خمِّرُوا الآنيةَ، وأطفئوا المصابیحَ،
فإنَّ الفُوَيسِقةَ ربما جَرَّتِ الفتيلةَ فأحرقَتْ أهل البيتِ))(٢).
(١) تقدم تخريجه عنده برقم (٥٣٠١) و(٥٩٣٨).
(٢) تقدم تخريجه عنده برقم (٥٩٣٧).
٥٨٨

الأربعون: روى أبو بردة، عن أبي موسى قال: احترق بيتٌ على
أهله بالمدينة، فلما حُدِّثَ رسولُ اللهِ وَّهِ بشأنهم قال: ((إنَّ هذهِ النارَ
إنما هي عدوٌّ لكم، فإذا نمتُمْ فأطفئوها عنكم)) (١)، وهذا داخلٌ في
أسباب الحديث، فذكر منه شيئاً يسيراً، وهو فنٌّ غريب يضاف إلى
الكتاب العزيز، ولو تُتْبِّعَ لحصل فوائد(٢).
الحادية والأربعون: إذا كانت العلةُ في إطفاء السِّراج الحذَرَ من
(١) رواه البخاري (٥٩٣٦)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك النار في البيت
عند النوم، ومسلم (٢٠١٦)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء.
(٢) قال المؤلف رحمه الله في كتابه: ((شرح عمدة الأحكام)) (١ / ١١) عند
شرحه لحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)): شرع بعض المتأخرين من أهل
الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول
للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير له، وهذا الحديث على
ما ذكرناه من الحكاية عن مهاجر أم قيس، يدخل في هذا القبيل، وتنضم
إلیه نظائر کثيرة لمن قصد تتبعه، انتهى.
قال الحافظ في ((شرح النخبة)) (ص: ١٤٤ - ١٤٥): وكأنه - أي ابن دقيق -
ما رأى تصنيف العكبري أبي حفص، وهو من شيوخ القاضي أبي يعلى بن
الفراء الحنبلي.
قال السيوطي في مقدمة كتابه ((أسباب ورود الحديث)) (ص: ٢٨): وأما
أسباب الحديث، فألف فيه بعض المتقدمين ولم نقف عليه، وإنما ذكروه
في ترجمته. وقد أحببت أن أجمع فيه كتاباً، فتتبعت جوامع الحديث،
والتقطت منها نبذاً، وجمعتها في هذا الكتاب.
٥٨٩

الفويسقة وجرِّها الفتيلة، فمقتضاه أنه إذا كان السِّراجُ على هيئةٍ
لا تَصِل إليها الفويسقة أن لا يُمنَعَ إبقاؤه، أمّا إذا كان على مَنَارة من
نحاس أملس لا يمكن الفويسقةَ الصعودُ إليه، وأبعد عن المواضع التي
يتأتَّى لها الوصولُ منها إلى أعلى المنارة التي يوضع فيها السراج،
وإنما كان هذا مقتضاه أَنْ یزولَ الحکمُ بزوال علته.
الثانية والأربعون: هذا وإن كان مقتضى التعليل بإطفاء المصابيح،
إلا أنه قد ورد الأمر بإطفاء النار عند النوم مطلقاً، ففي حديث سالم، عن
أبيه، عن النبي وَ ﴿ قال: ((لا تتركُوا النارَ في بيوتِكُمْ حينَ تنامُون))(١)، وفي
حديث أبي بردة، عن (٢) أبي موسى: ((إن هذه النارَ هي عدوٌ لكم، فإذا
نمتم فأطفئُوها عنكم))(٣)، والحديثان خُرِّجا في ((الصحيحين)).
وإذا أُمِرَ بإطفاء النار مطلقاً، فهو أعمُّ من نار السراج، فالأمر
المعلق بإطفاء المصابيح لأجل العلة المذكورة، وهي جَرُّ الفتيلة، إذا
أُمِنَت المفسدة لما ذكرناه، وانتفت تلك العلة، يبقى بعده الأمرُ بإطفاء
النار متناولاً للمصباح المتوقد المأمون معه جره الفتيلةَ، وقد تتطرق
بذلك مفسدةٌ أخرى غيرُ جرِّ الفتيلة؛ كسقوط شيء من السراج على
(١) رواه البخاري (٥٩٣٥)، كتاب: الاستئذان، باب: لا تترك النار في البيت
عند النوم، ومسلم (٢٠١٥)، كتاب: الأشربة، باب: الأمر بتغطية الإناء.
(٢) (ت): ((عند))، والصواب ما أثبت.
(٣) تقدم تخريجه قريباً.
٥٩٠

