Indexed OCR Text

Pages 341-360

قال الرافعي: وقال القفَّال، وطائفةٌ من أصحابه: لا يُنظر إلى
الكثرة والقِلَّة، ولكن يُنظر إلى الظّهور، فإن لم يظهرِ الإبريسَمُ حلَّ،
كالخزِّ الذي سَداه إبريسمُ، وهو لا يظهر، وإن ظهر الإبريسمُ لم يحلّ،
وإن كان قدرُه في الوزن أقلّ.
قال الرافعي - رحمه الله تعالى -: فيخرج من هاتين الطريقتين
القطعُ بالتحريم إن كان الإبريسم ظاهراً، أو (١) غالباً في الوزن؛
الاجتماع المعنيين المنظور إليهما، وإن وُجد الظهور دون غلبة الوزن
حرُمَ عند القفّال، ولم يحرم عند الجمهور، وإن وجد غلبةُ الوزن دون
الظهورِ انعكس المذهبان(٢).
وقال القاضي أبو الوليد بن رشد المالكي: وقد اختلف
السلف - ﴿ ـ في لباس الحرير الذي سَداه حرير، وما كان في معناه
اختلافاً كثيراً، وذكر أنه يتحصَّل فيه أربعة أقوال :
أحدها: أنَّ لباسَها جائزٌ من قبيل المباح، مَنْ لَبِسَهُ لم يأثَمْ، ومَنْ
لا، لم يؤجر [على](٣) تركها، وهو مذهب ابن عباس - رضي الله عنهما -
وجماعةٍ من السلف، منهم ربيعة على ما وقع من قوله في أول سماع ابن
القاسم من كتاب ((جامع العتبية))؛ لأنهم تأولوا أن النهي والتحريم في لباس
(١) ((ت)): ((و)).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٢٩/٥ - ٣٠).
(٣) زيادة من ((ت)).
٣٤١

الحرير للرجال، إنَّما ورد في الثوب المصمَّت الخالصِ من الحرير.
والثاني: أنَّ لباسَها غيرُ جائز، وإن لم يُطلق عليه أنه حرام، فمن
لَبِسَها أَثِمَ، ومن تركها نجا، [وفيها](١) أثر: قيل في حُلَّهُ عُطَارِد
والسِّيَراء التي قال فيها رسول الله وَ طاهر: ((إنَّما يلبسُ هذه مَنْ لا خلاقَ له
في الآخِرَةِ))(٢) إنها كانت يخالطها الحرير، وكانت مضلَّعَةً بالقَزِّ ؛
وهو مذهب عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، والظاهرُ من مذهب
مالك، وإن كان قد أَطْلقَ القولَ فيه أنه مكروه، والمكروهُ ما كان
في تركه ثواب، وإن لم يكن في فعله عقاب؛ أذهب مطلقه فيما
هو عنده غير جائز، تحرُّزاً من أن يُحرِّم ما ليس بحرام، والذي يدل
على ذلك من مذهبه قوله في ((المدونة)): وأرجو أن يكونَ الحريرُ
للصِّبيان خفيفاً (٣).
والثالث: أن لباسَه مكروهٌ على المكروه، فمن لبسه لم يأثَم،
ومن تركه أُجِرَ على تركه، قال: وهذا أظهر الأقوال، وأولاها
بالصواب؛ لأنّ ما اختلف أهلُ العلم فيه لتكافُؤ الأدلة في تحريمه
(١) زيادة من ((ب)).
(٢) رواه البخاري (٢٤٧٠)، كتاب: الهبة وفضلها، باب: هدية ما يكره لبسه،
ومسلم (٢٠٦٨)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء
الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٣) انظر: ((المدونة)) (٢ / ٤٦٠).
٣٤٢

