Indexed OCR Text
Pages 61-80
داع إلا لمُعارِض(١). ومن أوجب الإجابةَ إلى وليمة العرس دون غيرها، فالاستحباب . محمولٌ على غيرها عنده، فهو محمولٌ على الخصوص بالنسبة إلى الدَّاعين؛ لأنَّه يَستحبُّ الإجابة إلى الداعين لغير وليمة النكاح، ويوجبُها(٢) على الداعين إلى وليمة النكاح. العشرون: في هذه الأقسام بالنّسبة إلى إفشاء السلام، فسيأتي الكلامُ في الإفشاء إن شاء الله تعالی. وإنما نتكلّم هاهنا في السَّلام نفسِهِ، والمشهورُ: أنَّ ابتداءَه مستحبٌ، وردّهُ واجبٌ(٣)، وإذا جَرَينا على هذا، سَقَطَ الوجوبُ بالنسبة إلى العمومَين؛ أعني: بالنسبة إلى عموم المسلِّمِين والمسلَّمِ عليهم، وإذا سقط بالنسبة إلى العمومَين، سقط بالنسبة إلى الخصوصَين؛ لأنَّ معنى سقوطِه بالنسبة إلى العمومَين: أنه لا واحدَ من الناس يجبُ عليه ابتداءُ السلام على واحدٍ من الناس، وذلك يُوجب سقوطَ الخصوصين؛ أعني: سقوطَ كلِّ واحدٍ منهما، فسقطتِ الأقسامُ كلَّها بالنسبة إلى الوجوب. (١) في الأصل: ((لعارض))، والمثبت من (ت)). (٢) في الأصل: ((وتوجهاً)، والمثبت من ((ت)). (٣) انظر ((التمهيد)) لابن عبد البر (٥/ ٢٨٨)، و((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٠)، و((فتح الباري)) لابن حجر (١١ / ٤). ٦١ وأما بالنسبة إلى الاستحباب، فالعمومُ بالنسبة إلى كلا الفريقين؛ أي: يُستَحبُّ لكلِّ لاقِ التسليمُ(١) على كل ملقٌّ، وهذا مُمكنٌ إلا أنَّ التخصيصاتِ الخارجةَ عن هذا اللفظ تمنع (٢) القولَ به، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في التَّسليم على الكفار والنساء. وإذا خرج بعضُ هذه الأقسام في المسلَّم عليهم كان الحملُ على الخصوصِ بالنسبة إليهم، وعلى العمومِ بالنسبة إلى اللَّقين، إلا أنَّ ما يُوجِبُ التَّخصيصَ فيهم(٣) أيضاً، فيُحْمَلُ على الخصوص فيما يأتي، فبهذه المسائلِ يتبين ما يُمكِنُ الحملُ فيه على العموم، وما لا يُمكنُ، على حَسَب ما قدَّمناه. الحادية والعشرون: ظاهرُ الأمرِ في هذه الأشياء الوجوبُ، وقد وردتْ صيغةُ الوجوب في بعضها من حديث الزُّهْرِيِّ، عن ابن المُسَيِّبِ، عن أبي هريرة - ﴿ه - قال: قال رسول الله صَلّهِ: ((خَمْسٌ تجبُ للمُسْلِم على أخيه؛ ردُّ السَّلام، وتَشْميتُ العاطسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعِيادةُ المريضِ، واتّباعُ الجَنازةِ))(٤)، والله أعلم. الثانية والعشرون: ظاهرُ النَّهي في هذه الأشياء السّبعةِ التحریمُ، (١) في الأصل زيادة ((أن يسلم)). (٢) ((ت): ((يمنع)). (٣) أي: موجب التخصيص متحقق فيهم. (٤) تقدم تخريجه عند الشيخين، وهذا لفظ مسلم. ٦٢ وهو معمولٌ [به](١) عند الجمهور؛ أعني: أنَّ هذه الأمورَ يتعلَّق بها التَّحريمُ، إلا ما خُصَّ منها، فيخرج موضعُ التَّخصيصِ منها، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالی. الثالثة والعشرون: أطلقوا القولَ باستحبابِ عيادة المريض، وأنَّه سُنَّةٌ(٢)، ولا شكّ في أنَّ تركَ عيادةٍ مِن يَضِيْعُ إذا لم يُعَدْ محرَّمٌ، والقيامَ عليه فرضُ كفاية، فإذا لم يتمَّ إلا بعيادته، فعيادتُهُ فرضُ كفاية؛ لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب، فالإطلاق إذنْ بالنسبة إلى الأعمِّ الأغلبِ من غير نظرٍ إلى العوارض، أما الظاهريُّ فإنَّه ذهبَ إلى أن عيادةَ مرضى المسلمين فرضٌ، ولو مرةً على الجار الذي لا تشقُّ عليه عيادته(٣). فأمَّا قولُهُ بالفرضيَّةِ فهو مقتضى ظاهرِ الأمر، وظاهرُ صيغةٍ الوجوب التي رَويناها من حديثِ الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة (٤). وأمَّا تخصيصُه بالجارِ فليس في حديث البراء ما يقتضيه، وكذلك الحديثُ الذي ذكره الظاهريُّ في هذه المسألة، وهو قوله وَّ: ((حقُّ (١) زيادة من ((ت)). (٢) قال الإمام النووي في ((شرح مسلم)) (١٤ / ٣١): أما عيادة المريض، فسنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي. (٣) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٥/ ١٧٢). (٤) في قوله ◌َّر: ((خمس تجب للمسلم على أخيه ... )). ٦٣ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ))(١)، لا يقتضي أيضاً التَّخصيصَ بالجار، فتخصيصُه بالجار يحتاج إلى دليل، وليس هذا التخصيصُ بالهيِّن؛ لأنه إذا خُصَّ الوجوبُ بالجار لا يتأدَّى [الفرضُ](٢) بعيادة غيرِ الجار، وإذا عمَّمنا الوجوبَ تأدَّى الفرضُ بعيادة غيرِ الجار من المسلمين، بل نزيد ونقول: إنَّ قوله بَّهِ: ((حقُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ خَمْسٌ)) يقتضي ثُبُوتَ هذا الحكم على المسلمٍ، والمسلمُ أعمُّ من المسلمِ الجار، فصار اللفظُ دليلاً على عدمِ التَّخصيص . وأمَّا تخصيصُه الوجوبَ بمرةٍ فظاهرٌ؛ لأنه مطلقٌ في عدد المرَّات، يتأدَّى بمرة واحدة، اللهم إلا أن يكونَ الوجوبُ ثابتاً لسبب مستمرّ كخوف الضَّيْعَةِ على المريض مثلاً، فيبقى الوجوبُ ما بقي و و سببه . وأما قولُهُ(٣): الذي لا تشُقُّ [عليه](٤) عيادتُه، فليس فيه تعريفٌ لمقدار المشقّة المسقطِ(٥) للوجوب، وليس كلُّ (٦) المشقَّاتِ مسقطاً. (١) تقدم تخريجه عند الشيخين . (٢) زيادة من ((ت)). (٣) أي: ابن حزم. (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((المسقطة)). (٦) في الأصل: ((لذلك)) بدل ((كل)»، والمثبت من ((ت)). ٦٤ الرابعة والعشرون: هو عامٌّ بالنسبة إلى المرضى، فيدخلُ فيه المسلمُ والكافرُ؛ فأمَّا الجوازُ في حقِّ الكافر: فثابتٌ بعيادة النبيِّ وَـ عمَّه أبا طالب(١)، وعيادتِه وَّرُ الغلامَ اليهوديَّ الذي [أَسلم](٢) بحضرته(٣) . وأما الوجوب: فإنَّ الظاهريَّ أسقطه في حقِّ الكافر، وقال: إنَّ عيادَتَه فعلٌ حسن(٤). فإِنْ أَخَذَهُ من مفهوم قولهِ وَّهِ: ((حقُّ المسلمِ على المسلم))، وأنَّ مفهومه: أنَّ غيرَ المسلم ليس كذلك، فهو لا يقولُ بالمفهوم، وكان يَلْزمُه أن يأخذ بحديث البراء في عموم عيادة المريض؛ لأنّه زائدٌ على ما في ذلك الحديث. وأما من يرى الاستحبابَ فيقول بالمفهوم، فيقول: هاهنا مفهومُ صفةٍ، فيقتضي نفيَ الحكم عمّا عدا محلّها، لا سيَّما مع ما دلَّ الشرعُ عليه من (٥) المنافاة بين المسلم والكافرِ، وانقطاع الوصلة، وعيادةُ النبي ◌ٌَّ لعمِّه والغلام اليهودي الذي كان يخدمُه لا عمومَ فيها؛ لأنها (١) رواه البخاري (٤٣٩٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، من حديث سعيد بن المسیب، عن أبيه . (٢) زيادة من ((ت)). (٣) رواه البخاري (٥٣٣٣)، كتاب: المرضى، باب: عيادة المشرك، من حديث أنس څ . (٤) انظر: ((المحلى)) لابن حزم (٥/ ١٧٣). (٥) ((ت): ((في)). ٦٥ واقعةُ فعلِ لا تقتضي العمومَ، وقد حصل فيها ما يمكنُ أن يُعتبرَ في الحكم، وهو القرابة والخدمة، فإنهما مقتضيان لمعنىً من الرعاية لا يوجد في عموم الكفار، وقد ذكر بعضُ أئمة الشافعيَّة: أنه إن كان ذميّاً جازَتْ عيادتُه، ولا يُستحب إلا لقرابة أو جِوَارٍ (١). الخامسة والعشرون: هو [عندنا](٢) عامٌّ بالنسبة إلى المرضى، ويلزم(٣) منه العمومُ بالنسبة إلى الأمراض، لئلا يخرجَ عنه بعضُ المرضى، وهو خلافُ مقتضى صيغةِ العموم. وقد أُوْلِعَ بعضُ العوامِ بأنَّ الأرمدَ لا يُعادُ(٤)، وخرّج أبو داود في ((السنن)) من حديث زيد بن أرقم قال: عَادَني رسولُ الله ◌َّهِ مِنْ وَجَع كان بِعَيْني. ورجاله ثقات(٥). (١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٢ / ٩٦). