Indexed OCR Text
Pages 101-120
رسولِهِ، فكأنَّ(١) المشمِّتَ بشَّر العاطسَ بحصول الرحمة في المستقبل؛
بسبب حصولها في الحال الحاضر بدفع المؤذي، فيكون من باب ﴿وَلَمْ
أَكُنُ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَفِيًّا﴾ [مريم: ٤] عند مَنْ فَهِمَ منه هذا المعنى.
[من المتقارب]:
كذلك يُحْسِنُ فيما بَقِي(٢)
كما أحسنَ اللهُ فيما مضى
الثامنة والستون: في قاعدة: إذا كان الغالبُ من إطلاق اللفظ
إرادةَ معنىً مع احتماله لغيره، فالحالُ فيه بالنسبة إلى ما بعد إطلاقه
على أقسام:
أحدها: أن يستحضِرَ المطلِقُ أنَّ نوى المعنى الغالبَ إرادتُه عند
الإطلاق.
الثاني(٣): أن يستحضرَ أنه نوى المعنى المحتملَ؛ أعني: غيرَ
الغالب.
والثالث: أنّه (٤) لا يحضرُه أنَّه نوى الغالِبَ، ولا غيرَه.
فأمَّا القسم الأول: فلا إشكال فيه، وأنه يعملُ بما نواه.
وأما الثاني: فهو أيضاً محمولٌ على المحتَمِلِ، إلا لمانع فيه
(١) ((ت)): ((وكأن)).
(٢) تقدم ذكره، وأنه منسوب إلى منصور بن إسماعيل الفقيه، وقيل بنسبته إلى
علي بن أبي طالب ﴾.
(٣) ((ت): ((والثاني)).
(٤) ((ت)): ((أن)) .
١٠١
تفصيل بين ما يتعلق بالعبادات وألفاظ الشارع في المأمورات، وبين
ألفاظ المكلَّفين في أيمانهم وتعليقاتهم، وفي ذلك طولٌ اقتصرناه.
و أما الثالث: فهو محلُّ نظرٍ، فيحتمل أن يقال: لا يلحق بما
وُجَدَتْ فيه نِيَّةُ الغالب؛ لعدم نيَّةِ الغالب إذ لم يستحضر، ويحتمل أن
يقالَ: يجري مجرى ما وُجِدت فيه نيَّةُ الغالب؛ لغلبة إرادة الغالب عند
الاسترسال في الإطلاق، ولهذا القولِ غَور (١) نذكره، إن شاء الله
تعالى(٢).
التاسعة والستون: هاهنا قاعدةٌ عقلية(٣)، وهي الفرق بين العلم
بالشيء، والعلم بالعلم بالشيء، والفرقُ بين حضورِ الشيء، وبين
حضورِ تذكّرِه، فقد يكون الشيءُ حاضراً، ولا يحضُرُ تذكُّره بعد ذلك
في وقت، والمَلَكَاتُ النفسانيَةُ كلُّها من هذا القَبيلِ؛ لأنَّ شرطَ الفعلِ
لا يحصُل الفعلُ إلا به، فإذا صار ذلك مَلَكَةً للنفس كان الشرطُ
حاضراً، وإلا وُجدَ المشروطُ بدون شرطِه، لكنه إمّا حصلَ العلمُ به
عند الفعلِ وَلم يحصلِ العلمُ بالعلمِ به، أو حصلَ لكن لم يحضرْ تذكّره
بعد انقضاء وقتٍ حضورِه.
مثال ذلك: أن الكتابةَ تتوقف على العلم بكيفية التركيب بين
(١) ((ت)): ((عون)) .
(٢) نقل هذه القاعدة عن المؤلف: الزركشي في ((المنثور)) (٣/ ١٢٨).
(٣) في ((الأصل)) و(ب)) زيادة: ((إلى قاعدة عقلية))، وليست في ((ت))،
ولا موضع لهذه الزيادة، والله أعلم.
١٠٢
الحروف، وتقدُّم(١) بعضِها على بعضٍ ضرورةً، ثم إنَّها تكثرُ وتتكرر إلى
أن تصيرَ ملكةً للنفس، فيكتب الإنسانُ مجدداً، بل ما شاء الله تعالى
أن يكتبَ، ولا يستحضرُ أنه رتَّب الترتيبَ الذي يتوقفُ عليه انتظامُ
الكتابةِ، وفي التحقيق قد حصل ذلك في نفس الأمر عند الكتابة،
ولكنه لم يحضر(٢) تذگَّره بعد(٣) انقضائه.
وكذلك نقول في الكلام واللفظِ إذا كثُرَ استعمالُه في معنىً وتكرَّر
على الألسنة، فإنه عند الاسترسال يُرادُ به ذلك المعنى ظاهراً، وإن
كان بعد ذلك لو سُئِلَ المتكلُّمُ: هل تَستحضِرُ أنك أردت به هذا
المعنى [المعين](٤)، أو لا؟ لم يذكر أنه حَضَرَتْهُ النِيَّةُ بعينها، ويُحرِّكُ
هذا إلى النظر في بعض دلائلٍ المتكلمين في بعض المسائل(٥).
السبعون: فيما يترتَّب على هذا مما نحن فيه، أنَّا قد ذكرنا أنّ
قولَ المشمّت: ((يرحمك الله)) الظاهرُ منه إرادةُ الدعاء، وأنَّ إرادةَ الخبر
على طريق البِشَارة المبنية على حسن الظن محتملةٌ، وإذا كان كذلك
وحُمِلَ الأمرُ على الظاهر - وهو الدعاء - فحينئذٍ يكون المأمورُ به على
جهة الدعاء، وهو قوله: ((يرحمك الله))، فيرجع إلى الأقسام الثلاثة:
(١) ((ت)): ((وتقديم)).
(٢) ((ت)): ((يحضره)).
(٣) ((ت): ((عند)) .
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) نقل هذه القاعدة العقلية عن المؤلف: الزركشي في ((المنثور)) (١٢٩/٣).
١٠٣
أحدها: أن يقصدَ المشمّت الدعاءَ، فهذا يكون ممتثلاً جزماً،
آتياً بما أُمِر به.
وثانيها: أن يقصِدَ صرفَه إلى الخبر، فهذا لا يكون ممتثلاً على
مقتضى ما قلناه، وأنَّ كونَه دعاءً داخلٌ (١) تحت الأمر(٢).
وثالثها: أن يُطْلِقَ اللفظَ إطلاقاً، ولا يحضرُهُ بعدُ أَنّه قصد الدعاء
أو الخبر، فمقتضى ظاهر الحديث الاكتفاءُ به؛ لأنه قد أتى بما أُمِرَ به،
وهو قوله: ((يرحمك الله)).
ففيه دليلٌ على أنَّ اللفظَ عند الإطلاق وعدم الاستحضارِ لنية
التخصيص بعدهُ، يُحمل على ما الغالب إرادتُه؛ لأنه لو لم يكن
كذلك؛ أعني: أنه(٣) لا يكونُ الأصلُ حملَه على ما الغالب إرادته، لَمَا
اكتفى بقوله: ((يرحمك الله)) في هذه الصورة؛ [لأنّه لم يكُ آتياً بما
دخل تحت الأمر، وهو الدعاء](٤)، لكنه اكتفى به عملاً بقوله چيلات :
((وليقل: يرحمك الله))، والإتيانُ بالمأمور به يقتضي الإجزاءَ.
الحادية والسبعون: فإذا تقرر هذا جاءك تحت هذا مسائلُ من
(١) في الأصل: ((داخلاً))، والمثبت من ((ت)).
(٢) أي: الذي يعتمد الإخبار، لا الدعاء، لا يكون آتياً بما أمر به من تشميت
العاطس؛ بناءً على أن أمر الشارع يتحقق بالدعاء العاطس، فلفظ:
((رحمك الله))، مأمور به، ومأمور بأن يراد به الدعاء.
(٣) في الأصل ((أن))، والمثبت من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
١٠٤
أحكام الأيمان، منها:
أنّ البدويَّ إذا أطلقَ لفظَ البيتِ في يمينه، وقال: لا أدخل بيتاً،
فإنه يُحمل على بيتِ الشَّعر حتى يحنَثَ بدخوله؛ لأن الغالب إرادتُه مع
وضع اللفظ له.
وبهذا علَّل بعضُ مصنفي الشافعية حملَ هذا اللفظ من البدوي
على بيتِ الشعر، وقال: فإذا (١) أطلقه من يغلب عليه إرادته كالبدوي
حُمِل عليه؛ لاجتماع الوضع وغلبةِ الإرادة.
فتراه اعتَبَرَ غلبةَ الإرادة، وهو دليلٌ على أن النيّةَ(٢) لإرادة بيت الشَّعْر
لم تُستحضَر؛ لأنها لو استُحْضِرَت لم يحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة(٣).
فإن قلت: إنما اعتبر غلبة الإرادة عند موافقةِ الوضع لذلك؛ لأنَّ
لفظَ البيتِ حقيقةٌ في بيت الشَّعْر؛ بدليل أنه يجيء في القُرويِّ أوجه:
أحدها، وهو النص أنه: كالبدويّ.
والثاني: أنه لا يحنث إلا بالبيت المبنيّ.
