Indexed OCR Text
Pages 321-340
شفاءٌ))(١) بإعادة حرف الجر المذكور في الكتاب. [المسألة](٢) الثانية: قد أجازوا في مثل(٣) (مَا كُلُّ سَودَاءَ تَمْرَةٌ، ولا بَيَضاءَ (٤) شَحْمةٌ) وجوهاً خمسةً منها ما يحتملُهُ لفظُ [هذا](٥) الحديث، فممَّا أجازوه: ما كلُّ سوداءَ تمرةً، بالنصب في (تمرة) على إعمال (ما)، ولا بيضاءُ شحمةٌ، بالرفع فيهما على الاستئناف أو عطف جملة على جملة (٦)، فعلى هذا إن كان أحدٌ روى في هذا الحديث: (والآخرُ شفاءٌ» ۔ بالرفع فیھما ۔ فهو على هذا الوجه، ويخرج(٧) به عن العطف على عاملين، ولكنَّه يحتاجُ إلى حذف مضاف في قوله: ((والآخر شفاء))؛ أي: ذو شفاء. · الوجه الخامس : في اللفظ مجازٌ، وهو كون الدَّاءِ في أحد الجناحين(٨)، وهو إما (١) تقدم تخريجه عند أبي داود وغيره. (٢) زيادة من ((ت)). (٣) ((ت)): ((المثل)). (٤) (ت)): ((سوداء)) وهو خطأ. (٥) سقط من ((ت)). (٦) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٦٥ -٦٦). (٧) ((ت)): ((فیخرج)). (٨) ((ت): ((جناحيه)). ٣٢١ إما من مجاز الحذف بأن يقال: فإنَّ في أحدٍ جناحيه سببَ داء، و(١)ما أشبه ذلك من التقديرات، وإما على جهة المبالغات(٢) بأن يجعل كالداء(٣) في أحد جناحيه لَمَّا كان سبباً له ومُفضیاً إليه(٤)، كما قال الشاعر [من الرجز]: صَارَ الثَّرِيدُ في رُؤوسِ العِيدَان (٥) بمعنى أنَّ مآل الزرع بعد انتهائه واشتداده وطحنه وعجنه إلى أن يُعملَ منه ثريدٌ، فجعله في رؤوس العيدان مبالغةً لما أنه سيصير إليه. الوجه السادس: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل : الأولى: اختلفوا فيما لا نفسَ له سائلةً، كالذباب، والنمل، والعقرب، والزنبور، والخنفساء ونحوها، إذا مات في ماء قليل (١) ((ت)): ((أو)). (٢) ((ت)): ((المبالغة)). (٣) ((ت)): ((كان الداء)). (٤) ذكر الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٠ / ٢٥١) أنه ورد في حديث أبي سعيد أنه: ((يقدم السم، ويؤخر الشفاء)). قال: ويستفاد من هذه الرواية تفسير الداء الواقع في حديث الباب، وأن المراد به السم، فيستغنى عن التخريج الذي تكلفه بعض الشراح فقال: إن في اللفظ مجازاً، وهو كون الداء في أحد الجناحين ... ، ثم ساق الحافظ ابن حجر تتمة مقالة الإمام ابن دقيق العيد هذه. (٥) البيت أورده النحاس في ((معاني القرآن)) (٣/ ٤٢٦)، والقرطبي في ((تفسيره)) (١٣ / ١٤٦)، وأبو حيان في ((البحر المحيط)) (٧ / ٤٠٠)، وغيرهم دون نسبة، وصدر البيت : الحمد لله العلي المنَّان ٣٢٢ - أو [في](١) مائع آخرَ، هل ينجس الماء، [أو المائع] (٢)؟ فالمنقول عن الشافعي - څہ ـ قولان: أصحهما - وهو قول جمهور أهل العلم -: أنه لا يَنجُس [وما](٣) مات فيه، حتى قال في ((الإشراف)): وأجمعوا أن الماء لا ينجس بوقوع الذُّباب فيه، والخنفساء بمنزلة الآدمي في أحد قولي الشافعي(٤). وقد استدلَّ الجمهورُ بهذا الحديث، وهو الذي أُدْخِلَ لأجله في باب المياه، ووجهُ الاستدلالِ : أنه أمرَ بغمس الذباب في الطعام مع احتمال موته فيه، وقرب ذلك بما إذا