Indexed OCR Text

Pages 521-540

الرسول وَل﴿ ونهيِهِ عن زَجْرِه، وقد جرَى الصحابةُ علَى الحكم بالأمرِ
العام مِن غيرِ مراجعة الرسول وَ﴿ مع احتمال التخصيص، فيدلُّ(١) ذلك
على ما ذكرناه.
ويُعتَرَضُ عليه: بأنَّ بحثَ المُجتهدِ عن المُخصِّصِ بحثٌ عن أمر
مُحتمَلٍ غيرِ محقَّقِ الوجود في نفس الأمر، وهاهُنا المُخصِّصُ - [أي:
سببُ التخصيص - المُناسبُ](٢) موجودٌ في نفس الأمر - وهو أعرابيَّتُهُ،
وقربُ عهده بالإسلام، وتَيَسُّرُ مراجعة الرسول ◌َِّ ـ [وفي مثلِ ذلك
يجبُ طلبُ المُخصص جَزماً](٣)، [فيكون الحكم بالعموم خطأ] (٤).
وقد يُجاب عن هذا الاعتراض: بأنَّ وجوبَ البحث عن
المُخصصِ إنَّما هو للتحرُّزِ عن الخطأِ المُحتمَل، ورجاءَ إدراكِ
الصواب بالبحثِ، وهذا المعنَى موجودٌ في هذه الواقعة؛ لأنَّ احتمالَ
التخصيص واقعٌ جزماً، وإدراكُ الصواب بمراجعة الرسول وَلَه حاصلٌ
قطعاً، بل هو أيسرُ من طلب المُخصِّصِ المجهولِ والبحثِ عنه، فإنْ
لمْ تكنِ المسألةُ بعينها، فهي مشاركةٌ في العلةِ لها، ومساويةٌ في
المُقتضِي لوجوب البحث عن أمر يُحتمَلُ أنْ يكونَ الحكمُ بدون
(١) ((ت)): ((فدلَّ)) .
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت).
٥٢١

البحث عنه خطأً، ويُحتمل أنْ يكونَ الحكمُ مخصوصاً بمخصص
متقدم في نفس الأمر على حالة السؤال لرسول الله وَّهِ، وفيهِ بعد ذلك
محلٌّ للنظر في موضعین اثنین.
السابعة: من القواعدِ الكليّةِ: أنْ ندراً(١) أعظمَ المفسدتين
باحتمال أيسرِهما، إذا تعيَّنَ وقوعُ إحداهما (٢)، وأن نُحَصِّلَ أعظمَ
المصلحتين بتركِ أخفُّهما، إذا تعيَّنَ عدمُ إحديهما (٣)؛ أعني: أنَّ ذلك
في الجملةِ أمرٌ معتبَرٌ، لا أعني: أنَّ ذلك أمرٌ عامٌ مُطلَقاً حيثُ كانَ
ووُجِدَ(٤).
وهذا الموضعُ أحدُ ما يشهد لهذه القاعدة، فإن(٥) البولَ في
المسجدِ مفسدةٌ، وتنزيهُهُ عنه مصلحةٌ، وقد احتُمِلَتْ تلك المفسدةُ،
ودُفِعَت تلك المصلحة، فلولا رجحانٌ وقع في الطرفينِ لِما دُفِعَ من
(١) ((ت)): ((تدرأ)).
(٢) في الأصل ((أحدهما))، والتصويب من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((إحداهما)).
(٤) أي: ليست هذه القاعدة مطردة في الأمور والأحوال كافة، وهذا كلام دقيق جداً،
فكثيراً ما يجد الناظر في كتب الأصول والفقه هذه القاعدة وكأنها إحدى
المسلّمات التي لا تنقض، وهو غلط بيِّن، وقد أشار شيخ الإسلام أبو العباس في
مواضع من كتبه إلى أن هذه القاعدة ليست أمراً عاماً مطلقاً؛ كما أشار إليه الإمام
ابن دقیق رحمهما الله تعالی.
(٥) في الأصل ((بأن))، والتصويب من ((ت)).
٥٢٢

