Indexed OCR Text
Pages 301-320
قَامَ وبطنُهُ مَعصُوبٌ بِحَجَرٍ، ولَبِثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّام لا نَذَوقُ ذَواقاً، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ◌َله المِعْوَلَ فضَربَ فِعَادَ كَثِيْباً أَهْيَلَ، فانْكَفأْتُ إلى امرأَتِي فَقُلتُ: هَلْ عِندَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأْيتُ بِالنَّبِيِّ نَّهِ خَمَصاً شَدِيْداً، فأخْرِجَتْ جِراباً فيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرِ، ولَنَا بُهَيْمَةٌ داجِنٌ فذبَحْتُها، وطَحنْتُ الشَّعيرَ، حتَّى جَعَلْنا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَسَارَرْتُهُ فقلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ ونَفَرٌّ معَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ وَهُ: (يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ! إنَّ جَابراً صَنَعِ سُؤْراً، فَحَيَّ هَلا بَكُمْ))، فقالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ»، وجاءَ فأخرَجَتْ لهُ عَجِيْناً فبَصَقَ فيهِ وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَصَقَ وباركَ، ثُمَّ قالَ: ((ادْعِي خابزةً فلتَخْبزْ معَكِ، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنِلُوها)، وهُمْ ألفٌ، فأُقْسِمُ بالله لأَكَلوا حتَّى تَرُوه وانحَرَفوا، وإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وإنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. ((وقال جابر: إنَّا يوم الخندق نحفرُ، فعرضت))؛ أي: ظهرت. ((كُديةٌ)): وهي - بضم الكاف وسكون الدال المهملة -: الأرض الصلبة الغليظة التي لا يعملُ فيها الفأس. (شديدة، فجاءوا النبي ◌ََّ، فقالوا: هذه كُديةٌ عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل))؛ أي: في الخندق. (ثم قام، وبطنُهُ معصوبٌ))؛ أي: مشدود من الجوع. ((بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقاً) بالفتح: ما يُذاقُ من المأكول والمشروب. ((فأخذ النبي ◌َ﴿ِ المِعوَلَ)): وهو - بكسر الميم وسكون العين المهملة -: الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر. ((فضربَ، فعادَ كئيباً))؛ أي: تلاً من الرمل. ٣٠١ ((أَهْيَلَ))؛ أي: سائلاً؛ يعني: ضرب النبي ◌َّ تلك الكُديةَ، فصارت كثيباً من الرمل ینصبُّ ویسیل. ((فانكفأت))؛ أي: فانصرفت ورجعت ((إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي ◌ٍَّ خَمَصاً))؛ أي: جوعاً. ((شديداً، فأخرجت جِراباً) بكسر الجيم: جلد مُنقَّى عن الشَّعر. ((فيه صاعٌ من شعير، ولنا بُهيمة)): تصغير بَهْمة، وهي ولد الضأن، يقع على الذكر والأنثى، وقيل: هي السخلة. ((داجن)): وهو ما ألف البيتَ واستأنس. («فذبحتها، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة)): وهي القدر من حجر . (ثم جئت إلى النبي ◌ٍَّ، فساررته))؛ أي: فكلمته سراً. ((وقلت: يا رسول الله! ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعالَ أنت ونفرٌ معك، فصاح النبيُّ ◌َّه: يا أهل الخندق! إن جابراً صنع سُؤْراً)؛ أي: هيأ لكم طعاماً. ((فحيَّ هلا بكم))؛ أي: يا رجال! هلموا وعجلوا إلى الطعام الذي صنع لكم جابر، وهي كلمة مركبة من (حيَّ) و(هل) مثل (خمسة عشر)، ويستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، فإذا وقفتَ عليه قلت: حي هلا، والألف لبيان أن الحركة كالهاء في ﴿كَنَبِيَهُ﴾ و﴿حِسَابِيَّة﴾؛ لأن الألف من مخرج الهاء، ويجوز: (حي هلاً) بالتنوين. («فقال