Indexed OCR Text

Pages 341-360

وثانيها: أنه تعالى أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من أصابعه.
((قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة، أو زُهاء ثلاث
مئة)): بضم الزاء المعجمة وبالمد؛ أي: مقدارها.
٤٦٢٥ - عَنْ عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﴾ قَالَ: كُنَّا نعُدُّ الآياتِ برَكَةَ، وأنتُمْ
تَعُدُّونَهَا تَخْوْيفاً، كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ◌َّهِ فِي سَفَرٍ فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ: اطلُبُوا فَضْلَةً
مِن مَاءٍ، فَجَاءُوا بإناءٍ فِيهِ مَاءٌ قليلٌ، فأدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ، ثُمَّ قَالَ: ((حَيَّ على
الطَّهورِ المُبارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ الله))، فلقدْ رأيتُ الماءَ يَنْبُعُ منْ بينِ أَصَابِعٍ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، ولَقدْ كُنَّا نَسْمعُ تسبيح الطَّعامِ وهوَ يُؤْكَلُ.
((وعن عبدالله بن مسعود ظه أنه قال: كنا نعد الآيات)»: جمع آية، وهي
العلامة، والمراد بها: المعجزات، سميت آية؛ لأنها علامة على نبوته وصله.
(بركةً، وأنتم تعدُّونها تخويفاً): قيل: أراد ابن مسعود بذلك أن عامة
الناس لا ينفع فيهم الآيات التي نزلت بالعذاب والتخويف، وأن خاصتهم - وهم
الصحابة - ينتفعون بالآيات المقتضية للبركة.
(كنا مع رسول الله وَّ﴾ في سفر، فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء،
فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حيَّ على الطهور
المبارك))؛ أي: هلموا إليه وأسرعوا .
((والبركة من الله)): وأصل البركة: الثبات والدوام.
((ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله وصي، ولقد كنا نسمع
تسبيحَ الطعام وهو يؤكل)): وإنما سبح؛ لأنه كان خير طعام؛ لكونه مأكول خير
الأنبياء .
٣٤١

٤٦٢٦ - قَالَ أَبُو قَتَادَةَ ﴿ه: خَطَبْنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ فَقَالَ: ((إنَّكُمْ تَسيرُونَ
عَشْيَتَكُمْ ولَيْلَتَكُمْ، وتأْتُونَ المَاءَ إِنْ شَاءَ الله غَداً)، فانطلقَ الناسُ لا يَلْوِي أَحدٌ
على أَحدٍ، قال أبو قَتَادَةَ ظُ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللهِوَهِ يَسيرُ حتَّى ابْهارَّ اللَّيْلُ، فمَالَ
عنْ الطَّريقِ، فوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: (احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا))، وَكَانَ أوَّلَ مَنْ
اسْتَيْقَظَ رَسَولُ اللهِوَّهِ وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((ارْكَبُوا))، فركِبنا، فسِرْنا،
حتَّى إذا ارتفَعَتِ الشَّمسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعا بمِيضأَةٍ كانتْ معِي فيها شَيءٌ مِنْ ماءٍ،
فتوضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضوءٍ، قال: وبقيَ فيها شَيءٌ مِنْ مَاءِ، ثُمَّ قال: ((احْفَظْ
عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فسيكونُ لَهَا نَبَأ))، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فصَلَّى رسولُ اللهَِهـ
ركعتَيْنٍ، ثُمَّ صَلَّى الغَدَاةَ، ورَّكِبَ ورَكِبنا مَعَهُ، فانتَهَينا إلى النَّاسِ حِينَ امتدَّ
النَّهارُ وحَمِيَ كُلُّ شيءٍ وهُمْ يقولون: يا رَسُولَ الله! هَلَكْنا عَطَشاً، فقال:
((لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ)، ودَعا بالمِيضَةِ، فَجَعلَ يَصُبُّ وأبو قَتَادَةَ يَسقيِهِمْ، فلمْ يَعْدُ
أنْ رَأَى النَّاسُ ماءً في المِيضأَةِ فَتَكَابُّوا عليها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أحْسِنوا
المَلأَ، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى))، قال: ففعلوا، فجَعَلَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ يَصُبُّ وَيَسِقِيهِمْ،
حتَّى ما بَقِيَ غَيْرِي وغَيْرُ رَسُولِ اللهِوَّةِ، ثُمَّ صَبَّ فقالَ لي: ((اشرَبْ))، فقلتُ:
لا أشرَبُ حتَّى تَشْرَبَ يا رَسُولَ الله! قَالَ: ((إنَّ سَاقِيَ القَومِ آخِرُهُمْ شُرْباً)، قال:
فشرِبْتُ وشَرِبَ، قال: فَأتَى النَّاسُ المَاءَ جامِّينَ رِواءً.
((وقال أبو قتادة ظه: خطبنا رسول الله وَلقه فقال: إنكم تسيرون عشيتكم
وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً، فانطلق الناس لا يلوي أحدٌ على
أحد))؛ أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يمشي كلُّ واحد على حدته من غير
مراعاة صحبةِ أصحابهِ اهتماماً بطلب الماء وحرصاً عليه.
((قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﴿ يسير حتى ابهارَّ الليل))؛ أي:
٣٤٢

انتصف، (البُهْرَة) بالضم: وسط كل شيء.
((فمال عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال)) لأصحابه:
«احفظوا علینا صلاتنا))؛ أي: وقت صلاتنا.
((فكان أول من استيقظ رسول الله عليه الصلاة والسلام، والشمس في
ظهره، ثم قال: اركبوا، فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس، نزل ومصر، ثم
دعا بميضأة)) بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ بها.
(«كانت معي، فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء)»؛ أي:
دون وضوئه الذي كان يكثر فيه إراقة الماء؛ يعني: توضأ وضوءاً وسطاً لقلة
الماء، وقيل: أراد: أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء.
((قال: فبقي فيها شيء من ماء، ثم قال ◌َّ: احفظ علينا مِيضأتك،
فسيكون لها نبأ»؛ أي: خبر، والمراد هنا: أن يكون لها شأنٌ يتحدث به الناس.
((ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ◌َ﴿ ركعتين، ثم صلى الغداة)»:
وفي تأخيره وَّه قضاء الصلاة دليلٌ على أن من نام عن صلاة، أو نسيها، لا يجب
عليه القضاء على الفور، وعلى استحباب مفارقة الموضع الذي ترك فيه المأمور،
أو ارتكب فيه المنهي، واستحباب الإتيان بالمتروك في موضع آخر ترغيماً
للشيطان .
((فركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين امتدَّ النهار))؛ أي: ارتفع.
«وحمي كلُّ شيء)»؛ أي: اشتدت حرارته.
((وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا وعطشنا، فقال: لا هُلْك عليكم)»:
و(الهلك) بالضم وسكون اللام: اسمٌ للهلاك.
((ودعا بالميضأة، وجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يَعْدُ أن رأى
٣٤٣

الناس))؛ أي: لم يتجاوز رؤيتهم ((ما في الميضأة))؛ يعني: قصروا الرؤية عليه.
((فتكابُوا عليها))؛ أي: ازدحموا على الميضأة مُكِباً بعضهم على بعض.
((فقال رسول الله وَ﴾: أحسنوا الملأ)) بفتح الميم واللام: الخُلُق.
«کُّكم سيُروى، قال))؛ أي: الراوي.
((ففعلوا))؛ أي: فعل الناس بعضهم مع البعض إحسانَ الخلق.
((فجعل رسول الله وَّهُ يصبُّ وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير
رسول الله وَّر، ثم صبَّ، فقال لي: اشرب، فقلت: لا أشرب حتى تشربَ
يا رسول الله! فقال: إن ساقي القوم آخرهم شُرباً، قال: فشربت وشرب، قال:
فأتى الناس الماء))؛ أي: من الماء؛ يعني: انصرفوا عنه.
((جامِّين))؛ أي: مستريحين، جمع جامٌّ، وهو المستريح، من (الجَمَام)
بالفتح، وهو الراحة، وقيل: أي: مجتمين من (الجمِّ)، قال الله تعالى:
﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّا جَمَّا﴾ [الفجر: ٢٠]؛ أي: كثيراً.
((رِواء)) بكسر الراء: جمع راوٍ، وهو الذي رَوِيَ من الماء، أو جمع:
ریان .
٤٦٢٧ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ ﴿ه قَالَ: لمَّا كَانَ يَومُ غَزوةٍ تَبَوكَ أَصَابَ النَّاسَ
مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمرُ﴿هَ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُهُمْ بفَضْلِ أَزْوادِهِمْ، ثمَّ ادْعُ الله لَهُمْ
عليها بالبَرَكَةِ، فقال: (نَعَمْ)) فدَعا بنطَعِ فُبُسِطَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ أَزْوادِهِمْ، فَجَعَلَ
الرَّجُلُ يَجِيءُ بكَفِّ ذُرَةٍ، ويَجيءُ الآخرُ بكَفِّ تَمْرٍ، ويَجِيءُ الآخَرُ بكِسْرةٍ، حتَّى
اجتمَعَ على النَّطَعِ شَيءٌ يَسيرٌ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا في
أَوْعِيَتِكُمْ»، فأخَذوا في أَوْعِيَتَهِمْ حَتَّى مَا تَرَكوا في العَسْكَرِ وِعاءَّ إلاَّ مَلَؤُوهُ،
٣٤٤

قَالَ: فأكَلوا حتَّى شَبعوا، وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَاءِ: ((أَشْهَدُ أَنْ لا
إلهَ إلاَّ الله وأنِّي رَسُولُ الله، لا يَلْقَى الله بهِما عبدٌ غَيْرَ شَاكٌّ فيُحْجَبَ عن الجَنَّةِ)).
((قال أبو هريرة : لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناسَ مْجاعةٌ)):
بفتح الميم؛ أي: جوع.
((فقال عمر : يا رسول الله! ادعهم بفضل أزوادهم)): جمع زاد، وهو
الطعام الذي يُتَّخذُ للسفر؛ يعني: اطلب منهم أن يأتوا ببقية أزوادهم.
(ثم ادع الله لهم عليها بالبركة)): قيل: هي ثبوت الخير الإلهي في شيء،
وذلك إما أن يجعل الله القليل مشبعاً بقدرته بالبركة القديمة، وإما بزيادته في
أجزائه زيادةً غير محسوسة ابتلاءً للآكلين.
((فقال: نعم، فدعا بنطع فبُسطَ، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل
يجيء بكفِّ ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع
على النطع شيءٌ يسير، فدعا النبي ◌َّه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم،
فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العَسْكِر وعاءً إلا ملؤوه، قال: فأكلوا
حتى شبعوا، وفضلت فضلةٌ، فقال النبي ◌َّ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني
رسول الله، لا يلقى الله بهما))؛ أي: بالشهادتين.
((عبدٌ غيرُ شاكٌّ))؛ أي: غير متردد في الإسلام، يجوز رفع (غير) على أنه
صفة (عبد)، ونصبه على أنه حال.
((فيحجبَ)): بالنصب جواب النفي؛ يعني: من لقي الله بالشهادتين من غير
ترددِ وشكٌّ فلا يحجب ((عن الجنة)) البَّةَ.
٤٦٢٨ - وقَالَ أَنَسِرٌ ﴿ه: كَانَ رَسُولُ اللهِ عَروساً بزَيْنَبَ، فعَمَدَتْ أُمّي
٣٤٥