وتحليلِه، فهو من المُشْتَبهات التي قال فيها رسولُ الله ◌َّرَ: ((مَنِ اتَّقَاها
فقدِ اسْتبرأَ لدينهِ وعِرْضهِ))(١).
وعلى هذا القول: بأن(٢) ما حُكي عن مطرِّف؛ من أنه رأى على
مالك بن أنسٍ کساءَ إبریسم کساه إيَّاه هارون الرشيدُ، إذْ لم یکن ليلبس
ما يعتقدُ أنه یأْثَمُ بلبسه .
والرابع: الفرقُ بين ثياب الخَزِّ وسائر الثياب المشوبة بالقطن
م
والكتان، فيجوز لُبس ثياب الخز اتباعاً للسلف، ولا يجوز مما (٣) سواها
من الثياب المشوية بالقطن والكتان بالقياس عليها، إلى هذا ذهب ابنُ
حبيب، وهو أضعف الأقوال؛ إذْ لا فرقَ في القياس بين الخز وغيره من
المُجوَّزات (٤) التي قِيامُها حريرٌ وطُعْمتُها قطن أو كتان؛ لأنّ المعنى الذي
من أجله استجاز لباسَ الحرير مَنْ لَبِسها من السّلف، وهو أنه ليس بحریر
مَحْضٍ، موجودٌ في المجوَّزات(٥) وشبهها، فلهذا المعنى استجازوا
لُبسه، لا من أجل أنه خز، إذ لم يأتِ أثرٌ بالترخيص(٦) لهم في لُبس
(١) رواه البخاري (٥٢)، كتاب: الإيمان، باب: فضل من استبرأ لدينه،
ومسلم (١٥٩٩)، كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الشبهات،
من حديث النعمان بن بشير ـ
(٢) ((ت)): ((يأتي)).
(٣) ((ت): ((ما)).
(٤) ((ت)): ((الثياب)) .
(٥) ((ت)): ((المحررات)).
(٦) ((ت)): ((في الترخيص)).
٣٤٣

الخز، فیختلف في قیاس غيره عليه.
وقال القاضي أبو الوليد أيضاً: واختلف في العَلَمِ من الحرير في
الثوب، فمِنْ أهل العلم مَنْ أجازه؛ لِمَا جاء: أنَّ النبيَّ ◌َّ نهى عن
الحرير وقال: ((لا تَلْبسُوا منه إلا هَكَذا وهَكَذا))، وأشار بالسَّبَّابة
والوُسطى (١)، ورُوي إجازةُ ذلك عن عمرَ بن الخطاب - رضي الله
عنه - في مثل الإصبع والإصبعين والثلاث والأربع(٢)، وكَرِهَهُ جماعة
(٣)
٠
من السلف،
الرابعة والتسعون بعد الثلاث مئة: اختلفوا في افتراش الحرير
للرجال.
وليس يَختصُّ التحريم باللَّبسِ عند الشافعية؛ بل افتراشِهِ، والتدثُّرِ
به، واتخاذهِ ستراً، وسائرُ وجوه الاستعمال في معنى اللَّبس(٤).
وحكي فيه خلاف [عن](٥) أبي حنيفة - رحمة الله عليه - وأنه
(١) رواه البخاري (٥٤٩٠)، كتاب: اللباس، باب: لبس الحرير وافتراشه
للرجال، وقدر ما يجوز منه، ومسلم (٢٠٦٩ / ١٢)، كتاب: اللباس
والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء.
(٢) تقدم تخريجه .
انظر: ((المقدمات الممهدات)) لابن رشد (٣/ ٤٣٢).
(٣)
(٤) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٥ / ٣٤).
(٥) زيادة من ((ت)).
٣٤٤

قال: لا يَحرُم إلا اللبس (١).
وفي كتاب الرافعي، ذُكِرَ وجه: أنه يجوزُ لهم الجلوس عليه؛
أي: للرجال(٢) .
وقال القاضي عياض المالكي: المشهورُ عندنا منعُ الجلوس على
الحرير.
وقال عبدُ الملك بإجازته، وعلَّقَ المنع باللبس المذكور
بالحديث(٣) (٤) .
قلت: للمسألة من هذا الحديث مأخذان :
أحدُهما: النهيُ عن الميَاثر، إذا حُملت على أن تكون من الحرير.
والثاني: النهيُ عن لبس الحرير بناءً على [أنَّ](٥) الافتراشَ لُبْسٌ،
ويستدل عليه بحديث أنس - ظه -: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من
حُولٍ ما لُبِس (٦). فَأَطلقَ عليه اسم اللبس وهو مُقْتَرش، فدل على
(١) انظر: ((الهداية)) للمرغيناني (٤ / ٨١).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٥/ ٣٤).
(٣)
((ت)): ((في الحديث)).
(٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياضٍ (٦ / ٥٦٦).
(٥)
زيادة من ((ت)) .
(٦) رواه البخاري (٣٧٣)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على الحصير،
ومسلم (٦٥٨)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز الجماعة
في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات.
٣٤٥