والثالث: إن قَرَبتْ قريتُه من البادية بحيث يطْرُقُونها ويناطقونهم
فيها، فهو كالبدوي، وإن لم يكن كذلك، لم يحنث(٤).
(١) ((ت): ((إذا)).
(٢) في الأصل زيادة: ((الإرادة وهو دليل على أن النية)).
(٣) من بداية الفائدة إلى هنا: نقله الزركشي في ((المنثور)) (٣/ ١٣٠).
(٤) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٧ / ٢٢٦).
١٠٥
قلت: إن لم يكن لغلَبَةِ الإرادة عند عدم استحضار النيّة أثرٌ
[أصلاً](١)، فكلامُهُ لغوٌ، وإن كان له أثر مانعٌ (٢) عدمَ استحضارِ النيّة
حصلَ المراد، والأصلُ الذي ذكرته؛ لأنه قد تبين (٣) أنَّ الاستدلالَ
بغلبة الإرادة إنما يكون حيث لم تُستحضَرْ النيّةُ، فإنها لو استُحضرت
لم يُحتجْ إلى التعليل بغلبة الإرادة.
وأمَّا الخلاف المذكور في القروي، فالقول بعدم تحنیثه، جارٍ
على ما قلناه(٤)، والفارقُ بين من قربت قريتُه من البادية وغيرِهِ
تحويمٌ على حصول الغلبة، والقولُ بالتحنيث اعتبارٌ للوضع عند
عدم استحضار النيّة المعينة، ونحن ما اذَّعينا الإجماعَ على ما قلناه،
وإنما اذَّعينا أنَّ مقتضى ظاهرِ الحديثِ الاكتفاءُ، وهذا حاصل، وإن
اختلف فيه.
الثانية والسبعون: حلف لا يأكلُ اللحمَ، لم يحنثْ بلحم السمك،
وهو حقيقةٌ فيه، قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًا﴾ [النحل: ١٤]،
والمسألةُ مفروضةٌ فيما إذا لم يحضره أنه نوى اللحمَ المعتادَ تسميتُه
باللحم عند الإطلاق، وهو (٥) محمول على المعتاد لغلبة إراداته عند
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((ما مع)) بدل ((مانع)).
(٣) ((ت)): ((بين)).
(٤) ((ت)): ((ذكرناه)).
(٥) ((ت)): ((فهو)).
١٠٦
الإطلاق، وهذا يخالف مسألةَ البدوي الحالفِ أنه لا يدخل بيتاً، فإن
اعتيادَ الإرادةِ ثَمَّ وافَقَ الوضعَ، واعتيادُ الإرادة هاهنا خالفَه مخالفةً
التخصیص.
الثالثة والسبعون: حلف لا يدخل بيتاً، فدخل الكعبةَ أو
المسجدَ، لم يحنثْ عند الجمهور، وقيل: يحنث(١)، وقول الجمهور
موافق للقاعدة (٢) التي ذكرناها؛ لأن غلبةَ الإرادةِ تقتضي إرادةَ غيرِ
المساجد، وهو كالمسألة قبلَها في أنّ غلبةَ الإرادةِ خالفتِ الوضعَ
مخالفةَ الخصوصِ للعموم.
الرابعة والسبعون: دخل الرّحى والحمام فقيل: إنه كالمسجد(٣)،
وهذا أيضاً تخصيص للوضع بغلبة الإرادة، والله أعلم.
الخامسة والسبعون: بعضُ ما ذكرناه - وما لم نذكره - من
مسائلِ الأيمان، قد ندَّعي فيه أنَّ السببَ في التخصيص نقلُ الاسم
إلى حقيقةٍ عُرفية عن الحقيقة الوضعية، فالحملُ عليه عند الإطلاق
من باب اتباع الوضع لا النظرِ إلى غلبة الإرادة، فتأمَّلْه؛ لئلاَ يُؤْرَدَ
عليك دَفعاً لما قررناه(٤)، وفَرْقاً [بينه و](٥) بين ما ادَّعيناه واستشهدنا
(١) انظر: ((المدونة)) (٣/ ١٣٣)، و((الوسيط)) للغزالي (٧/ ٢٢٦)، و((المغني))
لابن قدامة (١٠ / ٥٨)، و(«الهداية» للمرغيناني (٢ / ٧٦).
(٢) ((ت)): ((للعادة)).
(٣) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (٧ / ٢٢٦).
(٤) في الأصل: ((قدرناه))، والمثبت من (ت)) و(ب).
(٥) سقط من ((ت)).