أُمُّ سُلَيْمِ إِلى تَمْرٍ وسَمْنٍ وَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْساً فجعلَتْهُ فِي تَوْرِ، فَقَالتْ:
يَا أَنَسُ! اذهَبْ بهذا إلى رَسُولِ اللهِوَّهِ فَقُلْ: بَعَثَتْ بهذا أُمّي إليكَ، وهيَ تُقْرِتُكَ
السَّلامَ، وتَقُولُ: إنَّ هَذا لكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله! فذهبْتُ فقلتُ، فَقَالَ:
((ضَعْهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((اذهَبْ فَادْعُ لي فُلاناً وفُلاناً وفُلاناً - رِجالاً سمّاهُمْ-، وادْعُ
مَنْ لَقِيتَ))، فدعَوْتُ مَنْ سَمَّى ومَنْ لَقِيتُ، فرجعتُ، فإذا البَيْتُ غَاصٌ بأهلِهِ،
قِيلَ لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ عَدَدُكُمْ؟ قال: زُهاءَ ثَلاَثِ مِثَّةٍ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَضَعَ يَدَهُ على
تِلْكَ الحَيْسَةِ، وتَكلَّمَ بَما شَاءَ الله، ثُمَّ جَعَلَ يَدعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ منهُ
ويقولُ لهُمْ: ((اذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهِ، ولْيأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ))، قال: فَأَكَلوا
حَتَى شَبعوا، فخَرَجَتْ طَائِفةٌ ودَخَلَتْ طَائِفةٌ حَتَّى أَكَلُوا كلُّهُمْ، فقالَ لي: ((يا
أنسُ! ارْفَعْ)، فرفَعْتُ، فَمَا أدْرِي حِينَ وضَعْتُ كَانَ أكثرَ أمْ حينَ رَفَعْتُ ! .
((وقال أنس: كان النبي ◌َ ﴾ عروساً بزينب))؛ أي: متزوجاً بها.
«فعمدت))؛ أي: قصدت.
(أمي أمُّ سليم إلى تمرٍ وسمنٍ وأَقِطٍ، فصنعت حَيْساً): وهو تمر يخلط
بسمنٍ وأقطٍ .
«فجعلته في تَورِ)) : وهو: إناء يشرب فيه.
((فقالت: يا أنس! اذهبْ بهذا إلى رسول الله وَله فقل: بعثَت بهذا إليك
أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليلٌ يا رسول الله، فذهبت
وقلت، فقال: ضعه، ثم قال: اذهب، فادعُ لي فلاناً وفلاناً وفلاناً رجالاً
سماهم، وادعُ لي من لقيت، فدعوت من سمى، ومن لقيتُ، فرجعتُ فإذا
البيتُ غاصٌ))؛ أي: ممتلىءٌ.
(بأهله، قيل لأنسٍ: عددكم كم كانوا)): جمع الضمير نظراً إلى معنى
العدد؛ لزیادته على الواحد.
٣٤٦

((قال: زُهاء ثلاث مئة))؛ أي: قدرها.
((فرأيت النبيَّ وَ ل﴿ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم
جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كلُّ
رجلٍ مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى
أكلوا كلهم، فقال لي: يا أنس! ارفع، فرفعت، فما أدري حين وضعتُ كان
أكثر، أم حين رفعتُ)).
٤٦٢٩ - قَالَ جَابِرٌ﴿ه: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ وَأَنَاَ على نَاضحِ قَدْ
أعْيا فلا يَكَادُ يَسيرُ، فَتَلاحَقَ بِي النَّبِيُّ ◌َّهِ فَقَالَ: ((ما لِبَعِيرِكَ؟))، قُلْتُ: قدْ
عَييَ، فتخلَّفَ رَسُولُ الله فَزَجَرَهُ ودَعا لَهُ، فما زالَ بينَ يَدَي الإِبلِ قُدَّامَها
يَسيرُ، فَقَالَ لِي: ((كيفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟»، قلتُ: بِخَيْرِ، قدْ أصابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قال:
(أفَتَبِيعُنِيهِ بِوُفِيَّةٍ؟))، فبعْتُهُ على أنَّ لي فَقارَ ظهرِهِ إلى المدينةِ، قَالَ: فلمَّا قَدِمَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ِ المَدِينَ غَدَوْتُ عليهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمْنَهُ، ورَدَّهُ عليَّ.
((قال جابر : غزوت مع رسول الله (صل﴿ وأنا على ناضح)): وهو: بعير
يُستقَى عليه الماء.
((قد أعيا))؛ أي: عجز عن السير وغيره.
((فلا يكاد يسير، فتلاحقَ بي النبي بَّه، فقال: ما لبعيرك؟ قلت: قد
عَييَ، فتخلَّف رسول الله ﴿ فزجره، فدعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدَّامها
یسیر)»: ببركة دعائه ئقد .
((فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال:
أفتبیعنیه بوقیةٍ؟))؛ أي: بأربعين درهماً.
((فبعته على أن لي فَقارَ ظهرِهِ»؛ أي: ركوب فقار ظهره.
٣٤٧