المفاسدِ، ولما حُصِّلَ من المصالح، لكان ذلك احتمالاً لمفسدة
خالصَةٍ، ودفعاً لمصلحة خالصة، وذلك غيرُ جائز، فحيثُ منعَ
رسولُ اللهِ وَلِّ مِن زجره، وتَرَكَهُ إلَى فراغ بوله، دلَّ عَلَى رجحان
المفاسد المدفوعة علَى المفسدةِ الواقعة، وهو من هذه القاعدة.
الثامنة: هذه المفاسدُ الَّتِي دُفِعَت واحْتُمِلَ لأجلها مفسدةٌ
التنجيس، [يُحتمَلُ أنْ تكونَ مراعاةً لِحقِّ المسجد في صونِهِ عن
احتمال انتشار النَّجاسَةِ عندَ انصرافِهِ بالزجرِ عن ذلك المكان، ويَحتمِلُ
ذلك أنْ يكونَ ذلك مراعاةً لحقِّ البائل لِمَا يلحقُهُ من الضررِ من قطع
البول بعد تهيئتِهِ للبروز](١)، ويحتمل أنْ يكونَ مراعاةً للتيسيرِ علَى
الجاهل، والتَّأَلتُّفِ للقلوب علَى الدينِ الحق.
وقد وقع الإيماءُ إلَى هذين الأمرين الأخيرين(٢)، وأحدُهُما أقوَى
من الآخر؛ لأنَّ قوله ◌َّهِ: ((لا تُزْرِمُوهُ))(٣) في بعض الروايات؛ أي:
لا تقطعوا عليه بولَهُ(٤)، قد يُفْهَمُ مِنهُ الإشارةُ إلَى مراعاةِ حقَّهِ،
(١) (ت)): حصل تقديم وتأخير في الجملتين كالتالي: ((يحتمل أن تكون مراعاة لحق
البائل لما يلحقه من الضرر من قطع البول بعد تهيئته للبروز، ويحتمل أن يكون
مراعاة لحق المسجد في صونه عن احتمال انتشار النجاسة عند انصرافه بالزجر
عن ذلك المكان» .
(٢) (ت)): ((الآخرين)).
(٣) تقدم تخريجه عند البخاري برقم (٥٦٧٩)، ومسلم برقم (٢٨٤).
(٤) انظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضى عياض (١/ ٣١٠).
٥٢٣

وقولُهُ ﴿ في رواية: ((فإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ولمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))(١)
أظهرُ في التعليلِ، واحتمالُ أنْ يكونَ(٢) مراعاةً لمصلحةٍ بدنِهِ وصوناً له
عن الضررِ المُحتمَلِ علَى تقدير القطع، [فهو](٣) معنى مناسبٌ
[أيضاً](٤)، والحكمُ علَى وِفْقِهِ، فيكونُ عِلَّةً عَلَى ما قَرَّرُوهُ، وليسَ
يمتنعُ أن يكونَ(٥) جميعُ المعاني مُعتبَراً(٦)، إمَّا علَى سبيل الاستقلال،
أو علَى سبيل الجُزئية؛ أعني: أن تكونَ جُزْءَ عِلَّةٍ.
التاسعة: ويكونُ الحديثُ أصلاً في الرفقِ بالجاهل، واللطفِ في
تعليمه، واستمالةِ قلبِهِ للحقِّ.
العاشرة: فيهِ المُبادرةُ إلَى إزالةِ المفسدةِ عندَ زوال المانع من
إزالتها، وذلك من قوله في الحديث: ((فلمَّا قَضَى بولَهُ أَمَرَ بِذَنُوب»،
والقواعدُ تقتضيه، فإنَّ المانعَ إذا زالَ، وجبَ إعمالُ المُقتضي.
الحادية عشرة: قولُ الرَّاوي: ((أَمَرَ)) تعبيرٌ عن أمرِهِ وَِّ، لا حكايةٍ
للفظِهِ، وهو حجةٌ علَى المُختارِ في علم الأصول؛ لأنَّ علمَهُ باللغةِ
(١) رواه البخاري (٢١٧)، كتاب: الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد،
من حديث أبي هريرة څ.
(٢) ((ت)): ((وأما الاحتمال الأول وهو أن يكون)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) (ت)): ((تكون)).
(٦) ((ت)): ((معتبرة)).
٥٢٤

وأوضاع الكلام مع ديانته مُقتضٍ لمطابقةٍ ما حكاه للواقع، واحتمالُ
كونِهِ اعتقدَ ما ليسَ بأمرِ أمراً يُبْعِدُهُ الأمران المذكوران.
وما وقعَ في حديثٍ ابن عباس رضي الله عنهما في خبرِ إجارة
الأرض فنادرٌ لا يقدحُ فيما ذكرناه، وقد وقعتِ الحكايةُ للفظ
الرسول وَّه في حديثٍ آخرَ حيثُ قال: ((صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ))(١).
الثانية عشرة: إذا اشتملت الواقعةُ(٢) علَى أمورٍ، فقد تنقسمُ تلك
الأمورُ علَى أقسام:
أحدها: ما يُقطَعُ بعدمِ اعتباره.
والثاني : ما يُقْطَعُ باعتباره.
والثالث: ما يُحتمَلُ اعتبارُهُ وعدمُ اعتبارِهِ، ويدلُّ على اعتبارِهِ
ما يقتضيه مقصودُ الحكم، وما يُعلَمُ اعتبارُ الشارع له بالنسبةِ إلَى ذلك
الحكم، وما يُعلّمُ عدمُ اعتبارِهِ بالنسبة إليه.
وممَّا اشتملت عليه هذه الواقعةُ كونُ المصبوب مِنْهُ ذَنوباً،
وذلك غيرُ معتبَرِ جزماً؛ لأنَّ المقصودَ التطهير، وهذا المقصودُ
لا أثرَ فيهِ لكونِهِ ذنوباً، والجرَّةُ والحُبُّ (٣) والخشب وغيرُهُ قائمٌ
(١) تقدم تخريجه قريباً عند البخاري برقم (٢١٧).
(٢) ((ت)): ((القاعدة)).
(٣) الجرَّةُ، أو الضخمة من الجرار، انظر: ((القاموس المحيط)» للفيروز آبادي
(ص: ٩١).
٥٢٥

