Indexed OCR Text

Pages 341-360

قلت: وكان ابنُ سيرينَ إماماً من أئمة المسلمين، وصدراً في(١)
علماء التابعين، ورأساً في أعمال المُتورِّعين، وعَلَماً في سِيمَاءِ الصالحين،
وعجباً في طبقات المُعَبِّرين(٢).
قال أبو عَوَانة(٣): رأيتُ ابنَ سيرينَ دخلَ السوق، فما رآه(٤) أحدٌ
إلا ذكرَ الله(٥).
وقال سَوَّار: الحسنُ وابنُ سيرين سيدا أهلِ البصرةِ، رَضِيَ مَنْ
رَضِي، وسَخِطَ من سَخِط (٦).
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة في ((تاريخه)) عن بكر بن عبد الله
قال: مَنْ سرَّهُ أنْ ينظرَ إلى أورع مَنْ أدركنا في زماننا، فلينظرْ إلى
محمَّدٍ بن سيرين، إنَّهُ لَيَدعُ بعضَ الحلالِ تأثّماً(٧) .
وعن عاصمٍ قال: سمعت مُوَرِّقاً يقول: ما رأيتُ(٨) أورعَ مِن
(١) ((ت)): ((من)).
(٢) ((ت)): ((العابرين)).
(٣) ((ت)): ((ابن عون)).
(٤) ((ت)): (يراه) .
(٥) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)» (٢/ ٢٧٢)، والخطيب البغدادي في ((تاريخ
بغداد)» (٥/ ٣٣٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١١/٥٣).
(٦) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣ / ١٩١).
(٧) رواه الإمام أحمد في ((الزهد)) (ص: ٣٠٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(٥٣ / ٢٠٣).
(٨) (ت)): ((سمعت)).
٣٤١

فقيهٍ، ولا أفقهَ من ورعٍ من محمَّدٍ بن سيرين(١).
[وعن أيوبَ قال: ذُكِرَ يوماً عند أبي قِلابةَ محمَّدُ بن سیرین،
قال: وأيُّنا يطيقُ ما يطيقه، يركبُ في مثل حدِّ السِّنَان(٢).
وقال ابن عَون: كان ابنُ سيرين](٣) من أرجى الناس لهذه الأمة،
وأشدِّهم إزراءاً على نفسه(٤).
[و](٥) قال ابنُ أبي خيثمةَ: ثنا هارون بن معروف، ثنا ضَمْرة،
عن السَّرِي بن يحيى قال: تركَ ابنُ سيرينَ ربحَ أربعين ألفاً، قال:
فسمعتُ سليمانَ التيمي يقول: ما نعلمُ أحداً من أهل العلم شكَّ
فیھا(٦).
وعن هشام، عن ابن سيرين: أنه اشترى بيعاً، وأشرف فيه
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥١٤٩)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى))
(٧/ ١٩٨)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢ / ٢٦٦)، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)» (٥/ ٣٣٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣ / ١٩٥)، وغيرهم.
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٧/ ١٩٨)، والبخاري في ((التاريخ الكبير))
(١/ ٩١)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢/ ٢٦٧)، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)» (٥/ ٣٣٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣/ ١٧٥).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٦٨٤)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٥/ ٣٣٥)،
وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣ / ٢٠٦).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) رواه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (٢/ ٣٩)، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (٢/ ٢٦٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣/ ٢٢٩).
٣٤٢

على ثمانين ألفاً، فعرض في قلبه منه شيء، فتركه، قال هشام: والله
ما هو بِرِبًا(١)(٢).
وروى أحمد بن حنبل قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري،
ثنا الأشعث قال: كان محمَّدُ بن سيرين إذا سئل عن شيء من الفقهِ
الحلالِ والحرام، تغيَّر لونُهُ وتبدَّل، حتى كَأَنَّه ليسَ بالذي كان(٣).
وعن ابن عون قال: كان لابن سيرين منازلُ لا يُكريها إلا من أهل
الدِّمة، فقيل له في ذلك، فقال: إذا جاء رأسُ الشهر رُعْتُه، وأكره أنْ
أُروِّعَ مسلماً(٤).
وعن الفضيل بن عياض قال: قال الحسن: إنَّما هي طاعةُ الله أو
النارُ، وقال ابنُ سيرين: إنَّما هي رحمةُ الله أو النَّارُ(٥).
وعن حماد بن زيد، عن أنس بن سیرین قال: کان لمحمّد بن سیرین
سبعةُ أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيءٌ قرأها من النهار (٦) .
(١) (ت)): ((رياء)).
(٢) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٧/ ١٩٩)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))
(٢/ ٢٦٦)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٢/ ٣٤٦)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق» (٥٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) رواه يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) (٢/ ٣٧)، وأبو نعيم في ((حلية
الأولياء)) (٢/ ٢٦٤)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣/ ١٩٩)، من طريق
الإمام أحمد، به.
(٤) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢ / ٢٦٨).
(٥) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٢/ ٢٧٠).
(٦) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٧/ ٢٠٠)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء)) =
٣٤٣

وعن [ابن](١) شَوذبٍ قال: كان ابنُ سيرين يطوي يوماً ويفطر(٢)
يوماً، وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدَّى، ولا يتعشَّى، ثم يتسخّر،
ويصبحُ صائماً(٣).
وعن أمِّ عباد امرأةٍ هشام بن حسان قالت(٤): كنّا نُزُولاً مع محمَّدٍ
ابن سيرين في داره، فكنا نسمع بكاءَه بالليل، وضَحِكَه بالنهار(٥).
وعن زهيرِ الأَقْطَع [قال](٦): كان محمّد بن سيرين إذا ذَكَرَ الموتَ،
ماتَ كلُّ عضوٍ منه على حِدَتِهِ(٧).
وكانت وفاةُ ابن سيرين - رحمه الله تعالى - على ما ذكر الواقديُّ
سنةَ عشر ومئة، بعدَ الحسنِ بمئة يومٍ، وقيل: بينهما تسعة وتسعون
يوماً، مات الحسنُ في رجب، ومات ابنُّ سيرين في ذي القعدة، وإنَّهُ
دُفِن كلُّ واحدٍ منهما في يوم الجمعة، وقيل: مات ابنُ سيرين في شؤَّال.
= (٢/ ٢٧١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٠/٥٣).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) (ب)): ((ويصوم)).
(٣). رواه عبد الله بن الإمام أحمد في ((زوائد الزهد)) (ص: ٣٠٧)، ومن طريقه: أبو
نعيم في «حلية الأولياء)» (٢/ ٢٧٢).
(٤) ((ت)): ((قال)).
(٥) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢/ ٢٧٢)، والخطيب في ((تاريخ بغداد))
(٥/ ٣٣٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٠٩/٥٣).
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٢/ ٢٧٢)، والبيهقي في ((الزهد الكبير))
(٢/ ٢١٨)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢١٨/٥٣).
٣٤٤

أسندَ عن عدَّة من الصحابة، منهم: أبو هُريرَةَ، وأبو سعيد
الخُدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعِمْران بن الحُصَين،
وأبو بَكْرة، وأنس بن مالك، وجماعة، قاله أبو نعيم(١).
وأمَّا أبو صالح: فهو ذَكْوان السَّمَّان، ويقال أيضاً: الزيَّات،
وكان يجلبهما (٢) إلى الكوفة، يقال: مولى جُوَيرية بنت الحارث امرأةٍ
قيسٍ الغَطَفاني، ويقال: مولى لعبد الله بن غَطَفَان(٣)، وهو والد(٤)
سُهَيل، سكنَ الكوفةَ، أحدُ المشاهير من رواة التابعين، والمعتمد
عليهم في الرواية والحديث، أخرج الجماعةُ كلُّهم حديثَه، وأخرج
الشيخان روايتَهُ عن أبي هُريرَةَ وأبي سعيد، وأخرجا روايةَ عبد الله بن
(١) * مصادر الترجمة :
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ١٩٣)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (١ / ٩٠)،
((المعارف)) لابن قتيبة (ص: ٤٤٢)، ((الثقات)) لابن حبان (٥ / ٣٤٨)، ((حلية
الأولياء)) لأبي نعيم (٢/ ٢٦٣)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٥ / ٣٣١)، ((التعديل
والتجريح)) للباجي (٢ / ٦٧٦)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٥٣/ ١٧٢)،
((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (٣/ ٢٤١)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي
(١/ ٩٩)، ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤ / ١٨١)، ((تهذيب الكمال)) للمزي
(٢٥/ ٣٤٤)، ((سير أعلام النبلاء)) (٤ / ٦٠٦)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي
(١/ ٧٧)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٩ / ١٩٠).
(٢) في الأصل: ((يجلبها))، و((ت)): ((لجلبه لهما))، والمثبت من (ب)).
(٣) في الأصل و(ب)): ((عفان))، و((ت)): ((عثمان))، والتصويب من مراجع ترجمته.
(٤) (ت): ((ولد)).
٣٤٥

دينار، وأبي حُصَين، وسُمَي، والأعمش، وعمرو بن دينار، وحُمَيد
ابن هلال، وعطاء بن أبي رباح، عنه.
قال عمرو بن علي: مات أبو صالح ذكوان سنة إحدى ومئة (١).
وأما أبو رَزِين: فهو مسعود بن مالك الكوفي الأسدي، قيل:
مولى أبي وائل شَقيق بن سَلَمة، انفردَ مسلمٌ بإخراج روايته هذه مقروناً
بأبي صالح.
روى عنه: الأعمش، وإسماعيل بن سُميع، قال ابن أبي حاتم (٢)
رحمه الله تعالى: روى عن عليٍّ، وابن مسعود، وأبي هُريرَةَ، وابن
عبَّاس، يقال: إنَّه شهد صفينَ مع عليٍّ ◌ُه.
وقال أيضاً: سئل أبو زرعةً عن أبي رزين، فقال: اسمه مسعود،
كوفي، ثِقَةٌ.
وذكر البخاري، عن عليٍّ بن المديني، قال يحيى القطَّان: وكان
شعبةُ ينكرُ أنْ يكونَ أبو رزين سمعَ [من](٣) ابن مسعود (٤).
(١) * مصادر الترجمة:
((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣/ ٢٦٠)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(٣/ ٤٥٠)، ((الثقات)) لابن حبان (٤/ ٢٢١)، ((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي (٢ / ٥٢٤)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٨/ ٥١٣)، ((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (٥/ ٣٦).
(٢) ((ت)): ((حامد)» .
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) * مصادر الترجمة :
(الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦/ ١٨٠)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٧ / ٤٢٣)، =
٣٤٦

وأما الأعمش: فهو أبو محمَّدٍ، سليمانُ بن مَهرانَ الكاهِلِيُّ
مولاهم، الكوفيُّ، يقال: أصلُه من طَبَرستانَ من قريةٍ يقال لها:
دباوند(١)، جاء به أبوه إلى الكوفة، فاشتراه [رجلٌ](٢) من بني كاهلٍ من
بني أسد، فأعتقه.
رأى أنس بن مالك، وأخرج الشيخان روايتَهُ عن أبي صالح،
وأبي وائل، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، ومسلم البَطِين، والشعبي،
وسعيد بن جبير، وزيد بن وهب. وأخرج مسلمٌ روايته عن جماعةٍ غيرِ
هؤلاء. وأخرجا أيضاً رواية شعبةَ، والثوري، [وابن عُيينة](٣)، وأبي
معاوية، وأبي عوانة، وجرير، وحفص بن غياث عنه، وأخرج مسلمٌ
رواية جماعة غیر هؤلاء عنه.
قالَ عمرو بن عليٍّ: ولد عمرُ(٤) بن عبد العزيز مقتلَ الحسين بن
عليٍّ سنةَ إحدى وستين، وولد معه الأعمش(٥)، ومات سنةَ ثمانٍ
= ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٨/ ٢٨٢)، ((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي (٢ / ٥١٤)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٢٧/ ٤٧٧)، ((الكاشف)» للذهبي
(٢/ ٢٥٧)، ((الإصابة في تمييز الصحابة)) (٧/ ١٥٠)، ((تهذيب التهذيب))
كلاهما لابن حجر (١٠ / ١٠٦).
(١) في الأصل. و(ب)): ((دياوند))، و(ت)) ((دناوند))، والتصويب من ((معجم البلدان))
لياقوت (٢ / ٤٣٦)، ودباوند: كورة من كور الري، بينها وبين طبرستان.
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((ابنُ عمر))، والمثبت من ((ت))، و(ب)).
(٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣٥/٢٥).
٣٤٧