((إلى المدينة، فلما قدم رسول الله * المدينة غدوت عليه بالبعير،
فأعطاني ثمنه وردَّه))؛ أي: البعير ((عليَّ)): وفيه دليل على جواز استثناء بعض
منفعة المبيع مُدةً.
٤٦٣٠ - عَنْ أَبِي حُمَيْدٍضَ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللهِوَّهِ غَزْوَةَ تَبَوكَ،
فأتينا وادِي القُرَى على حَديقةٍ لامْرأةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اخْرُصُوهَا))،
فخَرَصْناها، وخَرَصَها رَسُولُ اللهِوَِّ عَشَرَةَ أوْسُقٍ وقال: ((أَحْصِيْهَا حَتَّى نَرجِعَ
إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ الله وَلْ))، وانْطَلَقْنا حتَّى قَدِمْنَا تَبَوكَ، فقالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((سَتَهُبُّ
عَلَيْكُمُ اللَّيلةَ رِيحٌ شَديدةٌ، فلا يَقُمْ فيها أَحدٌ، فمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فلْيَشُدَّ عِقَالَهُ»،
فهَّتْ رِيحٌ شَدِيدٌ، فَقَامَ رَجَلٌ فحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حتَّى الْقَتْهُ بِجَبَلَ طَيِىءٍ، ثُمَّ أقبَلْنا
حَتَّى قَدِمنا وادِي القُرَى، فَسَألَ رَسُولُ اللهِنَّهِ المَرَأَةَ عنْ حَديقتِها، ((كَمْ بَلَغَ
تمرُّها؟»، فَقَالت: عَشَرَةَ أُوْسُقٍ .
((عن أبي حُميَدٍ ﴾ أنه قال: خرجنا مع رسول الله * غزوة تبوك، فأتينا
وادي القرى)): اسم موضع.
((على حديقة))؛ أي: بستان.
((لامرأة، فقال رسول الله يمليه: اخرصوها))؛ أي: قدِّروها.
((فخرصناها، وخرصها النبي ◌َّهُ عشرة أوسقٍ، وقال: أحصيها))؛ أي:
احفظيها وعديها إلى كم يبلغ ثمرها.
((حتى نرجع إليك إن شاء الله، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله وَتليفون :
ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقم فيها أحدٌ، فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله،
فهبت ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طي)): أحدهما
٣٤٨

سلمى، والآخر أَجٌ، وهما بأرض نجد.
(ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﴿ المرأةَ عن
حديقتها، كم بلغ ثمارها؟ فقالت: عشرة أوسق)).
٤٦٣١ - وقَالَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ رَسُولِ اللهِوَِّ: ((إنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وهيَ
أَرْضٌ يُسمَّى فيها القِيراطُ، فإذا فتَحتُموها فأحْسِنوا إلى أَهلِها فإنَّ لَهَا ذِمَّةً ورَحِماً
- أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وصِهْراً - فإِذَا رَأيْتُمْ رجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضعِ لَبنِةٍ فاخْرُجْ
مِنْهَا))، قَالَ: فَرَأَنْتُ عبدَ الرَّحمنِ بن شُرَحْبِيلَ بن حَسَنَةَ وأَخَاهُ رَبيعةَ يَخْتصِمانِ
في مَوْضعِ لَبنةٍ فخرجْتُ منها.
((قال أبو ذر: قال رسول الله وَّج: إنكم ستفتحون مصرَ، وهي أرض
يسمى فيها القيراط)): قيل: تسمية القيراط لم تختصَّ بأهل مصر، بل يشاركهم
فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وإنما الإشارة بها إلى كلمة يستعملها أهل
مصر في المسابة وإسماع المكروه، فيقولون: أعطيتُ فلاناً قراريط؛ أي:
سمَّعته المكروه، واذهب لأعطيك قراريطك؛ أي: سبابك، حكاه الطحاوي
عنهم، وهو أعلم بلهجة أهل بلده؛ لأنه منهم.
((فإِذا فتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها))؛ أي: بالصفح والعفو عمَّا
تنكرون، ولا يحملنكم حدة لسانهم فيما يذكرون من المساوئ على الإساءة.
(فإن لهم ذمةً))؛ أي: ذماماً وعهداً حصل لهم بإبراهيم ابن النبي ◌َّ من
مارية القبطية؛ فإنها من أهل مصر.
((ورحماً)): من قِبَلِ هاجرَ أم إسماعيل عليه السلام؛ فإنها من أهل مصر
أيضاً.
٣٤٩

((أو قال: ذمةً وصهراً)): فعلى هذه الرواية الصهر يختص بمارية، والذمة
بهاجر.
((فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة، فاخرجْ منها)): والقياس:
فاخرجوا منها، لعل النبي ◌َّ التفت عند الأمر بالخروج إلى أبي ذرِّ الراوي،
وخصَّه بهذا الأمر دون غيره؛ شفقةً عليه من وقوعه في الفتنة لو أقام ثمة بينهم،
وقد وقع ذلك في آخر عهد عثمان ﴿ حين عتبوا عليه ولايةَ عبدالله بن سعد بن
أبي سرح أخيه من الرضاعة، وكان منهم ما كان.
((قال)) أبو ذر: ((فرأيت عبد الرحمن بن شُرَحبيل)): بضم الشين وفتح الراء
وسكون الحاء المهملتين، وفي بعض بالفتح وبالجيم.
((ابن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها)).
٤٦٣٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﴿، عَنِ النَّبيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: ((فِي أَصْحَابِي - وفي رَوِايَةٍ:
في أُمَّتِي - اثْنَا عَشَرَ مُنافِقاً، لا يَدخُلونَ الجَنَّةَ ولا يَجِدونَ رِيحَها حتَّى يَلِجَ
الجمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، ثَمانِيةٌ منهُمْ تَكْفِيهِم الدُّبَيْلَةُ: سِراجٌ مِنَ النارِ تَظهِرُ في
أكتافِهِمْ حتَّى تَنْجُمَ في صُدورِهِم)).
((عن حذيفة ه، عن النبي ﴿ أنه قال: في أصحابي)»: الصحابة:
لا تُطلَق إلا على من صَدَقَ في إيمانه، وإطلاقها على من يستر النفاق إنما هو
بطريق المجاز؛ لتشبههم بالصحابة، وإدخالهم أنفسَهم في زمرتهم، ولذا قال:
في أصحابي، ولم يقل: من أصحابي.
((وفي رواية: في أمتي اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون
ريحها حتى يلج الجمل))؛ أي: يدخل.
٣٥٠

