Indexed OCR Text
Pages 501-520
المُقْتَضِي للتنجيس موجوداً في السِّباع؛ لأنَّهُ لو لمْ يكنْ المُقتَضِي موجوداً فيها لكان التعليلُ بالأصلِ، لا لقيام المانع، ألا ترَى أنَّهُ لا يَحسُنُ أنْ تعلَّلَ طهارةُ سؤر الآدميِّ - وما (١) يُؤْكَلُ لحمُهُ، ولا يستعملُ النَّجاسَةَ - بعلةٍ(٢) الطَّوْفِ، لَمَّا أنَّ المُقتضيَ للنَّجاسةِ ليسَ موجوداً فيه، فلا يَحسُنُ تعليلُه بالمانعِ . التاسعة عشرة: اختلفوا فيما إذا تعارضَ الأصلُ والغالبُ، أيُّهُما يُقَدَّمُ؟ ورجَّحَ بعضُ مصنفي الشَّافِعية العملَ بالأصلِ (٣)، ويردُّ عليه أنَّ العملَ بأقوَى الظَّنَّين وأرجحِهِمَا واجبٌ، والظنُّ الحاصلُ بسبب إلحاقٍ الفرد المُعيَّنِ بالأعمّ الأغلبِ أقوَى من الظنِّ الحاصل بالأصلِ، فوجبَ وءُ تقدیمُهُ. ولو أرادَ مَن رجَّحَ العملَ بالأصلِ الاستدلالَ بهذا الحديثِ کان طريقُهُ أنْ يقولَ: لَمَّا كان الغالبُ من الهِرَّةِ استعمالَ النَّجاسَةِ بأكل الميتة: وقعَ التردُّدُ في حال ولوغها في الإناءِ بينَ الحمل علَى الأصلِ؛ فيُحكَمُ بطهارة الإناء، وبين الحمل على الغالبِ؛ فيحكم بنجاسته، (١) ((ت)): (ولا)). (٢) في الأصل: (لعلة))، والتصويب من ((ت) .. (٣) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (١٠٢/٢). ٥٠١ وكانَ الحديثُ دليلاً علَى العملِ بالأصلِ، دَلَّ تقديمُه عَلَى العملِ بالغالب. وجوابُهُ: أنَّ الأمرَ بالعكسِ، وهو دلالتُهُ عَلَى العملِ بالغالب لأجلِ التعليلِ بالمعارِضِ، وهو الطوافُ(١) المُوجِبُ للطهارةِ أو العفوِ، وقد تقدَّمَ أنَّ التعليلَ بالمانع يستدعي قيام المُقْتَضِي، فيكون المُقْتَضِي للتنجيس لولا هذا المانعُ الخاصُّ موجوداً، والمُقتضي هو غلبةٌ استعمالِ النَّجاسَة، فيكون العملُ به هو الراجحُ عندَ عدم [هذا](٢) المُعارِضِ [الخاص](٣)، وهو الطواف (٤). أو يقول: دلالتُهُ عَلَى العملِ بالأصلِ مُطلقاً، أم مع مُعارِضٍ؟ الأول ممنوعٌ، ولا يمكنُ دعواه؛ لأنَّ المُعارضَ قائمٌ علَى ما دلَّ عليه التعليلُ بالطوافِ (٥)، وأرشدَ إليه من اعتبار المشقة. والثاني مُسَلَّمٌ، ولكنْ لا يلزمُ من إعمالِ الأصلِ عندَ قيامٍ مُعارِضٍ الضرورة والحاجة إعمالُهُ مُطلقاً، والله أعلم. (١) ((ت)): ((الطوف))، وهما بمعنى. (٢) سقط من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) ((ت)): ((الطوف)). (٥) ((ت)): ((بالطوف)). ٥٠٢ العشرون: المَالِكِيَّةُ يستدِلُّون بهذا التعليل بالطّوفِ علَى طهارة الكلب، فإنَّ العلةَ موجودةٌ فيهِ عندَ العرب، وطوافُهُ علَى أهل البوادي منهم - وهم الأكثرون - أغلبُ من طواف الهِرَّة(١) عليهم، وهو في الحقيقةِ قياسٌ للكلب علَى الهرِّ، لكنهم يقولون: هو قياسٌ بعلةٍ وَقَعَ الإيماءُ إليها (٢)، وهو استدلالٌ جيِّدٌ، وطريقُ من يريد الجوابَ عنه أنْ يبينَ أنَّ نجاسةَ الكلبِ - أو سُؤْرَه - مُستندٌ إلَى النصِّ، ويرجِّحُ دلالَةً النَّصِّ عليه، وحينئذٍ يُصارُ إليه؛ لأنَّ الحكمَ المُستِنِدَ إلَى النَّصِّ أقوَى من القياس، ولو كانت