وأربعين ومئة (١).
وللأعمشِ - رحمه الله تعالى - مع المحدِّثين حكاياتٌ عجيبة،
ونوادرُ غريبة، وكان أحدَ القرَّاء المجوِّدين، والحفَّظ المُعتَبرين،
معدوداً في طبقات النُّسَّاك العاملين(٢).
وعن مبشر بن عبيد عنه، أنه قال: قرأتُ القرآن على يحيى بن
وثَّاب، وقرأَ يحيى على علقمةَ أو مسروقٍ، وقرأ هو على عبدِ الله بن
مسعود، وقرأ ابنُ مسعود على رسول الله وَيَ(٣).
وروى أحمد بن حنبل قال: ثنا أبو نعيم قال: سمعت الأعمش
يقول: كانوا يقرؤون القرآنَ على يحيى بن وثَّاب، وأنا جالس، فلمَّا
ماتَ، أحدَقُوا بي(٤).
وعن داود، عن الأعمش قال: قال حبيبُ بن أبي ثابت: أهلُ
الحجاز و(٥) أهلُ مكة أعلمُ بالمناسك، قلت له: فأنتَ عنهم، وأنا عن
أصحابي، لا تأتي(٦) بحرفٍ إلا جئتك فيه بحديث(٧).
(١) انظر: ((رجال صحيح مسلم)) لابن منجويه (١ / ٢٦٥).
(٢) ((ت)): ((العابدين)).
(٣) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥ / ٤٦).
(٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في ((العلل)) (٢/ ٢٠١)، ومن طريقه: أبو نعيم في
((حلية الأولياء)) (٥/ ٤٦)، وأبو الشيخ في ((طبقات المحدثين بأصبهان))
(١/ ٣٥٧ -٣٥٨).
(٥) ((ت)): ((أو)).
(٦) في الأصل و((ت)): ((تأتيني))، والمثبت من (ب)).
(٧) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥ / ٤٧).
٣٤٨

وعن زياد بن أيُّوب قال: سمعت هُشَيماً يقول: ما رأيتُ بالكوفة
أحداً أقرأَ لكتاب الله تعالى، ولا أجودَ حديثاً من الأعمش(١).
وعن عيسى بن يُونسَ قال: ما رأينا في زماننا مثلَ الأعمش،
ولا الطبقةِ الذين كانوا قبلَنا، ما رأيتُ الأغنياءَ والسلاطينَ في مجلسٍ
قطُّ أحقرَ منهم في مجلسِ الأعمش، وهو مُحتاجٌ إلى درهم(٢).
وعن سفيانَ، عن عاصم قال: كان القاسمُ بنُ عبدِ الرحمنِ يقول:
ليس أحدٌ أعلمَ بحديث عبدِ الله من الأعمش(٣).
وعن محمَّد بن خَلَف قال: سمعت ضرارَ بن صُرَدٍ يقول: سمعت
شَرِيكاً يقول: ما كان هذا العلمُ إلا في العرب، وأشراف الملوك، فقال
له رجلٌ من جلسائه: وأيُّ نُبُلِ (٤) كان للأعمش، قال شريك: أما لو رأيت
الأعمش ومعه لحم يحمله، وسفيان الثوري عن يمينه، وشريك عن
يساره، ينازعه حملَ اللحم، لعلمت أنَّ ثَمَّ نُبُلاً(٥) كثيراً(٦).
وعن عبد الرزاق قال: أخبرني بعضُ أصحابنا: أنَّ الأعمش قام
(١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٥/ ٥٠).
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥ / ٤٧).
(٣) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٥/ ٤٨).
(٤) في الأصل و(ب)): ((وإن نيل))، و((ت)): ((وأيُّ نَيَّل))، والصواب ما أثبت، والله
أعلم.
(٥) ((ت)): ((نيلاً)).
(٦) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥ /٤٨).
٣٤٩

من النوم لحاجته، فلم يجدْ ماءً، فوضع يده على الجدار فتيمَّم، ثمَّ
قام، فقيل له في ذلك، فقال: [أخافُ](١) أن أموتَ على غير وضوء،
قال عبد الرزاق: وربَّما فعله معمرٌ(٢).
وعن محمود بن غيلان قال: قال وكيع: كان الأعمش(٣) قريباً من
[سبعين سنة، لم تَفُتُّهُ التكبيرةُ الأولى، واختلفتُ إليه قريباً من](٤) سنتين،
فما رأيتُهُ يقضي ركعة (٥).
وعن إبراهيم بن عَرْعرة قال: سمعت يحيى القطَّان إذا ذكرَ الأعمشَ
قال: كان من النُّسُّاك، وكان مُحافظاً على الصلاة في الجماعة، وعلى
الصَّفِّ الأول(٦).
وعن أبي بكر بن عيَّاش - رحمه الله تعالى - قال: دخلتُ على
الأعمش في مرضِهِ الذي تُوفِّيَ فيه، فقلتُ: أدعو لكَ الطبيبَ؟ فقال:
ما أصنعُ به؟! فواللهِ لو كانت نفسي في يدي لطرحتُها في الحُشِّ(٧)،
(١) سقط من ((ت)).
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥/ ٤٩).
(٣) ((ت)): ((للأعمش)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥/ ٤٩)، والخطيب في («تاريخ بغداد)) (٨/٩ -٩)،
ووقع في المطبوع عندهما: ((ستين)) بدل ((سنتين))، وفيه نظر.
(٦) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٥/ ٥٠)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨/٩).
(٧) الحُشِّ، مثلثة: المخرَجُ؛ لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. انظر:
((القاموس المحيط)) للفيروز آبادي (ص: ٧٦١).
٣٥٠