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((فيلزم)) . (٤) نقله عن المؤلف: العجلوني في ((كشف الخفاء)) (١ / ١٢٧)، وقد أسند البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٩١٩٠) عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ثلاثة لا يعادون: الضَّرِس، والرَّمدِ، والدَّمِل. قال السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٢٠٢): فإن ثبت النهي - أي: عن النبي ◌َّ، وهو غير ثابت - أمكن أن يقال: إنها لكونها من الآلام التي لا ينقطع صاحبها غالباً بسببها لا يعاد، بل مع المخالطة قد لا يفطن المزيد ألمه، كما أوضحته مع غيره في جزء أفردته لهذا الحديث. (٥) رواه أبو داود (٣١٠٢)، كتاب: الجنائز، باب: في العيادة من الرمد، والحاكم في ((المستدرك)» (١٢٦٥)، وغيرهما. ٦٦ السادسة والعشرون: قد قدَّمْنا كونَهَ مطلقاً في العيادة، وأن مقتضاه الاكتفاءُ بمرة، وذكرنا ذلك في المباحث مع الظاهريِّ وما فيه. السابعة والعشرون: الاكتفاءُ بالمرة يرفعُ القولَ بالوجوب [ثانياً](١) ظاهراً، فأما بالنسبة إلى الاستحباب فلا يتقيَّدُ بمرة، وقد ثبت عن عائشةَ - رضي الله عنها - [قالت](٢): لمَّا أُصِيبَ سعدُ بنُ مُعَاذ يومَ الخندقِ، رماه رجلٌ في الأَكْحَلِ، فضربَ عليه رسولُ الله ◌ِ ◌ُّ خيمةً في المسجد؛ ليعودَه من قريب(٣). وهذا يُشْعِرُ بالتكرار. الثامنة والعشرون: لا تقييدَ ولا تخصيصَ بالنسبة إلى أوقات المرض، فيسترسل الاستحبابُ مطلقاً، وعلى خاطري حديث: ((كان لا يزورُ المريضَ إلا بعد ثلاث)»، أو كما قال، فَلْيُكْشَفْ عنه(٤). (١) سقط من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) رواه البخاري (٤٥١)، كتاب: المساجد، باب: الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم، ومسلم (١٧٦٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد. (٤) جاء على هامش ((ت)): ((الحديث رواه ابن ماجه، ثنا هشام بن عمار، ثنا مسلمة بن علي، ثنا ابن جريج، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ◌َّ ي لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث))، قلت: ووجدته كذلك في ((سنن ابن ماجه)) (١٤٣٧)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عيادة المريض. وإسناده ضعيف جداً؛ فيه مسلمة بن علي، وقد تفرد به وهو متروك. انظر: ((الكامل في الضعفاء)) لابن عدي (٦/ ٣١٧)، و((فتح الباري)) لابن حجر (١٠ / ١١٣). ٦٧ التاسعة والعشرون: هو عامٌّ بالنسبة إلى الصِّبْيان، ولا مانعَ من إجرائه على عمومه، بل ربما يكون المُوجِبُ في حقهم أقوى لضعْفِھم. الثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى النِّسوان، ويُخَصُّ منه بعضُهنَّ بالقواعد الشرعية، كحرمة الخَلْوة، والفرق بين من يخاف منهن الافتتان به(١)، ومن لا(٢)، وغير ذلك مما يقتضي المنعَ أو الكراهةَ، فإن لم يقم مانعٌ عُمِلَ بالعمومِ. الحادية والثلاثون: عيادةُ من يجب عليه القَسْمُ بين الزوجات [لغير صاحبة