العلَّةُ قد أُومِىء إليها، وهناك يقع النظرُ بين الخصمين؛ أعني: في ترجيح دلالَة الأمر بغسل الإناء من الولوغ على النَّجاسَة، عَلَى الَّذِي دل عليه [هذا](٣) النَّصُّ من الإيماءِ إلَى العلةِ المُقتضية للطهارة، والله أعلم. الحادية والعشرون: الأصوليون يذكرون هذا الحديثَ في دلالَة التنبيهِ والإيماءِ إلَى التعليلِ؛ لأنَّهُ لو لمْ تكنْ علةً لمْ يكنْ ذكرُ الطواف مفيداً، فإنَّهُ لو قالَ: لأنَّها سوداء أو بيضاء لمْ يكنْ منظوماً، إذ(٤) لمْ يَرِدِ التعليلُ. (١) ((ت)): ((الهر)). (٢) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١/ ٣٢٠)، و((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ١٧٥). (٣) سقط من ((ت)). (٤) في الأصل: ((إذا))، والمثبت من ((ت)). ٥٠٣ هذه عبارة بعضهم عن هذا المعنَى(١)، وغيرُهُ يقرِّرُه بأنَّهُ لو لمْ يكنْ للتعليل، تَجرَّدَ إخباراً عن الواقع المعلوم، ويجبُ تنزيهُ لفظٍ الشارع عن مثلِهِ . الثانية والعشرون: يدلُّ على اعتبار المشقة في جنس التخفيف، وهو من القواعدِ الأصولية، والله أعلم. الثالثة والعشرون: إذا ثبتَ حكمُهُ (٢)، وأمكنَ أنْ يُقَال: إنَّهُ عَلَى مقتضَى الأصل، [وأنْ يُقَال: إنَّهُ عَلَى خلاف مقتضَى الأصل](٣) المُعارِضٍ، فالمصيرُ إلَى الأولِ أَوَلَى، لما يلزم في الثاني من مخالفة مقتضى الدلیل. مثاله: إذا حكمَ الشارعُ بأنَّ أثرَ الدم بعد الغسل لا يضرُّ، أمكنَ أنْ يكونَ ذلك؛ لأنَّ المحلَّ قد طَهُرَ، وأمكن أنْ يكونَ ذلك للعفو عنه مع بقاء النَّجاسَة، فيُقَال: الأول أَولَى؛ لأنَّهُ يلزمُ من الحكمِ بالنَّجاسَة مع العفو مخالفةُ الدليل، فإنْ لزم مخالفةُ أصلٍ آخرَ من القولِ بالطهارة، فحينئذٍ يُحتاج إلَى الجوابِ والتَّخريجِ. (١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٣٠٨)، وهو المعني بكلام المؤلف رحمه الله . (٢) ((ت): ((حکم)). (٣) سقط من ((ت)). ٥٠٤ الرابعة والعشرون: وهذا الحديث يُؤخَذُ مِنْهُ ما قدَّمْنا بيانَهَ أنَّ عدمَ المُؤاخذة باستعمال سُؤره، يُحتمَلُ أنْ يكونَ لطهارته، ويُحتمل أنْ يكونَ للمشقة، والحديث دلَّ عَلَى عدم النَّجاسَة المُساوي لطهارتها، ولو تساوَى القولُ بنجاستها - مع عدم المُؤاخذةِ باستعمال سُؤرها لأجل المانع - مع القول بطهارتها، لمْ يدلَّ طوافُها علَى طهارتها، ولا استلزمه؛ لاحتمالِهِ لأمرين متساويين علَى هذا التقدير، لكنَّ الشرعَ جعل ذلك دليلاً علَى طهارتها كما أشعر به التعليلُ، فدلَّ علَى أنَّ الإضافةَ إلَى ما لا يلزمُ مِنهُ مخالفةُ الدليل، أَولَى من الإضافةِ إلَى ما يلزمُ مِنْهُ مخالفةُ الدليل، والله أعلم بالصواب. ٥٠٥ الحديث العاشر قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ عِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَتَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َهِ، فَلَمَّا قَضَى بَوَلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءِ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. لفظُ روايةِ البخاريِّ، وهو مُتَّفَقٌ عليه(١). (١) * تخريج الحديث: رواه البخاري (٢١٩)، كتاب: الوضوء، باب: يهريق الماء على البول، وهذا لفظه، و(٢١٨)، باب: صب الماء على البول في المسجد، ومسلم (٢٨٤ / ٩٩)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول وغيره، والنسائي (٥٤ _ ٥٥)، كتاب: الطهارة، باب: ترك التوقيت في الماء، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس، به. ورواه البخاري (٥٦٧٩)، كتاب: الأدب، باب: الرفق في الأمر كله، ومسلم (٢٨٤ / ٩٨)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول وغيره، والنسائي (٥٣)، كتاب: الطهارة، باب: ترك التوقيت في الماء، و(٣٢٩)، كتاب: المياه، باب: التوقيت في الماء، وابن ماجه (٥٢٨)، كتاب: الطهارة، باب: الأرض التي يصيبها البول كيف تغسل؟ من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، به. = ٥٠٧ الکلامُ علیه من وجوهٍ : * الأول: في التعريفِ بمَنْ ذُكِرَ فيهِ: فنقولُ: أنسُ بن مالكٍ بنِ النَّضْر بن ضَمْضَم بن حَرَام - بفتح الحاء والراء المُهمَلَتين - بن جُندب بن عامر بن غَنْم بن عَدِي بن النَّجَّارِ، الأنصاريُّ، النجاريُّ، خادمُ رسول الله بَِّ، أَمُّهُ أَمُّ سُليم بنت مِلْحان الأنصاريةُ، كان سِنُّهُ حين قدم النَّبِيُّ ◌َ﴿ عشرَ سنين(١)، وقيل: تسعاً، وقيل: ثمانياً. وكانت وفاتُهُ - ﴿ه - سنةَ إحدَى وتسعين من الهجرةِ(٢)، وقيل: [سنة](٣) ثلاث وتسعين (٤). وقيل: كان سنُّهُ إذ مات مئةً سنة وعشر سنين، وقيل: بزيادة سبع علَى المئةِ فقط، وقيل: بزيادة ثلاث فقط، وقال حُمَيد: إنَّ أنسَ بن = ورواه البخاري (٢١٦)، كتاب: الوضوء، باب: ترك النبي صل﴿ والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد، ومسلم (٢٨٥)، كتاب: الطهارة، باب: وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، من طريق إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، به. (١) هذا هو المشهور. (٢) وهو الذي رجحه ابن الأثير. (٣) زيادة من ((ت)). (٤) وهو الذي رجحه النووي والذهبي وغيرهما. ٥٠٨ مالك عُمِّرَ مئة سنةٍ إلا سنةً(١). قال أبو عمر: ويُقَال: إنَّ أنسَ بن مالك قَدَّمَ من صُلبه من(٢) ولدِهِ وولدٍ ولده مئةً قبلَ موته، وذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ِّ دعا له فقال: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وولداً، وبارِكْ لَهُ))، قالَ أنس ◌َُّه: فإني لِمِنْ أكثرِ الأنصار مالاً وولداً(٣). ويقال: إنّهُ وُلِدَ لأنسٍ بن مالك ثمانون ولداً، منهم ثمانية وسبعون ذكوراً وأَنْثَيَان، الواحدة تسمَّى حفصةُ، والثانية تُكنَى أَمَّ عمرو، وهذه الأولاد لمْ تعرفْ أسماءُ جميعهم، والَّذِين ذُكِرَ اسمُهُم(٤) منهم: عبد الله، وعبيد الله، وزيد، ويحيَى، وخالد، وموسَى، والنضر، وأبو بكر، والبراء، والعلاء، وأبو عمير، وعمر(٥) ابن بنتِهِ . وأنسُ بن مالك - رَظُ - من المُكثِرِينَ عن رسول اللهِ وَّ فِي روايته، معدودٌ في (٦) أصحاب الألوف، وقد عُدَّ له ألفا حديثٍ، ومئتا (١) قال الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء)) (١ / ١٣٧): واتفق العلماء على مجاوزة عمره مئة سنة . (٢) ((ت)): ((و)) بدل ((من)). (٣) رواه البخاري (١٨٨١)، كتاب: الصوم، باب: من زار قوماً فلم يفطر عندهم. وانظر: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١ / ١١١). (٤) ((ت): ((اسمه)) . (٥) ((ت)): ((وعمرو)) بالواو. (٦) ((ت)): ((من)). ٥٠٩ حديث، وستةٌ وثمانون حديثاً، وهذا العددُ بالنسبةِ إلَى مُسنَدٍ بَقِيٍّ بن مَخْلَد الأندلسي، کذا وجدتُهُ. وأمَّا في ((الصحيحينٍ)) فإنَّهُ نُسِبَ إليهما ثلاثُ مئةِ حديثٍ وثمانيةَ عشرَ حديثاً، المُتَّفَقُ عليه منها مئةٌ وثمانية وستون، وانفردَ البخاريُّ بثمانين، ومسلمٌ بتسعين، والَّذِي رأيته في ((الجمع بين الصحيحين)) في عدد أفراد البخاريِّ: اثنان وثمانون، وفي عدد أفراد مسلم: واحدٌ وسبعون(١). ويقال: إِنَّ أنس بن مالك آخرُ من مات من أصحابِ رسول الله وَل بالبصرةِ(٢). (١) انظر: ((الجمع بين الصحيحين)) للحميدي (٤٨٢/٢). - (٢) * مصادر الترجمة : (الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ١٧)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٤)، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١ / ١٠٩)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٩/ ٣٣٢)، ((صفة الصفوة)) (١ / ٧١٠)، ((المنتظم)) كلاهما لابن الجوزي (٦/ ٣٠٣)، («أسد الغابة)) لابن الأثير (١/ ٢٩٤)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ١٣٦)، ((تهذيب الكمال)» للمزي (٣/ ٣٥٣)، «سير أعلام النبلاء)) (٣/ ٣٩٥)، «تذكرة الحفاظ)) (١ / ٤٤)، ((العبر)) ثلاثتها للذهبي (١ / ١٠٧)، («البداية والنهاية)) لابن كثير (٥/ ٣٣١)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (١/ ١٢٦)، ((تهذيب التهذيب)) كلاهما لابن حجر (١/ ٣٢٩). ٥١٠ * الوجه الثاني : في تصحيحه: وهو مُتَّفَقٌ عَلَى صحَّتِهِ وإخراجِهِ في ((الصحيحينِ)) من رواية إسحاقَ بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، فأخرَجَهُ البُخاريُّ عن موسَى، عن همام(١)، وأخرجَهُ مسلمٌ عن زهير، عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار(٢)، [وكلاهما](٣) عن إسحاق المذكور، والله أعلم. * الوجه الثالث: في شيءٍ من مفردات ألفاظه، وفيه مسائل : الأولَى: قالَ الراغب: العَرَبُ: أولادُ إسماعيلَ عليه الصلاة والسلام، والأَعْرَابُ: جمعُهُ(٤) في الأصلِ، وصارَ ذلك اسماً لسكَّان البادية، قالَ الله وَّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ ءَامَنَّاً﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال الله تعالَى: ﴿الْأَعْرَبُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]، ثمَّ قال: ﴿ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وقيل في جمع (١) برقم (٢١٦) كما تقدم قريباً. (٢) برقم (٢٨٥) كما تقدم قريباً. (٣) زيادة من ((ت)). وقد ألحقت في هامش