إذا أنا متُّ فلا تُؤْذِنْ(١) بي أحداً، واذهبْ واطرحني في لَحدي(٢).
وكانت وفاتُهُ كما قدَّمنا، وقال أبو نعيم الأصبهاني الحافظُ: تُوفِّي
ابنُ عمر، وقُتِلَ ابنُ الزبير، وللأعمشِ ثلاثَ عشرة (٣) سنة (٤).
وأما عليُّ بن مُسْهِرٍ - بضم الميم، وسكون(٥) [السين](٦)
[المهملة](٧)، وكسر الهاء -: فهو أبو الحسن، عليُّ بن مُسهِر الكوفي،
قاضي الموصل، أخو عبد الرحمن بن مُسهِر، اتَّفق الجماعةُ على
إخراج حديثه.
وقال أحمدُ بن حنبل: صالحُ الحديث، هو أثبتُ من أبي معاويةَ
الضريرِ.
وقال أحمدُ بن عبد الله: وكان ممَّن جمعَ الحديثَ والفقه، ثِقةٌ.
(١) ((ت)) ((تُؤْذِنَّ)) .
(٢) رواه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٥ / ٥١).
(٣) في الأصل و((ب)): ((ثلاث وستون))، والمثبت من (ت)).
(٤) * مصادر الترجمة :
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦/ ٣٤٢)، ((حلية الأولياء)) (٥/ ٤٦)، ((تاريخ
بغداد)» (٩/ ٣)، ((رجال صحيح مسلم)) لابن منجويه (١ / ٢٦٤)، ((صفة
الصفوة)) لابن الجوزي (٣/ ١١٧)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٢ / ٧٦)،
((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢/ ٤٠٠)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(٦/ ٢٢٦)، ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤ / ١٩٥).
(٥) ((ت)): ((وإسكان)).
(٦) سقط من ((ب)).
(٧) سقط من ((ت)).
٣٥١

وقال أبو زُرعةَ: صدوقٌ، ثِقَةٌ.
وقال يحيى بن معين في رواية: ثِقَةٌ .
قال ابنُ مَنْجَويه: مات سنة تسع وثمانين ومئة، والله أعلم(١).
* الوجه الثاني :
ذكرُه لمحمَّدٍ بن سيرينَ فائدتُه أنَّ التتريبَ في غسل الإناء من
حديث أبي هُرِيرَةَ راجعٌ إلى روايته، وذكرُه لعليٍّ بن مُسهِر فائدته أنَّ
الأمرَ بالإراقة مُستنِدٌ إلی روايته.
واقتصرَ على رواية محمَّد بن سيرين؛ لما فيها من الأمر بغسل
الإناء سبعاً مع زيادة التتريب، واستغنَى بها عن الروايات التي ليس
[فيها](٢) ذكرُ التتريب، بل الأمرُ بالغسل سبعاً لا غيرَ.
[وقوله: ((وفي رواية علي بن مُسْهِر)) إلى آخره، يريد به أنه عند
مسلم] (٣).
(١) * مصادر الترجمة :
(الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦ / ٣٨٨)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم
(٦/ ٢٠٤)، ((رجال صحيح مسلم)) لابن منجويه (٢ / ٥٨)، ((التعديل والتجريح))
للباجي (٣/ ٩٦١)، ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١/ ٣٢١)، ((تهذيب
الكمال)» للمزي (٢١ / ١٣٥)، ((سير أعلام النبلاء» للذهبي (٨ / ٤٨٤)، ((تهذيب
التهذيب» لابن حجر (٧ / ٣٣٥).
(٢) زيادة من ((ت)) و(ب)).
(٣) زيادة من ((ت)) و((ب)).
٣٥٢