بعض متاع البيت، فإذا أمن ذلك أيضاً وانحسرت موادُ الفساد، فلا
يبعُد العمل بمقتضى زوال العلة، وهو زوال المنع.
الثالثة والأربعون: إذا استُوثِق من النار بحيث يؤمن معها
الإحراقُ، فمقتضى زوال العلة جواز إبقائها؛ كما ذكرناه في السراج،
وقد سمعت من يقول ذلك، أو معناه؛ أعني: الجواز عند الاستيثاق
والأمن من المفاسد.
الرابعة والأربعون: لعلك تقول: قد ذكرْتَ في إطفاء المصابيح
أنه محمولٌ على إرادة النوم، واستشهدت بالرواية الأخرى، وهو
قوله الكميه: ((أطفئوا المصابيحَ بالليلِ إذا رقَدْتُم))، وقصَرْتَ الأمرَ على
هذا الحال، فهلاً قيل بالعموم فيما عدا حالة الرُّقاد حتى يتناوله
الأمر، إذ لا منافاةَ بين إطفائها عند النوم، وإطفائها في غير
هذه الحالة؟
قلت: لا یمکن هاهنا، وبیانه من وجوه :
أحدها: أن الرواية التي ذكرناها هي رواية همام، عن عطاء،
عن جابر، والرواية التي ذكرت في الأصل مطلقةً هي رواية ابن
جريج، أو غيرِه، عن عطاء، عن جابر، فهما حديث واحد اختلفت
الرواةُ فيهِ، عن عطاء، ذكر بعضُهم فيها قيداً، وأهمَله الآخرُ، والأخذ
بزيادة العدل واجبٌ.
ونحن نقول: إنه إذا ظهر أن الحديثَ واحدٌ باتحاد مَخْرَجِه،
٥٩١

وذكرَ بعضُهم فيه قيداً وأهمله الآخر، حملنا ذلك على زيادة العدل
بالذي ذكر القيد في ذلك الحديث على الآخر الذي لم يذكر، فكأنه
منطوق به في الرواية التي لم يذكر فيها، بخلاف ما إذا تعدد الحديثان
باختلاف الرواية والمخارج.
الوجه الثاني: إن العمل بالعموم أو الإطلاق هاهنا متعذِّرٌ قطعاً،
بخلاف ما ذكرتُ من المثال، وما هو في معناه؛ لأنا لو عملنا بالعموم
أو الإطلاق لزم الإطفاء لكل مصباح أُوقِد في كل وقت، [و] يطلب من
كل من أوقد مصباحاً أن يطفئه عقِب رقودهِ؛ لأنه مصباحٌ مُوقد حينئذ،
وذلك باطل بالضرورة.
الوجه الثالث: النظر إلى المعنى المناسب الذي دل عليه الحديث
الآخر بلفظه، وهو الخوفُ من الإحراق بَجرِّ الفويسقةِ الفتيلةَ، مع عدم
الفائدة في إطفاء كلِّ مصباح لا يتعلَّقُ بإيقاده مفسدة، وذلك يقتضي
التخصيصَ بحالة الغفلة عن اعتبار حال المصباح، وهي حالة النوم،
واتباعُ المعاني الظاهرةِ متعيِّنٌ.
الخامسة والأربعون: نشأ من هذا ذِكرُ قاعدة ينبغي أن يُوجَّه
النَّظرُ إليها، وهي أنَّ اللفظ العام إذا عُلُّل الحكم فيه بعلة خاصة، هل
مقتضى ذلك تخصيصه بِمحلِّ العلة عملاً بها، أو يقال بعمومه عملاً
بمقتضى اللفظ (١)؟
(١) تقدم ذكر هذه القاعدة عند المؤلف رحمه الله في أكثر من موضع.
٥٩٢