مقامَهُ قطعاً في تحصيل المقصود، ولست أدري ما تقولُهُ الظَّاهِرِيّة
الجامدة هاهنا، فإنْ ذهبوا - [همْ](١) أو بعضُهُم - إلَى اعتبار الذَّنوب
عندَ القدرة عليه فليسَ ذلك بعيداً عن تصرفاتهم، ولا قريباً من
الحقِّ، والله أعلم.
الثالثة عشرة: ودونَ هذا مرتبةٌ أُخرَى، وهو اعتبارُ القصد في
التطهيرِ، والفقهاء - أو من شاء الله منهم - ألغَوْه أيضاً، فلو صَبَّ المطرُ
على الأرضِ، وحصل ما يكفي في التطهيرِ عندَ القصدِ كَفَى ذلك.
وإنَّما جعلتُهُ دونَ الأُولَى؛ لاحتمال اعتبار القصد لأجل امتحان(٢)
المُكلَّفِ، والامتحانُ والتكليف أمرٌ معلومُ الاعتبارِ في الجملةِ في
الأحكام، ولا مانعَ من أنْ نَعتبرَها(٣) هاهنا، ولا قاطعَ علَى عدم اعتبارِهِ،
بخلاف كونِ المصبوب مِنْهُ دلواً، فإنَّهُ معلومُ الإلغاء بالنسبةِ إلَى مقصودِ
التطهير .
الرابعة عشرة: تعيينُ الماء قيدٌ(٤) يُستدَكُّ به علَى تَعَيُّنِهِ في
الإزالةِ؛ لأنَّ المُعيَّنَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، وليسَ يُقْطَعُ بإلغائِهِ، بل
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((لا متحان)).
(٣) ((ت)): (يعتبر)).
(٤) ((ت)): ((قد)).
٥٢٦

رُبَّما يُدَّعَى مناسبتُهُ لما فيهِ من الرِّقةِ واللَّطافة، ويردُّ عليه ما يُقَال من أنَّهُ
مفهومُ لقبٍ لا يقتضي نفيَ الحكم عمَّا عداه، ونحن قد أشرنا إِلَى
بحثٍ فيه، وهو أنَّ المُعينَ لا يقعُ الامتثالُ إلا به، وإِنْ كَان لقباً؛ لأنَّ
الآتيَ بغيرِه لمْ يأتِ بما أُمِرَ به، فيبقَى في العُهْدةِ، وهذا إذا لمْ يُقْطَعْ
بعدم اعتباره، علَى أَنَّهُ لو كان للقبٍ (١) مفهومٌ، لأمكنَ الخصمُ أنْ
يقولَ: المفهومُ إنَّما يدلُّ عَلَى نفي الحكم عما عدا محلِّ الذكر إذا تعيَّنَ
[في](٢) اختصاص الحكم به ذكراً فائدة(٣) للتخصيص بالذكرٍ، أمَّا
إذا لمْ يتعيَّنْ فلا يدلُّ، ولهذا علَّلوا عدمَ القول بالمفهوم في قوله
تعالَى: ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِ فِي حُجُورِ كُم﴾ [النساء: ٢٣] بأنَّهُ خرج
عَلَى العادةِ(٤)، ولا قالَ الأكثرون بمفهوم: ((أَيّما امرأةٍ نكحتْ نفسَهَا
بغيرِ إِذْنٍ وليِّهَا فِنِكاحُهَا باطِلٌ))(٥) حيثُ حملوه علَى أَنَّ الغالبَ والعادةَ
(١) في الأصل: ((اللقب))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ب)).
(٣) ((ت)): ((وفائدة)) .
(٤) ((ت)): ((خرج مخرج العادة)).
(٥) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، كتاب: النكاح، باب: في الولي، والترمذي (١١٠٢)،
كتاب: النكاح، باب: ما جاء لا نكاح إلا بولي، وقال: حسن، وابن ماجه (١٨٧٩)،
كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها.
وقد أعل الحديث بالإرسال، وتكلم فيه بعضهم من جهة بعض رواته. وقد
تكلم عليه الدارقطني في جزء ((من حدث ونسي))، والخطيب بعده، وأطال في
الكلام عليه البيهقي في ((السنن الكبرى))، وفي ((الخلافيات))، وابن الجوزي =
٥٢٧