كان الطعام حاراً، ولو كان ينجس الطعام لكان في غمسه تعريضاً لتحريم أكله وإتلاف ماليَّتِه(٥) . والقول الثاني: أنه ينجس، قال بعضُ مصنفي الشافعية: وهو القياس، والنبيُّ ◌َّهِ أَمرَ بغمسِ الذباب فيه فَطَرْحِه (٦)، لا بقتله، وإنما (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) زيادة من ((ت)). (٤) وانظر: ((الأوسط)) لابن المنذر (١ / ٢٨٢). (٥) ((ت)): ((وإتلافاً لماليته)). (٦) ((ت)): ((وطرحه)). ٣٢٣ أمر به فَطْماً لهم عن عاداتهم(١)، فإنهم كانوا يستقذرون طعاماً يقع فيه الذباب(٢). وهذا الذي ذكره اعتذاراً عن الاستدلال بالحديث ضعيفٌ؛ أما قوله: إن النبي ◌َّر أمر بغمسِ الذباب فيه وطرحِه لا بقتله، فوجه الدليل إنما هو التعريض بغمسه لإفساد الطعام بأن يقال: لو كان يُفْسِدُ الطعامَ لَمَا أمر بغمسه لتعريضه الطعامَ للإفساد، فإن كانت هذه الملازمةُ باطلةً: فلتُمنَعَ ليُستدلَّ عليها، وإن كانت الملازمةُ صحيحةً: فالدليلُ صحيحٌ، [و](٣) غايةُ ما في الباب أنَّه لو أمر بقتله لكان أقوى في الدلالة، وليس من شرط اللفظ المستدَلِّ به أن لا يمكنَ ذكرُ ما هو أقوى في الدلالة منه. وأمَّا قوله: وإنما أمر به فطماً لهم عن عاداتهم، فهذا يُعترض علیه بو جھین : أحدهما: أنه مخالفٌ لظاهر الحديث في التَّعليل؛ فإنَّ ظاهرَه يدل على أنَّ العلةَ إذهابُ الشفاء للداء، والعلة تقتضي الحصرَ على ما قرَّره الخلافيون من المتأخرين. (١) ((ت)): ((لفظهم عاداتهم)). (٢) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١/ ٣٣٧)، و((المغني)) لابن قدامة (١ / ١٨٥)، و((المجموع شرح المهذب)» للنووي (١ / ١٨٨). (٣) زيادة من ((ت)). ٣٢٤ الثاني: لو سلَّمنا أنَّ علَّةَ الأمر [بالغمس](١) فطمُهم عن الاستقذار: لما نافَى ذلك دَلالةَ الأمرِ على عدم التنجيس من الوجه الذي ذُكِر، وهو التعريضُ للإفساد. الثانية: اختلف الشافعيةُ في القولين، هل يجريان في نجاسة هذا النوع من الحيوان في نفسه، أم لا؟ فمنهم من قال: نعم، ومنهم من أبَى ذلك، وقال: المذهبُ أنَّها تنجُس بالموت قولاً واحداً، وإنما الاختلافُ في نجاسة ما وقع فيه من المائعات لعموم البلوى، ولتعذُّر الاحتراز (٢). ولقائل أن يقول: قد قلتم: إن علةَ عدم تنجيس ما وقع فيه تعذُّرُ الاحترازِ، [وتعذُّرُ الاحترازِ](٣) لا يلزم منهُ عدمُ التنجيس، بل اللازم إما هو، وإما العفوُ عنه مع الحكم بنجاسته، فما جعلتموه علةً غيرُ مُستلزِم(٤) لما حكمتم به من عدم التنجيس، نعم إن ثبتَ بدليل خارج أنه لم يُعطَ أحكامَ النَّجِسِ المعفو عنه، تمّ ما قیل. الثالثة: استُدِلَّ بهذا الحديث على [عدم](٥) نجاسة ما لا نفسَ له (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١/ ١٤٧)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي (١ / ١٨٩). (٣) زيادة من (ت)). (٤) (ت)): ((ملتزم)) . (٥) سقط من ((ت)). ٣٢٥ سائلة بالموت، وطريقُه أن يقالَ: لو نَجُسَ بالموت، لنجَّس ما وقع [فیه](١) من المائع، ولا ینجِّسه بالحديث، فلا ينجُس بالموت. والاعتراضُ عليه بما قدَّمناه من أمر العفو، وتحريرُهُ: أن تُمنَع الملازمةُ بين كونه لم ينجِّس ما وقع فيه، وكونه لم ينجُس بالموت، بناءً على قيام المانع من التنجيس على تقدير النجاسة بالموت، والمانعُ تعذُّرُ الاحتراز، فيقال عليه: الحكمُ بعدم تنجيس ما وقع فيه دائرٌ بين أن يكونَ لعدم المُقتضِي للتنجيس؛ بأنْ لا تكونَ ميتةُ هذا الحيوان نجسةً، وبين أن يكونَ لقيام المانع [مع] (٢) وجود مقتضي التنجيس، وهو أن يكون نجساً عُفِي عنه لتعذُّرِ الاحتراز، وإحالةُ الحكم على عدم المقتضي أولى من إحالته على قيام المانع، فحينئذٍ يكون الحكمُ بأنَّ هذا الحيوانَ لا ينجس بالموت واقعاً على وِفْقِ المُقْتضَى، والحكمُ بتنجيسه(٣) مع عدم تنجيس الماء واقعاً على خلاف المقتضى؛ لأن تنجيسَه بالموت مُقتضٍ(٤) لتنجيس ما وقع فيه، وتكون هذه المخالفةُ لقيام المانع، وهو عُسْرُ الاحترازِ، فكان الأوَّلُ أولى. وقد يقال على هذا: إنَّ الحكمَ - أيضاً - بعدم نجاسة هذا الحيوان على خلاف المُقتضي للدليل الدَّالِّ على نجاسة الميتات، والله أعلم. (١) زيادة من ((ت)) . (٢) في النسخ الثلاث: ((من)). (٣) كذا في النسخ الثلاث، ولو قال: بنجاسته، أو: بتنجسه، لكان أولى، والله أعلم. (٤) (ت)): (يقتضي)). ٣٢٦ الرابعة: اختلفوا في رَوْث السَّمَك والجراد، وما ليس له نفسٌ سائلة، هل هو نجس، أم لا؟(١). فإذا أردنا أن نستدلَّ على عدم نجاسته بهذا الحديث، جعلناه مقدمةً من مقدماتِ الدليل، فنقول: لو كان بولُه نجساً لنجَّس ما وقع فيه من المائع(٢)، لكنه لا ينجِّسه، فلا يكون نجساً، أما الملازمةُ؛ فلأنَّ وقوعَ النجاسة في المائع موجبٌ لتنجيسه، إما قياساً على سائر الصور، وإما عملاً بمفهوم حديث القُلَّتين(٣)، وحديث الفأرة (٤)، ووقوعُ بولِهِ فيه يلازمُ وقوعَهُ فيه لِمَا على منفذه من النجاسة، وأما أنه لم ينجِّسْه؛ فلهذا الحدیث. الخامسة: منطوقُهُ دالٌّ على ما يقع، وعلى ما يقع(٥) فيه، فكلُّ ما يسمَّى شراباً؛ فهو داخلٌ تحتَ اللفظِ، فيدخل تحته (٦)، [فيتناول الماءَ](٧)، [ولا يختصُّ به](٨)، والنظرُ في بقية المائعات، هل يُطلَق (١) انظر: ((الوسيط)) للغزالي (١ / ١٥٤)، و((المجموع شرح المهذب)) للنووي (٢/ ٥٠٨). (٢) ((ت)): ((التابع)). (٣) تقدم تخريجه . (٤) تقدم تخريجه . (٥) ((ت)): ((يوقع)). (٦) أي: تحت منطوق الحديث. (٧) زيادة من ((ت)). (٨) سقط من ((ت)). ٣٢٧ عليها اسمُ (الشراب)؟ وقد وردَ في بعض الروايات: ((في إناء أحدكم))(١)، وهو أعمُّ وأكثر في الفائدةِ اللفظيّةِ من لفظة (الشراب)(٢). السادسة: ما لا يُسمَّى شراباً يُؤخَذ بالقياس في معنى الأصل، وهو هاهنا قويُّ المرتبة؛ لأنَّ الحكمَ في لفظ الشارع أَديرَ على الواقع بسبب وصفٍ فيه، لا على ما يقعُ فيه، فمهما كانت العلةُ موجودةً ثبتَ الحکمُ فیما يقع فيه. السابعة: يُلحَقُ غيرُ الذبابِ بالذباب ــ ممَّا يشاركه في أنَّه لا نفسَ له سائلة - في معنى عدم التنجيس، وليس ذلك كالرتبة(٣) [التي] (٤) قبلَها؛ لأنَّ الإلحاقَ إنما يكون باعتبار علةٍ(٥) استنبطها