إطلاق اللبس على المُفْتَرش.
على أنه قد وردَ ما يغني عن هذا كلُّه في حديث صحيح صرَّح فيه
بالنهي عن الجلوس عليه، فروى البخاري من حديث ابن أبي ليلى، عن
حذيفة قال: نهانا النبي وَ ي﴿ أن نشربَ في آنية الذهب والفضة، وأن نأكلَ
فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلسَ عليه(١).
الخامسة والتسعون بعد الثلاث مئة: نقل صاحب ((البحر)) الروياني
الشافعي عن ((الإملاء))، و((الأم)): لو لبس رجلٌ قبَاءً محشوّاً بالقز فلا
بأس؛ لأن الحشو باطن(٢).
وذكر صاحبُ ((التهذيب)) الشافعي فيه خلافاً، فقال فيما حكي
عنه: ولو لَبِس جبة محشوة بالقز، أو الإبريسم، جاز على الأصح (٣).
وذكر القاضي عياض المالكيُّ: أنَّ المذهبَ النهيُّ عن الجلوس
[عليه](٤)، وإن كان بطانةً لم يجلس عليه، أو محشواً فيها، [كما
يُحشى الصوف](٥)، يجلس عليه (٦).
(١) رواه البخاري (٥٤٩٩)، كتاب: اللباس، باب: افتراش الحرير.
(٢) انظر: ((بحر المذهب)) للروياني (٢٠٥/٣).
(٣) نقله الرافعي في ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) (٥/ ٣٣).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٦٧)، ووقع في المطبوع : =
٣٤٦

قلت: إذا انطلق عليه اسم اللباس، أو الاستعمال، أو اندرجَ
تحت لفظ النهي عنه؛ فلا اعتبار بالتعليل الذي ذكره في جوازه، وأنَّه
باطن، فإن ذلك مرتب(١) على اعتبار معنى الخيلاء، وهو معنىّ أُخذ
من مجرد المناسبة، واتباعُ اللفظ أولى، ثم البطانة ممنوعةٌ وليست
بظاهرة .
السادسة والتسعون بعد الثلاث مئة: لباس الحرير في الحرب
اختلفت عباراتُهم فيه؛ قال القاضي: واختلف في لباسه في الغزو، إذ
لا يقصد به الخيلاء الممنوعة(٢).
وأطلق الغزالي في موضع القول بأنه يجوز للغازي لبس الحرير،
فقيّده الرافعيُّ وقال: ليس الغزو عذراً على الإطلاق(٣).
السابعة والتسعون بعد الثلاث مئة: أجاز الشافعية - رحمهم الله -
لُبسَه عند مفاجأة القتال إذا لم يجدْ غيرَه، وذلك في حكم الضرورة.
الثامنة والتسعون بعد الثلاث مئة: قال الرافعي الشافعي
- رحمهم الله تعالى - بعد ذكر جواز لبسه لمفاجأة القتال: وكذلك لُبس
ما فيه جُنَّة للقتال، كالديباج الصَّفيق الذي لا يقوم غيرُه مقامه،
«أو محشواً فيها يجلس عليه كما يحشى الصوف)).
(١)
((ت)): ((وكان ذلك مرتباً)).
(٢) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٦ / ٥٧٥).
(٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٥ / ٣٥ -٣٦).
٣٤٧