الأصل إلا أنها مطموسة. (٤) في الأصل: ((جميعه))، والمثبت من (ت)) و(ب)). ٥١١ الأعراب: أَعَارِيبُ، قالَ الشاعر [من الوافر]: أَعَارِيبٌ ذَوُو فخرِ بإفكٍ (١) والأَعْرَابُ في التعارفِ [صار اسماً](٢) [للمنسوبين](٣) إلَى سكان البادية (٤). الثانية: قال الراغب: والطائفةُ من الناس: جماعةٌ منهم، ومن الشيءٍ: القطعةُ منه، وقولُهُ دَّ: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَايِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، قالَ بعضُهُم: قد يقعُ عَلَى واحد [فصاعداً)، وعلى ذلك قولُهُ تعالَى: ﴿وَإِن ◌َاِفَتَانِ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩]، وقولُهُ وَّ: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآَبِفَتَانِ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. وطائفةٌ إذا أُرِيدَ به الجمعُ فجَمْعُ طَوَّاف(٥)، وإذا أريد الواحدُ (١) في النسخ الثلاث: ((إفك وفخر))، والتصويب من ((مفردات القرآن)) للراغب، وهذا صدر بيت ذكره المرزوقي في ((شرح الحماسة)) (٣/ ١٥٢٢)، والتبريزي في ((شرح الحماسة)) أيضاً (٤ / ٤٤) دون نسبة، وعجزه: وألسنةٍ لطافٍ في المقال (٢) زيادة من ((مفردات القرآن)). (٣) في الأصل: ((المنسوبين))، والتصويب من ((ت))، و(ب)). (٤) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٥٦ - ٥٥٧). (٥) في المطبوع من ((مفردات القرآن)): ((والطائفة إذا أريد بها الجمع فجمع طائف)). ٥١٢ فيصحُّ أنْ يكونَ(١) جمعاً، وكُني به عن الواحدِ، ويصحُّ أن يُجعلَ كرَاوِيَّةٍ وعَلاَّمَةٍ ونحوٍ ذلك(٢) . الثالثة: قالَ الجوهريُّ: الزَّجْرُ: المنع والنهي(٣)، يقال: زَجَرَهُ وازْدَجَرَهُ فَانْزَجَرَ وازْدَجَر، والزَّجُورُ من الإِبلِ: الَّتِي تَعْرِفُ بِعَيْنِها، وتُنْكِرُ بأَنفها (٤). وقال الراغب: الزَّجْرُ: طردٌ بصوتٍ، يقال: زَجَرَهُ فَانْزَجَرَ، قالَ الله تعالَى: ﴿فَإنََّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (٢) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣، ١٤]، ثُمَّ يستعمل في الطردِ [تارةً]، وفي الصوتِ تارةً، وقولُه تعالَى: ﴿فَالزَّجِرَّتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢]؛ أي: الملائكة تَزْجُرُ السَّحاب، وقوله تعالَى: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ الْأَنْبَاءِمَا فِيهِ مُزْدَجَرُ ﴾ [القمر: ٤]؛ أي: طَرْدٌ ومَنْعٌ عن ارتكاب المآثم، وقوله وّ: ﴿وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]؛ أي: طُردَ، ومنه استعمالُ الزجرِ فيهِ لصياحهم بالمطرودِ، نحو أنْ يُقالَ: أُغْرُبْ، وتَنَخَّ، ووراءَكَ(٥). (١) ((ت)): ((يقال)). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٣١ -٥٣٢). (٣) ((ت)): ((والمنع)). (٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٦٦٨)، (مادة: زجر). (٥) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٧٨). ٥١٣ الرابعة: الذَّنُوبُ: لفظُ مُشتَرَكٌ في اللغةِ، قالَ الشاعر [من مجزوء الرجز]: بُ والذَّنُوبُ والرَّمَلِ وما الذَّنُوبُ والذَّنُو فالذَّنُوبُ: يُطلَقُ علَى الفرسِ الطويل الذنب، وعلَى النَّصيبِ، قالَ الله تعالَى: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَبِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩]، وعلَى الدَّلو الكبيرة، والمرادُ هاهنا: الدلو المَلأَى. قال الجوهري: والذّنُوبُ: الدَّلْوُ المَلَى ماءً، وقال ابن السِّكِّيت: فيها ماءٌ قريبٌ من المِلْء، تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ، ولا يُقَال لها وهي فارغةٌ: ذَنوب(١)، والجمع في أَدْنَى العَدد: أَذْنِبة، والكثيرُ: ذَنائبُ، مثل قُلُوصٍ وقَلائصَ (٢). * الوجه الرابع: في شيءٍ من العربيةِ، [وفيهِ مسألتان](٣): [الأُولَى](٤): الأعرابيُّ نسبةٌ إلَى الأعرابِ، والأعرابُ جمعٌ في اللَّفظِ والمعنَى له واحدٌ مُستعمَلٌ، وما كان كذلك فالأصلُ في النسبِ (١) انظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص: ٣٦١). (٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١/ ١٢٨ -١٢٩)، (مادة: ذنب). (٣) سقط من الأصل، والمثبت من ((ت)). (٤) سقط من الأصل، والمثبت من ((ت)). ٥١٤ أن يُنْسَبَ إلَى الواحدِ، كـ(مَسجديٍّ) في النسبةِ إلَى (المساجد)(١)، وقد جاء نَسْبُ الأعرابيّ إلَى اللفظِ، فيحتاج إلَى التخريجِ. ٢ قال سيْبَوَيْه رحمه الله تعالَى: وتقول في الأعرابِ: أعرابي؛ لأنَّهُ ليسَ له واحدٌ علَى هذا المعنَى، ألا ترَى أنَّك تقول: العَرَب، فلا يكون علَى هذا المعنى(٢). وقال أبو عليٍّ رحمه الله تعالَى: لو رَدَدْتَهُ إلَى الواحدِ - وهو (عَرَبٌ) - لَزِدْتَهُ عُموماً (٣). والكلامان متقاربان أو مُتَّحِدًا المعنَى، وتقريرُهُ: أنَّ الأعرابَ أخصُّ من العربِ، وكلُّ أعرابيٍّ عربيٍّ، وإذا كان كذلك، فلو رددته إلَى الواحدِ لكان معناه العموم؛ لأنَّ(٤) الخصوصَ الَّذِي في (أعراب)(٥)، فعلَى هذا قالَ سِيْبَوَيْه: لأنَّهُ ليسَ له واحدٌ علَى هذا (١) جاء في ((ت)) بعد قوله: ((المساجد)) ما نصه: ((وقوله: جمع في اللفظ والمعنى، إلا أنه لم ينطق له بواحد نحو (عباديد)، فهذه الأقسام ينسب فيها إلى اللفظ، بخلاف الأول كما ذكرنا فإنه ينسب إلى الواحد)» كذا. ثم كتب في الهامش: (ينظر من نسخة صحيحة)). (٢) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٣/ ٣٧٩)، باب: الإضافة إلى الجمع. (٣) انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (١/ ٤٠٣)، (مادة: ربب). (٤) (ت)): ((لا)) بدل ((لأن)). (٥) أي: المعنى الموجود في لفظة (أعراب). ٥١٥ المعنَى؛ أي: ليسَ له واحد علَى معنَى الخصوص. وقوله: ألا ترَى أنَّك تقول: العَرَب، فلا يكون علَى هذا المعنَى؛ أي: يكون عاماً ليسَ عَلَى معنَى الخصوص، فكأنَّهُ وإِنْ كَان له واحد، فليسَ(١) بمنزلة عباديد، فإنَّ واحدَهُ ليسَ علَى معنَى لفظه(٢)، وهو كلامُ أبو عليٍّ رحمه الله تعالَى. وقال بعضهم: إنَّهُ بمنزلة عباديد، واحتَجَّ بأنَّهُ ليسَ علَى معنَى