١٠٧
به، وهذه الدعوى لا تصحُّ في كل مكان، وصاحبُها مطالَبٌ بالدليل
عليها، ولا يُمكِنُ أن يُدَّعَى أنَّ (١) البدويَّ نقلَ لفظَ البيتِ إلى بيت
الشَّعر، حتى صار إطلاقُه على بيت المَدَرِ مهجوراً؛ كهجران لفظ
الغائطِ بالنسبة إلى المُطْمَئِنِّ من الأرض، ولا أيضاً نقل القروي (٢) لفظ
البيت إلى بيت المَدَرِ، حتى صار إطلاقُه على بيت الشعر مهجوراً،
والأغلب إرادة كلِّ واحدٍ منهما ما اعتاده وأَلِفَهُ، فانصرافُ اللفظِ إليه
بالغلبةِ في الإرادة.
وقد قال الله تعالى: ﴿فِى بُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] فأطلق
لفظَ البيوت على المساجد، وهو إطلاقٌ عُرْفي في زمن نزول الآية،
فإن ادعى أن النقلَ العرفي إنما حدث بعد ذلك؛ أي: بعد نزول
الآية، فقد أبعد، وأقلُّ ما يُدفَعُ به [قولهُ] (٣): أن (٤) الأصلَ عدمُ
التغيير بعد الإطلاق عند نزول الآية، والناس يقولون: الكعبة
والمسجد(٥) بيت الله، إلى الآن، والله أعلم.
السادسة والسبعون: وطريقُ الاستدلالِ في مسائل الأيمان
التي من هذا الجنس بردِّها إلى الحديث، أنْ يقالَ: لو لم يُحْمَلْ
(١) في الأصل: ((يدعي))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل و((ب)): ((القروي نقل))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((بأن)) .
(٥) ((ت)): ((للمسجد والكعبة)).
١٠٨
هذا اللفظُ في المسألة الفُلانية على ما يُعتادُ قصدُه به غالباً، لما
حُمِلَ قولُهُ: ((يرحمك الله)) للمشمِّت على ما يقصد به غالباً، وهو
الدعاء؛ لأنه أحدُ أفرادِ هذه القاعدة، لكنه حُمِلَ عليه عملاً
بالحديث، فإنه يقتضي الاكتفاءَ بقوله: ((يرحمك الله))، والاكتفاء
بذلك إنما هو لرجحان حملِهِ على ما يعتاد قصده من اللفظ غالباً مع
احتماله لغيره؛ لأنه لو لم يكن راجحاً لكان (١) إما مرجوحاً أو
مساوياً، وكلاهما يمتنع(٢) الحملُ عليه.
السابعة والسبعون: ويجيء من هذا اعتبارُ ما يقتضيه سببُ كلام
الحالف، ومثارُ يمينه(٣) الذي اعتبره مالكٌ وأحمدُ - رحمهما الله
تعالى - وهو [الذي](٤) تسميه المالكيةُ بساطَ اليمين، ويقال: إنه
يُرْجَعُ (٥) إليه، إذا لم تكن نية (٦).
وهذا فيه تَسامُحٌ في اللفظ، وتعبيرٌ عن عدم استحضار النيّة بعدم
النيّةِ، فإنَّ الفائتَ في هذه الصورة - على ما قررناه في هذه القاعدة
(١) (ت)): ((كأن)).
(٢) ((ت)) ((يمنع)).
(٣) ((ت): ((نيته)) .
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) في الأصل: ((رجع))، والمثبت من ((ت)).
(٦) انظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (٣/ ٢٨٧).
١٠٩
العقلية - إنما هو استحضارُ النيّةِ.
والاستدلالُ بالبساطِ على حضور النيّة عند الإطلاق مثالُه:
إذا مرَّ إنسانٌ بمن يأكل فاستحضرهُ للأكل، وأكَّد عليه طلبَه
لذلك، فقال: والله لا أكلتُ. فلو قيلَ له بعد ذلك: أتستحضرُ
أنَّكَ نويتَ لا أكلتَ الآن أو معك، [أو ما أشبهه](١)، لقال:
لا أستحضرُ هذا، لكنَّ البساطَ دلَّ على أن المرادَ لا أكلت الآن
أو معك أو ما أشبه(٢)، فيسدلن به على حضور النيّة
وقتَ اليمين، وأن الفائتَ بعدَه تذكُّرُ النيّةِ، لا أنَّ الفائتَ نفسُ
النيّةِ عند التلفُّظ، وقد حَمَلَهُ قومٌ على العموم فحنّثُوه بالأكل
مطلقاً .
وأنا أرى صحةَ هذه القاعدة في الجملة، وهي عندي من قَبيل
دَلالةِ السياقِ التي ترشُد إلى بيانِ المُجْمَلات(٣)، وتخصيصٍٍ
العمومات، وتعميم الخصوصات، واستعمالُها في ألفاظ الشارع كثيرٌ
جداً، بل هي الدالَّةُ على مقصود الكلام(٤)، وإني لأَستَبْعِدُ أنّ العامي
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((أشبهه)) .
(٣) ((ت)): ((المحتملات)).
(٤) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٨ /٥٤).
=
١١٠
إذا أَطلقَ لفظاً وأراد به معنى أَنْ يقالَ له: قد بَرَرْتَ، أو حَنَثْتَ، بسبب
شيءٍ لم يخطَرْ بباله، ولا يفهمه إلا بعد قوله له وتفهيمِهِ [إِيَّاه](١)، كما
لو قال لزوجته: وهي في ماءٍ جارٍ: اطلعي من هذا الماء، فأبت عليه،
فقال: إن أقمتٍ فيه، فأنت طالقٌ، فيقال له: لو أقامت يوماً مثلاً لم
تَطْلُق؛ لأن الماءَ المعيَّنَ الذي(٢) هي فيه حين يمينك لم تُقِمْ فيه؛ لأنَّ
قد مضى، فإنَّ(٣) جريانَه على الدوام له، فهذا معنى لا يفهمُه إلا بعد
= قال المؤلف رحمه الله في ((شرح عمدة الأحكام)) (٢/ ٢٢٥): ويجب أن
تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام وعلى
مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، ولا تُجريهما مجرى
واحداً؛ فإن مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص به، كقوله
تعالى: ﴿ وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: ٣٨] بسبب سرقة
رداء صفوان، وأنه لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإجماع.
أما السياق والقرائن: فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي
المرشدة إلى بيان المجملات، وتعيين المحتملات. فاضبط هذه القاعدة،
فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى. وانظر في قوله وير: ((ليس من البر
الصيام في السفر)) مع حكاية هذه الحالة، من أيِّ القبيل هو؟ فنزِّله عليه،
انتھی .
(١) زيادة من ((ت)) .
(٢) الأصل: ((التي))، والمثبت من ((ت)).
(٣) الأصل: ((فإنه))، والمثبت من ((ت)).
١١١
التفهيم، وربما يُتْعَبُ(١) مع بعضهم في تفهيمه، فكيف نقول: إنَّ لفظَه
محمولٌ عليه؟ ويمينُهُ بارَّةٌ بما لم يخطر بباله؟! ولا شكَّ أن(٢) حالةً
الإطلاق، لم يكن كلامُه لغواً ولا هَذْراً لا معنى له، فله معنى أراده
قطعاً، فكيف يَبَرُّ بموافقته ما لم يفهم(٣) إلا بعد قول المفتي له، وإنما
[هذا](٤) يَرْجِعُ إلى القاعدة التي قدَّمناها، وهو أنه لم يُرِدْ إلا مطلقَ
الماء وجنسَه، لا الجزئية المعينة، وإنما فَقَدَ بعد إطلاقِهِ اللفظَ
استحضارَ النيّة التي كانت عند الإطلاق، فإذا قيل له: هل نويتَ جنسَ
الماء؟ لم يستحضر ذلك، والله أعلم.
نعم لا أسترسل في هذه القاعدة استرسالاً يفعله بعضُ من یری
بها، وإنما الذي ينبغي: أن ينظر إلى القرب في دلالة الحال على وجودٍ
النيّة والبعدِ من ذلك، والله أعلم.
الثامنة والسبعون: الذي ذكرناه في اليمين على اللحم أقوى مما
ذكرناه هاهنا، والسببُ في قوته: أنه يمكن المُدَّعي أن يدّعيَ انتقالَ
اللفظِ إلى الخصوص بوضع عرفي، فيقول: إنّ أهل العرف نقلوا لفظَ
اللحمِ عند الإطلاق إلى اللحم الفلانيّ، فيصير حملُ اللفظِ على
(١) (ت)): ((تعبت).
(٢) ((ت)): ((أنه)) .
(٣) ((ت)): ((بمواقعة مالم يفهمه)).
(٤) زيادة من ((ت)) .
١١٢
الحقيقةِ العرفيةِ كحمله على الحقيقة الوضعية.