أنَّ المرأةَ لا تنكحُ نفسَهَا مع موافقة الولي لها؛ لما هي عليه من
الحياءِ، وإذا ثبتَ هذا فيقولُ الخصمُ: إنَّما ذكرَ الماءَ؛ لتيسُّرِ وجودِهِ،
وعدمِ إتلافِ الماليّةِ باستعماله في إزالة النجاساتِ(١)، بخلاف غيرِهِ
مما له ماليّةٌ .
وجوابُهُ: أنَّ هذا إنَّما يلزمُ من يستدلُّ بالمفهوم، وأمَّا(٢) من يستدلُّ
بِتَعَيّنِ ما تَعَلَّقَ به الأمرُ، إذا لمْ يُقطَعْ بعدم اعتباره، فلا يلزمهُ ذلك.
الخامسة عشرة: عُلُّقَ(٣) الحكمُ بما يُسَمَّى ماءً، وذلك يقتضي
حصولَ التطهير بما ينطلقُ عليه اسمُ الماءِ عندَ الإطلاق، [وهو
الماء](٤) المطلق في اصطلاح الفقهاء، الَّذِي ينصرف إليه اللَّفظُ إذا لمْ
يُفَيَّدْ، وهو الباقي علَى أوصاف خِلْقتِهِ في حدٍّ بعضهم للماء المُطلَقِ،
فما(٥) يكون المأمورُ مُمثلاً به، فهو الَّذِي یرتَّبُ علیه الحکمُ.
= في ((التحقيق))، وأطال الماوردي في ((الحاوي)) في ذكر ما دل عليه هذا
الحديث من الأحكام نصاً واستنباطاً فأفاد. وانظر: ((التلخيص الحبير)) لابن حجر
(٣ / ١٥٦ - ١٥٧).
(١) ((ت)): ((النجاسة)).
(٢) ((ت)): ((فأما)).
(٣) ((ت)): ((علل)).
(٤) زيادة من ((ت))، وقد ألحقت في الأصل إلا أنها مطموسة.
(٥) في الأصل و((ت)): ((فيما))، والمثبت من ((ب)).
٥٢٨

وإنَّما قلتُ: في اصطلاح [الفقهاء](١)؛ تحرُّزاً مما يقوله بعضُ
مَنْ يميل إلَى المَعقولِ من الفَرْقِ بين الماء المُطلَق ومطلق الماء، ولأنَّ
الماءَ المُطلَق باعتبار اصطلاح الفقهاء مقيّدٌ بقيدِ عدمِ التغيُّرِ، وهذا
لا يضرُّنا في الاستدلالِ؛ لأنَّ النصوصَ إنَّما تطلق لأجل الامتثال،
والامتثالُ بحسب الفَهْم، والفهمُ بحسب المُتعارَفِ عندَ السامعين، فإذا
كانوا عندَ الإطلاق للفظِ الماءِ لا يصرفونَهُ إلا إلَى المُقَّدِ بقيد عدم
التغيير مثلاً، وجبَ تعليقُ الحكم به، لا بمطلق الماء.
السادسة عشرة: هذا الأمرُ بصبٌّ الذَّنوب، إنَّما هو لقصدٍ
التطهير جزماً، فيجبُ أنْ يحصلَ به التطهيرُ، والمخالفون لأبي حنيفة
يَحكون عنه: أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْهَا نجاسةٌ يُحفَرُ الترابُ ويُنقَلُ (٢)،
ويستدلُّون عليه بالحديثِ(٣): أنَّ النَّبِيَّ ◌َير لم يأمر(٤) بنقل التراب.
والطّحاوِيُّ الحنفيُّ - رحمه الله تعالَى - لمْ يطلقِ القولَ بالحفرِ،
وفصَّلَ في ((مختصره)) فقال: ومَنْ بالَ عَلَى الأرضِ، فطهارةُ ذلك
المكان - إذا كان إذا صُبَّ عليه الماءُ نزل إلَى ما هو أسفلَ من الأرضِ -
صَبُّ الماء عليه حتَّى يُغسَلَ وجهُ الأرض وينخفضَ إلَى ما تحتَها، وإنْ
(١) زيادة من (ت))، وقد ألحقت في الأصل إلا أنها مطموسة.
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ / ٨٩).
(٣) أي حديث الباب المذكور.
(٤) ((ت)): ((أمر)).
٥٢٩

كَانت حجراً، فحتَى يغسِلَها غسلاً يُطهِّرُها، وإِنْ كَانت غيرَ ذلك من
الأرضِ الصلبة فإنَّهُ(١) يُحفَرُ مكانُ البول منها حتَّى تعودَ طاهرةً مِنْهُ(٢).
وبهذا(٣) التفصيلِ الَّذِي ذكره، يتأتَى لهم الجوابُ عن الحدیثِ،
إمَّا بما قيل: إنَّها كانت رملاً ينزل فيها الماء، أو بأنَّهُ يُحتمَلُ ذلك، إنْ
لمْ يكنْ نُقِلَ، ولمْ (٤) تبطلْه المُشاهدةُ في الأرضِ المذكورة؛ أعني:
أرضَ المسجد.
وعلَى كلِّ حالٍ فكان القياسُ يقتضي ما أُطلِقَ من القولِ عن أبي
حنيفةً؛ لأنَّ ذلك غُسالةُ نجاسة، فهو ماءٌ قليلٌ حلَّته نجاسةٌ، فينجُسُ
علَى مذهب من يقول ذلك، إلا أنَّ النَّصَّ يدلُّ عَلَى التطهيرِ مع بقاء
البلل، فلا اعتبارَ بالقياسِ إنْ لمْ يصحَّ نقلٌ بالنقلِ؛ أعني: بنقل
التراب.
وقد وردَ الأمرُ بالحفرِ في حديثٍ مُرسَلٍ عن طاوس(٥)، وفي
حديثٍ مسند عن عبد الله، والمسندُ من رواية أبي بكر بن عيَّاش، عن
(١) ((ت)): ((فإن)) .
(٢) انظر: ((مختصر الطحاوي)) (ص: ٣١).
(٣) ((ت)): ((وهذا)).
(٤) ((ت)): ((وإن لم)).
(٥) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٥٩)، وإسناده صحيح، كما ذكر الحافظ في
((التلخيص الحبير)) (١ / ٣٧).
٥٣٠