بيانه فيما نحن فيه: أمْره - الصَّ - بإطفاء المصابيح، أو
المصباح، والتعليلُ بجر الفويسقة الفتيلة يقتضي التخصيص بما يمكن
فيه ذلك، وأنه المراد بالعام، أو يقال: هو [على] عمومه، حتى إذا
أُمن جرّ الفتيلة تناوله الأمرُ بعمومه.
فإن قيل بالأول، جاء ما تقدَّم من زوال الحكم عند زوال العلة،
وإن قيل بالثاني بقي الأمرُ متناولاً لحالة الأمن، إلا بدليلٍ من خارج
يقتضي إخراجَ تلك الحالة.
وهذا غيرُ الذي تقدم من الأمر بإطفاء النار وما تكلمنا فيه.
السادسة والأربعون: قد حملنا قوله - الصَّ - في هذا الحديث:
((أطفئوا المصابيحَ)) على حالة النوم بالحديث الآخر، وهو قوله: ((إذا
رقدتُم))، ويجب أن يُحمَل قولُه: ((إذا رقدتم)) على إرادة الرقود لا على
نفس الرقود، وإطلاق الفعل على إرادة الفعل مجازٌ مشهور في كلام
العرب، وقد حَمَلَ الأكثرون عليه قولَه تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].
وخالف الظاهريُّ فيه، وحمله على نفس الفعل، وأن الاستعاذة
بعد القراءة(١)، وهذا مستحيل في هذا اللفظ الذي نحن فيه، والله أعلم.
السابعة والأربعون: هذه الأوامر التي أوردت في هذا الحديث
لم يحملها الأكثرون على الوجوب، وينبغي على مذهب الظاهرية
(١) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٣/ ٢٥٠).
٥٩٣

حملُها على ذلك؛ لأن ظاهرَ الأمرِ الوجوبُ، ويجب العمل بالظاهر
إلا لمُعَارِض من خارج، فإن أبدى معارضاً يمنع من الظاهر، وإلا فلا
عُذرَ له.
وهذا الحكم - أعني: وجوب الحمل على الظاهر إلا لمعارض -
ظاهر لا يختص بالظاهري، فإن القياسَ أيضاً يوافق في ذلك، إلا أن
الظاهري أولى بالإلزام؛ لأنه لا يتتبَّعُ المعاني ولا يلتفت إلى
المفهومات والمناسبات عند دلالة اللفظ، بخلاف القياس.
واتباع المعاني قد يقيم القياس مأخذاً في الخروج عن الظاهر إن
صحَّ له ذلك، فعلى كل حالٍ له طريق مسدود عن الظاهر.
الثامنة والأربعون: قد ذكر الأصوليون لصيغة الأمر محاملَ
متعدِّدةً، وفي هذا الحديث صيغٌ متعددةٌ لأمرٍ، فإذا لم يُقَلْ بالوجوب
فيها تعيَّنَ النظرُ في ماذا يُحمَلُ علیه؟
فمنها ما يحمل على الندب، ومنها ما يحمل على الإرشاد،
ومنها ما يحمل على الإباحة.
التاسعة والأربعون، والخمسون، والحادية والخمسون: وفيما
تحمل فيه الصيغة على الندب - إذا لم يُقَل بالوجوب - الأمرُ بالتسمية
في هذه الأحوال؛ أعني: عند إغلاق الأبواب، وإيكاء القِرَب،
وتخميرِ الآنية؛ لما في اسم الله تعالى من رجاء البركة، ولما عُرِفَ من
الندب إلى ذكر اسم الله تعالى عند الشروع في الأمور.
٥٩٤

الثانية والخمسون: وأما الأمر بكفِّ الصبيان عند المساء، فينبغي
أن يكون من باب الإرشاد؛ لأنه يتعلق بالمصالح الدنيوية.
الثالثة والخمسون: وأما الأمر بتخليتهم بعد ساعة من الليل،
فمحمول على الإباحة.
الرابعة والخمسون: وأما الأمر بإغلاق الأبواب، فمقتضى
التعليل بأنَّ الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، أن يدخل في باب الندب؛ لأن
الاحتراز من مخالطةِ الشياطينِ وملابسةِ أماكِنِهِم مندوبٌ.
الخامسة والخمسون: وكذلك القول في إيكاء القِرَب سواء؛ لأن
التعليل بأن الشياطين لا تَخُلُّ سِقاء، يقتضي أن يكون من باب الندب،
والاحتراز من دخول الهواءِّ المؤذية، يقتضي أن يكونَ من باب
الإرشاد.
السادسة والخمسون: والأمر بتخمير الآنية كذلك؛ لأنه إن كان
لأجل الاحتراز عن الوباء النازل كما في الحديث، كان إرشاداً، وإن
كان لأجل صيانة الماء عما يخرجه عن الطهارة والطهورية كان ندباً،
وأما بالنسبة إلى الطعام فيكون إرشاداً.
السابعة والخمسون: قد أشرنا إلى وجه الحاجة إلى الترجيح
بين الدليل الدال على نجاسة إناءِ المشرك في حديث أبي ثعلبة (١)،
والدليل الدال على اعتبار مقدار القلتين(٢)، ويمكن أن يرجّح حديث
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريج حديث القلتين وكلام الأئمة فيه.
٥٩٥