الثَّوبة](٣) إذا لم يَخفِ الهلاكَ، قال بعضُ مصنِّفي الشافعيَّةِ: ليس له العيادةُ بالليل على المذهب، قال: وفيه قولٌ ارتضاه المحققون، وغلِّط صاحبُ ((التقريب)) من أجاز ذلك(٤). الثانية والثلاثون: إذا خافَ هذا القاسمُ الهلاكَ على امرأةٍ من نسائه، قال بعضُ الشافعية: له أن ينتقلَ إليها ليُمَرِّضَها، إن لم يوجدْ ممرِّضٌ غيرُه، وإن وجد، ففيه تردُّد(٥). (١) ((ت)) ((بها)). (٢) ((ت)) زيادة: ((يخاف)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) وانظر: ((الحاوي)) للماوردي (٩/ ٥٧٧). (٥) المرجع السابق، الموضع نفسه . ٦٨ الثالثة والثلاثون: المرضُ مطلقٌ يترتب الحكمُ على مسمَّاه ظاهراً، وقال بعضُ مصنِّفي الشافعية: وليس له العيادة بما يقع عليه اسمُ المرض(١). وهذا يُحتاج فيه إلى دليلٍ يقتضي خلافَ هذا الإطلاق، وهذا يتعلق بالقاسم. الرابعة والثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى القضاة، قال جماعةٌ من أصحاب مالك: وهو مرويُّ عن أشهبَ ومُطَرِّفٍ وابنٍ الماجشون: أنه لا بأس للقاضي بحضور الجنائزِ، وقالوا: [و](٢) بعيادة المرضى(٣). الخامسة والثلاثون: المطلوباتُ الشرعيةُ منها ما يُطلب لنفسه، أي لمصلحةٍ تتعلق بفعله، ومنها ما يُطلب طلبَ الوسائل، وعيادةُ المريضِ تَحتمِلُ أن تكونَ من القسمين معاً؛ لما فيها من تأنيس المريض، وانبساطِ نفسهِ بحضور من يحضُّرُهُ، وغير ذلك من المصالح، ثمَّ هي وسيلةٌ إلى القيام بمصالحه، وقضاءِ حاجاته، وإيصالِ النفعِ إليه. السادسة والثلاثون: إذا توقَّفَ أداءُ الفرضِ في الجَنازةِ على الاتِّباع، وجبَ بمقدار ما يتأدى به الفرضُ؛ لأنه ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجبٌ، وقد تقدم ذلك في أثناء التقاسيم. (١) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٢) زيادة من ((ت)) . (٣) انظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (٦/ ١٢٠). ٦٩ السابعة والثلاثون: اختلفوا هل الأفضلُ التشييعُ أمامَ الجنازةِ أو خلفَها؟ ومذهب الشافعي ◌ُ: أنَّ المشي أمامَها أفضل(١)، ومذهبُ أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﴾: أن المشيَ خلفَها أفضلُ(٢)، وقيل: إن كان راكباً كان خلفَها، وإن كان ماشياً كيف أراد، وهذا محكِيٌّ عن مذهب الثوريِّ، وقولِ أنس ﴿ه، والمشهورُ عند المالكية: أن المشاةَ يتقدَّمون، على ما نَقَلَ بعضُهم(٣). والذين اختاروا المشيَ خلفَها يحتجُون بظاهر الحديث، بناءً على حمل الاتِّباعِ على [الاتِّبَاعِ](٤) الحسيِّ في المكان، والمُختارون للتقديم حَمَلُوْه على الاتِّباع المعنويِّ، فإن كان مجازاً فيه وجب أن يكون الدليلُ الدالُّ على استحباب التقدُّم راجحاً على العمل بظاهر الاتباع وحقیقتِهِ، وإذا کان کذلك کان دلیلاً عاضداً للتأويل. (١) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١/ ٢٧١)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٥ / ٢٣٣). قلت: وهذا مذهب الحنابلة كما في ((شرح المقنع)) لابن أبي عمر (٢/ ٣٦١)، و((الفروع)) لابن مفلح (٢ / ٢٠٤). (٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ / ٣٠٩). (٣) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٢ / ٩٤)، و((مواهب الجليل)) للحطاب (٢/ ٢٢٧) . (٤) سقط من ((ت)). ٧٠ والدليلُ على التقدُّم حديثُ الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنَّ النبي ◌َّهِ وأبا بكر وعمرَ كانوا يمشون أمامَ الجنازةِ(١). وقد قيل: إنَّه محمولٌ على الجواز، وليس فيه بيانُ الأفضل، ومجرَّدُ الفعل يدل على الأفضليَّة إذا لم يعارضْهُ معارِضٌ أقوى منه، [إلا أنَّ حديثَ الزُّهْرِيِّ هذا اختُلِفَ في رفعه ووَقْفِهِ، وبعضُ أكابر المحدثين يرجِّحُ الوقفَ، ويجعلُ الرفعَ وهماً](٢). الثامنة والثلاثون: لا بدّ في اتّباع الجنازة من النِّيَّة والقصدِ لأَنْ يكونَ لأجل الجنازة، فلو مشى في حاجة له خلفَ الجنازة، أو أمامها، لم يكن متَّبعاً، إما لقوله وَّ: ((الأعمالُ بالنيّات))(٣)، أو لأنَّه المفهومُ والمقصودُ من الاتباع قطعاً بالقرائن، فلا يحتاج إلى دليلٍ من خارج. (١) رواه أبو داود (٣١٧٩)، كتاب: الجنائز، باب: المشي أمام الجنازة، والنسائي (١٩٤٤)، كتاب: الجنائز، باب: مكان الماشي من الجنازة، والترمذي (١٠٠٧)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة، وابن ماجه (١٤٨٢)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في المشي أمام الجنازة . قال الترمذي: وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح، وقال النسائي: هذا خطأ - أي: كونه موصولاً - والصواب مرسل. وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر (٢ / ١١١). (٢) سقط من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه . ٧١ التاسعة والثلاثون: هو عامٌّ بالنسبة إلى جنازة المسلم والكافر، فمن لا مُوجبَ لاتِّباعه من الكفار - كالقرابة مثلاً - يَخرجُ عن العموم بدليل يدلُّ عليه إن وُجِد، وأما اتباعُ جنازةِ القريبِ الكافر، فإنَّ المزنيَّ - رحمه الله تعالى - ذكر في ((المختصر)): أنه يَغْسِلُ المسلمُ قرابتَه؛ أي: من المشركين، ويشيِّعُ جنازتَه(١). وهذا داخلٌ تحت العموم، فإذا خرج غيرُه تناولَه اللفظُ مع رعاية المعنى الذي اختص به من القرابة مع ما جاء من حديث علي - ﴿ه - في شأن والده أبي طالب ومُواراتِهِ (٢). الأربعون: هو عامٌّ بالنّسبة إلى القضاة، وقد قالوا: إنه لا بأسَ للقاضي بحضور الجنائز، وإنما ذُكِرَ هذا؛ لأن قوماً خصُّوا القاضي بأمور رأَوْها من باب حفظ الحرمة وإقامة الهيبة التي هي من أسبابٍ نفوذِ الكلمة وإقامة الحقِّ، فبيَّن أنَّ هذا ليس من ذلك البابِ. الحادية والأربعون: في قاعدةٍ ينبني عليها غيرُها، اختلف أهلُ (١) انظر: ((مختصر المزني)) (ص: ٣٦). (٢) رواه أبو داود (٣٢١٤)، كتاب: الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك، والنسائي (١٩٠)، كتاب: الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك، والإمام أحمد في «المسند» (١ / ٩٧)، وغيرهم. قال الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٢/ ١١٤): ومدار كلام البيهقي على أنه ضعيف ولا يتبين وجه ضعفه، وقد قال الرافعي: إنه حديث ثابت مشهور. ٧٢ الأصولِ في خطاب المواجهة؛ هل يَخُصُّ، ويكونُ عموم الحكم بالنّسبة إلى غيرهم بدليل من خارج، أو يَعُم؟(١) فمن قال بخصوصه فينبغي أن يَعتبرَ فيه أحوالَ المخاطَبين، ولا يدخلُ في خطابهم من ليس بصفتهم إلا بدليلٍ من خارج. وهذا غيرُ الاختصاص بأعيانهم، وهو أعلى مرتبةً منه؛ لأنَّ اعتبارَ الأعيانِ في الأحكام مهجورٌ غالباً غلبةً كثيرةً. ويُحتمل أن يقالَ: لا تُعتبر(٢) أحوالُهم وصفاتُهم إلا أنْ يحتمل اعتبارُها بمناسبة أو غيرِها، والأَلْيَقُ بالتخصيص الأولُ. الثانية والأربعون: إذا قلنا بالعموم بالنسبة إلى المخاطَبين وغيرِهم، فهو عامّ بالنسبة إلى الأحرار