وجوز القاضي ابن كَجِّ اتخاذَ القَباء ونحوه مما يصلح في
الحرب [من الحرير](١)، ولُبسَه فيها على الإطلاق؛ لما فيه من حسن
الهيبة(٢) وزينة الإسلام، فينكسر (٣) قلبُ الكفار منه؛ كتحلية السيف
ونحوه.
قال الرافعي: والمشهور الأول(٤).
قلت: تخصیص العمومات والنصوص بمثل هذا المعنی لا یقوی،
واتِّباع النص أولى.
التاسعة والتسعون بعد الثلاث مئة: افتراشُ الحرير للنساء، فيه
اختلاف عند الشافعية على وجهين(٥)، ومَنْ يمنعه يمكنه (٦) أن يُدرجَهُ
تحت (٧) العموم في النهي عن الجلوس على الحرير، أو العموم في النهي
عن لباس الحرير، إذا كان الافتراش لُبساً، ويخرج عنه ما عداه من أنواع
اللبس، فيبقى الافتراشُ، وهو ضعيف، ويعارضه العمومُ الذي جاء في
(١) سقط من ((ت)).
(٢)
(ت)): ((الهيئة)).
((ت)): ((لينكسر)).
(٣)
(٤) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٤ / ٦٥٤).
(٥) المرجع السابق (٥/ ٣٤).
(٦) ((ت)): ((يمكن)).
(٧) ((ت)): ((في)).
٣٤٨

جواز لبس الحرير للنساء، وقد قدمنا الكلامَ في تلك الرواية(١)، فعليك
باعتبار تعارض العمومين إن أردت التمسك به(٢) في هذه المسألة.
وذكر الرافعي - رحمه الله - الوجهين في تحريم افتراشِ الحرير
للنساء، قال: وأظهرهما - ولم يورِد في ((التهذيب)) سواه -: نعم،
كاستعمال الأواني للسَّرف والخيلاء بخلاف اللبس، فإنه للزينة، فصار
کالحُلِي(٣).
المُوفِية أربع مئة: اختلفوا في جواز إلباس الصبيان الحريرَ،
والشافعية وجوه :
ثالثها(٤): الفرقُ بین أن یکون دون سبع سنین فلا يُمنع، وبین أن
یکون له سبعُ سنین فصاعداً فيمنع منه؛ کیلا يعتاد،(٥) .
وإِنْ (٦) أراد مستدركٌ أنْ يقولَ: اللباسُ مصدرٌ يتناول لباسَ
الإنسانِ وإلباسَه لغيره، فيخرج عنه ما يخرج؛ إما بالإجماع أو غيره من
النصوص، ويبقى ما عداه، لكانَ ضعيفاً؛ فإن العرف يقتضي سَبقَ
(١) ((ت)): ((المسألة)).
(٢) ((ت)): ((بهذه)) .
(٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٥/ ٣٤ _ ٣٥).
(٤) أي: الأول: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: ما ذكره.
(٥) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٥/ ٣٥).
(٦) (ت)): ((ولو)).
٣٤٩

الذهن إلى لباس(١) الإنسان لنفسه، ولو قيل: إنه لا يتناول الإلباسَ
أصلاً؛ لكان كما قالته المالكيةُ في مسألة الاستنابة في الحج: إن الآية
إنما تدل على الحجِّ لا على الإحجاج، وحَجُّ البيتِ: مصدر حَجَّ
يَحُجُّ، وإحجاجُه: مصدر أَحَجَّ يُحِجُّ، فالآية تقتضي الحجَّ بنفسه
لا الإحجاج، إلا أن غايةَ هذا: أن الآيةَ لا تدل على الإحجاج، وذلك
لا يمنع من أخذه من الحدیث.
الأولى بعد الأربع مئة: قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي
في كتاب ((سراج المريدين))(٢) في أثناء الكلام على لباس المرأة:
وهاهنا مسألةٌ حسنة، وهي أن المرأة لها لباسُها وفراشها من الحرير
والذهب، وإذا (٣) جاءها زوجُها جَالَسها عليه وضَاجَعَها فيه، وإن دعاها
إلى فراشه جاءت إلى إزاره وكسائه، ولا يلزمها إذا أراد الإتيانَ إليها أن
تخرجَ [له](٤) من بيتها إلى بيتٍ فراشه الصوف، كما لا يلزمها أن تتجرَّدَ
له إلى مِدْرعته الصوف، ولا خلافَ بين الأُمَّة أن يخالطَها وعليها ثوب
الذهب، فيكون ثوبُها لهما لِفاعاً واحداً.
ثم قال بعد ذلك: وروی محمد بن أحمد بن حماد، ثنا أحمد بن
عبد الجبار، ثنا محمد بن فُضَيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن
(١) في الأصل: ((لإلباسه))، والمثبت من ((ت)).
(٢) انظر: ((الديباج المذهب)) لابن فرحون (ص: ٢٨٢).
(٣)
((ت)): ((فإذا)).
(٤) سقط من ((ت)).
٣٥٠