ومسألةُ بِسَاطِ اليمين لا يُدَّعى فيها ذلك، ولا يقال: إنّ قولَ
الحالف: والله لا أكلتُ، نُقِلَ عُرفاً(١) إلى خصوصٍ ما خُوطِب
بأكله(٢)، وقد قدمنا ما في هذه الدعوى، والمسألتان تشتركان في أمرٍ
عامٌّ، وهو حملُ اللفظ على ما يقتضيه حملَه عليه عرفاً؛ إمّا بطريق
و
النقل العرفي للاسم، أو بطريق الدَّلالةِ العرفيَّةِ على التخصيص،
والدلالةُ العرفيةُ أعمُّ من الدلالة العرفية في نقل موضوع اللفظ، وإذا
أردت العبارةَ في مسألة البساطِ لتردّه إلى الحديث؛ أعني: قوله:
(يرحمك الله))، فله طريقان:
أحدهما: أن يقال: لو لم يَعْتَبِرْ ما دلَّ عليه البساطُ عند
احتمال اللفظ لغيره، وعدمَ تذكَّرِ نية التخصيص، لما اكتفى بقوله:
((يرحمك الله)) في مثل هذه الصورة؛ أعني: صورة ما إذا قال:
((يرحمك الله)) ولم تحضرهُ نيةُ الدعاء، لكن(٣) اكتفى به عملاً بظاهر
الحديث، وهو قولُه: ((وليقلْ: يرحمك الله))، فإنَّ ظاهرَه يقتضي
الاكتفاءَ به مطلقاً، قَصَدَ الدعاءَ أو لم يقصِدْ.
بيانُ(٤) الملازمةِ: أنه لو لم يعتبرْ، لكان ذلك للاحتمال المعارض
(١) في الأصل: ((عرف))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((بأكلٍ)).
(٣) ((ت)): ((لکنه))
(٤) (ت)): ((فإن)).
١١٣
للفظ مع عدم حضور نية التخصيص، وهذا المعنى موجودٌ في قوله:
((يرحمك الله))، فإنه محتمِلٌ، ولا نيةَ تخصيصٍ، وقد حُمِلَ على
الدُّعاء الذي يقتضي اللفظ اعتبارَه، وفيه البحث في النقل العرفي
وغيره.
الطريق الثاني: لو لم يَعتبر البساطَ، لكان المانعُ عدمَ حضور نية
التخصيص، ووجوب حمل اللفظ على الوضع حينئذٍ، لکن ذلك غیر
مانع؛ لأنه لو كان مانعاً لَمَا حُمِلَ قوله: ((يرحمك الله)) على الدعاء؛
لاحتماله للخبر، وعدم حضور نية التخصيص.
التاسعة والسبعون: هذا التشميت العاطس من حكمته حصولُ
المودَّةِ والمؤالفةِ بين المسلمين، وهي قاعدةٌ لا يحصى ما دلّ عليها
من الشرع؛ ((لا تحاسَدُوا، ولا تباغَضُوا))(١)، ((لا تختلفوا فَتَخْتَلِفَ
قلوبُكُمْ))(٢)، ((لا يَحِلُّ لمسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه)(٣)، «عودُوا المريِضَ وأجيبوا
(١) رواه البخاري (٥٧١٧)، كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد
والتدابر، ومسلم (٢٥٦٣)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم
الظن، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٢) رواه مسلم (٤٣٢)، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، من
حديث أبي مسعود څ .
(٣) رواه البخاري (٥٧١٨)، كتاب: الأدب، باب: ما ينهى عن التحاسد
والتدابر، ومسلم (٢٥٥٩)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم
التحاسد والتباغض والتدابر، من حديث أنس بن مالك
١١٤
الدَّاعي))(١)، وهذا الموضعُ على الخصوص - وهو تأديبٌ راجعٌ إلى
تشميتِ العاطس - أصلٌ في استجلاب المودَات بحُسْنِ المواظبات(٢).
الثمانون: فيه مع ذلك [أنّ](٣) التأديبَ للعاطس بكسرِ النفس عن
◌ُغيان الكِبْر، وحملِها على التواضع، وتقريرِه(٤) عندها، وذلك لِمَا في
الدُّعاء بالرحمة من الإشعار بالذَّنب الذي يُحتاج فيه إلى الدعاء
بالرحمة، ولهذا يُرى بعضُ المُتَخلُّفين يُعرِضُ عن الدعاء بالرَّحمة إلى
الدعاء بالعيش، فيقول: عِشْتَ، أو غير ذلك، وزاد الملوك - أو من
شاء الله تعالى منهم - فترفعوا عن التشميت بالكليَّة، وجعله
حاضروهم(٥) من الآدابِ مع الملوك، والأدبُ أدبُ اللهِ ورسوله،
والكبرياءُ رداءُ الحقِّ فمن نازَعَهُ (٦) قَصَمَه.
وقد أشار الإمام الحليميُّ في دعاء التشميت إلى معنى حسن
يتعلق بأمر الذنوب، ومناسبة دعاء التشميت لها؛ وهو [أن](٧) أنواعَ
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في ((ت)): ((وهذا الوضع أصل في استجلاب المودّات بحسن المواظبة
على الخصوص، وهو تأديب راجع إلى تشميت العاطس)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((وتقديره))، والمثبت من ((ت)) و(ب)).
