Indexed OCR Text
Pages 401-420
القواعد، وبيان الحكم من غير تقدم سبب أو سياق؛ ليوهما التخصیص . الثالثة: اختلف العلماءُ في تأثير الدباغ في جلود الميتة على مذاهب : أحدها: أنها لا تطهر به، وهو المنصور عند الحنبلية من مذهبه(١)، وحقيقة مذهبٍ مالكٍ - رحمه الله - المشهور، إلا أنه يُبيح الانتفاع به على وجه مخصوص(٢). وثانيها مقابله: وهو تطهير الدباغ لكلِّ جلد من غير استثناء شيء، وهو مذهب الظاهرية (٣)، والمنقولُ عن أبي يوسف(٤). وذهب سُحنون من المالكية أيضاً إلى أنَّ الخنزير يطهُرُ جلده بالدباغ، وإذا كان كذلك فالكلبُ أولى، أو مساوٍ (٥) . وثالثها: يُستثنى جلدُ الخنزير والآدمي، وهو المشهور عن الحنفية(١)، وحكى ابن القطان المغربي عن مالك: أنَّه لا يؤثر الدباغ في طهارة جلد الخنزير(٢). انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٥٣). (١) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٥ / ٣٠٣). (٢) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (١ / ١٢٣). (٣) انظر: ((تحفة الفقهاء)) للسمر قندي (١ / ٧٢). (٤) (٥) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٤ / ١٧٧ - ١٧٨). ٤٠١ ورابعها: يستثنى جلد الكلب والخنزير، وهو مذهب الشافعي، وفي جلد الآدمي تردُّدٌ لأصحابه، أو لبعضهم(٣). وخامسها: يفيد طهارة جلد ما يؤكل لحمه، دون ما لا يؤكل، وهو مذهب أبي ثور، ونُقُل عن أشهب، عن مالك: أنَّ ما لا يؤكل لحمُه لا يطهرُ جلدُهُ بالدباغ (٤). الرابعة: في القواعد والمقدمات التي يُحتاج إليها في البحث عن دلائل هذه المذاهب، وهي تفيد أيضاً في غير هذا الموضع : أحدها: أنَّ التنصيصَ على بعض موارد العام بإثبات الحكم فيه، هل يقتضي التخصيص؟ وثانيها: أنَّ استنباط معنى من النص يعود على اللفظ بالتخصيص، هل يُقبَل، أم لا؟ وثالثها: أن المؤرَّخ، هل يُرجَّح على المطلق في التعارض بين البينتين؟ ورابعها: أن العموم، هل يُخصُّ بالعادة الفعلية؟ (١) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (١ / ٢٠). (٢) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٤ / ١٧٧). (٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٢٨٩/١ - ٢٩٠). (٤) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (٢٩٤/٥ -٢٩٥). ٤٠٢ وخامسها: أنه لا بدَّ في التخصيص من قصد الإخراج لمحل التخصيص، ولا يُشترط في التعميم قصدُ الإدخال تحت العموم للفرد المعين. وسادسها: بيان اختلاف مراتب العموم في القوة والضعف. وسابعها: أن القياسَ، هل يَخصُّ العموم؟ وثامنها: أن العام إذا ورد بعد الخاص، هل يُخَصَّص، أو يكون نسخاً؟ وتاسعها: إذا لم يُعلم التاريخ في العام والخاص، هل يُقدَّم الخاص، أم لا؟ وعاشرها: أن اللفظ إذا ترددَ بين الحمل على الحقيقة الشرعية أو اللغوية، فحمله على الشرعية أولى. والحادية عشرة منها: في القانون المعتبر في التأويلات، وإزالة اللفظ عن ظاهره. الخامسة: إذا أُفرِدَ بعضُ أفراد العام في الذكر لا يقتضي تخصيصَهُ به، وصوَّروه بهذه المسألة؛ أعني: قوله الصَّها: ((أيُّمَا إهاب دُبغَ فقد طَهُر)) مع إفراد ذكر الشاة في حديث ميمونة (١). (١) وهو ما رواه البخاري (١٤٢١)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي ◌َّ، ومسلم (٣٦٣)، كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة ٤٠٣ وأقول: لا ينبغي أن يُكتفى في تقرير هذه القاعدة، ونسبة هذا المذهب إلى أبي ثور بهذا؛ لأن استنتاجَ الكليات من الجزئيات يَعتَمِدُ كثرتها؛ لتنتفيَ الخصوصات، ويؤخذَ القدرُ المشترك. وأما الفردُ المعين؛ فيحتمل أن يكون الحكم فيه لأمر يخصه، مثاله فيما نحن فيه: أن يعتقدَ أبو ثور - رحمه الله -: أنَّ الأصل عدمُ طهارة الجلد بالدباغ، ويعتقدَ أنَّ المأكول مختصٌّ بمعنى مناسب للتطهير، أو التخفيف، فيجعل ذلك قرينة في تخصيص العموم، كما جعل أصحابُ الشافعي - أو بعضُهم - عدمَ اعتياد دباغ جلد الكلب قرينةً تَخص هذا العموم، أو يمنع تطهيرَ جلد مالا يؤكل لحمه، بنهي النبي ◌َّ عن افتراش جلود السباع(١)، كما استدلَّ به بالدباغ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله القر وجد شاة ميتة أُعطيتَها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال رسول الله صلي: ((هلاً انتفعتم بجلدها؟» قالوا: إنها ميتة، فقال: ((إنماحرم أكلها)). (١) رواه أبو داود (٤١٣٢)، كتاب: اللباس، باب: في جلود النمور والسباع، والنسائي (٤٢٥٣)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: النهي عن الانتفاع بجلود السباع، والترمذي (١٧٧٠)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في النهي عن جلود السباع، من حديث أبي المليح بن أسامة، عن أبيه . ٤٠٤ بعضُهم لهذا المذهب، أو يستدل بقوله: ((دباغُ الأديمِ ذَكاتُهُ»(١)، والذكاة لا تكون فيما [لا] يؤكل لحمه، فكذلك الدباغ، وقد استدل بهذا أيضاً. والمقصود: أنه إن كان أبو ثور نصَّ على قاعدة فذاك، وإن كان أُخِذ بطريق الاستنباط من مذهبه في هذه المسألة فلا يدلُّ على ذلك، وقد تقدم كلامٌ في هذه القاعدة مع قاعدة: أنَّ المفهوم يخصص العموم عند من يقوله. السادسة: دليلُ مذهب الجمهور في أنَّ العموم لا يُخصُّ بذکر الحكم في بعض أفراده ظاهرٌ؛ لأن المخصص منافٍ، وذكر الحكم في بعض الأفراد لیس بمنافٍ، فذکر الحکم لیس بمخصِّص. واعترض عليه بمنع المقدمة الثانية، وهو أن ذكر الحكم في بعض الأفراد ليس بمنافٍ بناءً على قاعدة المفهوم، وفرقٌ بين منافاة الحكم ومنافاة الذكر، فسوق الحكم في بعض الأفراد ليس بمنافٍ لثبوته في غيرها، وأما الذكر فلا تسلمُ عدمُ منافاتِه؛ لأجل المفهوم الدَّالِّ على نفي الحكم عمَّا عَدَاه. (١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ٤٥)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١/ ٢١)، من حديث سلمة بن المحبق بهذا اللفظ، وقد تقدم من رواية أبي داود والنسائي بلفظ: ((دباغها طهورها)). ٤٠٥ وهذا الاعتراض إنما يتأتَّى في ذكر الحكم في بعض الأفراد بتخصيصه بما له مفهومُ مخالفةٍ عند القائلين به؛ كالصفة مثلاً، فلا تجيء في ذكر الحكم في بعض الأفراد ذكراً لا مفهومَ له كاللقب، والذين أوردوا المسألة أوردوها عامة، وقد قدّمنا تباعدَ ما بينهما، والله أعلم. السابعة: استنباط معنى من النص يعود على النص بالتخصيص، قد يُمنع منه ويقال: إنَّ العموم لا يخص بعلة مستنبطة منه؛ لأن العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها، وكمالٍ فائدتها، وما يقتضيه لفظُها، فإذا