Indexed OCR Text
Pages 481-500
وانصرفَ إلينا سنةَ سبع وثلاثين، وأقامَ بنَيْسَابور، وبنَى الخانقاه(١) في باغ الراس (٢) المنسوب إليه، فبقي بنَيْسَابور [إلَى] (٣) سنة أربعين، وانصرف إِلَى وطنه بُيُسْتٍ، وكانت الرحلةُ بخراسان إلَى مصنفاتِهِ. وذكره الحافظ أبو بكر الخطيبُ فقال فيهِ: وكان قد سافر الكثيرَ، وسمع وصنَّفَ كتباً واسعةً، وحدَّث عن أبي خليفة الفضل بن الحُباب الجُمَحي، والحسن بن سفيان النسوي، وأبي يعلى الموصلي، وأبي بكر بن خُزَيمة، ومحمَّد بن إسحاق السرَّاجِ النَّيْسَابوري، وغيرهم من أهل خرسان والعراق والشام ومصر، وكان ثقةً، ثبتاً، فاضلاً، فَهماً(٤). وذكره الأميرُ أبو نصرِ فقال فيهِ: حافظٌ جليلٌ كثيرُ التصانيف(٥). وذكر[٥](٦) في موضع آخر فقال: وكان من الحفاظِ الأثبات(٧). (١) أصل الخانقاه بقعة يسكنها أهل الصلاح والصوفية، معربة، وخانقاه: بلدة. انظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (مادة: خنق). (٢) بلدة بمروٍ على فرسخين من مرو، انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (١ / ٣٨٢). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ورواه عن الخطيب: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٢ / ٢٥٢). (٥) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (١/ ٤٣٢). (٦) زيادة من ((ت)). (٧) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٣١٦/٢). ٤٨١ وذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر فقال بعدَ ذكرِ نسبِهِ: أحدُ الأئمةِ الرَّحَّالين (١) المُصنفين المُحسنين(٢). قُلْتُ: وكان أبو حاتم من المُنزِّهِةِ المُؤولة، مُتحفِّظاً في الكلام علَى الأحاديث المُشكِلَة، نافياً عن أهل الحديث عُقَدَ التشبيه، ناطقاً في هذا الفن بملءٍ فيه، فرُبَّما تسبَّبَ بذلك(٣) - أو بعضِه - إلَى الشناءةِ(٤) والشناعة من مخالفيه، واختلاف [الناس](٥) في العقائدِ والمذاهب جزيلاً طويلاً، وأرتعَ بعضُهُم في أعراضِ بعضٍ مَرتعاً وبيلاً، وسدَّدَ في الطعنِ من السهام ما لا تردُّهُ دروع (٦) الزجرِ ولا المَلام، وبثَّ في الأرضِ داهيةً يَحِقُّ أنْ يُقَال [لها](٧): صَمِّي صَمامَ(٨) ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة: ٢٥]. (١) ((ب)): ((الراحلين)). (٢) انظر: ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢٤٩/٥٢). (٣) ((ت)): ((فربما نسب في ذلك)). (٤) ((ت)): ((السفاهة)). (٥) زيادة من ((ت)). (٦) في الأصل و((ب)): ((يرده روع))، والمثبت من (ت)). (٧) زيادة من ((ت)). (٨) قولهم: صَمِّي صَمَام: يضرب للرجل يأتي الداهية؛ أي: اخرسي يا صمام. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (١٢ / ٣٤٥)، (مادة: صمم). ٤٨٢ قالَ الحاكم بعد كلام ذكره أبو حاتم: كثيرُ العلم، وكان يُحسَدُ لفضلِهِ وتقدمِهِ(١). قُلْتُ: وقد اخترنا في غير هذا الكتاب تركَ اعتبار المذاهب بالنسبةِ إِلَى قَبول الرواية، وهو المنقول عن الشَّافِعِيِّ - ﴿ - في أهل الأهواء، واستثنَى الخطَّابِيَّةَ الَّذِينِ يَرَون شهادةَ الزور علَى وفق مذهبهم(٢). وذكر أبو بكر بن نُقْطَةَ أبا حاتم في كتابهِ فقال: وكان إماماً، حافظاً، صنَّفَ في علم الحديث كتباً حسنة، توفي سنة أربع وخمسين وثلاث مئة(٣). وكذا ذكره الأميرُ قبلَه(٤). (١) نقله ابن حجر في ((لسان الميزان)) (٥ / ١١٤). (٢) انظر: ((الاقتراح)) للمؤلف (ص: ٢٩٢). وانظر: ((الكفاية)) للخطيب (ص: ١٢٠)، و((شرح مسلم)) للنووي (١ / ٦٠)، وغيرهما. (٣) انظر: ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ٦٥). (٤) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٢/ ٣١٧). * مصادر الترجمة : (تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٢٤٩/٥٢)، «الإكمال)) لابن ماكولا (٢/ ٣١٦)، ((التقييد)) لابن نقطة (ص: ٦٤)، ((سير أعلام النبلاء)) (١٦ / ٩٢)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (٣/ ٩٢٠)، ((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٣١/٣)، (لسان الميزان)) لابن حجر (٥/ ١١٢)، ((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص: ٣٧٥). ٤٨٣ * الوجه الثاني: في تصحیحِهِ : رواه مالك في ((المُوطأ)) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عبيد بن رفاعة(١)، عن كبشة، وقد ذكرنا من صحّحه. وقوله: وأمَّا ابن منده فخالف؛ أي: في التصحيحِ، فإنَّهُ لمَّا أخرجَ الحديثَ في «صحيحه بالاتفاقِ والاختلاف)) قالَ: وأُّ يحيَى اسمُها حُميدة، وخالتُها كَبشة، ولا يُعرَفُ لهما روايةٌ إلا في هذا الحديث، ومحلُّها محلُّ الجَهالة، ولا يثبتُ هذا الخبرُ من وجه من الوجوهِ، وسبيلُهُ [سبيلٌ](٢) المعلولُ. فجرَى ابن مَنْدَه على ما اشتهر عن أهل الحديث [أنَّهُ](٣) مَن لا يروي (٤) عنه إلا راوٍ واحد فهو مجهول، ولعلَّ من صحَّحهُ اعتمد علَى (١) فائدة: اختلف في حُميدة، هل هي بضم الحاء أو فتحها؟ قال المؤلف رحمه الله في ((الإمام)) (١/ ٢٣٣): اختلف في رفع الحاء ونصبها، فبعضهم يقول: حَميدة، وبعضهم يقول: حُميدة، وهو الأكثر، انتهى. وهي: حميدة بنت عبيد بن رفاعة، كذا قال سائر الرواة في اسمها، وهو الصواب، وقال يحيى بن يحيى في نسبها: حميدة بنت أبي عبيدة بن فورة، قاله القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١١٩). (٢) زيادة من ((البدر المنير)) لابن الملقن (٢/ ٣٤٢)، حيث نقل كلام ابن منده هذا. (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((لم يرو)). ٤٨٤ کون مالك رواه وأخرجه، مع ما عُلِمَ من تشدُّدِهِ وتحُِّهِ في الرجالِ. قرأت بخط الحافظ أبي الفضل محمَّد بن طاهر وروايته في ((سؤالات أبي زرعة)) قالَ: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: مالك إذا رَوَى عن رجل لمْ يُعرَفْ فهو حجَّةٌ (١). ورَوَى طاهر بن خالد بن نزار، عن أبيه، عن سفيان بن عُيَينةَ: أَنَّهُ ذكر مالك بن أنس فقال: كان لا يُبَلَّغُ من الحديثِ إلا صحيحاً، ولا يُحدِّثُ إلا عن ثقات الناس، وما أرَى المدينةَ إلا ستَخْرَبُ بعد موت مالك بن أنس(٢). وهذا اللَّفظ الَّذِي لسفيانَ أعمُّ من كلام أحمدَ الَّذِي قبله مع احتمال كلام أحمد لموافقته. وذكر بشر بن عمر الزَّهراني قالَ: سألتُ مالك بن أنس عن رجلٍ فقال: هلْ رأيتَهُ في كتبي؟ قُلْتُ: لا، قالَ: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي (٣). وهذا يُفْهَمُ مِنْهُ أنَّ كلَّ من في كتبه ثِقَةٌ، وإنْ كَان قد شَغَّبَ في هذا بعضُ المُتَأخِّرين؛ لأنَّهُ لا يلزم من كون كلِّ ثقةٍ في كتابِهِ أنْ يكونَ (١) نقله عن أبي زرعة: ابن رجب في ((شرح علل الترمذي)) (١ / ٣٧٧). (٢) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١ / ٧٤). (٣) رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤١٠)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (١/ ١٤)، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٢/ ٢٢)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١ / ٦٨). ٤٨٥ كلُّ من في كتابِهِ ثقة، إلا أنَّ هذا يُبْطِلُ فائدةَ هذا الكلام بالنسبةِ إلَى السائلِ؛ لأنّهُ لو كان في كتابِهِ غيرُ ثقةٍ لمْ يدلَّ وجودُهُ في كتابهِ علَى أنَّهُ ثِقَةٌ، وكلامُ مالك يدلُّ عَلَى أَنَّهُ أحاله في الثقة علَى وجوده في كتابِهِ . وبالجملةِ فإنْ سلكْتَ هذا(١) الطريق في تصحيح هذا الحديث؛ أعني: الاعتمادَ علَى تخريج مالك له، وإلا فالقولُ ما قالَ ابنُ منده(٢)، وقد ترك الشيخان إخراجَهُ في ((صحيحيهما))، وأخرجه أبو داودَ، والنَّسَائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، ونُسِبَ في الأصلِ إلَى التِّرْمِذِيِّ لحكمِهِ بتصحيحه . ومُرادُنا بما نقوله في هذا الكتاب أنَّ ابنَ خزيمة أخرجه في ((صحيحهِ)) الكتابُ المُسمَّى بـ ((مختصر المُختصر من الصحیحِ))، ومرادنا بـ ((صحيح ابن حِبَّان)): ((التقاسيمُ والأنواعُ)). · الوجه الثالث : في شيء من مفرداته، وفيه مسائل: الأولَى: قولُهُ: ((كانت تحت ابن أبي قتادة)) كنايةٌ عن كونها زوجتَهُ، والأشبهُ أنْ تكونَ من مجاز التشبيه، شبّهَ علوَ الزوجِ المعنوي عَلَى المرأةِ بالفوقيَّةِ الحِسيَّةِ، وضِدُّهُ في حق المرأة بالتحتيّةِ الحسية. (١) ((ت): ((هذه)) . (٢) نقله عنه الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١/ ٤٢). ٤٨٦ الثانية: فسكبتْ له وَضوءاً؛ أي: صبَّتْهُ، قالَ الله تعالَى: ﴿وَمَآءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١]؛ أي: مصبوب، ومن مَجاز هذه اللفظة فَرَسٌ سَكْبٌ، كأنَّ شدةَ جَرِيِهِ كَسَكْب الماء، فهو سَكْبٌ(١)، [و](٢) كذلك ثوب سَكْبٌ، يُشَبَّهُ بالمُنْصَبِّ لدِقَتِهِ ورِقَتِهِ، كأنَّهُ ماءٌ مَسْكوب، ودمعٌ ساكِبٌ؛ إمَّا بمعنَى مَسْكوب، وإمَّا تصويراً(٣) له بصورة الفاعل(٤). الثالثة: المشهور أنَّ الوَضوءَ - بالفتح - هو الماء، وبالضمِّ: المصدر الَّذِي هو الفعل(٥)، قالَ سِيبَوَيْه - رحمه الله تعالَی - في بابِ ما جاء من المصادرِ علَى (فُعُول): وذلك قولك: توضَّأْتُ وُضُوءاً حَسَناً(٦)، [وتطهّرْتُ طُهُوراً حسناً](٧). وذكر بعضُ المُتكلمين عليه: أنَّهُ شدَّ في هذا الباب خمسةُ مصادر فجاءت على هيئة الاسم(٨)، وكان الوجهُ فيها أنْ تكونَ مضمومةَ الأول، (١) ((ت): ((یسکب)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) (ت)): ((أو تصوير)) بدل ((وإما تصويراً). (٤) (ت)) زيادة: ((باعتبار دفع بعض أجزائه لما بين يديها)). وانظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤١٦)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله . (٥) ((ت)): ((الفاعل)). (٦) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (٤ / ٤٢). (٧) سقط من ((ت)). (٨) قال الزبيدي: والفَعولُ في المصادر - بالفتح - قليلٌ جدًّاً غيرَ خمسَةِ أَلَفاظٍ فيما = ٤٨٧ إلا أنهم استعملوا ضَمَّ الأول فيها اسماً، فعكسُ القياس في ذلك، فقال(١): فمنها الوَضوء - بالفتح - المصدر، ولذلك وصفَهَ بالحسنِ ليتبيَّنَ(٢) معنَى المصدرية فيه، ثمَّ قالَ: فإذا أردتَ الاسمَ قُلْتَ: الوضوء - بضم الواو-، وكذلك الطَّهور والظُهور. قُلْتُ: لا ينبغي أنْ يكونَ الوَضوء - بالفتحِ - مُختصّاً بالمصدرِ، فإنَّهُ قد ورد إطلاقُهُ في الماءِ هاهنا، فإنَّ المشهورَ علَى الألسنةِ فيهِ الفتحُ، نعم هاهُنا بحثٌ، وهو أنَّ الوضوءَ - بالفتحِ - هو اسمٌ للماء من حيثُ هو ماءٌ (٣)، [أ](٤)و للماءِ بقيدِ نسبتِهِ إلَى الوُضوءِ بالضمّ(٥)؟ وقد ذكرتُ في ((شرح العمدة)) فائدةً تتَعَلَّقُ بهذا(٦)، وستأتي في = سَمِعْتُ، ذكرها ابنُ عُصفورٍ وثعلبٌّ في ((الفصيح)) وهي: الوَضُوءُ والوَقُودُ والطَّهُورُ والوَلُوعُ والقَبُولُ. انظر: (تاج العروس)) (مادة: وض أ). (١) ((ت)): ((قال)). (٢) ((ت)): ((لیبین)). (٣) أي: مطلق الماء. (٤) زيادة من ((ت)). (٥) أي: للماء بقيد كونه مُتَوضأ به، أو معداً للوضوء به. (٦) قال المؤلف رحمه الله في ((شرح عمدة الأحكام)) (١ / ٣٢): فيه نظر - أي البحث الذي ذكره آنفاً - يحتاج إلى كشف، وتنبني عليه قاعدة فقهية وهو أنه: في بعض الأحاديث التي استدل بها على أن الماء المستعمل طاهر قول جابر: ((فصب علي من وضوءه))، فإنا إن جعلنا ((الوضوء)) اسماً لمطلق الماء، لم يكن= ٤٨٨ هذا الحديث فائدةٌ أُخرَى إنْ شاء الله تعالَى، ويُستَدَلُّ علَى أَنَّهُ اسمٌ ـو للماء، بما جاء في الحديثِ مِنْ وضع الوَضوء للغُسل لا للوضوء، وفيهِ احتمالٌ، والله أعلم. الرابعة: أصغَى: أمال، مُعدَّى بالهمزةِ من (صَغَى) إذا مال، والصَّغْو: الميل، يُقَال: صَغَت النجومُ والشمس صَغْواً: مالت للغروب، ويُقَال: صَغَيْتُ(١) الإناء وأصغَيتُهُ، وأصغيتُ إلَى فلان: مِلْتُ بسمعي نحوه (٢)، قالَ الله تعالَى: ﴿وَلِنَصْغَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ = في قوله: ((فصب علي من وضوئه)) دليل على طهارة الماء المستعمل؛ لأنه يصير التقدير: فصب عليَّ من مائه، ولا يلزم أن يكون ماؤه هو الذي استُعمل في أعضائه؛ لأنا نتكلم على أن ((الوضوء)) اسم لمطلق الماء، وإذا لم يلزم ذلك: جاز أن يكون المراد بوضوئه: فضلة مائه الذي توضأ ببعضه، لا ما استعمله في أعضائه، فلا يبقى فيه دليل من جهة اللفظ على ما ذكر من طهارة الماء المستعمل . وإن جعلنا ((الوَضوء)) - بالفتح -: الماء مقيداً بالإضافة على الوُضوء ۔ بالضم -، أعني: استعماله في الأعضاء، أو إعداده لذلك، فهاهنا يمكن أن يقال: فيه دليل؛ لأن «وَضوءه)) - بالفتح - متردد بين مائه المُعدِّ للوضوء - بالضم -، وبين مائه المستعمل في الوضوء، وحمله على الثاني أولى؛ لأنه الحقيقة، أو الأقرب إلى الحقيقة، واستعماله بمعنى المُعد مجاز، والحمل على الحقيقة أو الأقرب إلى الحقيقة أولى، انتهى. (١) قال شَمِرٌ: صَغَوْتُ وصَغَيْتُ وصَغِيتُ، وأَكثرهُ صَغَيْت. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (١٤ / ٤٦١). (٢) ((ت)): ((له)) بدل ((نحوه)) . ٤٨٩ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وقيل: صَغَيْتُ أَصْغَى، وَأَصْغَيْتُ أُصْغِي، من صَاغِيَةِ الرجل الَّذِين يميلون إليه، ومن مجازِهِ قولُهم: فلانٌ مُصغّى إناؤُهُ؛ أي: منقوصٌ حقُّهُ، وقد يُكتَّى به عن الهلاك(١). الخامسة: قوله: (لِتَشربَ مِنْهُ)): يُحتمَلُ أنْ يكونَ فیهِ حذفٌ؛ أي: تشرب(٢) من مائه، وتكونُ (مِن) للتبعيض [أو لابتداء الغاية](٣)، ويُحتمَلُ أنْ لا يكونَ فيهِ حذف، وتكون (من) لابتداء الغاية؛ أي: يكونُ ابتداءُ شربِها من الإناءِ. السادسة: قالَ القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله تعالَى: قوله: (أتعجبينَ يا ابنةَ أخي؟)) يُحتمَلُ أنْ يكونَ علَى معنَى التحقيق لما ظنَّهُ من تعجبِهَا؛ لجواز أنْ يكونَ نظرُهَا إليه لغير ذلك، [فلما] (٤) قالت: نعم، قال لها: إنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((إِنَّهَا لَيسَتْ بِنَجَسٍ)(٥). السابعة: (لَيسَتْ بِنَجَسٍ)) - مفتوحَ الجيم -: من معنَى النَّجاسَة، وأصلُهَا القذارةُ، قالَ الله تعالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، ثُمَّ اشتُهرَ في عُرْفِ حَمَلَةِ الشريعةِ فيما يُجْتنَبُ استصحابُهُ في الصلاةِ، (١) انظر: ((مفرادات القرآن)) للراغب (ص: ٤٨٥)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله. (٢) ((ت)): ((لتشرب)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) زيادة من ((المنتقى)) للباجي. (٥) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٦٢). ٤٩٠ ويُعبَّر عن إزالته بالطهارة من الخبث(١). الثامنة: قالَ الراغبُ الأصبهاني: الطَّوْفُ والطَّوَافُ المشيُ حولَ الشيء، ومنه: الطائفُ لمن يطوفُ حولَ البيوت حافظاً، يُقَال: طافَ به يطوف، وقالَ رَّ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، وقالَ تعالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ومنه استُغيرَ الطائفُ من الجزِّ، والخيال، والحادثة وغيرها، قالَ الله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَهُمْ طََبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وقد قرىء: ﴿طَيْفٌ﴾(٢): [وهو خيال الشيء وصورته المُترائي له في المنامِ أو اليقظة](٣)، ومنه قيل للخيال: طَيف، قالَ تعالَى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّنِ زَِّكَ وَهُمْ تَّبِعُونَ﴾ [القلم: ١٩] تعريضاً بما نالهم(٤) من النَّائبةِ، ومنه قولُهُ وَّ: ﴿أَن ◌َّهِرَا بَيْتِىَ لِلَّطَآئِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]؛ أي: لِقُصَّادِهِ الَّذِين يطوفون به، والطَّوَافون في قوله: ﴿لَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] عبارةٌ عن الخدم، وعلَى هذا الوجه قالَ بَّ في (١) في ((الأصل)) و((ب)): ((ويعتبر فيه الطهارة من الخبث))، والمثبت من ((ت)). (٢) هي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب، والكسائي. انظر: («إتحاف فضلاء البشر)) للدمياطي (ص: ٢٩٥). (٣) ما بين معكوفتين ألحق على هامش الأصل إلا أنه مطموس، والمثبت من ((ت)) و ((ب)) . (٤) ((ت)): ((نابهم)). ٤٩١ الهِرَّةِ: ((إِنَّهَا منَ الطَّوافينِ عليكمْ(١) أو الطَّوَافات))(٢). وقال البَغَويُّ رحمة الله عليه في ((شرح السنة)): وقوله: ((إنَّما هيَ مِنَ الطَّوَافين عليكُمْ أو الطَّوَافَاتِ)» يتأوَّلُ علَى وجهين : أحدهما: شبَّهَها بالمماليكِ وبخدم البيت الَّذِين يطوفون عَلَى أهله للخدمة، كقوله تعالَى: ﴿طَوَّفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [النور: ٥٨]؛ يعني: المماليكَ والخدم، وقال إبراهيمُ [النخعي](٣): إنَّما الهِرَّة كبعضٍ أهل البيت، وقولُ ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما: إنَّما هي من متاع البيت(٤). والآخر: شبَّهَها بمَن يطوفُ للحاجة والمسألة، يريدُ أنَّ الأجرَ في مُواساتِها كالأجرِ في مواساة من يطوف للحاجة والمسألة (٥). قُلْتُ: هذا غريبٌ بعيد؛ لأنَّ قوله: ((إنَّهَا منَ الطَّوَافين)) يقتضي التعليلَ لما سبق ذكرُهُ، والَّذِي سبق هو كونُها ليست بنجس، لا ذِكْرُ الأجر. (١) في الأصل و(ب)): زيادة ((بالليل)). (٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٣١). (٣) سقط من ((ت)). (٤) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٥٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٢٨)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (١ / ٣٢٠). قلت: وهذا الوجه قد ذكره أبو عبيد في ((غريب الحديث)) (١ / ٢٧٠ - ٢٧١). (٥) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٢ / ٧٠). ٤٩٢ قالَ القاضي أبو الوليد الباجي: وقوله: ((أوِ الطَّوَافَاتِ)) يُحتمَلُ أنْ يكونَ علَى معنَى الشكِّ من الراوي، ويحتمل أنْ يكونَ النَّبِيُّ ◌َِّ قالَ ذلك، يريد أنَّ هذا الحيوانَ لا يخلو أنْ يكونَ من جملة الذكور الطوافين، أو الإناث الطوافات(١). * الوجه الخامس : إذا حملْنَا (الطَّوَافين) أو (الطّوَافَاتِ) علَى الخدم، كانت (من) للتبعيض، وليست الهِرَّة منهم حقيقة؛ لأنَّ اللَّفظَ [حينئذٍ](٢) يدلُّ عَلَى جمع المذكر العاقل، أو المُؤنثِ العاقل، فيجبُ إمَّا إضمارٌ أو مَجاز، أمَّا الإضمارُ فيُقَدَّرُ أنَّها من شِبْهِ الطوافين، أو مثلٍ الطوافين، أو ما يُقاربُه، وأمَّا المجازُ فأنْ يُطلقَ عليها لفظُ (الخدم) مجازاً. ٤ * الوجه السادس : في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل: الأُولَى: فيهِ جوازُ الدُّخول عَلَى المحارم بسبب الصهر. (١) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٦٢). (٢) سقط من ((ت)). ٤٩٣ الثانية: فيهِ جوازُ الاستعانةِ في أسباب الطهارة، إنْ كَان لفظُ الوَضوء يعتبر فيهِ نسبتُهُ إِلَى الطهارةِ، إمَّا بالفعلِ أو بالصلاحيةِ، وهذا إحدَى(١) الفوائد للبحث الَّذِي حركناه، وهو أنَّ الوَضوءَ - بالفتحِ - للماء من حيثُ هو [هو](٢)، أو يكونُ للماء بقيدِ كونِهِ منسوباً إلَى الوُضوءِ - بالضمِ - الَّذِي يُرادُ به الفعل، وقد ذكرتُ في (شرح العمدة)) فائدةً أُخرَى(٣). الثالثة: إصغاؤُهُ الإناءَ لتسهيلِهِ الشربَ عليها، [و](٤) هو من باب الإحسان إلَى البهائمٍ، وطلبِ الأجرِ في كلِّ كبد رطبة، والتسببِ إليه، وهو [من](٥) دقیقِهِ . الرابعة: هذا الماءُ الَّذِي سكبتْهُ كبشةُ، الظاهرُ أنَّهُ (٦) لها [لثبوتٍ يدها عليه](٧)، وقد سقَى أبو قتادة الهِرَّة، ولمْ يستأذنها، فقيهِ دليلٌ عَلَى جوازِ مثلِ هذا للضيفِ. (١) (ت)): ((أحد)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) تقدم ذكرها عند المسألة الثالثة من الوجه الثالث. (٤) سقط من ((ت)). (٥) سقط من ((ت)). (٦) (ت)): ((أنها)). (٧) سقط من ((ت)). ٤٩٤ الخامسة: فيهِ استعمالُ حسنِ الأدب مع الأكابر؛ لعدم إنكارِهَا علیه فيما تعجّبتْ منه، أو شكَّتْ في جوازِهِ، ويدخلُ فيهِ ما هو من جنسِهِ . السادسة: فيهِ مع ذلك التَّنبيهُ علَى ما يعرِضُ للسائل، ويقعُ في نفسه؛ لتَقَعَ الفائدةُ والعلمُ بما لعلَّهُ يحتاجُ إليه، فإنَّ كبشةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ نظرت نظراً فَهِم مِنْهُ أبو قتادةَ التعجبَ، وإلا فأصلُ النظرِ لا يقتضي فهمَ التعجب. السابعة: فيهِ دليلٌ علَى أنَّ اجتنابَ النَّجاسَة وما يَتَصِلُ بها أمرٌ متقرر في أنفسٍ حملةِ الشرع وأهل الإسلام، وذلك من تعجّبٍ كبشةَ، ومن تقريرِ أبي قتادة علَى التعجبٍ، وجوابُهُ بأنَّها (١) ليست بنجس؛ لأنَّ النجسَ يُجتنبُ. الثامنة: فيهِ سؤالُ العالم عن الحالةِ الَّتِي تُوقع عنده احتمالُ غلطِ الجاهل واعتقادِهِ ما ليسَ بصحيحٍ، ليبيِّنَ أنَّهُ صحيحٌ. التاسعة: فيهِ ذكر الدليلُ مع الحكم، لتحصلَ الثقةُ للجاهلِ به، ويطمئنَّ قلبُهُ إليه، وهكذا ينبغي للمفتي إذا أفتَى بشيء ظهرَ له توقُّفُ المُستفتي فيه، وعدمُ فهمِهِ لعلَّتِهِ، أنْ يذكرَ له الدليلَ لتسكنَ نفسُه، وتنتفي عنه عوارضُ الشكوك، وكذلك الحاكمُ إذا حكم بما لا يظهَرُ (١) في الأصل: ((لأنها))، والتصويب من ((ت)). ٤٩٥ وجهُهُ للمحكوم عليه، وقد ينسبُهُ فيهِ إلَى الظلم، فينبغي أنْ يبينَ [له](١) وجهَهُ(٢). العاشرة: في قوله: ((أتعجبين)) عدولٌ إلَى أحسن العبارتين، وألطفِ المُخاطَبتين؛ [لأنَّهُ لمْ يقلْ: أتنكرين. وإنَّما قلنا: إنَّهُ أحسن المُخاطبتين](٣)؛ لأنَّ قولَه ((أتعجبين)) لا ينافي عدمَ الإنكار، فقد يعجب الإنسان من الشيءٍ ولا ينتهي إلَى أنْ ينكرَه؛ أي: يردّهُ نكراً، وفي قوله: ((أتنكرين)) ما ينافي عدمَ الإنكار، ونسبةُ المُخاطب إلَى الإنكارِ إيحاشُ له؛ لما فيهِ من الحكم بالمُنافرة والمُعاندة، بخلاف نسبتِهِ إلَى التعجبِ. الحادية عشرة: فيه استدلالٌ عَلَى طهارةِ السُؤْرِ، باللَّفِظِ الدالِّ على طهارة الجُملَةِ، فتأمَّلْه. الثانية عشرة: اختلفوا في سُؤرِ الهر(٤)، فالمنقولُ عن أكثر أهل العلم طهارتُهُ، وكَرِهَ أبو حنيفةَ وأبو يوسفَ الوضوءَ من سؤره(٥)، (١) سقط من (ت)). (٢) انظر: ((فتاوى ابن الصلاح)) (١/ ٩٢)، و((قواطع الأدلة في الأصول)) لابن السمعاني (٢ / ٣٥٧). (٣) سقط من ((ت)). (٤) (ت)): ((الهرة)) . (٥) كما تقدم عنهم، وانظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ١٣٧). ٤٩٦ واستُدِلُّ بهذا الحديث علَى الطهارةِ، وأجاب الطَّحاوِيُّ: بأنَّ ذلك يجوز أنْ يكونَ أُريد به كونُها لا تضرُّ مُمَاسَّتُهَا للثياب، فأمّا ولوغُهَا في الإناءِ فليسَ في ذلك دليلٌ علَى أنَّ ذلك يوجبُ النَّجاسَةَ، أو لا، وإنَّما الَّذِي في الحديثِ من ذلك فعلُ أبي قتادة، فلا ينبغي أنْ يُحتجَّ من قول النَّبِيِّ وَِّ بما قد يَحتملُ المعنَى الَّذِي احتَجَّ به فيه، ويَحتملُ غيرَهُ، وقد رأينا الكلابَ، كونُها في المنازلِ غيرُ مكروه، وسؤرُهَا مكروهٌ، فقد يجوزُ أيضاً أنْ يكونَ ما روي عن رسول الله وَّ مما في حديث أبي قتادة، أريدَ به الكونُ في المنازلِ، وليسَ في ذلك دليلٌ علَى حُكْم سؤرها، هلْ هو مكروهٌ، أَمْ لا(١)؟ وهذا من الطَّحاوِيِّ تنبيهٌ علَى أنَّ شربَها من الإناءِ المُتوضَّأ منه ليسَ(٢) مرفوعاً إِلَى النَّبِّ وَ ◌ّرَ في هذا الحديث، وإنَّما هو فعلُ أبي قتادة، وحملٌ مِنهُ للفظِ الرسولِ وَ لَه علَى ما يدخلُ تحتَهُ(٣) هذا الحكمُ، والَّذِي ذكره من احتمالِ قولِ النَّبِيِّ وَِّ لمَا ذَكرَهُ تأويلٌ وتخصيصٌ، والَّذِي احتَجَّ به خصوصيةُ قوله ◌َِّ: ((إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ))، وإذا لمْ تكنْ نَجَساً، كان سؤرُهَا طاهراً. الثالثة عشرة: يُقَال في الشيءِ: إنَّهُ نجسٌ، بمعنَى: نجاسةِ عينِهِ، (١) انظر: ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي (١ / ١٩). (٢) في الأصل: ((وليس))، والمثبت من (ت)). (٣) ((ت): ((تحت)). ٤٩٧ ويُقَال: نَجس، بمعنَى: تَنَجُّسِهَا بما لابسها من النَّجاسَةِ، وإِنْ كَان طاهرَ العينِ، والباجي - رحمه الله تعالَى - ذكرَ أنَّ ظاهرَ قولِهِ وَّ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)» ينفي نجاسةَ العينِ(١). ويمكن أنْ يقرَّرَ هذا الَّذِي ذكره [من الظاهرِ] (٢) بأنَّ الضميرَ في قوله: ((إِنَّهَا)) عائدٌ إلَى الذاتِ، فيعودُ الحكمُ إليها. الرابعة عشرة: إذا كان (النَّجِسُ) مُنطلِقاً علَى نجس العين، و(المُتَنَجِّسُ) بالغيرِ، فيُحتمَلُ أنْ يكونَ من الألفاظِ الَّتِي يُسمِّيها الأصوليون وغيرُهُم: المُشَكَّكَة(٣)؛ لأنَّهُ في نجس العين أَولَى