سمعان بن مالك الأزدي، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: بالَ أعْرَابِيٌّ
في المَسْجِدِ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ نَّهِ فَصُبَّ عليه دَلٌ مِنْ مَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ به فَحُفِرَ
مَكَانُهُ(١).
واعْتُرِضَ عَلَى الأولِ بالإرسال؛ بناءً على أنَّهُ ليسَ بحجةٍ، و[قد
يُورد](٢) علَى الثاني المُطالبةُ بمعرفةِ حالِ سمعان بن مالك الأزدي،
فلْيُكْشَفْ عنه(٣).
السابعة عشرة: اختلفوا في الماءِ المُستعملِ في إزالة النَّجاسَة،
إذا كان قليلاً غيرَ مُتَغَيِّرٍ عَلَى مذاهب:
أحدُهَا: أنَّهُ طاهِرٌ طَهور.
(١) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣٦٢٦)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(١/ ١٤)، والدارقطني في ((سننه)) (١ / ١٣١)، وقال: سمعان مجهول. وقال
أبو زرعة: هذا حديث ليس بالقوي، كما نقله ابن أبي حاتم في ((العلل))
(١/ ٢٤٩)، وانظر: ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) لابن الجوزي (١ / ٧٨).
قلت: في مطاوي كلام الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٣٧)
ما يومىء إلى تقوية أصل الحديث، فلينظر عنده.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سمعان بن مالك الأسدي: روى عن أبي وائل شقيق بن سلمة، وروى عنه أبو
بكر بن عياش، قال الدارقطني عنه في ((السنن)) (١/ ١٣١): مجهول، وكذا قال
ابن خراش، كما نقله الذهبي في («ميزان الاعتدال)» (٣/ ٣٢٨)، وقال أبو زرعة:
ليس بالقوي، كما في ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٤ / ٣١٦).
٥٣١

والثاني: أنَّهُ نَجِسٌ.
والثالث: أنَّ حكمَهُ حكمُ المحلِّ بعد الغسل، إنْ كَان نجساً بعدُ
فھو نجس، وإلا فطاهرٌ غيرُ طهور.
والأخيرُ منسوبٌ إلَى جديد قولي الشَّافِعِيِّ ﴿ه، والأول
إلَى قديمهما، والأوسط إلَى التخريج(١)، وهو منسوب إلَى أبي
حنيفة ؛ أعني: أنَّهُ نجس (٢)، [وقيَّدَ بعضُهم الخلافَ فيما إذا لمْ
يزدِ الوزنُ](٣).
وقد استُدِلُّ بالحديثِ علَى طهارةِ غُسالةِ النَّجاسَةِ الواقعة علَى
الأرضِ، وهو محلُّ النَّصِّ الوارد، ووجهه أمران:
أحدهما: ما تقدَّمَ من أمرِ البِلَّةِ الباقيةِ علَى الأرضِ، فإنَّها غُسالةُ
نجاسة، فإذا لمْ يثبتْ أنَّ الترابَ نُقِلَ، وثبتَ يقيناً أنَّ المقصودَ
التطهيرُ، وجبَ الحكمُ بطهارة تلك البِلَّةِ.
وثانيهما: أنَّ الماءَ المصبوبَ لا بُدَّ وأنْ يتدافعَ عندَ وقوعه علَى
الأرضِ، ويصلَ إلَى محلٌّ لمْ يُصبْهُ البولُ مما يجاوزه، فلولا أنَّ
(١) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١/ ٢١١ - ٢١٢)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي
(١/ ٢١٧).
(٢) انظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ / ٦٧).
(٣) سقط من ((ت)).
٥٣٢