((في سمّ الخِياط)): بكسر الخاء: الإبرة؛ أي: في ثقبها؛ يعني: لا يدخلون
الجنة أبداً؛ لأن دخول الجمل في ثقبة الإبرة محال، والمعلق بالمحال محالٌ.
((ثمانية منهم تكفيهم))؛ أي: تمنعهم وتطردهم.
((الدُّبِيلَةُ)): بالموت، وهي - بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة ثم
السكون - في الأصل: الداهية، وتستعمل في القرحة، فسرها ◌َّ بقوله:
((سراج من نار، يظهر في أكتافهم حتى ينجُم)): بضم الجيم؛ أي: يظهر.
((في صدورهم)): لعله أراد بها: ورماً حاراً يحدث في أكتافهم بحيث
يظهر أثرُ تلك الحرارة وشدة لهبها في صدورهم.
قصد * بهذا القول تنبية أصحابه الصديقين؛ لئلا يأمنوا من مكرهم، وهم
الذين كانوا قد قصدوا أن يمكروا به وال﴿ ليلةَ العقبة مرجعَهُ من غزوة تبوك
متلثمين، وكان الرسول ◌َ﴿ منقطعاً في تلك الليلة عن جماعة المسلمين مع
حذيفة وعمار آخذاً في طريق الثنية، وهم في بطن الوادي، فسمع بّر خشفة
القوم من ورائه، فأمر حذيفة أن يزجرهم، فاستقبلَ حذيفة وجوهَ رواحلهم
بمحجن كان معه ضرباً، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة، فانقلبوا مسرعين على
أعقابهم، فأدرك حذيفة النبيَّ ◌َ﴿ فقال له: ((هل عرفت واحداً منهم؟)) قال: لا،
فإنهم كانوا متثمين، ولكن أعرف رواحلهم، فقال ◌َله: ((إن الله أخبرني
أسماءهم، وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله تعالى عند الصباح))، فمن
ثمة كانوا يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، قيل: أسرَّ النبيُّ وَّرِ أمرَ هذه الفئة
المشؤومة؛ لئلا تهيج الفتنة من تشهیرهم.
٤٦٣٣ - عَنْ جَابرٍ ﴿ه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ يَصْعَدُ الَِّيَّةَ ثَنِيَّةً
المُرارِ فإنَّهُ يُحَطُّ عنهُ ما حُطَّ عنْ بني إِسْرائيلَ»، فكانَ أوَّلَ مَنْ صَعِدَها خَيْلُنا
٣٥١

خَيْلُ بني الخَزْرَج، ثمَّ تَتَامَّ النَّاسُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((وكُلُّكُمْ مَغفورٌ لهُ إِلاَّ
صاحِبَ الجَملِ الأحمرِ))، فَأَتَيْنَاهُ فقُلنا لهُ: تَعَالَ يَستغفِرْ لكَ رَسُولُ اللهِّهِ﴾
فقال: والله لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أحبُّ إِليَّ منْ أنْ يَستغفِرَ لِي صاحِبُكُمْ، وَكَانَ رَجُلاً
يَنْشُدُ ضَالَّةً لهُ.
((عن جابر ه قال: قال رسول الله وَلخير من يصعد)): روي بالرفع على
جعل (من) استفهاماً، وبالجزم شرطاً، وهو الأشبه.
((الثنيةَ)): وهي في الجبل كالعقبة فيه، وقيل: الطريق العالي فيه.
«ثنیة)): بدل مما قبلها، أو عطف بيان.
((المرار)) - بالحركات الثلاث -: اسم موضع بين مكة والمدينة من طريق
الحديبية، حثهم ◌َّ على صعودها؛ لأنها عقبةٌ شاقةٌ؛ إما لقربها من العدو، أو
لصعوبة طريقها، فلهذا قال:
(فإنه يحطُّ عنه ما حُطَّ))؛ أي: مثل الحط الذي حُطَّ ((عن بني إسرائيل))
حين امتثلوا قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرَبيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُواْ
اٌلْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، وهذا غاية المبالغة في
حطِّ ذنوب ذلك الصاعد، وإلا فخطيئة المؤمن كيف تكون مثل خطيئتهم العظيمة
حين خالفوا أمر موسى وعبدوا العجل؟!
((فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس))؛ أي:
جاؤوا كلهم، واجتمعوا على صعودها .
((فقال رسول الله صقر: وكلكم مغفورٌ له إلا صاحب الجمل الأحمر،
فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسولُ الله ◌َّه، فقال: والله لأن أجد ضالتي
أحبّ إليَّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان))؛ أي: صاحبُ الجمل ((رجلاً
ينشد ضالَّةً له)).
٣٥٢