وأقوَى، إذْ لا يمكنُ زوالُهُ عن العينِ بخلاف (المُتنجِّسِ) (٤)، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ إطلاقُهُ علَى المُتنجسِ مَجازاً. الخامسة عشرة: يمكنُ أنْ يَعتذرَ من لا يَرى طهارةَ سؤرِ الهرِّ عن هذا الحديث بحملِهِ على نجاسةِ العينِ، ونفيُ نجاسة العين لا يلزمُ مِنْهُ نفيُ النَّجاسَة بالغيرِ، فإنَّ الظاهرَ من الحيوانِ وغيرِهِ طاهرٌ، وقد ينجسُ (١) انظر: ((المنتقى شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٦٢). (٢) سقط من ((ت)). (٣) ومثال الألفاظ المشككة أيضاً: الفاسق بالنسبة إلى من فعل الكبيرة الواحدة، وبالنسبة إلى فعل الكبائر المتعددة؛ فإن تناوله للثاني بطريق الأولى، وانظر: ((الإبهاج)) للسبكي (١ / ٢٨٧)، و((البحر المحيط)) للزركشي (٣/ ٣٧). (٤) يراد: بخلاف لفظ المتنجس، أما في العبارة التالية فيراد الشيء المتنجس. ٤٩٨ بملابسةِ النَّجاسَة، فلا يلزم من نفي النَّجاسَة عن العينِ نفيُ نجاسةِ السُّؤر، وتكون فائدةُ نفيٍ نجاسةِ العينِ عدمَ الاحتراز عن المُلابسةِ والملامسة. ويُجاب عنه بعدَ أنْ يقرّرَ أنَّ ظاهرَ قوله: (لَيْسَتْ بِنَجَسٍ)) نفيُ النَّجاسَة عن كلُّها، فيدخل فيهِ سؤرها، وإذا دخل فيهِ سؤرها لمْ يمكنْ حملُ نفي النَّجاسَة علَى نجاسة العين؛ لأنَّ نفيَ نجاسةِ سؤرها بعينه - مع الحكم بتنجيسه ـ لا يَصِحُّ تعليلُهُ بالطَّوْفِ(١)، فإنَّهُ إذا انتفتِ النَّجاسَةُ عن ذاتها لمْ يناسبِ الحكمَ بعدم نجاستها التعليلُ بالطوفِ [مع الحكم بتنجيس السؤر](٢)، فإنَّ العلةَ حينئذٍ هي الطهارة، وما كان طاهرَ العين مِن غيرِ ورود نجاسة عليه لا يعلَّلُ بالطوفِ، وإنَّما المُناسبُ للتعليل بالطوفِ رفعُ الحرج في الاحترازِ عنه، مع أنَّ ظاهرَ اللَّفظ يقتضي تعليلَ العفو بالطوفِ(٣)، [ثم فيه نظر] (٤). السادسة عشرة: إذا أكلتِ الهرَّةُ فأرةً، ووَلَغت في ماء قليل، (١) يستعمل المؤلف لفظ ((الطوف)) حيناً، و((الطواف)) حيناً آخر، وهما بمعنى واحد، كما تقدم عن الراغب . (٢) سقط من ((ت)). (٣) ((ت)): ((المعفو)). (٤) زيادة من ((ت)). ٤٩٩ ولمْ تَغِبْ، ففي تنجيسه(١) وجهان للشافعية والحنبلية رحمهم الله تعالَى ، ويُستدَلُّ للعفو بالتعليلِ المذكور في الحديثِ، وكذلك إنْ غابَتْ، [ثم](٢) وردت، ففيهِ خلافٌ دونَ الأول في الرتبةِ، علَى نزاع يقعُ في هذه الرتبة، فإنَّ الهِرَّةَ عندَ الغَيبةِ لا تَكْرَعُ في الماءِ، بل تجذِبُهُ بلسانها، فلا يطهر(٣). السابعة عشرة: ألحقَ الحنابلةُ بالسِّنورِ ما دونَهُ في الخِلْقةِ كالفأرِ وابن عُرْسٍ، قالَ الخِرَقِيُّ منهم: ولا يُتَوَضَّأُ بسؤرِ كلِّ بهيمةٍ لا يُؤْكَلُ لحمُها، إلا السنور، وما دونها في الخلقةِ (٤). واعتبارُ الخلقةِ هاهُنا أجنبيٌّ عن مقتضَى التعليل بالطّوفِ، وإنَّما المُعتبرُ العلةُ المذكورة، فحيثُ وُجِدَت ثبتَ الحکمُ. الثامنة عشرة: قد يستدِلُّ به مَن يرَى أن أَسْآَرَ السِّبَاعِ الَّتِي تشارك الهرَّ في استعمالِ النَّجاسَةِ ليست بطاهرة، ووجهه: أنَّ التعليلَ هاهنا بالطوافِ تعليلٌ بالمانع؛ لأنَّ المشقةَ اللاحقةَ بسبب الطَّوفِ مانعةٌ من الحكم بالنَّجاسَة، والتعليلُ بالمانع يستدعي قيامَ المُقتَضِي، فيكون (١) (ت)): ((تنجسه). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) انظر: ((المجموع شرح المهذب)) للنووي (١/ ٢٢٦)، و((الفروع)) لابن مفلح (١ / ٢٢١) . (٤) انظر: ((مختصر الخرقي)) (ص: ١٥)، و((المغني)) لابن قدامة (١ / ٤٣). ٥٠٠