المستدلُ من الأصل، وهو كونُهُ لا نفسَ له سائلة، ويقرِّرُه بالمناسبة التي يُيْدِيها، [وهو قويٌّ؛ أعني: إلحاقَ غيرِ الذباب به](٦)، [وليس ذلك في القوة كالتي قبله](٧) . (١) هي رواية البخاري المتقدم تخريجها رقم (٥٤٤٥)، وكذا وقع في رواية غيره. (٢) نقله الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (١ / ٢٨). (٣) ((ت)): ((كالمرتبة)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((العلة)»، والمثبت من ((ت)). (٦) سقط من ((ت)). (٧) زيادة من ((ت)). ٣٢٨ الثامنة: اختلفوا في الحيوان الطَّاهر، إذا وقع في ماء قليل، أو مائع آخرَ، فخرج حيّاً، هل يَنجُس ما وقع فيه، بناءً على نجاسة مَنفَذِ بولِهِ؟ وقد استُدِلَّ بهذا الحديث على عدم التنجيس، قال البَغَويُّ - رحمه الله - في ((تهذيبه))(١): ولو وقع حيوانٌ سوى الكلبِ والخنزيرِ والمتولِّدِ؛ يعني: من أحدهما، في ماء قليل، أو مائعٍ آخرَ، فخرج حيّاً، لا ينجِّسه؛ لأنَّ النبيَّ وََّ أمر بِمَقْلِ الذباب في (٢) الطعام، ولم یحکم بنجاسته. ولقائل أن يقول: الاستدلالُ بالحديث على حكم المسألة لا يصحُّ؛ لأنَّ بولَ هذا الحيوان الذي ورد فيه النصُّ إما أن يكونَ نجساً، أو لا، وأيّما كان يمتنعُ الاستدلالُ به؛ أمَّا إذا لم يكنْ، فيتعذَّرُ الاستدلالُ به قطعاً؛ لأنه لا يصحُّ أنْ يؤخذ عدمُ التنجيس بوقوع حيوانٍ نجسٍ البول من الحكم بعدم التنجيس بوقوع حيوانٍ ليس بنجس البول، وأمَّا إذا كان؛ فلأنَّ موردَ النصِّ حيوانٌ يكثُر وقوعُه في الأواني، ويشقُّ الاحترازُ منه، وهذا معنى مُعتبرٌ، لا يمكن أن يقال: إنه ملغى، وغيرُه من سائر الحيوانات النجسةِ البولِ لا يساويه في كثرة الوقوع، ولا(٣) في (١) للإمام محي السنة حسين بن مسعود البغوي الشافعي، المتوفى سنة (٥١٦هـ) كتاب: ((التهذيب في الفروع))، وهو تأليف محرر مهذب، مجرد عن الأدلة غالباً، لخصه من تعليق شيخه القاضي حسين، وزاد فيه ونقص. انظر: ((كشف الظنون)» لحاجي خليفة (١ / ٥١٧). (٢) ((ت)): ((من)). (٣) في الأصل: ((وإلا))، والمثبت من ((ت)). ٣٢٩ تعذُّرِ الاحتراز منه، فلا يساويه في الحكم. وقد يقال عليه: لو كان هذا المعنى معتبراً في الأصل، لوقع الفرقُ بين أن يقعَ الذبابُ بنفسه في الإناء، أو يوقعَه غيرُهُ فيه، لكنَّه لم يفرق، فلا يكون المعنى معتبراً. بيان الملازمة: أنَّ ما وقع قصداً لا يشقُّ الاحترازُ منه، ولا یکثر، فكان يجب حينئذٍ أن يفرَّقَ لانتفاء العلة في أحد القسمين. بيان انتفاء الفرق: أنَّ الوقوعَ الذي رُكِّبَ عليه الحكمُ مشترَكٌ، بين الوقوع بنفسه، وبين الإيقاع بغيره(١)، لصحة أن يقال: وقع بنفسه، ووقع بإيقاع غيره، ومَوْرِدُ التقسيم مشتركٌ، وإذا آل الأمر إلى هذا، فيتصدَّى النظرُ في أن لفظة (وقع)، هل تدلُّ على إسناد الفعل إلى الفاعل؟ فقد يقال ذلك، ويُدَّعَى أنه الأصلُ والحقيقةُ. التاسعة: في الحديث شيءٌ(٢) مجزوم به، وإن لم يكنِ اللفظ دالاً عليه بنفسه، وهو أنَّ الأمر بالغمس إنما هو لمقابلة الداء بالدواء، [وعلى رواية من روى ((وفي الآخر دواء))(٣)](٤)، يؤخَذ(٥) منه أمرٌ آخرُ، وهو أنَّ الأمر بالغمس مما يقتضي نفعَ الدواء من الداء. (١) ((ت)): ((من غيره)). (٢) ((ت)): ((أمر)). (٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٩٨٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٢٤٧)، وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ظـ (٤) زيادة من ((ت)). (٥) في الأصل: ((أو يؤخذ))، والمثبت من (ت)). ٣٣٠ أما الأول؛ فلأنه(١) لو لم يكنْ كذلك لما صحَّ التعليلُ، وكانت العلةُ أجنبيةً. وأما الثاني؛ فلأنه لو لم يُذهِبْه لما كان في الأمر به فائدةٌ. العاشرة: الذي قدَّمناه(٢) في الكلام، في إلحاق غيرِ الذباب به، إنما هو في الإلحاق في (٣) التنجيس بالوقوع، لا في حكم الغمس، فليُتَنَّه لذلك، فإنَّا لم نأخذْ عدمَ التنجيس من [أجل](٤) العلة المذكورة، وإنما أخذناه من محضٍ الأمر بالغمس مع توقّع إفساد ما(٥) يُغْمَسُ فيه على تقدير نجاسته، فلو تجرَّد الأمرُ بالغمس على(٦) العلة المذكورة لكفانا الأمرُ بالغمس في الإلحاق. الحادية عشرة: إذا أردنا النظرَ في إلحاق غير الذباب به في حكم الغمس مع اعتبارِ العلة، فذلك يتوقَّفُ على أمرين : أحدهما: أن نثبتَ [العلةَ](٧) فيما نريد إلحاقَه، وهو أن يكون في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء، وهذا أمرٌ مُتعذِّر لا يُرشِدُ الطبُّ إليه، وإنما يُدرَكُ بنور النبوّة. (١) ((ت): ((فإنه)) . (٢) ((ت)): ((قدمنا)). (٣) (ت): ((في غير))، وهو خطأ. (٤) سقط من ((ت)). (٥) ((ت)): ((الإفساد لما)). (٦) ((ت): ((عن)). (٧) سقط من ((ت)). ٣٣١ والثاني: أن يكون غمسُهُ فيه مما يفيد في ذلك الداء، وهو - أيضاً - لا يُعلَم. الثانية عشرة: إذا أردنا أن نلحِقَ غير ذي الجناحين بالذباب، كما إذا كان في أحد العضوين(١) منه داء، ويكون في الآخر [منه](٢) شفاء، فهو دونَ الرتبةِ التي قبلَها [في المانِعِيَّة، لإمكان الاطّلاع من جهة الطبِّ، على أنَّ في أحد العضوين داءً، وفي الآخر دواءٌ له](٣). الثالثة عشرة: لمَّا تقرَّرَ أنَّ المقصودَ بالغمس إذهابُ (٤) ضررِ الداء، كان ذلك أصلاً في التداوي. الرابعة عشرة: ويكون أصلاً فيما هو أخصُّ من ذلك، وهو استعمالُ ما يَدْفَعُ ضررَ الأغذيةِ. الخامسة عشرة: اللفظُ يدلُّ على تعليق الحكم بأن يقعَ في الشراب، فلا يُلحَق به وقوعُه على الشراب؛ لأنَّ اللفظَ لا يدل عليه، ولا المعنى أيضاً يُرشِدُ إليه؛ لأنَّا لا نعلمُ جريانَ العلة في وقوعه عليه. السادسة عشرة: الظاهرُ في الداء والدواء أنَّه أمرٌ يتعلَّق بالأمراض (١) (ت)): ((عضوين)). (٢) زيادة من ((ت)). (٣) سقط من ((ت)). (٤) ((ت)): ((إظهار)). ٣٣٢ وبُرئِها، ويُحتمَلُ(١) أن يكون الداءُ ما يعرِض في نفس المُتْرَفِين والمترفِّهين مِن عيافة الطعام، والنُّفْرة منه، والتكُّر عن أكله، حتى ربّما كان سبباً لترك الطعام وإتلافه، والدواءُ ما يحصُلُ مِن قمع النفس، وحملِها على سبيل التواضع، وعدم التعمُّق في الترفّه، وسلوك طريق المتكبرين، وهذا