أبي ثعلبة بأنه أصح؛ لأنه في ((الصحيحين))، وليس فيه الاضطراب
الذي في حديث القلتين، وبأن دلالة حديث القلتين على نجاسة الماء
القليل دلالةٌ مفهوم، وبأنه يتوقف الاستدلالُ به على مقدمة أخرى.
الثامنة والخمسون: وذكرنا أيضاً الترجيحَ بين الدليل الدال
لمقدار معين على نجاسة إناء المشرك، والدليلِ الدال على أن الماء
القليل ينجس باتصال النجاسة به، ومن ذلك الدليل حديثُ القلتين،
وقد ذكرنا ما يمكن فيه من الترجيح، ومنه حديث المستيقظ من
النوم(١)، وهو حديث صحيح مشهور، لا يتأتّى فيه الترجيح بزيادة
الصحة، ولكن الترجيح فيه من جهة الدلالة، فجهة دلالة حديث أبي
ثعلبة: هي الأمر بالغسل قبل الاستعمال، وهو دليل على النجاسة
ظاهراً، وجهة الدليل من حديث المستيقظ: هي أنه لو لم يتأثر الماء
بالنجاسة لمَا أُمِرِ بالغسل عند التوهم والاحتمال، وعليه سؤال سيأتي،
فيكون محلَّ النظرِ ترجيحُ إحدى الدلالتين على الأخرى.
التاسعة والخمسون: وأما الترجيح بين الدليل الدال على قلة ماء
المَزَادة ونقصانِه عن حدِّ الكثرة بعد تسليم التحديد بالقلتين، أو
احتمالِ كثرته، فذلك راجعٌ إلى أمر وجوديٍّ ينبني عليه الظنُّ بالنقصان
أو عدمِه، والله أعلم بالصواب.
(١) تقدم تخريجه.
٥٩٦

فهرس الموضوعات
الموضوع
رقم الصفحة
٤ باب الآنية
٥
أصل كلمة ((الآنية)» لغةً
٥
الحديث الأول: تحريم استعمال أوانى الذهب والفضة
* الوجه الأول: التعريف بمن ذُكِر
٩
ترجمة البراء بن عازب
٩
ترجمة معاوية بن سوید رحمه الله
١١
* الوجه الثاني: في تصحيح الحدیث
١٣
* الوجه الثالث: مفردات ألفاظ الحديث
١٤
ضبط لفظ ((مُقَرِّن)»
١٤
أصل معنى ((العيادة)) لغةً
١٤
أصل وضع ((المرض)) في اللغة حقيقةً ومجازاً
١٥
معاني كلمة ((اتباع)) لغةً، واشتقاقاً
١٦
الفرق بين ((الجَنازة)) و((الجِنازة)) لغةً
١٨
((التشميت)): معناه اللغوي، صيغته، والفرق بينه وبين ((التسميت))
١٩
معنى ((القَسَم)) لغةً، وأصل اشتقاقه
٢٣
المراد من قوله: ((إبرار القسم))
٢٤
اختصاصات ((أو)) لغةً
٢٥
٥٩٧

الموضوع
رقم الصفحة
معنى ((النصر)) و((النصرة)) لغةً
٢٥
تعریف «الإجابة» قولاً وفعلاً
٢٦
تعريف ((الظلم) لغةً
٢٦
استعمالات لفظة ((الدعاء)) لغةً
٢٦
الفرق بين ((الدعاء)) و((النداء)) لغةً
٢٧
دلالة مادة ((الإفشاء)) لغةً
٢٨
مواضع يطلق فيها ((السلام))، ومعانيه
٢٨
وزن ((خواتيم)»: فواعيل، وما يجمع على هذه الصيغة
٢٩
٣٠
أصل وضع كلمة ((الذهب)) في اللغة.
٣٠
تعريف ((الميثرة)»، وجمعها ((المياثر)) لغة
ضبط لفظة ((القسي))، ومعناه
٣١
معنى كلمة ((اللبس)) بضم اللام، وكسرها وفتحها لغةً
٣٢
تعريف ((الإستبرق)) في الأصل اللغوي
٣٣
٣٣
تعريف ((الديباج)) في الأصل اللغوي
٣٥
* الوجه الرابع: في شيءٍ من العربية والمعاني
أصل كلمة ((الميثرة)) من ((الوثارة))
٣٥
جواز تقدير الحذف وعدمه في قوله: ((وعن المياثر))، ((وعن القسيّ))، ((وعن
خواتیم أو تختم الذهب»
٣٥
* الوجه الخامس: في الفوائد والمباحث
٣٦
الأولى: مراتب إخبارِ الصحابي في الأمر والنهي من حيث إفادة العلم والظن
..
٣٦
٥٩٨