كُرَيب، عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبيِّ يَّ في إبل أعطاه إياها
من الصدقة، فلما أتاه - [وكانت ليلةَ ميمونة]، وكانت ميمونة خالته(١)
قال: فأتى النبيُّ نَّ المسجدَ، وصلَّى العشاء، ثم جاء وطرح ثوبَه،
ودخل مع امرأته في ثيابها(٢).
ثم قال بعد ما ذكره من ألفاظ الحديث، إلى قوله: فدخل على(٣)
امرأته في ثيابها، فهو فقه الحديث الذي قصدنا منه أن الزوجَ يأتي
امرأتَه فيدخل في ثيابها الحرير والذهب من لباسها.
قلت: أدلةُ تحريم الذهب والحرير على الرجال عامَّةٌ تتناول هذه
الصورةَ التي ذكرها، وإخراجُها عن تلك الدلائل العامة تخصيصٌ
يحتاج إلى دليل شرعي يدل عليه، وكأن ما ذكره يلتفت إلى قاعدة
التبعية وإعطاءِ التابع حكمَ المتبوع، إلا أنها قاعدةٌ مضطربةٌ لا تجري
على قانون واحد، وهي ذَاهِبٌ إلى طريق الاستحسان، أو شبيهٍ بها(٤).
وما ذكره من أنه يخالطها وعليها ثوب الذهب، فيكون ثوبُها لهما
لَفَاعاً واحداً، وأنه لا خلاف فيه، فإن(٥) أراد أن يَمَسَّ(٦) ثيابها عند
(١) ((ت)): ((جالسة)).
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٣٣٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد))
(١٣/ ٢١٦)، من طريق ابن فضيل، به.
(٣) ((ت)): ((مع).
(٤) في الأصل: ((فيها))، والمثبت من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((فإن كان)).
(٦) ((ت)): ((يماسّ)).
٣٥١

المخالطة وهي عليها، فمسُّ الذهب والحرير ليس بحرام.
وإن أراد أن يخالِطَها بحيثُ يكون ثوبُ الحريرِ والذهب مشتملاً
عليه اشتمالاً يحرم على الرجل(١) استعماله لو كان منفرداً عن المرأة،
فهذه هي المسألة بعينها، فلا يستشهد بها [عليها](٢)، وحينئذ يمنع
وقوعُ الاتفاق على جواز هذا.
وأما ما ذكره في آخر الحديث: فدخل مع امرأته في ثيابها، وَأنه
فقهُ الحديث، فهي واقعةُ حال لا عمومَ لها، ولا لفظَ عموم، ولا دليلَ
بوجه من الوجوه على كونِ تلك الثياب محرمةً على الرجال، وإذا لم
تكن واقعةُ الحال دالةً على خصوص المدَّعى، ولا اللفظُ متناولاً لها(٣)
بعمومه، فلا دَلالة على المُدَّعى، والله أعلم.
الثانية بعد الأربع مئة: قد تقدمت الإشارةُ إلى تكرار لفظ القَسِّي
والحرير والإستبرق والديباج، وأنه قد يُورَدُ أنَّ لفظَ الحرير يتناول
الجميع، فما السبب في التكرار؟
فأمّا إذا جعلنا القَسِّي ليس خالصاً، فلا تكرار من جهته.
وإن جعلناه خالصاً، ففي الجواب وجهان:
أحدهما: ما تقدَّم من الفرق بين الجمع في الخَبَر، و[في](٤)
(١) في الأصل: ((الرجال))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) (ت)): ((يتناولها)).
(٤) سقط من ((ت)).
٣٥٢