مجازٌ، والحقيقةُ ما تقدَّمَ، والله أعلم. السابعة عشرة: هذا الذي ذكرناه أمرٌ واقع، ومصلحةٌ محقَّقةٌ من توابع الأمر بغمسه، والذي قدَّمناه إنما هو في حمل اللفظ عليه، فإن كان هذا المجازُ مُراداً - والله أعلم -: فإيرادُهُ بلفظ الداء والدواء أبلغُ في تحصيل هذه المصلحة، التي هي كسرُ النفسِ ورياضتُها؛ لِمَا جُبِلت الأنفسُ عليه من محبة البقاء ودفع الضرر والآفات. الثامنة عشرة: الأمرُ بانتزاعه بعد غمسه لحصول المقصود بالغمس، ودفع الداء الذي حصل، أو يُتوقَّع حصولُهُ بالوقوع، وما زاد على ذلك مُستغنى عنه، ولعلَّ بقاءَهُ ومكثَه يُحدِثُ مفسدةً أخرى غيرَ المفسدةِ التي نشأت بالوقوع الأول، أو لعلَّه يَخْرُجُ عن حدِّ النظافة التي يُنِي الدِّينُ عليها، وقد جعل اللهُ لكلِّ شيء قدراً. التاسعة عشرة: قد يُؤخَذ من هذه الصيغة [التي](٢) وردت في هذه الرواية - أعني قوله: ((ثمَّ لِيَنْزَعْهُ)) - سرعةُ إخراجِه بعد غمسِهِ لِمَا (١) ((ت)): ((ويحصل)). (٢) في ((الأصل)): ((الذي))، والتصويب من ((ت)). ٣٣٣ تُشْعِرُ به هذه الِنْيَةُ من التكلُّف في العمل؛ إذْ ليس في نفس الإخراج كُلْفَةٌ، فَلْيُصرَفْ إلى إعمال نفسه في الإسراع، إن لم يزاحمْهُ معنىٌ آخرُ يساويه، أو يُرجَّحُ عليه. العشرون: التعليلُ يقتضي انتفاءَ الحكم إذا لم يكنْ له جناحان - كما لو انقطعا فوقعَ(١) - لانتفاء العلة، والله أعلم. الحادية والعشرون: [ويقتضي أيضاً: أنَّه لو انقطعَ أحدُ جناحيه، لم يتعلَّقْ به أمرُ الغمس؛ لأنَّ](٢) المقصودَ إذهابُ الداء بالجناح الآخر، وذلك لا يحصُل عند انقطاعه. الثانية والعشرون: ذكر الجاحظ [عن](٣) الَّظَّام في الكلام على هذا الحديث كلاماً رديئاً، وأقوالاً شنيعة (٤)، حاصلُها إبطالُ الحديث باستبعادات وخيالات(٥). قال الخطَّابي رحمه الله: تكلّم على هذا الحديث مَن لا خلاقَ له، وقال: كيف يجتمع الداءُ والشفاءُ في جناحَيْ الذبابِ؟ وكيف تعلمُ ذلك من نفسها، حتى تُقدِّم جناحَ الداءِ، وتؤخِّر جناحَ الشفاءِ، (١) أي: كما لو انقطعَ جناحا الذباب، ثم وقع في الشراب. (٢) سقط من ((ت)). (٣) في الأصل: ((عند)) والتصويب من (ت)). (٤) ((ت)): ((شنعة)) . (٥) انظر: ((الحيوان)) للجاحظ (٣/ ٣١٢ - ٣١٣) حيث نقل إنكار شيخ من بني العدوية - لم يسمِّه - للحديث. ٣٣٤ وما هداها إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤالُ جاهلِ أو مُتَجاهلٍ، وإنَّ الذي يجدُ نفسَهُ ونفوسَ عامة الحيوان [و](١) قد جُمِع فيهما بين الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة، وهي أشياءُ متضادةٌ إذا تلاقت تفاسدت، ثم يرى(٣) اللهَ سبحانه وتعالى قد ألَّف بينها، فقهرها على الاجتماع، وجعل منها قُوى الحيوان [التي](٣) بها بقاؤها وصلاحُها، لجديرٌ أن لا ينكرَ اجتماعَ الداء والدواء في جزأين من حيوان واحدٍ، وإنَّ الذي أَلَّهمَ النحلةَ أن تَّخذَ البيتَ العجيبَ الصنعةِ، وأن تَعْسِل فيه، وأَلهمَ الذَّرَّةَ أن تكتسبَ قوتها، وتدَّخر[٥](٤) لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذبابة، وجعل