الأعراب للتخصيص [الَّذِي فيه](٣)، وقال بعضُهم: الأعرابُ اسمٌ للجمع، [و](٤)قال بعضُهم: جمعٌ سُمِّيَ به(٥)، وعلَى هذا يدلُّ كلامُ الرَّاغبِ الَّذِي قدَّمْناه حيثُ قال: والأعرابُ جمعُهُ(٦) في الأصلِ، وصار ذلك اسماً لسكان البادية. الثانية(٧): لا بُدَّ من حذفٍ في قوله: ((بذَنُوب من ماء))؛ لأنَّ الذنوبَ لا يُصَبُّ، ولا هو أيضاً من جنس الماء، ولا بعضُهُ، فتكون (١) ((ت)): ((وليس)). (٢) ((ت)) زيادة ((فصار بمنزلة عباديد)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) سقط من ((ت)). (٥) انظر: ((المخصص)) لابن سيده (٤/ ١٣ / ٢٤٧)، باب: الإضافة إلى الجميع. (٦) في الأصل: ((جمیعه))، والمثبت من ((ت)) و(ب)). (٧) ((ت)): ((الخامسة)) وهو خطأ، وإنما هي ((الثانية)) من مسألتي الوجه الرابع. ٥١٦ (من) لبيان الجنس، أو للتبعيض، ولا يَحسنُ أنْ يُقدَّرَ المحذوفُ: ماء، حتَّى يصيرَ التقدير: فأمر بماء ذنوب من ماء، والَّذِي ينبغي أنْ يُقدَّرَ: بملاءِ ذنوب من ماء، أو ما يقارب(١) هذا، ويجوز أنْ يكونَ التقدير : بذنوب مملوء من ماء. وقولُهُ: ((فزجرَهُ النَّاسُ))، إمّا أنْ يكونَ من العامِّ الَّذِي أُرِيدَ به الخاص، أو يكون من باب حذفِ الصِّفةِ، كأنَّهُ قيل: فزجره الناس الحاضرون مثلاً . * الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل : الأولَى: فيهِ دليلٌ علَى أن الاحترازَ عن النَّجاسَةِ، وتَجَنُّبَها في الجملةِ، أمرٌ مُتَقَرِّرٌ في نفوس حَمَلَةِ الشرع. الثانية: فيهِ المبادرةُ إلَى الأمرِ بالمعروف والنهي عن المُنكرِ . الثالثة: فيهِ أمرٌ زائدٌ علَى أصل الأمر بالمعروفِ، وهو استعمالُ القوة والغلظة في ذلك، إمَّا لما حكيناه عن بعضهم: أنَّ الزجرَ أشدُّ النهي، وإمَّا لمبادرةِ جماعة من الناسِ إليه . وذلك أمرٌ مطلوبٌ لما فيهِ من الغضبِ والغَيْرةِ لحقِّ الله تعالَى، (١) ((ت): ((قارب)). ٥١٧ ٠ ولأنَّهُ أبلغُ في حصول المقصود، وقد كان بَّهُ إذا خطب علا صوتُهُ واشتدَّ غضبُهُ كأنَّهُ مُنذِرُ جيش(١). فإن قُلْتَ: فقد أنكرَ مَّ هذا الإنكارَ؟ قُلْتُ: لعلَّ إنكارَهُ الَّه لأجلِ مُعارِضٍٍ (٢) الجهلِ من الأعرابي، وقربِ العهد بالإسلام(٣)، والإنكارُ من هذا الوجهِ لا يُنافي الإغلاظَ عندَ عدم هذا المُعارِض، والله أعلم. الرابعة: فيهِ أنَّ مبادرةَ الصحابة ﴿ه أجمعين إلَى الإنكارِ بحضرة رسول الله وَّهُ مِن غيرِ مُراجعة، ليسَ من باب التَّقدم بين يدي الله ورسوله، وذلك أنَّهُ قد تقرَّرَ عندهم من الشرع ما أوجبَ الإنكارَ، فأمرُ الشرع متقدِّمٌ، فلا يكونُ فعلُهُم تقدُّمً(٤)، ولا شكَّ أنَّ هذه الواقعةَ الخاصَّة لمْ يتقدَّمْ فيها إذنٍّ، فيدلُّ عَلَى أنَّهُ لا يُشتَرَطُ الإذنُ الخاص، ويُكتفَى بالعامِّ، وقد اختلف المُفسرون في معنَى قوله تعالَى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴾ [الحجرات: ١](٥). (١) رواه مسلم (٨٦٧)، كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٢) ((ت)): ((لمعارض)) بدل ((لأجل معارض)). (٣) ((ت)): ((من