المُخْبَرِ عنه، وأنه لا يلزم من الجمع في الخبر الجمعُ في المخبَر عنه،
فيجوز أن يكونَ النهيُ من النبيِ بَّهُ وقَعَ عن هذه الأشياء متفرقاً،
وجَمَعَ الراوي بينها في خبره، إلا أن هذا لا يتمُّ في جميع ما ذكر
هاهنا، فإنه قد صحَّ: ((لا تَلْبسوا الحريرَ والديباجَ))(١) من لفظ
الرسول له .
والوجه الثاني: أنَّ اختلافَ الصور والهيئات قد يُؤْهِم اختلافاً في
الحكم، إذ يمكن أن يكون بعض تلك الأوصاف مُعتبراً، ألا ترى أن
الإستبرق ما غلُظ، فقد يُوهِم أن غِلَظَه يُخرجِه من الاعتبار في
معنى التحريم؛ لأنَّ وصفَ اللِّين (٢) أقربُ إلى الرفاهية، ألا ترى
إلى قولهم: ﴿بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، هذه البطائن فكيف
الظهائر؟(٣)، أو كما قيل.
وإذا كان اختلافُ الهيئات مما يُورث وهماً، فذكرُ الأنواع
المتعددة مفيدٌ في نفي اعتبار كلِّ وصفٍ مخصوص من الأوصاف
المذكورة، ويبين تعلّقَ(٤) الحكم العام بالعام.
(١) تقدم تخريجه، وسيأتي الكلام عليه مفصَّلاً في الحديث الثاني من هذا
الباب.
(٢) ((ت)): الرِّقة)).
(٣) رواه ابن مردويه في ((أماليه)) (ص: ٢٠٣)، من قول ابن مسعود
وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٧٨).
(٤) (ت): ((تعليق)).
٣٥٣

ولما قال الشيخُ أبو إسحاق الشيرازيُّ: ويَحرم على الرجال
استعمالُ الديباج والحرير في اللبس وغيره(١)، قال بعضُ المتكلِّمين
على كلامه: أراد بالحریر هاهنا ما لا نقشَ فیه، والديباجُ ما فيه نقش.
وهذا إن كان إشارة إلى ما ذكرناه، فقد بسطنا القولَ فيه وفي
تعلیلِهِ، والله أعلم.
(١) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (١ / ١٠٨).
٣٥٤

الحديث الثاني
مِنْ هذا الباب
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيْلَى: أنهم كانوا عند حُذَيفةَ فاستسقى،
فسقاهُ مَجُوسِيٌّ، فلما وضعَ القَدَحَ في يده رمى به (١)، وقال: لولا أنِّي
نهيتُهُ غيرَ مرةٍ ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعلْ هذا، ولكنِّي سمعتُ
رسولَ الله وَل﴿ يقول: ((لا تَلْبسوا الحَرِيرَ، ولا الدِّيباجَ، ولا تَشْربُوا في
آنيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، ولا تَأْكُلُوا في صِحَافِها، فإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنيا، ولَكُمْ
فِي الآخِرَةِ))، مثَّفقٌ عليه، واللفظُ للبخاري(٢) (٣).
(١) وقع في ((الفتح)) (١٠ / ٩٥): ((رماه به))، وهكذا هو في المطبوع من ((صحيح
البخاري)) (٥١١٠)، وكذا ذكر الإمام ابن عبد الهادي في هامش نسخته
لكتاب ((الإلمام)) (ق ٣/ ب) فقال: ((وفي رواية: رماه به، وهو أصوب)).
(٢) (ت)): ((ولفظ المتن للبخاري))، وكذا في المطبوع من ((الإلمام))
(١/ ٥٥)، وكذا وجدته بخط الإمام ابن عبد الهادي في نسخة ((الإلمام))
(ق ٣ / ب).
(٣) * تخريج الحديث:
رواه البخاري (٥١١٠)، كتاب: الأطعمة، باب: الأكل في إناء مفضض، =
٣٥٥