لها الهدايةَ إلى أنْ تقدِّمَ جناحاً، وتؤخِّر آخرَ، [لِما أراد](٥) من الابتلاءِ الذي هو مدرجةُ التَّعبُّدِ، والامتحانِ الذي هو مضمارُ التكليف، وفي كلِّ شيء حكمةٌ، وما يذَّكَّرُ إلا أولو الألباب(٦). وأقولُ: [إن](٧) هذا وأمثالَه ممَّا تُرَدُّ به الأحاديثُ الصحيحةُ، إن (١) زيادة من ((ت)). (٢) في النسخ الثلاث: ((تری)). (٣) في ((الأصل)) و(ب)): ((الذي))، والتصويب من ((ت)). (٤) زيادة من ((ت)). (٥) زيادة من ((معالم السنن)). (٦) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢٥٩). (٧) زيادة من ((ت)). ٣٣٥ أراد به قائلُهُ(١) إبطالَها بعدَ اعتقاد كون النبيِّ وَّ قالها، كان كافراً مُجاهراً، وإن أراد به إبطالَ نسبتِها إلى الرسول بَّه بسببٍ يرجع إلى متنه، فلا يكفرُ بذلك، غيرَ أنَّه مُبطِلٌ لصحة الحديث بطريق سنده الصحيح، وهذه طريقةٌ لجماعة من المتكلمة(٢) وبعض الفقهاء، كمَن أبطلَ حديثَ العاليةِ(٣) في مسألة العِينَة، بقول عائشةَ رضي الله عنها: أبلغِي زيداً أنَّهُ(٤) أبطلَ جِهادَهُ معَ رسولِ اللهِ وَ ◌ّهِ إنْ لمْ يَتُبْ. (١) في النسخ الثلاث: ((قائلها)). (٢) ((ت)): ((المتكلمين)). (٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٨١٢)، والدارقطني في ((سننه)) (٣/ ٥٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥/ ٣٣٠)، وغيرهم من طريق أبي إسحاق، عن العالية، عن عائشة، به. قال الإمام الشافعي في ((الأم)) (٣ / ٧٨): وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة. قال الدارقطني في («سننه»: والعالية مجهولة لا يحتج بها. قال ابن كثير في «تفسيره)) (١ / ٣٢٨): وهذا الأثر مشهور. وقد رد ابن الجوزي في ((التحقيق (٢/ ١٨٤) على من ذكر أن العالية مجهولة؛ بأن ابن سعد ذكرها في ((الطبقات)) وأنها امرأة جليلة القدر معروفة. وجوّد ابن عبد الهادي في ((التنقيح)) (٢ / ٥٥٨) إسنادَ حديث الإمام أحمد الذي رواه في ((مسنده)) عن أبي إسحاق، عن امرأته العالية، عن عائشة، به، ثم قال: وإن كان الشافعي قد قال: إنا لا نثبت مثله على عائشة، وكذلك قول الدارقطني في العالية: إنها مجهولة لا يحتج بها، فيه نظر، وخالفه غيره، فلولا أن عند أم المؤمنين علماً من رسول الله لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد، والله أعلم. وانظر: ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) (٩/ ٢٤٥) وما بعدها. (٤) ((ت)): ((وأن الله)). ٣٣٦ وكما يُشنِّع به أهلُ الحديث على أبي حنيفةَ في قولِهِ في حديث: ((الْبَيِّعَانِ بالخِيارِ [ما لم يتفرقا](١)) (٢): أرأيتَ إن كانا في سفينة، فكيف يفترقان (٣)؟ فكأنَّه أبطلَ استنادَهُ إلى الرسول(٤) ◌َِّ بهذا، إن صحَّ عنه، والله أعلم. (١) زيادة من ((ت)). (٢) رواه البخاري (١٩٧٣)، كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان ولم يكتما ونصحا، ومسلم (١٥٣٢)، كتاب: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان، من حدیث حكيم بن حزام «څ (٣) روى هذه الحكاية عن أبي حنيفة رحمه الله: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٥/ ٢٧٢)، والخطيب في التاريخ بغداد)) (١٣/ ٤٠٥). وانظر التعليق على الحكاية: ((التمهيد)) لابن عبد البر (١٤/ ١٣)، و((الجوهر النقي)) لابن التركماني (٥/ ٢٧٢). (٤) ((ت): ((إسناده إلى رسول الله)) ٣٣٧ الحديث السابع وعنهُ منْ روايةٍ محمَّدٍ بنِ سيرينَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلتن : (طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ، أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ)) [أخرجَهُ مسلمٌ] (١). وفي رواية عليٍّ بنِ مُسْهِرٍ عندَ مسلمٍ، عن الأعمش، عن أبي رَزِينٍ، وأبي صَالِحِ، عن أبي هُرِيرَةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لْيَفْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ))(٢). (١) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٢٧٩ / ٩١ - ٩٢)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، وأبو داود (٧١)، كتاب: الطهارة، باب: الوضوء بسؤر الكلب. وقد رواه النسائي (٣٣٩)، كتاب: المياه، باب: تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، والترمذي (٩١)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الكلب، بمعناه، كلهم من طریق ابن سیرین، به. (٢) رواه مسلم (٢٧٩ / ٨٩)، كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب، والنسائي (٦٦)، كتاب: الطهارة، باب: الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب، كلاهما من طريق علي بن حجر، عن علي بن مُسهر، عن الأعمش، عن أبي رزین و أبي صالح، عن أبي هريرة، به. = ٣٣٩ الكلام علیه من وجوه : * الأول: في التعريف بمَنْ ذُكر: أما أبو هُرِيرَةَ ظُه: فقد تقدَّمَ [ذكرُه](١). وأمَّا محمَّدُ بن سيرين: فهو أبو بكر، محمّد بن سيرين البصري، مولی أنسٍ بنِ مالكٍ ﴾. قال موسى بن إسماعيل: سألت الأنصاريَّ؛ يعني: محمَّدَ بن عبد الله، قلت: من أين كان أصلُهُ؟ قال: من عين التمر(٢). وقال ابن [عُليَّة](٣): كنا نسمع أنَّ ابنَ سيرين وُلِد في سنتين بقيتا ٤.(٤) من خلافة عثمان = قال الحافظ أبو عبد الله ابن منده - بعد تخريجه رواية علي بن مسهر من جهة علي ابن حجر عنه -: رواه إسماعيل بن خليل، ومنجاب بن الحارث، وسويد بن سعيد، عن علي بن مسهر بإسناده ومتنه مثله. قال: وهذه زيادة تفرد بها علي بن مسهر، ولا تعرف عن النبي ◌َّه بوجه من الوجوه إلا من هذه الرواية، وأخرجه مسلم بن الحجاج والنسائي في كتبهما الصحاح، انتهى ما نقله المؤلف في ((الإمام)» (١ / ٢٥٨). قال الدارقطني في ((سننه)) (١ / ٦٤) بعد تخريجه له من طريق علي بن مسهر: صحیح، إسناده حسن، ورواته كلهم ثقات. (١) سقط من ((ت)). (٢) انظر: ((التعديل والتجريح)) للباجي (٢ / ٦٧٧). (٣) في النسخ الثلاث: ((عيينة))، والصواب ما أثبت، كما في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر. (٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥٣ / ١٧٥). ٣٤٠