* الوجه الثالث: في تصحيحه:
وقد ذكرنا أنَّ مُسلماً - رحمه الله تعالى - أخرجه، وهو من أفراده
عن البخاري بهذا اللفظ من هذا الوجه، وكذلك حديثُ عليٍّ بن مُسِهِر
من أفراده أيضاً.
* الوجه الرابع: في شيء من مفردات ألفاظه(١)، وفيه مسائل:
الأولى: الطَّهور: بفتح الطاء هو المُطَهِّر، ويضمها الفعل، هذا
هو المشهور، وقد تقدَّمَ في الحديث الأول(٢) الاستدلالُ به على أنَّ
الطُّھور هو المطهّر.
الثانية: وَلَغَ الكلبُ في الإناء، يَلَغُ - بفتح اللام في الماضي
والمستقبل جميعاً - وُلوغاً: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، ويَولَغُ: إذا
أولغَهُ صاحبُهُ، قال الشَّاعر [من المديد]:
مَا مَرَّ يَوْمٌ إلا وعِنْدَهُمَا(٣)
لَحْمُ رِجَالٍ، أَوْ يُؤْلَغَانِ دَمَا (٤)
(١) ((ب)): ((في شيء من مفرداته)).
(٢) ((ت): ((أول الحديث)).
(٣) في الأصل و(ب)): ((وعندهم))، والمثبت من ((ت)).
(٤) هذا البيت في وصف شبلين، نسبه الجوهري لأبي زُبيد الطائي، ونسبه الأزهري
لابن الرُّقيَّات، انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (٨/ ٤٦٠)، وانظر: ((الصحاح))
للجوهري (٤ / ١٣٢٩)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله .
٣٥٣

الثالثة: حكَى أبو زيدٍ: وَلَغَ الكلبُ شرابَنا (١)، وفي شرابنا،
ويقال: ليسَ [في](٢) شيءٍ من الطيورِ [ما](٣) يَلْغَ غيرُ الذباب (٤).
ورأيت عن القاضي أبي بكر بن العربي: الؤُلوغ للسِّباع والكلاب
كالشُّرب لبني آدم، وقد يُستعمَلُ الشرب للسباع، ولا يستعمل الولوغ
في الآدمي(٥) قال: وقال أبو عبيد: الؤُلوغ - بضم الواو -: إذا شَرِب،
فإن كَثُرَ ذلك فهو بفتح الواو(٦).
* الوجه الخامس :
[و](٧) إنَّما كانت اللامُ مفتوحةً في الماضي والمستقبل لحرف
الحلق، وهي(٨) الغين، والثلاثيُّ من الأفعال إذا كان صحيحَ العينِ
واللام غيرَ مضاعفٍ على (فَعَل) - بفتح العين في الماضي -، وكانت
العينُ و(٩) اللامُ حرفَ حلق، فإنَّ الأكثرَ فيه (يفعَل) - بفتح العين في
(١) في ((الصحاح)) للجوهري، وعنه نقل المؤلف رحمه الله زيادة: ((ومن شرابنا)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ / ١٣٢٩ - ١٣٣٠).
(٥) (ت)): ((للآدمي)).
(٦) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١٣٤/١).
(٧) سقط من ((ت)).
(٨) (ت)): ((وهو)).
(٩) (ت)): ((أو)).
٣٥٤

المستقبل - نحوَ: (ذهب: يذهَب)، (ذبح: يذْبَح)، وقد يَجيءُ على
الأصل(١).
وكذلك إذا كان معتلّ اللام، وكانت العينُ حرفَ حلق، فإنه يكثرُ(٢)
(يفعَل) - بفتح العين - نحو: (سعی: يسعَى)، (مَحَى: یمحَى)(٣)،
[و (شَأَى، يشْأَى)](٤)(٥).
وإن(٦) لم تكن العينُ حرفَ حلق، كان مضارعُه (يفِعِل) بكسر
العين، إن(٧) كانت اللامُ ياءً، [و(يفعُل) بضم العين، إن كانت اللامُ
واواً.
أمَّا ما كان معتلّ العينِ، فمضارعُهُ (يفِعِل) بكسر العين، إن كانت
العينُ ياءَ كـ(باع: يبيع)](٨)، و(يفعُل) بضم العين، إن كانت واواً
(١) أي: بالضم أو الكسر.
(٢) ((ت)): ((الأكثر فیه)).
(٣) يقالُ: محاه يمحوه ويمحيه ويمحاه: أزال أثره. انظر: ((القاموس المحيط))
للفيروزآبادي (ص: ١٧١٨).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) قال المبرد معللاً هذه الظاهرة في ((المقتضب)) (٢/ ١١١): واعلم أن حروف
الحلق إذا وقعت من فعل المفتوح في موضع العين أو اللام جاء فيه يفعَل بالفتح؛
وذلك لأن حروف الحلق من حيز الألف، والفتحة منها، وإن كان حرف الحلق
في موضع العين من الفعل انفتحت العين ليكون العامل من وجه واحد.
(٦) ((ت)): ((فإن)).
(٧) (ت): ((إذا)).
(٨) سقط من ((ت)).
٣٥٥