مِنَ الحِسَان:
٤٦٣٤ - عَنْ أَبي مُؤْسَى الأَشْعرِيِّ ◌َ﴿ه قَالَ: خَرَجَ أبو طَالِبٍ إِلى الشَّامِ،
وخَرجَ مَعَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي أَشْياخِ منْ قُريشٍ، فلمَّا أَشْرَفوا على الرَّاهِبِ، هَبَطوا
فحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فخرجَ إليهِمِ الرَّاهِبُ، وكانوا قَبْلَ ذلكَ يَمُرُونَ بهِ فَلا يَخْرُجُ
إليهِمْ، قَالَ: فَهُمْ يَخُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتخلَّلُهُم الرَّاهِبُ حتَّى جَاءَ فأخذَ بيدٍ
رَسُولِ اللهِ﴿، قال: هذا سَيدُ العَالَمِينَ، هذا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبعثُهُ الله
رَحْمَةً للعَالَمينَ، فقالَ لهُ أَشْباغٌ منْ قُريشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ قال: إنَّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُم
مِنَ العَقَبَةِ لم يَبْقَ شَجْرٌ ولا حجرٌ إلَّ خَرَّ سَاجِداً، ولا يَسجَدانِ إِلاَّ لِنَبِيِّ، وإِنِّي
أَعْرِفُهُ بَخَاتَمِ النُّؤَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْروفٍ كِتِهِ مِثْلَ الُّفَّاحِةِ، ثُمَّ رَجَعَ نَصَنَعَ لَهُمْ
طَعَاماً، فلمَّا أَتَاهُمْ وكانَ هوَ في رِعْيَةِ الإِبلِ قَالَ: أَرْسِلوا إِليْهِ، فأقبَلَ وعلَيهِ
غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فلمَّا دَنَا مِنَ القَومِ وجَدَهُمْ قَدْ سَبقوهُ إلى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فلمَّا جَلَسَ
مالَ فَيْءُ الشَّجرةِ عَلَيْهِ فَقَال: انظُرُوا إلى فَيْءِ الشَّجَرةِ مَالَ عليهِ، فَقَالَ: أَنشُدُكُم
الله، أَيُّكُمْ وِلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فلمْ يَزَلْ يُناشِدُهُ حتَى رَدَّهُ أَبُّو طَالِبٍ، وبعثَ
معهُ أَبُو بَكرٍ ﴿ه بِلالاً، وزوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الكَعْكِ والزَّيْتِ.
((من الحسان)):
(عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبيُّ ◌َّ
في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا))؛ أي: اطلعوا.
((على الراهب)): وهو الزاهد من النصارى، قيل: اسم ذلك الراهب
بحيرا، وكان أعلم النصارى، وكان موضعه ببصرى من بلاد الشام.
((هبطوا))؛ أي: نزلوا.
((فحلوا رحالهم))؛ أي: فتحوها.
«فخرج إلیھم الراهب، وکانوا قبل ذلك یمژُّون به، فلا يخرج إليهم،
٣٥٣

قال))؛ أي: الراوي.
((فهم يحلُّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهبُ))؛ أي: يدخل وسطهم.
((حتى جاء، فأخذ بيد رسول الله وسلم قال: هذا سيد العالمين، وهذا
رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخٌ من قريش:
ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة))؛ أي: وقت ظهوركم منها.
((لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبيٍّ، وإني
أعرفه بخاتم النبوة أسفلُ من غضروف كتفه)): وهو: اللحم الذي بين الكتفين .
((مثل التفاحة، ثم رجع، فصنع له طعاماً، فلما أتاهم به))؛ أي: بالطعام.
(وكان هو))؛ أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
((في رعية الإبل، فقال))؛ أي: الراهب.
((أرسلوا إليه))؛ أي: إلى النبي ◌َّ.
((فأقبل وعليه غمامةٌ تظله، فلما دنا من القوم))؛ أي: قرب منهم.
((وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة))؛ أي: إلى ظلها.
(«فلما جلس مالَ فيُ الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال
عليه، فقال: أنشدكم الله))؛ أي: أطلب منكم بالله .
«أیکم وليه؟))؛ أي: قريبه.
((قالوا: أبو طالب، فلم يزل))؛ أي: الراهب.
(يناشده))؛ أي: أبا طالب؛ يعني: يقول له: بالله سألتك أن ترد محمداً
إلى مكة، وتحفظه من العدو، قيل: کان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم،
فیصلَ إلیه الضرر منهم، فلذلك ناشده.
((حتى ردّه أبو طالب)): إلى مكة.
٣٥٤

((وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزَّوده الراهبُ من الكعك والزيت)).
٤٦٣٥ - عَنْ عَلِيٍّ بن أبي طَالِبٍ ﴿هَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَهِ بِمَكَّةَ،
فخرَجْنا في بعضٍ نَوَاحِيها، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ ولا شَجَرٌ إِلَّ وهوَ يقولُ: السَّلامُ
عليكَ يَا رَسُولَ الله ! .
((وعن عليٍّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال: كنت مع النبي ◌َّ
بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبلٌ ولا شجر إلا وهو يقول:
السلام علیك یا رسول الله»!
٤٦٣٦ - عَنْ أَنَسٍ ﴿: أَنَّ النَّبِيَّ لَهُ أُنِيَ بِالْبُراقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَماً
مُسْرَجاً، فاسْتَصْعَبَ عليهِ، فَقَالَ لهُ جبريلُ: ((أَبمُحَمَّدٍ تفعلُ هذا؟ فَمَا رَكِبَكَ
أَحَدٌ أَكْرِمُ على الله مَنْهُ))، قَالَ: فَارْفَضَ عَرَقاً. غريب.
((عن أنس عن النبي ﴿ ﴿ قال: أتي بالبراق ليلة أُسرِي به مُلجَماً)؛
أي: مشدوداً عليه اللجام.
((مُسرَجاً): موضوعاً عليه السرج؛ أي: كان مهيئاً للركوب.
((فاستصعبَ عليه))؛ أي: البراق على النبي ◌َّار، ولم يمكنه من الركوب.
«فقال له جبريل: أبمحمدٍ تفعل هذا؟ فما رکبك أحدٌ أکرم علی الله منه»؛
أي: من محمد.
(قال: فأَرْفَضَّ عرقاً)؛ أي: سال منه العرق.
(غریب)).
٣٥٥

٤٦٣٧ - وعَنْ بُرَيْدَةَ ﴿هُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لَمَّا انتَهَيْنا إلى بيتٍ
المَقْدِسِ قالَ جِبريلُ بأُصبُعِهِ، فخَرَقَ بها الحَجرَ، فشدَّ بِهِ البُراقَ)).
((وعن بريدة ه قال: قال: رسول الله صل﴾ لما انتهينا إلى بيت المقدس
قال جبرائيل بإصبعه)»؛ أي: أشار بها .
((فخرق بها الحجر))؛ أي: ثقب ثقباً نافذاً.
((فشدَّ به البراق)).
٤٦٣٨ - عن يَعلى بن مُرَّة الثَّقَفيِّ قَالَ: ثَلاثةُ أَشْيَاءَ رَأَيْتُها مِنْ رَسُولِ الله ◌ِّهِ:
بَيْنا نحنُ نَسيرُ معهُ إِذْ مَرَرْنا ببَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ البَعيرُ جَرْجَرَ، فوضَعَ
جِرانَهُ، فوقَفَ عليهِ النَّبِيُّ نَّهِ فَقَال: ((أينَ صاحِبُ هذا البعيرِ؟))، فَجَاءَهُ، فَقَالَ:
(بِعْنِيهِ))، فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لكَ يَا رَسُولَ الله! وإِنَّهُ لِأَهلِ بيتٍ ما لَهُمْ مَعِيشَةٌ غيرُهُ،
فقال: ((أَمَّا إِذَ ذَكَرَتَ هذا منْ أمْرِهِ فإِنَّه شَكا كَثْرَةَ العملِ وقِلَّةَ العَلَفِ، فأحْسِنوا
إليهِ»، ثُمَّ سِرْنا حتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلاً، فَنَامَ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الأَرْضَ حتَّى
غَشِيَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَكانِها، فلمَّا استيقظَ رَسُولُ اللهِنَّهِ ذَكَرْتُ لهُ، فقال: ((هِيَ
شَجرةٌ استأُذَنَتْ ربَّها في أَنْ تُسَلِّمَ على رَسُولِ اللهِهِ فَأَذَنِ لَها))، قال: ثُمَّ سِرْنا،
فمَرَرْنا بماءٍ، فأتَنَّهُ امرأةٌ بابن لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فأخذَ النَّبِيُّنَّهِ بِمَنْخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اخرُجْ،
إِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهَِ))، ثمَّ سِرْنا، فلمَّا رَجَعْنا مَرَرْنا بذلكَ المَاءِ، فَسَألَها عَنْ
الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ: والَّذِي بعثَكَ بالحَقِّ، ما رأينا منهُ رَيْباً بَعْدَك.
((عن يَعلى بن مُرَّة الثقفي ﴿ه قال: ثلاثة أشياء رأيتها من رسول الله صلى
الله تعالى عليه وسلم: بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعيرٍ يُسْنَى عليه))؛ أي:
يُستقَى الماء.
٣٥٦

((فلما رآه البعير جَرجَر))؛ أي: صوَّت وصاح، وقيل: أي: ردد الصوت.
((فوضع جرانه)): وهو بكسر الجيم باطن العنق، وقيل: مقدم العنق من
المذبح إلى المنحر .
((فوقف عليه النبيُّ بَّه فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فجاءه فقال:
بعنيه، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشةٌ غيره،
قال: أما إذا ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرةَ العملَ وقلة العلفَ، فأحسنوا
إليه، ثم سرنا حتى نزلنا منزلاً، فنام النبي ◌َّهِ، فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرضَ
حتى غشيته))؛ أي: النبي ◌َّ، وأظلته.
(ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
ذكرت له فقال: هي شجرةٌ استأذنت ربها في أن تسلم على رسول الله وَيته، فأذن
لها، قال: ثم ◌ِرْنا فمررنا بماءٍ»؛ أي: بقبيلةٍ.
((فأتته امرأةٌ بابن لها به جِنةٌ)): بكسر الجيم؛ أي: بالابن جنونٌ.
«فأخذ النبي ێ بمنخره، ثم قال» للجنون:
«اخرجْ؛ فإني محمد رسول الله، ثم سرنا فلما رجعنا مررنا بذلك الماء،
فسألها عن الصبي فقالت: والذي بعثك بالحق نبياً ما رأينا منه))؛ أي: من
الصبي ((رَيْباً))؛ أي: مكروهاً، وقيل: أي: شكاً؛ يعني: ما رأينا منه ما أوقعنا في
الشك من حاله .
((بعدك))؛ أي: بعد مفارقتك عنا.
٤٦٣٩ - وَقَالَ ابن عبَّاسِ عٌ﴾: إنَّ امْرأةً جَاءَتْ بابن لَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِوَهـ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ ابني بهِ جُنونٌ، وإِنَّهُ يأخُذُهُ عِنْدَ غَدائِنا وعَشائِنا، فمَسَحَ
رَسُولُ اللهِ﴾ِ صَدْرَهُ ودَعا، فَثَعَّ ثَغَّةً، وخرجَ مِنْ جَوْفِهِ مثلُ الجَرْوِ الأَسْودِ يَسعَى.
٣٥٧