(٥) في الأصل: ((محاضروهم))، والمثبت من ((ت)).
(٦) ((ت): زيادة: ((إياه)).
(٧) سقط من ((ت)).
١١٥
البلاءِ والآفاتِ كلَّها مؤاخذاتٌ يؤاخِذَ اللهُ بها عبادَه، وإنما تكون
المؤاخذةُ بالذنوب، فإذا حَصَلَتْ مغفرةٌ، وأدركت العبدَ رحمةٌ من الله
تعالى، لم تقع المؤاخذةُ، فإذا قيل للعاطس: يرحمك الله، أو يغفر الله
لك؛ أي: جعل الله ذلك لك؛ لقدوم السلامة والصحة لك(١).
الحادية والثمانون: قد يكون فيه أيضاً تنبيهٌ للعاطس وتعريضٌ
لطلبِه الرحمةَ من الله تعالى بالتوبة من الذنوب، فينبغي أن يستحضرَ
ذلك، ويجعل التشميتَ سبباً للتذكير، وتأمّلْ ما دلّ عليه الحدیثُ
من رد العاطس على المشمت بقوله: ((يغفرُ اللهُ لنَا ولكُم)) تجدْه مؤكِّداً
لهذا المعنى، دالاً على محاسن وضع الشريعة ولطائفٍ مَقاصدِها.
الثانية والثمانون: ليس في الحديث تعرُّضٌ إلا لتشميت
العاطس؛ أعني: هذا الحديث، ولكن في غيره ما أرشد إلى حمد
الله (٢) تعالى، كما سيأتي في توقيف التشميت على الحمد، وذكر الإمام
الحليْمِيّ في حكمة ذلك: أن معنى حمد لله تعالى عند(٣) العُطَاس(٤):
دفعُ الأذى(٥) من الدِّماغ الذي فيه قوةُ الذِّكْرِ والفِكْر، ومنه
(١) انظر: ((المنهاج في شعب الإيمان)) للحليمي (٣/ ٣٤٠).
(٢) ((ت)): ((حمد العاطس لله)).
(٣) ((ت)) زيادة: ((العطاس أن)).
(٤) في الأصل: ((العاطس))، والمثبت من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((للأذى)).
١١٦
منشأُ الأعصاب التي هي معدِنُ الحسِّ والحركةِ، وبسلامتها تكون
سلامةُ الأعضاء؛ يعني: والتوصُّل بكل شيء منها إلى ما خُلِقَ له،
فإذا تيسّرَ ذلك، فإنما هو نعمةٌ [من الله](١) جليلة، وفائدة
عظيمة، فلا أقلَّ من أن يُعرفَ قدرُها بالحمد لله رَ، وفيه مع
ذلك اعترافٌ له بالخلق والتدبير، وإضافةُ ما يصدر(٢) منه إليه، لا إلى
الطباع كما يقوله المُلْحِدون، فكان مما تحقق المحافظة عليه بهذا
المعنى .
الثالثة والثمانون: يُستحبُّ للعاطس إجابةُ المشمّت بدعاء
يخاطِبُه به، كما ذكرناه في الحديث السابق، لكنه ليس من مقتضيات
هذا الحديث الذي نحن في شرحه، إلا أنهم ذكروا في تعيين ما يجيبه
به العاطسُ اختلافاً وترجيحاتٍ ذكروها، وهي لا تختصُّ بجواب
العاطسِ للمشمت، بل هي مطَّردة في تشميت العاطس، فينجرُّ
[النظرُ](٣) بسبب ذلك إلى البحث عنها بالنسبة إلى التشميت، وهل
ينتقلُ إلى التشميت ويجري فيه، أم لا؟
فنذكرها، ونذكر ما يَنجرُّ إليه النظرُ بسببها، فنقول:
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((يقدّر)).
(٣) سقط من ((ت)).
١١٧
[نقل](١) القاضي أبو الوليد بنُ رشد المالكيُّ قاضي الجماعة،
عن مالك - رحمه الله تعالى - أنه قال: إن شاء قال العاطسُ في الرد
على من يشمّته: ((يغفر الله لنا ولكم))، وإن شاء قال: ((يهديكم الله
ويُصلِحُ بالَكُم))، [وهو قول الشافعي؛ أي: ذلك.
قال: وقال أصحابُ أبي حنيفة: يقول: ((يغفر الله لنا ولكم))،
ولا يقول: (يهديكم الله ويصلح بالكم))](٢)، ورووا عن [إبراهيم](٣)
النخعي أنه قال: ((يهديكم الله ويصلح بالكم)) قالته الخوارج؛ لأنهم
لا یستغفرون للناس(٤).