الإسلام)). (٤) ((ت)): ((متقدماً)) . (٥) قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. ٥١٨ الخامسة: في قاعدةٍ ينبني عليها غيرُها: المحكيُّ عن ابن سُرَيجِ رحمه الله تعالَى: أنَّهُ لا يجوزُ التمسكُ بالعامِّ قبل البحث عن المُخصصِ، وعن الصَّيْرَفي - رحمه الله تعالَی - جوازُهُ، واختیارُ بعض المُتَأْخِّرين(١) المنعُ، وزعم أنَّهُ لا يكادُ يُختلَفُ فيه (٢). والَّذِي أقوله: إنَّهُ إنْ أريدَ بذلك أنَّهُ لا بُدَّ للمجتهدِ من نظرةٍ فيما [تأخّر من النصوص، أو ما](٣) تيسّرَ له مراجعتُهُ ممَّا شعر فيهِ باحتمال التخصيص، فذلك صحيحٌ، وإن أُريد به التوقّفُ حتَّى يقعَ علَى ما لمْ يبلغْهُ من النصوصِ، ولا شعر به مع قُرْبِ المُراجعة، فلا يصحُ، = وقال العوفي عنه: نهو أن يتكلموا بين يدي كلامه. وقال مجاهد: لا تفتأتوا على رسول الله ويله بشيء حتى يقضي الله تعالى على لسانه . وقال الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دینکم. وقال سفيان الثوري ﴿لَا تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولٌِ﴾ [الحجرات: ١] بقول ولا فعل. وقال الحسن: لا تدعوا قبل الإمام. وقال قتادة: ذكر لنا: إن ناساً كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وكذا، لو صنع كذا، فكره الله ذلك. انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٠٦). (١) كالغزالي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. (٢) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٥٦)، و((الإحكام)) للآمدي (٣/ ٥٧)، و(المحصول)) للرازي (٣/ ٢٩)، و((الإبهاج)) للسبكي (٢/ ١٤١)، و((البحر المحيط)» للزركشي (٤ / ٤٧). (٣) زيادة من ((ت)). ٥١٩ والدليلُ عليه: أنَّ علماء الأمصار ما بَرحوا يُفتون بما بَلَغهم مِن غيرِ توقفٍ عَلَى البحثِ في الأمصار والبلاد عمَّا لعلَّهُ يكونُ تخصيصاً(١). وبهذا نجيب عن قول الناصر للوجوب: إنَّهُ لو كان كذلك، لكانت رتبةُ الاجتهادِ مُمكِنَةً لكلِّ أحدٍ حصلت له أدنى أهليّةٍ؛ لأنَّا أولاً شرطنا أنْ يكونَ أهلاً للاجتهاد، وذلك يقتضي اطّلاعَهُ علَى جملةٍ من النصوصِ زائدةٍ لا يصلُ إليها من له أدنى أهلية، وأيضاً [فقد](٢) شرطنا [النظر](٣) فيما بَلَغه من النصوصِ، وهلْ فيها تخصيص، أم لا؟(٤) وذلك لا يكفي فيهِ أدنى أهلية . السادسة: مما(٥) يُبتَنَى عَلَى هذه القاعدة: أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم أجمعين لما استقرَّتْ عندهم [هذه](٦) القاعدةُ الكليّةُ، وثبت الحكمُ [العام](٧) في وجوب تنزيه المسجد عن النَّجاسَةِ، وكانت هذه الواقعةُ المُعينةُ مخصوصةً من ذلك الحكم العام، كما تبيَّن من قول (١) (ت)): ((مخصصاً)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) لو قال: وهلْ فيها تخصيص أو لا؟ لكان أولى، فالمشهور أن (أم) بعد (هل) منقطعة، وهي تفید الإضراب، وهو غير مراد هنا. (٥) ((ت)): ((فيما)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) زيادة من (ت)). ٥٢٠