والعبيد، فيُخَصُّ عنه العبدُ إذا كان في الاتِّباع تعطيلُ منافِعِهِ على السَّيِّد؛ إما للحاجة إليه في وقتِ الاتِّباع، أو بكونِ الاتِّباع للجنائزِ كثيراً منه، فيتعرَّض(٣) للتّعطيلِ؛ لِمَا عَسَاهَ يَمنعُ من حاجة السِّيد إليه، وأما المنعُ من مطلقِ الاتِّباع حتى مرَّةً واحدةً لا تعطِّل حقَّ السيد، ففيه نظرٌ بالنسبة إلى مأخذ المجتهدين؛ وهو أنَّه هل يُدار الحكمُ على الحكمة، فتُباح هذه الصورةُ المعيَنَةُ التي لا تُعَطِّلُ (١) انظر: ((البحر المحيط)) للزركشي (٤ / ٢٥١). (٢) في الأصل: ((لا تعتبر ما))، والمثبت من ((ت). (٣) في الأصل: ((فيعرض))، والمثبت من ((ت)). ٧٣ حقَّ السَّيد، أو يُدارُ [الحكمُ](١) على المَظِنَّةَ، وهي حاجةُ السيِّد إلى منافعه؟ الثالثة والأربعون: هذا الاتباع لم يتبيَّن(٢) في هذه الرواية ابتداؤه وانتهاؤه، وقد جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ الله وَّةٍ: ((مَنْ شَهِدَ الجَنازةَ حتَّى يُصلَّى عليها فَلَهُ قِيْراطٌ، ومَنْ شَهِدَها حتى تُدْفَنَ فلَهُ قيراطان)) قيل: وما القيراطانِ؟ قال: ((مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ))(٣). وفي رواية قال: ((إِنْ شَهِدَ))(٤). قال سالمُ بن عبد الله بن عمرَ: وكان ابن عمرَ - رضي الله عنهما - يصلِّي عليها، ثم ينصرفُ، فلمَّا بلغَه حديثُ أبي هريرة قال: لقد فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ(٥). (١) سقط من ((ت)). (٢) ((ت)): ((يُبین)) . (٣) رواه البخاري (١٢٦١)، كتاب: الجنائز، باب: من انتظر حتى تدفن، ومسلم (٩٤٥/ ٥٢)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . (٤) رواه مسلم (٩٤٦ / ٥٧)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، من حديث ثوبان ظله، بلفظ: (( ... فإن شهد دفنها)). (٥) رواه مسلم (٩٤٥/ ٥٢)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . ٧٤ وفي رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر: ((حتَّى تُوْضَعَ في اللَّحْدِ))(١). وفي رواية أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن النّبيِّ نَّهِ: ((مَنْ صلَّى على جَنازةٍ لم يَتْبَعْها فَلَهُ قيراطٌ، فإنْ تَبِعَها فله قِيْرَاطَان)). قيل: وما القِيراطَانِ؟ قال: ((أصغرُهُما مِثْلُ أُحُدٍ))(٢). وفي رواية أبي حازم، عن أبي هريرة: «مَنْ صلّى على جَنازةٍ فَلَهُ قيراطٌ، ومن اتَّبِعَها حتَّى تُوْضَعَ في القبرِ فقيراطَانٍ)). قال: قلتُ يا أبا هريرة! وما القِيراطُ؟ قال: ((مِثْلُ أُحُد)) (٣). ومن رواية داودَ (٤) بن(٥) عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه: أنه كان قاعداً عندَ عبدِ الله بن عمرَ، إِذْ طَلَعِ خَبَّابُ صاحبُ المقصورةِ، فقال: يا عبدَ الله بنَ عمرَ! ألا تسمعُ ما قال أبو هريرة؟ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ بَّه يقول: ((مَنْ خَرَجَ معَ جنازةٍ من بيتها، وصلَّى عليها، ثمَّ تَبَعَها(٦) حتَّى تُدفَنَ، كان له قِيراطانِ مِنْ أجرٍ، كلُّ قيراطٍ مثلُ أحدٍ، (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٢٦٨)، ومن طريقه: مسلم (٩٤٥ / ٥٢)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . (٢) رواه مسلم (٩٤٥/ ٥٣)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . (٣) رواه مسلم (٩٤٥ / ٥٤)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . (٤) ((ت)): ((أبي داود)) وهو خطأ. (٥) في