= ومسلم (٢٠٦٧/ ٥)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء
الذهب والفضة على الرجال والنساء، من طريق سيف بن أبي سليمان، عن
مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي لیلی، به.
ورواه البخاري (٥٣٠٩)، كتاب: الأشربة، باب: الشرب في آنية الذهب،
و(٥٤٩٣)، كتاب: اللباس، باب: لبس الحرير، ومسلم (٢٠٦٧)،
(٣/ ١٦٣٧)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب
والفضة على الرجال والنساء، وأبو داود (٣٧٢٣)، كتاب: الأشربة،
باب: في الشرب في آنية الذهب والفضة، والترمذي (١٨٧٨)، كتاب:
الأشربة، باب: ما جاء في كراهية الشرب في آنية الذهب والفضة، وابن
ماجه (٣٥٩٠)، كتاب: اللباس، باب: كراهية لبس الحرير، من طريق
الحکم، عن ابن أبي لیلی، به.
ورواه البخاري (٥٣١٠)، كتاب: الأشربة، باب: آنية الفضة، ومسلم
(٢٠٦٧)، (٣ / ١٦٣٨)، كتاب: اللباس الزينة، باب: تحريم استعمال
إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، من طريق ابن عون، عن
مجاهد، عن ابن أبي ليلى، به .
ورواه البخاري (٥٤٩٩)، كتاب: اللباس، باب: افتراش الحرير، ومسلم
(٢٠٦٧)، (٣/ ١٦٣٧)، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال
إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، والنسائي (٥٣٠١)، كتاب:
الزينة، باب: ذكر النهي عن لبس الديباج، من طريق ابن أبي نجيح، عن
مجاهد، عن ابن أبي ليلى، به.
ورواه ابن ماجه (٣٤١٤)، كتاب: الأشربة، باب: الشرب في آنية الفضة،
من طريق أبي بشر، عن مجاهد، عن أبي ليلى، به.
٣٥٦

الكلام عليه من وجوه :
* الأول: في التعريف بمن ذكر :
أما حذيفة - ظه -: فهو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، واسمه
حُسَيل - بضم الحاء المهملة، وفتح السين المهملة أيضاً - ويقال:
حِسْل - بغير تصغير _ (١) ابن جابر بن عمرو بن ربيعة بنِ جُروة بن الحارث
ابن مازن بن قُطَيعة بن عَبْسِ العَبْسيِّ القُطعي، واليَمانُ(٢) لقبٌ.
قال أبو عمر: وشهدَ حذيفةُ، وأبوه حُسيل، وأخوه صفوان
أُحُداً، وقَتَلَ أباه يومئذٍ بعضُ المسلمين، وهو يحسَبُه من
المشركين .
قال أبو عمر: وكان حذيفةُ من كبار أصحاب رسول الله صلَّى،
وهو الذي بَعَثه رسولُ الله ◌َ﴿ يومَ الخندق ينظر إلى قريش فأتاه بخبرٍ
مِنْ عندِهم، وكان عمر بن الخطاب - ظُ - يسأله، وهو معروفٌ في
الصحابة بصاحبٍ سرِّ رسول الله وَّر، وكان عمر - رَضُه - يَنظر عند
[موتِ] (٣) مَنْ مات منهم، فإن لم يشهدْ جنازتَه حذيفة لم يشهدْها(٤)،
وكان حذيفة - عَلُه - يقول: خيَّرني رسولُ نَّه بين الهجرة والنُّصرة،
(١) ووقع في ((المستدرك)) للحاكم (٣/ ٤٢٧): حذيفة بن اليمان بن حِسْل،
فجعل حسلاً جدَّه، لا اسمَ أبيه.
(٢) ((ت)): ((واليماني)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) (ت): زيادة ((عمر)).
٣٥٧