((وقال ابن عباس ﴾: إن امرأةً جاءت بابن لها إلى رسول الله الضّهه
فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنونٌ، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا»؛ أي:
عند صباحنا ومسائنا .
((فمسح رسول الله وَّ﴿ صدره، ودعا، فثَعَّ ثعةً)): بتشديد العين؛ أي: قاء
قیئةً.
((وخرج من جوفه مثل الچِرو الأسود)»: والجِرو - بكسر الجيم -: ولد
الكلب وغيره من السباع .
(يسعى)): حالٌ من الجرو؛ أي: يتحرك ويمشي، وفيه دليل على جواز
الرقية إذا لم يكن فيها غير اسم الله تعالی.
٤٦٤٠ - عَنْ أَنَسِ ﴾ قَالَ: جَاء حِبريلُ إلى النَّبِيِّ وَ﴿ُ وهو جالِسٌ
حَزينٌ، قدْ تَخضَّبَ بالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أهلِ مَكَّةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله! هَلْ تُحبُّ أنْ
نُرِيَكَ أَيَّةً؟ قال: ((نَعَمْ))، فَتَظَرَ إلى شَجرةٍ مِنْ ورائِهِ فَقَال: ((ادعُ بِهَا))، فدَعا بها،
فجاءتْ، فقامَتْ بينَ يَدَيْهِ، فقال: مُرْهَا فَلْتَرجِعْ، فَأَمَرَها، فَرَجَعَتْ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَلِ: ((حَسْبِي، حَسْبي)).
((عن أنس ظبه قال: جاء جبرائيل - عليه السلام - إلى النبي ◌َّر وهو
جالس حزينٌ، قد تخضَّب بالدم من فعل أهل مكة)): وذلك كان يوم أُحُدٍ من
کسر رباعیته.
((قال: يا رسول الله! هل تحب أن نريك آية؟))؛ أي: علامة لصحة نبوتك،
قيل: قاله جبريل - عليه السلام - لتردده وَّ﴿ في نبوته؛ لأنه كان في أول الأمر.
((قال: نعم، فنظر إلى شجرة من ورائه، فقال جبريل: ادعُ بها، فدعا
٣٥٨

بها، فجاءت، فقامت بين يديه، فقال: مرها فلترجعْ، فأمرها فرجعت، فقال
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حسبي حسبي))؛ أي: كفاني في تسليتي
عمَّا لقيته من حزني هذه الكرامةُ من ربي.
٤٦٤١ - وقَالَ ابن عُمَرَ ظه: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِلَّهِ فِي سَفَرٍ، فَأقبَلَ
أَعْرَابِيٌّ، فَلَمَّ دَنَا قَالَ لهُ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((تشهدُ أنْ لا إِلهَ إلاَّ الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ
لهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولُهُ؟))، قَالَ: ومَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: ((هذِهِ
السَّلَمَةُ))، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللهِوَّهِ وهوَ بِشَاطِئِ الوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ
حتَى قامَتْ بِينَ يَدَيْهِ، فاستَشْهَدَها ثَلاَئاً، فَشَهِدَتْ ثَلاثاً أَنَّ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ
إلى مَنْبتِها.
((قال ابن عمر ﴾: كنا مع رسول الله آلټ في سفرٍ فأقبل أعرابيٌّ، فلما دنا
قال له رسول الله (صلحه: تشهد)): بحذف حرف الاستفهام.
((أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال:
ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السَّلَمة)): وهي بفتحتين: شجرة من
العضاه، ورقُها القرظُ الذي يُدَبغ به الجلد، وبكسرها: الحجر.
((فدعاها رسول الله ﴿ ﴿ وهو بشاطئ الوادي))؛ أي: كان وَل﴾ واقفاً بطرفه.
((فأقبلتْ تَخُدُّ الأرضَ)): بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة؛
أي: تشقها .
((حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً: أنه كما قال،
ثم رجعت إلى منبتها)).
٣٥٩

فَ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى رَسُولِ اللهِهِ فَقَالَ:
٤٦٤٢ ۔۔ وعن ابن عبّاسِ
ء
بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نبيٌّ؟ قَالَ: ((إِنْ دَعَوْتُ هذا العِذْقَ منْ هذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أَنِّي
رَسُولُ الله))، فدَعاهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَجَعَلَ يَنْزِلُ منَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إلى
النَّبِّ وَ﴿، ثمّ قال: ((ارجِعْ)، فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الأَعْرابِيُّ. صَحَّ.
((عن ابن عباسٍ ﴿﴾ قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله وَّر فقال: بم أعرف
أنك نبيٌّ؟ قال: أن دعوتُ)): بفتح الهمزة.
((هذا العِذْقَ)) بكسر العين المهملة: العرجون بشماريخه.
((من هذه النخلة)): والعذق من النخل بمنزلة العنقود من العنب.
(يشهد أني رسول الله، فدعاه رسولُ الله ◌َّ﴾، فجعل ينزل من النخلة حتى
سقطَ إلى النبيِّز، ثم قال: ارجعْ فعاد، فأسلمَ الأعرابيُّ))، ((صح)).
٤٦٤٣ - عَنْ أبي هُرِيْرَةَ رَهُ قَالَ: جَاءَ ذِئبٌ إلى رَاعِي غَنْمِ فأخذَ منها
شَاةً، فَطَلبَهُ الرَّاعِي حتَّى انتزَعَها منهُ، قَالَ: فصَعِدَ الذِّئبُ على تَلِّ فَأَقْعَى
واسْتَقَّر وقال: عَمَدْتُ إلى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ الله أَخَذْتُهُ ثُمَّ انتزَعْتَهُ مِنِّي؟ فقالَ الرَّجلُ:
تالله إنْ رأيتُ كاليوم! ذِئبٌ يَتكلَّمُ؟ فقالَ الذّئبُ: أَعْجَبُ منْ هذا رَجُلٌ في
النَّخَلاتِ بينَ الحَرَّتَيْنِ يُخْبرُكُمْ بِمَا مَضَى وبمَا هوَ كَائِنٌ بعدَكُمْ، قال: وكَانَ
الرَّجُلُ يَهُودِياً، فجَاءَ إِلى النَّبِيِّ وَّهَ، فأخبرَهُ وأسلَمَ، فصَدَّقَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ، ثُمَّ قَالَ
النبيُّ ◌َِّ: ((إنَّهَا أَمَاراتٌ بينَ يَدَي السَّاعَةِ، فقدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أنْ يَخرُجَ فلا
يَرجِعَ حتَّى تُحدِّثَهُ نَعْلاهُ وسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ» .
((عن أبي هريرة ه قال: جاء ذئبٌ إلى راعي غنم، فأخذ منها شاةً،
فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئبُ على تلِّ فأقْعَى))؛ أي:
٣٦٠