قال: والصحيحُ ما ذهب إليه مالك، من أنه يَرُدُّ عليه بما شاء من
ذلك، فقد(٥) جاء عن النّبيِّ نَِّ الأمران جميعاً.
قال: وقد اختار الطَّحاوي وعبدُ الوهاب وغيرُه: ((يهديكم الله
ويصلح بالكم))، على قول: ((يغفر الله لنا ولكم))؛ لأنَّ المغفرةَ
لا تكون إلا عن(٦) ذنب، والهداية قد تَعْرَى عن الذنوب(٧).
(١) زيادة من ((ت)) .
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) رواه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٤ / ٣٠٢).
(٥) ((ت)): ((إذ قد)).
(٦) ((ت)): ((من)) .
(٧) انظر: ((التمهيد)) (١٧ / ٣٣٢)، و((الاستذكار)) كلاهما لابن عبد البر
(٨/ ٤٨٢).
١١٨
[قال](١): والذي نقول به: إنّ قوله: ((يغفر الله لنا ولكم)) أولى؛ إذْ
لا يَسْلَمُ أحدٌ من مواقعة الذنوب، وصاحبُ الذنب يحتاج إلى الغفران؛
لأنه إن هُدي فيما يستقبل، ولم يُغفر له ما تقدم من ذنوبه، بقيت التَّبِعَةُ
عليه فيها، وإن جَمَعَهما جميعاً، فقال: يغفر الله لنا ولكم، ويهديكم الله
ويصلح بالكم، كان أحسن وأولى، إلا في الذمِّي إذا عطس وحمد الله،
فلا يقال له: يرحمك الله، وإنما يقال: يهديك الله ويصلح بالك؛ لأن
اليهودي والنصراني لا تُغفر له السيئاتُ حتى يؤمن(٢).
قلت: هذا الترجيح الذي ذكره لقوله: يهديكم الله ويصلح
بالكم، على قوله: يغفر الله لنا ولكم(٣)، لا يختصُّ بردِّ العاطس على
المشمّت، بل هو مطَّردٌ في المشمّت أيضاً، ولا تتأدَّى [به](٤) السنةُ في
المشمّت للمسلم، وإنما تتأدَّى به للكافر، فقد يُستدل بإلغاء هذا
الترجيح في المشمّت على الغاية في الرادِّ على المشمّت، فإن المعنى
عامٌّ فيهما، فإلغاؤه في أحدهما إلغاءٌ له في الآخر.
وقد يقول المرجِّحُ: إنما أرجِّحُ حيث دَلَّ الدليلُ على جوازِ
الأمرين، لا حيثُ لم يدلّ على جوازهما، بل خصص بلفظ آخر
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((المقدمات الممهدات)) لابن رشد (٣ / ٤٤٤ - ٤٤٥).
(٣) وقد تقدم أنه اختيار الطحاوي وعبد الوهاب وغيرهما.
(٤) زيادة من ((ت)) .
١١٩
غيرهما، وهو الرحمة، ولا يخفى ما يرِدُ عليه.
وما قاله القاضي أبو الوليد في اختيار الجمع بين اللفظين حسنٌ،
ولا يُردُّ في التشميت؛ للتخصيص باللفظ الوارد في الرحمة، والله أعلم.
الرابعة والثمانون: الأمر بإيجاد الصفة وإدخالها في الوجود،
يقتضي الأمرَ بالموصوف؛ لاستحالةِ دخولِ الصِّفةِ في الوجود بدون
الموصوف(١)، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب.
وقد يكون الأمر بالصفة على تقدير وجود الموصوف، وقد
يحتمل الحالُ الأمرين، كما سيأتي في قوله {ََّ: ((أَفشوا السَّلام))،
وهل المرادُ إدخالَ إفشاءِ السلام في الوجود، فيكون أمراً بأصل
السلام، أو المرادُ إفشاؤُه على تقدير وجودِه؛ أي: إذا سلّمتم فليكن
فاشياً؟ في ذلك بحث.
الخامسة والثمانون: إذا تقرر هذا، فالأمرُ بإبرارِ القَسَم إذا كان
المرادُ به أن يكونَ ذا بِرِّ لا إثمَ فيه، من باب الأمر بالصفة على تقدير
وجود الموصوف؛ أي: إذا حلفتم فلتكن اليمينُ برّةً؛ أي: ذاتَ
برّ، وليس أمراً بإيجاد الصِّفة الذي يستلزم الأمرَ بوجود
[الموصوفٍ](٢)؛ لأن اليمينَ لا تكون مَأموراً بها على الإطلاق، بل قَدْ
نصَّ بعضُ مصنِّفي الشافعيَّة على أنَّ الأيْمانَ مكروهةٌ إلا إذا كانتْ في
(١) في الأصل ((الصفة))، والتصويب من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
١٢٠