كـ (ضاع: يضوع)(١)، ولا يُنظَر إلى كون اللام حرفَ حلقٍ هنا (٢).
وكذلك إنْ [تضاعفًا كَثُر في مضارعه](٣) (يفِعِل) بكسر العين، إن
كان غيرَ مُتَعَدٍّ، و(يفعُل) بضمها، إن كان مُتعدِّياً، فلا نظرَ(٤) هاهنا إلى
کونِ اللام حرف الحلق إلا ما شدَّ.
الوجه السادس :
قوله وَل﴿: ((إذَا وَلَغَ [الكلب](٥)) يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكونَ فيه حذفٌ على أن يكونَ المرادُ: إذا ولغ في
الشيء الذي في الإناء.
والثاني: أن لا يكونَ فيه حذفٌ؛ لأنه إذا وَلَغْ في ماءٍ(٦) في الإناء
فقد ولغ في الإناء، وكان (٧) الإناءُ ظرفاً لولوغه.
[و](٨) أما الروايةُ التي فيها: «إِذَا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم،
فلْيُرقْه)) :
(١) (ت)): ((صاغ يصوغ)).
(٢) ((ت)): ((هاهنا)).
(٣) ((ت): ((إن كان مضاعفاً كـ: شدَّ، فمضارعه)).
(٤) (ت)): ((ولا ينظر)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((فيما)) بدل ((فى ماء)).
(٧) (ت)): ((فكان)).
(٨) سقط من ((ت)).
٣٥٦

فإِنْ أُضمِرَ عند قوله وَّهِ: ((في [الإناء](١)» على أن يُقدَّر: في
شراب إناء أحدكم، أو في مظروف إناء أحدكم، استُغْنِي عن الإضمار
في قوله ◌ٍَّ: «فلْيُرِقْه)).
وإن لم يُضمَرْ أولاً، فلا بُدَّ من الإضمار آخراً، وليكن التقدير:
فليرقْ شرابَه، أو مظروفَه، أو ما ولغ فيه، أو أشباه ذلك.
ويرجِّحُ الثاني بأنا (٢) إذا أضمرنا: فليرق شرابه، أو ما يقاربُ ذلك،
كان الضميرُ للإناء، وقولُه: ((ثم لْيغسِلْهُ)) الضمير فيه للإناء، فتتحدُّ
الضمائر ولا تختلفُ، وإذا أضمرنا: إذا ولغ في شراب [إناء](٣) أحدكم،
كان الضميرُ في قوله: ((فليرقُهُ)) للشراب، والضمير في «ثم ليغسلُّهُ»
للإناء، فتختلف الضمائرُ مع المجاورة في اللفظ، وغيرُهُ أولى منه(٤).
* الوجه السابع(٥):
قوله ◌َّه: ((أُوْلاهُنَّ»، وفي رواية: ((أُخْرَاهُنَ))(٦)، الذي يُفهَم منه:
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل ((بإناء))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) قلت: اتفاق الضمائر أولى من اختلافها، ولكن اختلافها غير ممتنع، قال ابن
عاشور في ((التحرير والتنوير)) (١٦ / ٨٠): ولا ضير في ذلك إذا كان السياق
يُرجِعُ كلاً إلى ما يناسبه.
(٥) سقط الوجه السابع كاملاً من ((ت)).
(٦) تقدم تخريجها عند الترمذي برقم (٩١).
٣٥٧