الغُسالةَ طاهرةٌ، لكان الصبُّ ناشراً للنَّجاسةِ، وذلك خلافُ مقصودٍ
التطهير .
الثامنة عشرة: واستُدِلُّ به على طهارةٍ مُطلَقِ الغُسالة، سواءٌ كانت
علَى الأرض أو غيرها، بناءً على أنَّهُ لا فارقَ، وأنَّ غيرَ الأرض في معنَى
الأرض الَّتِي هي محلُّ النصِّ.
والحنابلةُ فرَّقوا بين الأرض وغيرِها، فالمُنفصِلُ غيرَ مُتغيٍِّ من
الغسالةِ الَّتِي طهرت الأرضُ بها طاهرٌ، وذكر بعضُهم: أنَّهُ روايةٌ
واحدة، وإنْ كَان غيرَ الأرض: فوجهان(١).
وقد ذكرنا مأخذَ الجمهور وإلحاقَ ما هو في معنَى الأرض
به[]، ولعلَّ سببَ التفرقةِ عندَ مَن يراها إتباعُ القياسِ في تنجُسِ
الغسالةِ لحلول النَّجاسَةِ بها مع قلَّتِها، ويُخرِجُ عنه الأرضَ بالنصِّ،
فيبقَى فيما عداه علَى القياسِ، ويمكنُ فيهِ غيرُ هذا.
التاسعة عشرة: ذكر بعضُ الحنابلةِ(٢): أنَّهُ إنَّما يُحكَمُ بطهارة
المُنفصِلِ من الأرضِ إذا كانت [قد](٣) نشفت أعيانُ البولة، فإنْ كَانت
أعيانُها قائمةً - وجرَى الماء عليها - طهَّرَها، وفي المُنفصلِ روايتان،
كالمنفصلِ عن غير الأرض، قال: وكونُهُ نَجِساً أصحُّ في كلامه.
(١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ /٤٨ -٤٩)، و((الفروع)) لابن مفلح (١ /٢٠٥).
(٢) هو أبو الخطاب.
(٣) سقط من ((ت)).
٥٣٣

قالَ غيرُهُ منهم(١): والأَولَى الحكمُ بطهارته؛ لأنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أمر
بغسل بول الأعرابيِّ عَقيبَ بولِهِ؛ يعني: ولمْ يشترطِ النُّشوفَةَ (٢).
العشرون: ذكر المُزنيُّ - رحمه الله تعالَى - في ((المختصر)): وإنْ
بالَ رجلٌ في مسجدٍ أو أرض، طَهُرَ بأنْ يُصَبَّ عليه ذَنوب من ماء(٣).
فُقِلَ عن الأنماطيِّ والإِصْطَخْرِيِّ: أنَّهُ شرطٌ وتحديدٌ، حتَّى لو
بال اثنان، لمْ يُطَهِّرْ إلا دَلْوان، كعدد السبع في وُلوغ الكلب،
والأكثرون [على](٤) أنَّ الاعتبارَ بالمُكَاثرةِ، قيل: إنَّمَا ذَكرَهُ الشَّافِعِيُّ
رحمة الله عليه على سبيل التقريبٍ، أو لموافقةِ الخبر(٥).
الحادية والعشرون: المنقولُ عن الشَّافِعِيِّ - ﴿ - أنَّهُ قال: الَّذِي
يشبه أنْ لا يُزالَ البولُ بأقلّ من سبعة أمثالِهِ (٦).
وقد حُكِيَ هذا وجهاً في اشتراط سبعةٍ أمثال البول، وهذا ليسَ له
وجهٌ إلا أنْ يقومَ دليلٌ علَى أنَّ الذَّنوبَ كان سبعةَ أمثال البول، فيُجزِىءُ
علَى ظاهر الأمر، وهذا لا سبيلَ إليه، والظاهرُ أنَّهُ كان أكثرَ من ذلك،
(١) هو الإمام ابن قدامة.
(٢) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١ / ٤٩)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله.
(٣) انظر: ((مختصر المزني)) (ص: ١٨).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) وانظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١ / ٥٢).
(٦) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٢ / ٥٤٤).
٥٣٤

أو يُقَال: إنَّ التجربةَ دَّت على أن هذا المقدارَ هو الَّذِي يحصلُ به
الانغمارُ والغلبة، وهذا أيضاً مُختَلِفٌ باختلاف مقادير البول.
الثانية والعشرون: قد يتعلق به مَنْ يرَى استعمالَ اللَّفِظِ في
حقيقتِهِ ومجازِهِ، وذلك في الروايةِ الَّتِي جاء فيها: ((صُبُّوا عَلَيه ذَنُوباً
مِنْ مَاءٍ)).
ووجهُهُ: أنَّ صيغةَ الأمر توجَّهَت إلَى صبِ الذَّنوب، والقَدْرُ
الَّذِي يَغمُرُ النَّجاسَةَ واجبٌ، [والقدرُ الزائدُ على ذلك غيرُ واجب](١)
في إزالتها، فتناوُلُ الصيغةِ له(٢) استعمالُ اللَّفَظَ في حقيقتِهِ، وهو
الوجوبُ، والزائدُ علَى ذلك مُستحَبٌّ، فتناولُ الصيغة له استعمالٌ لها
في الندبِ، وهو مجازٌ فيه، فقد استعملَتْ صيغةُ الأمر في حقيقتها
ومجازها(٣)، وهذا بناء على زيادة الذَّنُوب عَلَى القدرِ الواجب،
والله أعلم.
الثالثة والعشرون: يستدلُّ به علَى الاستظهارِ في إزالة النَّجاسَةِ
بزيادة الماء علَى القدرِ الَّذِي يَحصُلُ به المقصودُ(٤) طلباً لزيادة التنظيف
(١) زيادة من (ت)).
(٢) ((ت)): ((لها)) .
(٣) (ت)): ((في مجازها وحقيقتها))، وهذه الفائدة نقلها الزركشي في ((البحر المحيط))
(٢ / ٤٠٦) عن المؤلف رحمه الله.
(٤) ((ت)): ((الفرض)).
٥٣٥