استقرت فائدتُها فبَحَثَ الباحثُ عن سبب القول بعد تحصيله، فتحصَّلَ من هذا أن العلةَ تابعةٌ لتحصيل معنى اللفظ، وما يفيده، وهذا يمنع من تخصيص العموم بعلةٍ مستنبطة منه؛ لأنَّا قد نقدم قبل النظر في علته إفادتَه للاستيعاب، فإذا كان مفيداً للاستيعاب نظرنا في علة إفادته الاستيعابَ منه. قلت: وبهذه القاعدة اعترضوا على مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في مسائلَ منها: تعليلَهُ تحريمَ الربا في الأصناف الأربعة بالكيل، فإنه يخرج اليسيرَ الذي لا يُكالُ ليَسَارته، مع أنه داخل تحت: ((البُرُّ بالبُرِّ))، ويكون تخصيصاً للعام بعلة مستنبطة منه. ٤٠٦ الثامنة: اختلف العلماء في البينتين إذا تعارضتا، وأُرِّخت إحداهما بوقت، وأُطلِقت الأخرى، هل تقدَّمُ المؤرَّخةُ، أم لا؟ على قولين(١) . والذي يتعلَّق بهذا الحديث من هذا: أنَّ قولَه التَّها: ((أيُّما إهاب دبغَ فقد طَهُر)) غيرُ مؤرّخ، وحديث عبد الله بن عُكَيم: ((أتانا كتابُ رسولِ الله ◌َّه قبلَ موتِهِ بشهر: أن لا تنتفعوا من الميتةِ بإهاب ولا عصبٍ))(٢) مؤرَّخ. التاسعة: العمومُ هل يُخصُّ بالعادة؛ كما إذا قال رَّي لطائفة من أمته: حرَّمتُ عليكم الطعامَ والشراب مثلاً، وكان عادتهم تناول طعام مخصوص؟ (١) انظر: ((البرهان في أصول الفقه)) للجويني (٢/ ٧٥٣)، و((الإبهاج)) للسبكي (٣/ ٢٢٨)، و(البحر المحيط)) للزركشي (٨ / ١٨٨). (٢) رواه أبو داود (٤١٢٧ - ٤١٢٨)، كتاب: اللباس، باب: من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، والنسائي (٤٢٤٩ - ٤٢٥١)، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: ما يدبغ به جلود الميتة، والترمذي (١٧٢٩)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، وقال: حسن، وابن ماجه (٣٦١٣)، كتاب: اللباس، باب: من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب = = ولا عصب، وسيأتي الكلام عن الحديث مفصّلاً عند المؤلف في الفائدة السادسة والعشرين من هذا الحديث . ٤٠٧ اختلفوا فيه، والمختارُ عندهم أن لا يُخصّ، ولا يقصر النهيُ على مُعتَادهم، بل يَدخل فيه لحمُ السمك والطير وما لا يُعتاد في أرضهم، واستدلّ عليه بأن الحجة في لفظه التَّها، وهو عام، وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم، حتى يدخلَ فيه شربُ البول، وأكلُ التراب(١)، وابتلاعُ الحَصَاة والنَّواة (٢)، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنها تحمل على ذوات الأربع خاصة بعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ، وأَكْلُ الحصاة والنواة يُسمى أكلاً في العادة، وإن كان لا يُعتاد فعلُه، ففرقٌ بين أن لا يُعتادَ الفعلُ، وبين أن لا يعتادَ إطلاقُ الاسمِ على الشيء(٣). والذي يتعلق بهذا الحديث من هذه القاعدة أن جلودَ الخنازيرِ والكلاب غيرُ معتادةِ الدَّبغ، فلا يقتضي على هذه القاعدة أن يُخص اللفظُ بما عداها مما يُعتاد دبغُهُ. العاشرة: لمَّا كان التخصيصُ إخراجَ بعضٍ أفراد العام عن الإرادة منه، وجب قطعاً أن يكون شرطُه قصدَ الإخراج عن الإرادة، وأما العام فيتناول الأفرادَ بوضعه، فيدخل تحته ما لا يمكن أن يحصى من الأفراد، فليس من شرطه إرادةُ الفردِ المعين اتفاقاً؛ لأنه إذا لم يخرج (١) ((ت)): ((الشراب)). (٢) والمراد: أن هذه لا تدخل في المشروبات والمؤكولات عادة. (٣) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٥١٩). ٤٠٨ منه بعضُ الأفراد، كَفَتِ الإرادةُ العامة لتناول الحكم لجملة أفراده في حصول الحكم في الفرد المعين، وإن لم يخطر بالبال ذلك الفردُ بخصوصه، وهذا مما لا يَختلِفُ فيه أحدٌ؛ أعني: أنه ليس شرطَ العموم إرادةُ كل فرد من أفراده بخصوصه. الحادية عشرة: اختلفوا في تخصيص العموم بالقياس على أقوال: جوازِ التخصيص بالقياس، ومنعِه، والوقفِ، والتفرقة بين ما خُصَّ من العموم وما لم يُخص، والتفرقة بين التخصيص بالمتصل والمنفصل، والتفرقة بين جليّ القياس وخفيّه. ثم قيل في تفسير الجليِّ: إنه قياسُ العلة، والخفيُّ قياسُ الشَّبَهِ، وعن بعضهم: أن الجليَّ مثل قوله وَلّ: ((لا يَقضِي القاضي وهو غَضْبَان))(١)، وتعليل ذلك بما يدهشُ العقلَ عن تمام الفكر حتى يَجريَ في الحاقِن. وبعضهم يرى اعتبارَ توازنِ الظَنَّين؛ أعني: الظنَّ الحاصلَ من القياس، والظنَّ الحاصلَ من العموم، فيُعمل بأقواهُما؛ فإن العموم يفيد ظناً، والقياس يفيد ظناً، وقد يكون أحدهما أقوى في نفس (١) رواه البخاري (٦٧٣٩)، كتاب: الأحكام، باب: هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، ومسلم (١٧١٧)، كتاب: الأقضية، باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، من حديث أبي بكرة ظه، بلفظ: ((لا يحكم أحد بین اثنین وهو غضبان» . ٤٠٩ المجتهد فيلزمه اتباعُ الأقوى، وهذا موافق للقاعدة الكلية في اتباع أقوى الظنين في الدلائل. وأصلُه: أنَّ الأصلَ عدمُ العمل بالظنِّ لما يتطرق إليه من الخطأ، والضرورة دعت إلى ذلك، فإذا رُجح أحد الظنين، فالعمل بالمرجوح منهما ترك لتلك المرتبة الراجحة مع كونها أقربَ إلى العثور على الصواب، وأبعدَ من احتمال الخطأ (١). الثانية عشرة: بحثَ بعضُ المتأخرين المباحثين - لا المصنفين - في منع تفاوت مراتب العموم؛ نظراً إلى أن دلالةَ اللفظ العام على أفراده بصيغته، ولا تفاوت في الوضع، وتناوله الأفرادَ. وقد صرَّح في ((المُستصفى)) بتفاوت مراتب العموم، وتناولها لبعض الأفراد، لكن هذا التفاوتَ ليس من جهة الوضع، وإنما هو لأمور خارجة عنه. قال: والعموم يَضعُفُ بأن لا يظهرَ منه قصدُ التعميم، وبيَّن ذلك بأن يكثرَ المُخرَج عنه، وتتطرّقَ إليه تخصيصاتٌ كثيرة. ومثَّله بـ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإن دلالةَ قوله العَة: (١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٤٩)، و((الإحكام)) للآمدي (٢/ ٣٦١)، و((المحصول)) للرازي (٣/ ١٥٣)، و((شرح تنقيح الفصول)) للقرافي (ص: ٢٠٣)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٤ /٤٨٩). ٤١٠ ((لا تَبِيعُوا البُرَّ بالبر))(١) على تحريمه الأرز والتمر، أقربُ من دلالة هذا العموم علی تحليله. قلت: في هذا المثال نظرٌ قد لا يُساعد عليه. ثم قال: فقد دلَّ الكتابُ على تحريم الخمر، وخصّ به قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وإذا ظهر منه التعليل بالإسكار، فلو لم يَرِدْ خبرٌ في تحريم كلِّ مسكر، لكان التحاق النبيذ بالخمر بقياس الإسكار أغلب على الظنِّ من بقائه تحت عموم قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال: وهذا ظاهر في عموم هذه الآية، وآية إحلال البيع؛ لكثرة ما أُخرج منهما، ولضعفٍ قصدِ العموم فيهما، ولذلك جوَّز عيسى بنُ أبانَ(٢) التخصيصَ في أمثاله دون ما بقي على العموم، ولكن لا يَبعُد ذلك عندنا أيضاً فيما بقي عاماً؛ لأنا لا نشك في أن العموماتٍ (١) رواه البخاري (٢٠٢٧)، كتاب: البيوع، باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، ومسلم (١٥٨٦)، كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً، من حديث عمر بن الخطاب به بلفتظ: ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء ... )) الحديث . (٢) هو الإمام فقيه العراق وقاضي البصرة، تلميذ محمد بن الحسن، له تصانيف وذكاء مفرط، وفيه سخاء وجود زائد، توفي سنة (٢٢١هـ). انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٠ / ٤٤٠). ٤١١ بالإضافات إلى بعض المسمّيات تختلف بالقوة؛ لاختلافلها] في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى به، فإذا تقابلا وجب تقديمُ أقوى العمومين، وكذا القياسان إذا تقابلا، قدمنا أجلاهما وأقواهما (١). قلت: أما ظهورُ قصدِ التعميم الذي حكيناه أولاً فلا شكّ في اقتضائه القوةَ، لكن قد يقال: هل المعتبرُ في الضعف عدمُ قصدٍ التعمیم، أو قصد عدم التعميم؟ فإن قيل: إن المعتبر عدم قصد التعميم بالنسبة إلى دخول بعض الأفراد في الإرادة، فهذا لا يعتبر كما قدمناه. وظاهر كلام ((المستصفى)) قد يوهم اعتبارَه بقوله: لا شكّ في أن العموماتِ بالإضافة إلى بعض المسميات تختلف بالقوة؛ لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى. فإن كان المرادُ من هذا الكلام أنه إذا ظهر قصدُ إرادة المسمى المعيّن كان تناولُ العموم له أقوى من تناوله لما لم يظهرْ قصدُ إرادتِهِ، فهذا صحيحٌ جزماً. وإن كان المراد أن ما لم يظهر قصدُ إرادته من العام يكون ضعيفاً بالنسبة إلى العموم، فلا نسلمه؛ لِمَا ذكرناه من أن الألفاظَ الدالةَ على العموم قد تتناول ما لا يمكن حصرُه من الصور، فلا يشترط قصدُ المتكلم بصيغة العموم لإرادة کلِّ فردٍ منها. (١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٥١ -٢٥٢). ٤١٢ وإن قيل: المعتبر في الضعف قصد عدم التعميم فهذا واضح، لكنَّ ذلك إنما يظهر باعتبار قرائنَ خارجةٍ عن مدلول اللفظ، كالسياق مثلاً . وقد تقوى القرائنُ وتَضعُف، وتَكثُر وتَقِل، وفيها مجال للنزاع فسیح. قال أحد المُنَاظرين: إذا قال: المقصود بهذا الكلام: كذا، لا ظاهره من العموم، نازعه خصمُه في ذلك، وقال: لا أسلم أنه المقصود، نعم هو مقصود، غير أنه لا يمتنع أن يقصد غيره معه، كما سيأتي في قوله العَئي: ((فيمَا سقَتِ السماءُ العُشر))(١). الثالثة عشرة: قسمت المراتب على ثلاث: إحداها: أن يظهر أنَّ رسولَ اللهِ بَّه لم يُردِ التعميمَ، وإن كان اللفظ عامّاً لغةً كقوله: ((فيمَا سقَتِ السماءُ العُشر ... )) الحديث، فإن سياقَه لبيانٍ(٢) قدر الواجب لا غير، فهذا لا عمومَ له في غيره، وكذلك قولُه: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ [المدثر: ٤] لا عمومَ له في آلات التطهير؛ إذ المقصود إنما هو الأمر بأصل التطهير، ولذلك يحسن السؤال عنها، وهو كقوله: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦]؛ إذ الغرضُ بيانُ أعضاء الوضوء مع أنه مخصوصٌ بالماء اتفاقاً. (١) رواه البخاري (١٤١٢)، كتاب: الزكاة، باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((فيما سقت السماء العيون أو كان عثرياً العشر ... )) الحديث. (٢) ((ت)): ((البيان)). ٤١٣ الثانية: لفظً عام ظهر فيه قصدُ التعميم بقرينة زائدة على اللفظ، فحكمَ إمام الحرمين بأنه لا يؤوَّل بقياس، وقال بعض المتأخرين: وفي هذا نظر؛ فإن كانت القرينةُ تفيد العلمَ بالتعميم صار نصاً، وإن لم تفدْ إلا قوةَ الظن، فما المانع من تأويله بقياس أجلى منه في النظر، فلا وجه لهذا الإطلاق. الثالثة: لفظ عام لغةً، ولا قرينةَ معه في تعميمٍ ولا في نقيضه، فالواجبُ - إذا أُوّل، وقُصِدَ بقياس - اتباع الأرجح في الظنِّ، فإن استويا وقف القاضي. قال بعض المتأخرين: وهو الصواب لعدم المرجِّح، وقدم الإمام الخبر لإطلاقه، وهو كقوله: ((الأعمالُ بالنَِّاتِ))(١)، انتهى. وإمام الحرمين يقول: إنه لو قدَّم ظنَّ القياس على ظنِّ اللفظ لكان تقديماً لمرتبة القياس على مرتبة الخبر (٢). الرابعة عشرة: إذا آلَ الأمر إلى تقديم الأرجح في الظن، فقياسُ الشَّبَهِ عندنا ضعيف، فإن قيل به، فيتقدمُ عليه العمومُ بالنظر إلى رتبته ورتبة العموم. وأما النظر في الجزئيات فلا ينبغي أن يقدَّمَ القياسُ الشَّبَهي عليه إلا عند ضعف العموم ضعفاً شديداً بكون قياس الشبه أغلب على الظن (١) تقدم تخريجه . (٢) انظر: ((البرهان في أصول الفقه)) للجويني (١ / ٣٦٤). وانظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ١٧٧) حيث نقل عن المؤلف رحمه الله الفائدتين الثانية والثالثة عشرة . ٤١٤ منه، فإنا رأيناهم يستدلون بعموماتٍ ونصوصٍ بعيدةِ التناولِ في القصد لمحلِّ النزاع بظهور القصد، وكذلك القياسيون بالشبه يستدلون بقياسات مُتَهَالِكَةٍ في الضعف. مثال الأول: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] على أن اختلافَ الأماكن مانعٌ من القدرة، حيث تُعتقد مانعيتُه، فإن المعلومَ أن المقصودَ بهذا الكلام إقامةُ الجمعة، وعدمُ تركها؛ لأن مقصود السعي مطلقاً يرشد إليه قوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولو قال قائل: الآية تتناول من سمع الدعاء - وهو في آخر باب المسجد بحيث لا يسمع الخطبة - أنه يجب عليه أن يسعى في المسجد إلى محلِّ ذكر الله تعالى، لكان مبطلاً جزماً. ومثال الثاني: قياس من قاس بطلانَ صلاة المأموم إذا تقدم على إمامه على بطلان صلاة المصلي الواقف على نجاسة، بجامع أنه وقف في مکان ليس فيه موقفٌ لأحد. أما قياسُ العلة فهو أرفعُ من قياس الشَّبَه، فما كان قد أُومِىء إليه في النص فهو صحيح، وكذا ما عُلم المقصودُ منه، والسبب فيه، فقد ينتهي ذلك إلى درجة القطع، كما نعلم قطعاً أن تحريمَ الخمر لإسكارها، وإفسادها للعقل والتمييز، حتى لو لم يَرِدْ أنها لذلك، لكفى مجردُ النهي والتحريم. وأما ما ليس فيه إلا مجرَّدُ مناسبةٍ تبيَّنَها النَّاظرُ لا يَقْوَى في النَّفْس ٤١٥ انفرادُها بالتعليل، فالأولى تقديمُ العموم والظاهرِ عليها، لا سيّما إذا قَرُب أن تُزاحم، وكان ترجيحُها على ما تُقَابلُ به ليس بالقويّ(١). الخامسة عشرة: إذا ورد العامُّ بعد الخاص، هل يُخصص به، أم يكون نسخاً؟ اختلفوا فيه؛ فالشافعية اختاروا التخصيصَ، والحنفية اختاروا النسخَ. ومثاله: لو قيل أولاً: لا تقتلوا أهلَ الذِّمة، ثم قيل بعد ذلك بمدة متراخية: اقتلوا المشركين. فمن قال بالمذهب الأول منعَ قتلَ أهل الذمة، ومن قال بالثاني جوَّز، وحُكي في المسألة قولٌ ثالث بالوقف. واحتُجَّ لتقديم الخاص على العام المتأخر بأن الخاصَّ نصٌّ، والعامَّ ظاهرٌ في الاستغراق، فيقدَّم النص، كما إذا تقدم العام، وتأخر الخاص. والاعتراضُ عليه: بأن نصَّ التناولِ للخصوص ظاهرٌ في الدوام والاستمرار، فإزالته بالعموم الذي هو ظاهرٌ في الاستغراق إزالةٌ لظاهر متقدم بظاهر متأخر، لا إزالةَ معلوم بمظنون، وذلك سائغ، فإن ماء البحر معلوم الطهورية، ثم لو أخذنا منه يسيراً في إناء، وأمكن وقوع النجاسة فيه، فأخبرَ بذلك عَدْلٌ، رُجع إليه، ولم يكن إزالةَ معلوم بمظنون، وكذلك لو تيقنًّا طهارةَ ثوب، ثم أمكن تنجسُه، (١) نقله الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤ / ١٧٨) عن المؤلف. ٤١٦ فأخبر بذلك عَدْلٌ عن مشاهدة، فإنه يجب الرجوعُ إليه، وليس إزالةَ معلوم بمظنون. وحجةُ المذهب الآخر: أنَّ العام في تناوله لآحادِ ما دخل عليه يجري مجرى خبرٍ خاصٍ يخصُّه، ألا ترى أنَّهُ يصحُّ التمسكُ به لإثبات الحكم، كما يصح التمسك بالخاص، فجرى العام مع الخاص في تناول الخاص مجرى الخبرين الخاصين، وردا وهما متنافيان؛ أحدهما متقدم، والآخر متأخر، يصير المتقدمُ منسوخاً بالمتأخر، كذا هذا. واحتجَّ للوقف بأنه وجد في كلِّ واحد منهما ما يقتضي التقديم فتعارضا، ولم يقضَ بأحدهما على الآخر. وبيانه: أن العمومَ مستغرقٌ بلفظه، وهو متأخر عن الخاص في الزمان، ويجوز أن يكون صاحبُ الشرع قصدَ رفعَ الحكم الخاص، فهذا ما وجد في العموم مما يقتضي تقديمه، وفي مقابلة ذلك أن الخاص نصُّ في الحكم، ويجوز أن يكون صاحب الشرع قصد تخصيص العموم به، وهذا يقتضي تقديمه فتعارضا، فوجب التوقفُ. وأما الترجيح بالجمع بين النصين، وأنَّ العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أولى من إلغاء أحدهما، فقد تنازعه الخصمان؛ أما القائلون بالتخصيص فيقولون: يعمل بالعموم فيما عدا صورةٍ التخصيص، ويعمل بالتخصيص في محله، وهو أولى من إلغاء محل التخصيص بالكلية. وأما القائلون بالعمل بالعام ونسخ الخاص به، فيقولون: إذا لم ٤١٧ يُنسخ محل التخصيص بالعام الوارد عَقيبه ألغيت دلالته بالكلية على محل التخصيص، [و] لم يبطل العمل بالخاص دائماً، وفي كل حال؛ لأنه قد عُمل به في الأزمان السابقة على زمن ورود [العام](١) (٢). السادسة عشرة: إذا وردَ الخاص والعام، ولم يُعلمِ التاريخ، فالخاص مقدم عند من يقدمه على تقدير أن يتأخر العام؛ لأنه ليس للخاص حالة إلا وهو مقدم فيها، فإنه إما أن يتقدم أو يتأخر أو يتقارب، وكيف ما كان فهو مقدم. وأما من يقدم العام على تقدير تأخيره، فقد ألزم الوقفَ؛ لجواز أن يكون العام متأخراً، فيتقدم عنده، أو متقدماً، أو مقارباً، فيقدم الخاص، ولا دليلَ علی تقدیم أحدهما. وعن عبد الجبار بن أحمد(٣) في صورة الجهل بالتاريخ: أنه يقدم الخاص كما في الغَرْقى والهَدْمى، فإنَّ جماعةً لو غَرِقوا في سفينة، أو ماتوا تحت الهَدْم، أو عمَّهم وجهٌ من وجوه الهلاك، ولم يعلم أيُّهم (١) ((ت)): ((الخاص)). (٢) انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصفهاني)) (٢/ ٣١١)، و((شرح مختصر ابن الحاجب)) للبابرتي (٢ / ٢٥١). (٣) هو العلامة المتكلم، القاضي شيخ المعتزلة عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار أبو الحسن الهمذاني، صاحب التصانيف، ومن كبار فقهاء الشافعية، وتصانيفه كثيرة، توفي سنة (٤١٥هـ). انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٧ / ٢٤٤)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٥/ ٩٧). ٤١٨ سبق موتُه، فإنهم يجعلون كأنهم ماتوا دفعةً واحدة، ولا يَرِث أحدُهم من صاحبه . واعترض على هذا بوجوه : أحدها: أن الأمة ما أجمعت على هذا. وثانيها: أنه لمّا اشتبه الحالُ لم يحكمْ بإرث أحدهما من الآخر، فكذا هاهنا، لما اشتبه حالُ الحديثين لا يعترض بأحدهما على الآخر. وثالثها: قال ابن برهان(١): إن هذا الاستدلال باطل؛ فإنه تضمَّنَ إثباتَ أحكام اللغة بأدلة الشرع، وحكم اللغة ثابت سابق على الشرع، والمدلولُ لا يكون مقدَّماً على الدليل. فأما الوجه الأول: فالجواب عنه أنه مبنيٌّ على المذهب المشهور بين العلماء في عدم توريث الغَرْقَى والهَدْمَى، إذا لم يُعلم سبقُ موتٍ أحدهما، فمن وافق على هذا المذهب فعليه الجواب. وأما الوجه الثاني: فيقال عليه: إنَّ التعارضَ وقع في التقديم والتأخير، ولم يُقضَ بأحدهما على الآخر، والحكم بتقديم الخاص (١) هو العلامة الفقيه، أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان البغدادي الشافعي، كان أحد الأذكياء، بارعاً في المذهب وأصوله، من أصحاب ابن عقيل، ثم تحوَّل شافعياً، ودرَّس بالنظامية، وتفقه بالشاشي والغزالي، له من المصنفات في الأصول: ((الأوسط))، و((الوجيز))، وغير ذلك، توفي سنة (٥١٨هـ). انظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٩ / ٤٥٦)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٦ / ٣٠). ٤١٩ مستندُه عدمُ ثبوتٍ تقدم أحدهما على الآخر، وأن ذلك يوجب أن يجعلا كالمتقاربين، فيقدم الخاص، كما إذا اقترنا، وليس مستنده الحكم بتقدم الخاص - أو تأخره - حتى يكون حكماً بالتقدیم(١) لأحد المتعارضين على الآخر، فيكون الحكمُ بتقديم الخاص هاهنا بمثابة الحكم بتوريث ورثةِ كلِّ واحد منهما منه، وعدم الحكم بتقديم أحد الموتين على الآخر، لا لأنَّا حكمنا بتأخر الخاص فقدمناه. وأما الوجه الثالث الذي ذكره ابن بَرْهان: فساقط؛ لأن تقدیمَ الخاصِّ على العام - أو عكسِه - حكمٌ شرعي، اعتبره عبدُ الجبار بحكم شرعي آخر، وليس من باب الأحكام اللغوية، فإن الخطاب متوجه على المجتهد، فيقدَّمُ الخاصُّ إذا رأى أنه حكمُ اللهِ تعالى. السابعة عشرة: إذا دار لفظُ الشارع بين أن يُحمل على الحقيقة الشرعية أو اللغوية، حُمِلَ على الحقيقة الشرعية؛ لأنها مقصودُ البعثة، وصرف الكلام إلى ذلك أولى من صرفه إلى تعريف وضع اللغة . الثامنة عشرة: في القاعدة المعتبرة في التأويلات، وإزالة اللفظ عن ظاهره: لمَّا عُلم أنَّ التأويلَ صرفُ اللفظ عن ظاهره، وكان الأصلُ حملَ اللفظ على ظاهره، كان الواجب أن يُعضَدَ التأويلُ بدليل من خارج لئلا يكونَ تركاً للظاهر من غير معارض، وقد جعلوا الضابط فيه (١) ((ت)): ((تقديماً حكماً بالتقديم)). ٤٢٠