فاخترتُ النصرة(١).
وهو حليف الأنصار لبني عبد الأَشْهل، وشهد حذيفة نَهَاوَنْد،
فلما قُتل النعمان بن مُقَرِّن، أخذ الرايةَ، وكان فتحُ همذان
والرِّي والدِّيْنَوَر على يد حذيفة ◌َظُه، وكانت فتوحُه سنةَ اثنين
وعشرين.
ومات حذيفة ظه سنة ستٍّ وثلاثين بعد قتل عثمان مظلته في
أول خلافة علي ، وقيل: توفي سنة خمسٍ وثلاثين، والأول
أصحُّ، وكان موتُه بعد أن أتى نَعْيُ عثمان إلى الكوفة، ولم يُدْرِك
الجمل(٢).
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٠١١)، قال الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٩/ ٣٢٦): رجاله رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن
الحديث .
(٢) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦/ ١٥)، (٧/ ٣١٧)، ((التاريخ الكبير))
للبخاري (٣/ ٩٥)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (١ / ٣٥٤)، ((الاستيعاب))
لابن عبد البر (١/ ٣٥٤)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١ / ١٦١)، («تاريخ
دمشق)) لابن عساكر (١٢ / ٢٥٩)، ((المنتظم)) لابن الجوزي (٥ / ١٠٤)،
(«أسد الغابة)) لابن الأثير (١/ ٧٠٦)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي
(١/ ١٥٨)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٥/ ٤٩٥)، ((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٢ / ٣٦١)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٢/ ٤٤)، ((تهذيب
التهذيب)) كلاهما لابن حجر (٢/ ١٩٣).
٣٥٨

وأما عبد الرحمن بن أبي ليلى: فالمشهورُ [أنه](١) ابن يسار،
وقيل: داودُ بن بلال، كنية عبد الرحمن أبو عيسى، وهو أنصاري، إمّا
بالنسب(٢) أو بالولاء، قال البخاريُّ: وكان بعضُهم يقول: هو من
أنفسهم، وكان عثمانُ بن أبي شيبةً يقول: هو مولى، وممن نسبه في
الأنصار ابنُ سعدٍ كاتبُ الواقديِّ فقال: ابن أبي ليلى بن أصحبة قال:
هو أحد بني جَحْجَبا، وكذلك(٣) رأيته منسوباً في مسند يعقوب بن
شيبة إلى بني جَحْجَبا في نسبٍ (٤) ذكره.
وابن أبي ليلى أحدُ كبار التابعين، وأبوه له صحبة، ذكر يعقوب
ابن شيبة عنه أنه قال: أدركتُ عشرين ومئةً(٥) من أصحاب النبيِّ ◌َِّ،
ويقال: إنه وُلِدَ لستِّ سنين من خلافة عمر ◌َظ ◌ُه.
قال يعقوب: وروى عبد الرحمن عن عمر، وعلي، وعبد الله،
وأبيٍّ بن كعب، وسهلٍ بن حنيف، وخوَّات بن جُبير، والبراءِ
ابن عازب، وأبي ذرٍّ، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي
سعيد الخدري، وقيس بن سعد، وزيد بن أرقم ﴿، وكلُّ هؤلاء
من الصحابة.
زيادة من ((ت)) .
(١)
((ت)): ((بالنسبة)).
(٢)
(٣)
(ت)): ((ولكن)).
(٤) (ت)): ((ينسب)) بدل ((في نسب)).
(٥) (ت)) زيادة: ((من الأنصار)).
٣٥٩

قال [يعقوب](١): وكان يحيى بنُ مَعين فيما حدثني عنه عباس(٢)
يُنكر سماعَه منه، ويصحح له السماعَ من علي، فعلى مذهب يحيى أنه
لم يسمع أيضاً من معاذ بن جبل.
قلت: ذكروا وفاةَ عبد الرحمن بن أبي ليلى سنةَ ثلاث وثمانين،
يقال: مات غريقاً بنهر (٣) البصرة الذي يقال له دُجَيْل(٤).
* الوجه الثاني : في تصحيحه:
وقد اتفق الشيخان على إخراجه في ((الصحيحين)) من حديث
مُجاهد، والحَكَم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهذا الذي ذكرناه
رواية (٥) سيف(٦) بن أبي سليمان، عن مجاهد، عند البخاري.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((أحمد بن العباس)).
(٣)
(ات)): ((في نهر)).
(٤) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦ / ١٠٩)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم.
(٤ / ٣٥٠)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٠ / ١٩٩)، ((تاريخ دمشق)) لابن
عساكر (٣٦/ ٧٩)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٧ / ٣٧٢)، ((سير أعلام
النبلاء)) (٣/ ٢٦٢)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (١/ ٥٨)، «تهذيب
التهذيب)) لابن حجر (٦ / ٢٣٤).
(٥) (ت)): ((رواه).
(٦) في النسخ الثلاث: ((سعيد))، والصواب ما أثبت.
٣٦٠