والتطهير (١)، وقد استحبَّهُ الشَّافِعيُّ في زيادة الغسلات في كلِّ نجاسة
تُزال، واستحبَّ الثلاث، ووجَّهَ ذلك بحديث أمرِ المُستيقِظِ بغسلٍ يديه
ثلاثاً، وأنَّهُ إذا استُحِبَّ ذلك لتوهُّمِ النَّجاسَة فَمَعَ تحقُّقِها أَوَلَى(٢).
ووجهُ هذا الاستدلال من هذا الحديث على ما ذكرناه من الاستظهارِ
بالزيادةِ، أنَّ الذَّنوبَ يزيدُ علَى القدرِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ به المقصودُ من انغمارِ
النَّجاسَة، فالزائدُ عليه يكونُ من هذا القبيل، والله أعلم.
الرابعة والعشرون: هاهُنا بحثٌ يُنظَرِّ فيه، وهو أنَّ تواليَ الصبِّ
إذا حصل به مقصودُ الاستظهار، هلْ يقومُ مقامَ عددِ المرات؟ فيمكنُ
أَنْ يُقَالَ ذلك، ويُستدَلُّ عليه بأنَّهُ لو لمْ يقمْ مقامَها لما حصل تأدِّي
السنة في الثلاثِ الَّتِي دلَّ عليها حديثُ المُستيقظ من النومِ، مع
[طلب](٣) حصول المقصود في الاستظهارِ كما في عدد المرات، وفي
هذا بعضُ نظرٍ، وهو أنَّ العددَ المُعتبَرَ في غسل الإناء من ولوغ الكلب
لو صُبَّ عليه مُتَّصلاً بحيثُ لو قُطّعَ لكان سبعاً، هلْ يعدُّ غسلةً أو
سبعاً، وفي الثاني بعدٌ ظاهر، [أو لا ينبغي أن يُجزَم به](٤).
(١) ((ت): ((التطهير والتنظيف)).
(٢) انظر: ((مغني المحتاج)) للشربيني (١ / ٨٦).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٥٣٦

الخامسة والعشرون: فإنْ قلنا: إنَّ تواليَ الصبِّ يقومُ مقامَ العدد
في المراتِ، دلَّ أيضاً علَى أنَّ جِرْيات الماء الجاري يقوم مقامَ المرات
في الغسلاتِ المُعتبرة، كعدد الغَسَلات في ولوغ الكلب؛ لمساواةِ
ذلك للماء المصبوب .
السادسة والعشرون: قد ذكرنا من مذهب الشَّافِعية أنَّ جریاتِ
الماء الجاري مُتَفاصِلَةٌ، فما فوقَ النَّجاسَة من الماءِ الجاري طاهر،
ما لمْ ينتهِ إليها، واستشهدَ بعضُهُم في ذلك بما أجمعوا عليه من أنَّ إبريقاً
لو صُبَّ من بُزالِهِ ماءٌ علَى نجاسة، كان الماءُ الخارجُ من البزالِ طاهراً
ما لمْ يلاقِ النَّجاسَة، وإنْ كَان جارياً إليها، كذلك ما جرَى إلى نجاسة،
فِلِقائِلِ أنْ يقولَ: الصبُّ من الذنوبِ علَى الأرضِ فيهِ هذا المعنَى
المذكور في بزال الإبريق، فليكنْ دالاً وأصلاً يُستشهَدُ به علَى ما قالَ.
فإن اعتُرِضَ عليه: بأنَّ الذنوبَ يمكنُ أنْ يصبَّ ماؤُهُ دفعةً
واحدة، فلا يَحصُلُ فيهِ المعنَى المذكور في بزال الإبريق، فلا يكون
مثلَهُ في صحة الاستشهاد. فيُقَال عليه: قد أُمِرَ بالصبِّ مُطلقاً، فمتَى
حصل مُسمَّاه حَصَل الامتثالُ، وبالصبّ علَى التدريج يَحصل المُسمَّى؛
أعني: مُسمَّى صبِّ الذَّنُوب عليه، فيَحصُلُ به الإجزاءُ لاندراجه تحتَ
ما دلّ عليه(١) إطلاق اللفظ، وإذا حصل الإجزاءُ به في هذه الصورة،
(١) في الأصل: ((عليها))، والمثبت من ((ت)).
٥٣٧