الموضوع
رقم الصفحة
٣٧
الثانية: دلالة ورود هذه الأمور المذكورة من لفظ الرسول وَلول
٣٩
الثالثة: ما تعود إليه الأوامر والنواهي في الحديث
الرابعة: وجوب التفريق بين ((الجمع في الخبر)) وبين ((الخبر في الجمع))،
ومقتضى كلٌّ منهما
٤٠
الخامسة: استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه
٤٠
....
السادسة: فائدة التكرار في ذكر أنواع الحرير
٤١
السابعة: فيما يتعلَّق بالأمر، والمأمور، والمأمور لأجله من الحديث
٤٢
الثامنة: هل يتعلق فرض الكفاية بالجميع أو بالبعض؟
٤٣
التاسعة: هل يوصف فعلُ الجميع بالفرضية في فرض الكفاية إذا باشره
أکثر المكلفين؟
٤٤
العاشرة: المقصود من حمل الحكم على العموم
٤٤
الحادية عشرة: المقصود من إطلاق الحكم في بعض الأمور
٤٤
الثانية عشرة: قانون معرفة فرض الكفاية
٤٥
الثالثة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى عيادة المريض
٤٦
٤٨
الرابعة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى اتباع الجنائز
الخامسة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى تشميت العاطس
٥٠
السادسة عشرة: الفرق بين الفرض على الكفاية والاستحباب على الكفاية
٥٣
السابعة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى إبرار القسم
٥٣
.....
الثامنة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى نصر المظلوم
٥٧
التاسعة عشرة: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى إجابة الداعي
٥٩
العشرون: أقسام الحكم الشرعي بالنسبة إلى إفشاء السلام
٦١
٥٩٩

الموضوع
رقم الصفحة
الحادية والعشرون: دلالة ظاهر الأمر من الحديث
٦٢
الثانية والعشرون: دلالة ظاهر النهي في هذا الحديث
٦٢
٦٣
الثالثة والعشرون: الإطلاق في حكم استحباب عيادة المريض
الرابعة والعشرون: عموم العيادة بالنسبة إلى المرضى
٦٥
الخامسة والعشرون: ما يلزم من هذا العموم بالنسبة إلى الأمراض
٦٦
السادسة والعشرون: الأمر مطلق في العيادة
٦٧
السابعة والعشرون: الاكتفاء بالمرة بالنسبة إلى العيادة
٦٧
الثامنة والعشرون: استرسال العيادة مطلقاً
٦٧
التاسعة والعشرون: عموم العيادة بالنسبة إلى الصبيان
٦٨
الثلاثون: العيادة بالنسبة إلى النساء
٦٨
الحادية والثلاثون: حكم عيادةٍ من يجب عليه القسم بين الزوجات لغير
صاحبة النوبة
٦٨
الثانية والثلاثون: حكم إذا خاف الهلاكَ على امرأةٍ من نسائه
٦٨
الثالثة والثلاثون: المقصود بالمرض بالنسبة إلى القاسم
٦٩
الرابعة والثلاثون: عموم الأمر بالنسبة إلى القضاة
٦٩
الخامسة والثلاثون: المطلب الشرعي بالنسبة إلى عيادة المريض
٦٩
السادسة والثلاثون: حكم ما إذا توقَّف أداءُ الفرض في الجنازة على الاتباع
٦٩
السابعة والثلاثون: هل الأفضل التشييع أمام الجنازة أو خلفها؟
٧٠
الثامنة والثلاثون: اشتراط النية والقصد في الاتباع
٧١
التاسعة والثلاثون: عموم الاتباع بالنسبة إلى جنازة المسلم والكافر
٧٢
٠٠٠
٦٠٠