النسخ الثلاث: ((عن)) وهو خطأ . (٦) ((ت)): ((يتبعها)) . ٧٥ ومن صلَّى عليها ثمَّ رَجَعَ، فإِنَّ له مِنْ الأجرِ مثلَ أُحد». فأرسل ابنُ عمرَ خبَّاباً إلى عائشةَ - رضي الله عنها - يسألُها عن قولِ أبي هريرةَ، ثم يرجع إليه فيخبرُه ما (١) قالت، وأخذ ابنُ عمرَ قبضةً من حَصْباءِ(٢) المسجد يُقَلُّبُها في يده حتَّى يرجعَ إليه الرسول، فقال: قالتْ عائشةُ: صدَقَ أبو هريرةَ، فضربَ ابنُ عمرَ بالحصى الذي كان في يده الأرضَ، ثم قال: لقد فرَّطْنا في قراريطَ كثيرةٍ(٣). وفي روايةٍ ثَوْبانَ مولى رسولِ الله ◌َ ◌ّهِ: أنّ رسولَ اللهِنَّه قال: ((مَنْ صلَّى على جَنازةٍ فلهُ قِيراطٌ، فإِنْ شَهِدَ دفْتَها فله قيراطانٍ، القيراطُ مثلُ أحد)) (٤). وهذه الرواياتُ التي حَكيناها كلِّها في ((الصحيح))، وقد تبيَّن من بعضها ابتداءُ الاتباع من أهلها، وفي بعضها الانتهاءُ إلى أن ((تُوضَع في اللحد))، وفي بعضِها: ((حتى تُوضَعَ في القَبر))، وفي بعضها: ((حتى (١) في الأصل و(ب)): ((بما))، والمثبت من ((ت)) و((صحيح مسلم)). (٢) في النسخ الثلاث: ((حصى))، والتصويب من ((صحيح مسلم)). قال الإمام النووي: هكذا ضبطناه الأول ((حصباء» بالباء، والثاني: بالحصى، مقصور جمع حصاة، وهكذا هو في معظم الأصول، وفي بعضها عكسه، وكلاهما صحيح، والحصباء هو الحصى. انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٦). (٣) رواه مسلم (٩٤٥ / ٥٦)، كتاب: الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنازة واتباعها . (٤) تقدم تخريجها قريباً عند مسلم برقم (٩٤٦ / ٥٧). ٧٦ تُدْفَن))، وفي بعضها: ((فإنْ (١) شَهِدَ دَفْنَها)). الرابعة والأربعون: حديثُ البراء الذي نحن في شرحِهِ فيه الأمرُ بالأتِّباع، وهذه الأحاديثُ التي سُقْناها إنَّما فيها ترتيبُ ثوابٍ مخصوصٍ على اتباع مخصوصٍ، ولا يَلْزَمُ من ذلك أنه لا يحصُل الامتثالُ لأمر (٢) الاتباع إلا بها، فمقتضى الحديثين ليسَ واحداً، والذي نقول الآن: إنَّ ما توقَّف أداءُ الواجب عليه من الاتباع لا كلامَ فيه؛ لوضوح وجوبه، وعدم الاكتفاء بما دونَه، وما لم يتوقف عليه ذلك، فالأليقُ بمذهب الظاهريَّة - ومن لا يعتبرُ المعاني - أن يكتفيَ بالمسمَّى؛ أعني: بما يسمَّى اتباعاً، ومن يتبع المعانيَ؛ فإنْ ظهرَ مقصودُ الاتباع فيه تأدَّى الأمرُ به، لا بما دونَه، سواءٌ كان الاتباعُ في درجةِ الاستحبابِ، [أو في درجةِ الوجوبِ، وإنْ لم يظهرِ المقصودُ، والكلامُ في درجةِ الاستحباب](٣)، فيُحْتَمَلُ هاهنا أمران: أحدهما: أن يُجعلَ حديثُ البراءِ مفسَّراً بالأحاديث التي سُقناها في بيانِ الابتداء والانتهاء. وثانيهما: أن تكونَ تلك الأحاديثُ، والاختلافُ فيها، بياناً لدرجاتٍ متفاوتةٍ بالنسبة إلى الاتِّباع المستحبِّ، فإنَّ المستحبَّ تختلفُ رُتِبُه(٤). (١) في الأصل و((ب)): ((وإن))، والمثبت من (ت)). (٢) في الأصل و(ب)): ((امتثال الأمر))، والمثبت من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((رتبته)). ٧٧ والفرق بين الاحتمال الأول والثاني: أنّا إذا جعلناها تفسيراً، لم يقع الامتثالُ إلا بها، وإذا جعلناها (١) بياناً لترتُّبٍ(٢) الاستحبابِ لم يلزمْ ذلك، وأمكنَ حصولُ أصلِ الامتثال بما دونَ ذلك. الخامسة والأربعون: رأيتُ في تعليق القاضي الحسين بن محمد المِرْوزي الشافعيِّ(٣) - رحمة الله عليه - ما يشير إلى شيء مما نحن بسبيله، فإنه تكلّم [فيه] (٤) في مسألةِ المشي أمامَ الجنازةِ أو خلفَها، (١) ((ت)): ((جعلنا ذلك)). (٢) ((ت)): (الرتب)). (٣) هو الإمام أبو علي الحسين بن محمد المروزي، ويقال له أيضاً: المروذي ـ بالذال المعجمة وتشديد الراء الثانية وتخفيفها -، وهو من أصحاب الوجوه، كبير القدر، مرتفع الشأن، وهو من أجل أصحاب القفال المروزي، له ((التعليق الكبير)) وما أجزل فوائده، وأكثر فروعه المستفادة، ولكن يقع في نسخه اختلاف، توفي سنة (٤٦٢ هـ). واعلم أنه متى أُطلق القاضي في كتب متأخري الخراسانيين؛ ((كالنهاية))، و((التتمة))، و((التهذيب))، وكتب الغزالي ونحوها، فالمراد: القاضي حسين. ومتى أُطلق القاضي في كتب متوسط العراقيين، فالمراد: القاضي أبو بكر الباقلاني الإمام المالكي في الفروع. ومتى أُطلق القاضي في كتب المعتزلة أو كتب الأصول الشافعية حكاية عن المعتزلة، فالمراد به: القاضي الجُبَّائي، والله أعلم. انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)» للنووي (١ / ١٦٧ - ١٦٨). (٤) سقط من ((ت)). ٧٨ ورجَّح المشيَ أمامَها بأنهم إذا كانوا يمشون أمامَ الجنازة، يكونون شفعاء له، فیکون أولى . قال: فإن قيل: إذا كانوا يَمشون خلفَ الجنازة ينظرون إليه ويعتبرون. قلنا: فيما قلناه أيضاً يحصلُ الاعتبارُ؛ لأنَّ عندنا إنما يجوزُ المشيُّ أمامَ الجنازة بحيثُ لو التفتَ لوقَعَ بصرُه عليها؛ أي: على الجنازة، فأمَّا إذا مشى أمامَ الجنازة بساعةٍ(١) طويلة بحيثُ يجلسُ في المصلَّى وينتظرُ الجنازةَ، فلا يُستحبُّ ذلك، والله تعالى أعلم. السادسة والأربعون: الذي أشرنا إليه في أحد الاحتمالَين المتقدمَين، وهو أن يكونَ الاختلافُ في تلك الأحاديثِ بیاناً لرُّتَبِ متفاوتةٍ، قد تعرَّضَ لمعناه - كلِّه أو بعضِه - بعضُ مصنِّي الشافعيَّة - رحمهم الله - [و](٢) قال: قال الأصحابُ: وللانصرافِ عن الجنازة أربعُ درجات : إحداهنَّ: أنْ ينصرفَ عَقيبَ(٣) الصَّلاةِ، فله من الأجر قيراطٌ. والثانيةُ(٤): أن يتَّبِعَها حتَّى تُوارى، ويرجعَ قبلَ إهالةِ الترابِ عليه . (١) ((ت): ((کساعة)) . (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت): ((عقب)). (٤) ((ت)): ((والثاني)). ٧٩ والثالثةُ: أن يقفَ إلى الفراغ من القبر، وينصرفَ من غيرِ دعاء. والرابعةُ: أن يقفَ على القبرِ، ويستغفرَ الله تعالى للميِّت، وهذه أقصى الدَّرجاتِ في الفَضيلة. رويَ: أن النّبيَّ نَّهِ كان إذا فَرِغَ من قبرِ الرجل، وقف عليه وقال: ((استغفِروا اللهَ تعالى لَهُ، واسألُوا اللهَ تعالى [لهُ] التثبيتَ، فإنَّه الآنَ يُسأَلُ))(١). وحيازة القيراط الثاني يَحصُلُ لصاحب الدرجة الثالثة، وهل يحصُل للثانية؟ حكى الإمامُ فيه تردداً، واختارَ الحصول. انتهى ما وجدته عنه(٢) . قلت: أما الوقوفُ إلى فراغ الدعاء للميت، فلا يرجع إلى معنى الاتِّباع حتى يُشترطَ في الامتثال، ويدلُّ عليه أنّ الرواياتِ التي ذكرناها منتهاها الدَّفنُ، والدعاءُ بدليلٍ خارج عن الأمر بالاتباع، وأما التردُّدُ في حصول القيراطِ الثاني لصاحب الدرجة الثانية - وهو أن يتّبعَها حتى تُوارى ويرجعَ إلى أهله قبلَ إِهالةِ الترابِ عليه - فيدلُّ على (١) رواه أبو داود (٣٢٢١)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف، من حديث عثمان بن عفان څ. (٢) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٢/ ١٣٧)، قال النووي: قلت: وحكى صاحب ((الحاوي)) في هذا التردد وجهين، وقال: أصحهما: لا تحصل إلا بالفراغ من دفنه، وهذا هو المختار. ٨٠ ٠٠