تساوَى مع بزال الإبريق فيما ذُكِرَ، إلا أنَّ الذِيَ ذكرَهُ، وهذا الَّذِي أَلْحِقَ
به موقوفُ(١) الصحةِ علَى أنْ لا تحصلَ طهارةُ [النَّجاسَة](٢) بأولٍ
المُلاقاة، فإنَّ ما قاله مبنيٌ عَلَى نجاسة أسفلِ الماء - أو ما يلاقيه -
وطهارةِ أعلاه، [و](٣) مع حصولِ الطهارة بأول المُلاقاة لا يَحصلُ هذا
المعنَى، اللَّهُمَّ إلا أنْ يَدَّعِيَ أنَّ الإجماعَ قائمٌ علَى طهارة أعلَى الماء
الَّذِيِ عندَ البُزال وإِنْ كَان الأسفلُ لمْ يطهرْ، فيلزمُهُ إثباتُهُ.
السابعة والعشرون: في طهارةِ الأرض قبلَ نُضُوب الماء خلافٌ
للشافعية(٤)، ويمكنُ أنْ يستدلَّ علَى عدم اشتراط النضوب بالحديثِ .
وطريقُهُ: أن يَحصل امتثالُ الأمر بصبٌّ ماء الذنوب علَى الأرضِ
الحصول مسمَّى ما تَعَلَّقَ به الأمر، وفعلُ المأمور به يقتضي الإجزاءَ،
وهذا ضعيف؛ لأنَّ فعلَ المأمور به يقتضي الإجزاء بالنسبةِ إلَى ما تَعَلَّقَ
به الأمر، والَّذِي تَعَلَّقَ [به](٥) الأمرُ الصبُّ، وهذا الفعلُ يقتضي
الإجزاءَ في الأمر بالصب، لا في تطهير الأرض، إلا أنْ يُقالَ(٦): إِنَّ
(١) في الأصل ((موصوف))، والمثبت من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (١ /٢٩).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) (ت)): ((يدعي مدع)).
٥٣٨

الأمرَ وإنْ كَان بالصبِّ، إلا أنَّهُ لمقصودِ التطهير؛ ليَحصُلَ(١) التطهيرُ
عَلَى هذا التقدير؛ أعني: على تقديرٍ اعتبار معنَى التطهير في هذا
الأمر.
والذِين اشترطوا النضوبَ بنَوْهُ علَى نجاسة الغُسَالة، واشتراطٍ
العصر، وأنَّ عَصْرَ كلِّ شيءٍ علَى حَسَبِهِ.
الثامنة والعشرون: وبهذا الطريقِ أيضاً يُؤْخَذُ عدمُ اشتراطٍ
الجفاف، وفيهِ من البحثِ ما تقدَّمَ في الَّذِي قبلَهُ.
التاسعة والعشرون: قد يُؤْخَذَ مِنهُ أنَّ العصرَ في الثوبِ المغسول
و
من النَّجاسَةِ لا يجبُ.
وطريقُهُ أنْ يُقالَ: لو وجبَ العصرُ في الثوبِ لتوقَّفَتْ طهارةٌ
الأرض علَى النُّضوب، ولا تتوقَّفُ لما ذكرناه، فلا يجبُ العصر.
بيانُ الملازمة: أنَّ النضوبَ في الأرضِ قائمٌ مَقَامَ العصرِ
كما ذُكِرَ؛ لأنَّ عصرَ (٢) كلِّ شيء علَى حسبه، فلو وجبَ [النضوبُ
الذي هو في الأرض بمنزلة العصر في الثوب، لوجب العصرُ في
الثوب](٣).
(١) ((ت)): ((فیحصل)).
(٢) في الأصل: ((العصر))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((فلو وجب العصر في الثوب لوجب النضوب في الأرض))، والمثبت
من ((ت))، وهو أوضح.
٥٣٩

الثلاثون: استُدِلَّ به علَى أنَّ الأرضَ إذا أصابَتْهَا نجاسةٌ لا تَطَهُرُ
بالجفافِ، ولا بشروق الشمس عليها، إلا بالماءِ.
وعن أبي قِلاَبة أنَّهُ قال: تطهُرُ بالجفافِ(١).
وعن أصحابِ الرأي: أنَّهُ إذا أشرقت عليها الشمس حتَّى ذهب
أثرُ النَّجاسَة تطهُرُ(٢).
ووجهُ الاستدلالِ بهِ: أنَّ الأمرَ توجَّهَ بصبِّ الماءِ على الأرضِ،
والمقصودُ به التطهيرُ، فلا يحصلُ الامتثالُ إلا بهِ.
والاعتراضُ: أَنَّ ذكرَ الماء لوجوب المبادرة إلَى تطهير المسجد،
وتركَه إلَى الجفافِ تأخيرٌ لهذا الواجب، وإذا ترددَ الحالُ بين الأمرين
لا يكونُ دليلاً على أحدِهِما بعينِهِ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٢٥) عن أبي قلابة قال: إذا جفت الأرض
فقد زكت. ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥١٤٣) عنه بلفظ: جفوف الأرض
طهورها .
(٢) انظر: ((الأوسط)) لابن المنذر (٢ / ١٧٦).
٥٤٠