أنَّ المرادَ بالأولى المبتدأ بها، وبالأُخرى المختتمَ بها، وفيه نزاعٌ:
وهو أنَّ (الأخرى) تأنيث (آخَر) بفتح الخاء، وأنَّ ذلك لا يدلُّ إلا على
المغايرة لا على الانتهاءِ.
قال ابنُ مالك رحمه الله تعالى: الفرق بين (آخِرَة) و(أُخْرَى)، أن
التي هي أنثى لا تدلُّ على انتهاء، كما لا يدل عليه مُذَكَّرُها، فلذلك
تعطف عليهما مثلَهما من صنف واحد، كقولك: عندي رجلٌ
وآخرُ وآخرُ، وعندي امرأةٌ وأخرى وأخرى، وليس كذلك (آخِرة)، بل
تدلُّ على الانتهاء، كما يدلُّ عليه مذكرها، وكذلك لا تعطفُ عليهما
مثلَهما من صنف واحد، فلا يقال: جاء زيدٌ أوَّلٌ، وعمرو آخِرٌ، ورجل
آخِرٌ.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمه الله تعالى: لا يقال:
العشرُ الأُخَر؛ لأنَّ (الأُخر) جمع (أُخرى)، و(أخرى) تأنيث (آخَر)،
ومدلولُهُ وصفٌ لمُغايرٍ لمتقدِّم ذكرُه، وإن كان متقدماً في الوجود،
وكذلك مؤنَّتُه ومجموعُه، ونُسِيت(١) دلالته على المتأخِّر في الوجود،
حتى صارت نسياً منسياً، فتقول: مررت بزيدٍ ورجلٍ آخَر، فلا يفهمُ
من ذلك إلا وصفُه لمغاير لمتقدِّم ذکرُه وهو (زيد)، حتى صار معناه
أحدَ الشيئين، ولا يُفهَم من ذلك كونُهُ متأخراً وجوداً، ومن ثَمَّ لم
يقولوا: ربيع الآخَر، ولا جمادى الأُخرى، لعلمهم بانتفاء دلالة ذلك
(١) في الأصل: ((وليست)).
٣٥٨

على مقصودهم؛ لأنَّ المقصودَ التأخر الوجودي، فعدلوا إلى ربيع
الآخِر - بكسر الخاء - وإلى جمادى الآخرة، حتى تحصل الدلالة على
مقصودهم في التأخر الوجودي(١).
* الوجه الثامن(٢): في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: استُدلَّ بلفظة: (طَهور) على نجاسة سُؤْرِ الكلب، من
حيث إن لفظة (طهور) تُستعمل إما عن حدَثٍ، أو [عن](٣) خَبَثٍ،
ولا حدثَ على الإناء بالضرورة، فيتعيَّنُ(٤) الخبثُ.
واعتُرِض على هذا: بمنع الحصر، فإن التيقُم قد أُطلق عليه
الطّهور، وليسَ عن حدث ولا خبث، إذ ليسَ يرفع الحدث، فكان
لإباحة الاستعمال، وفي الإناء كذلك يمنعُ من استعماله قبلَ غسله،
فيُطلَق عليه (طَهور)، كما يطلق على التيمُّم.
وأجيبَ عن هذا الاعتراض: بأنَّ التيمَّم من(٥) حدث، ولا يلزم
كونُهُ عن حدث، أنْ يكونَ رافعاً للحدث.
(١) وانظر: ((الأمالي النحوية)) لابن الحاجب (١/ ١١٦) و((الإيضاح في شرح
المفصل)) له أيضاً (١ / ٥٢١).
(٢) ((ت)): ((السابع)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) ((ت): ((فتعين)).
(٥) ((ت): ((عن).
٣٥٩

ولِقائِلِ أنْ يقولَ: لفظة (طهور)؛ إمّا أن يلازِمَها معنى التطهير،
[أو لا](١):
فإنْ لم يلازمْها معنى التطهير، بطلت دلالتُها على نجاسة الإناء؛
لأنَّها إنَّما تدلُّ على ذلك من حيثُ إنَّ معنى التطهير يلازمه ما يطهّر
عنه(٢)، وهو النَّجاسَة.
وإِنْ لازَمَها معنى التطهيرِ، فمتى كان عن حدثٍ لزمَ أنْ يرفعَ
الحدث، وإلا لزم الجمعُ بين التطهيرِ عن الحدث، وبقاءِ الحدث،
وهو محالٌ؛ لأنَّا نتكلم على تقدير أنْ يلازمَها معنى التطهير، ومعنى
التطهير يقتضي مُطهَّراً، ولا مطهرَ إذا كان (٣) عن الحَدَثِ إلا الحدَثُ،
والذي يدفع هذا أحدُ أمرين :
الأول: أن تُلتَزَم ملازمةُ معنى التطهير لها، ويقال: بأنَّ التيممَ
يرفعُ الحدث، وحينئذٍ يتمُّ الدليلُ؛ لأنَّه إذا ثبت دلالتها على التطهير،
ودلالة التطهير على أنَّ ثَمَّ ما يُطهّر، وانحصر التطهيرُ بين رفع الحدث
ورفع الخبث، وبطلَ الأولُ، تعيَّن الثاني.
الثاني: أنْ يُقالَ: إنَّه لا يلازمها معنى التطهير، فيتوجَّهُ حينئذٍ منعُ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت): ((منه)).
(٣) (ت)): ((كانت)).
٣٦٠