رسول الله وَّهُ: لا تنزلنَّ برُمتكم، ولا تَخبزنَّ عجينَكم حتى أجيء، وجاء، فأخرجتُ له عجيناً، فبصق فيه))؛ أي: رمى بالبزاق في العجين. ٣٠٢ (وبارك))؛ أي: دعا بالبركة. (ثم عَمِدَ»؛ أي: قصد. ((إلى برُمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: ادعُ خابزةً، فلتخبزْ معي)): قيل: بإعانتي إياها . خاطب جابراً، ثم عدل إلى خطاب ربةِ البيتِ بقوله: ((واقدحي))؛ أي: اغرفي ((من برمتكم))، ثم عدل إلى الجمع، فقال: ((ولا تنزلوها))، خطاباً للخابزةِ وغيرها على التغليب. ((وهم يومئذ ألفٌ، فأقسمُ بالله لأكلوا حتى تركوه، وانحرفوا»؛ أي: مالوا ورجعوا إلى أماكنهم. ((وإن برُمتنا لتغِطَ)): بكسر الغين المعجمة والطاء المهملة؛ أي: لتفور وتغلي غلياناً، لها صوتٌ، ممتلئة ((كما هي، وإن عجيننا ليُخبَزُ كما هو)). ٤٥٩٢ - وقَالَ أَبو قَتَادَةَ: إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله ◌َّهِ قَالَ لِعمَّارٍ حِينَ يَحِفِرُ الخَنْدَقَ، فَجَعلَ يَمسحُ رأسَهُ ويقول: ((بُؤْسَ ابن سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الْبَاغِيَةُ)). ((وقال أبو قتادة ظه: إن رسول الله بَّهم قال لعمار حين يحفرُ الخندقَ، فجعل يمسح رأسه))؛ أي: فأخذ يمسح رأسَ عمار بن ياسر. ((ويقول: بؤس ابن سُمية)): (البؤس): الشدة والمشقة، و(سمية) بضم السين وفتح الميم والياء المشددة: اسم أم عمار؛ أي: يا شدة سمية التي تصل إليه، هذا إن رُوي (بؤسَ) بالنصب. وإن رُوي رفعاً، فخبر مبتدأ محذوف، و(ابن سمية) منادى؛ أي: يصيبك بؤسٌ وشدةٌ يا ابن سمية! ((تقتلك الفئة الباغية))؛ يعني: أهل البغي، وهم معاوية ٣٠٣ وقومه، كأنه ◌َّ ترحم له من الشدة التي يقع فيها، ثم ظهر صدقه وَّ، قتله أهل معاوية وقومه، وكان مع علي رضاه في حرب صِفين. ٤٥٩٣ - وقَالَ سُلَيمانُ بن صُرَدٍ: قالَ النَّبِيُّونَ﴿ِ حِيْنَ أَجْلِيَ الأحزابُ عنهُ: ((الآنَ نَغَزوهُم ولا يَغزونَنَا، نحنُ نَسيرُ إليهِمْ)). ((وقال سليمان بن صُرَد ◌ُه: قال النبيِ وَّ حين أُجِلِيَ الأحزابُ عنه»: يقال: أجلوا عن كذا؛ أي: انكشفوا عنه وانفرجوا، والأحزاب: الجماعة التي تجتمع على محاربة الأنبياء، ويوم الأحزاب: يوم الخندق؛ لأن الكفار تحزبوا؛ أي: اجتمعوا على محاربة أهل المدينة . ((الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، ونحن نسيرُ إليهم)): أخبر النبي ◌َّ حين انهزم الأحزاب بأن الظفرَ والنصرةَ قد جاء عليهم في هذه الساعة. ٤٥٩٤ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: لمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِوَهُ مِنَ الخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغْتَسلَ، أَتَاهُ جِبريلُ وهو يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الغُبارِ، فقالَ: ((لَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ، والله ما وَضَعتُهُ، اخرُجْ إِليهِمْ))، قالَ النَّبيُّ ◌ِر: ((فَأَيْنَ؟ فأشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ)). ٠ ((وقالت عائشة رضي الله عنها: لما رجع رسولُ اللهِ وَّ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل، أتاه جبريلُ وهو ينفضُ رأسَه)»: النفض: تحريك الشيء؛ ليزول ما عليه من الغبار وغيره؛ يعني: كان النبي ◌َّ يمسح رأس جبريل ((من الغبار))، والأولى أن يعود الضميران إلى جبريل عليه السلام. ٣٠٤ ((فقال))؛ أي: جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام. («قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعته، اخرجْ إليهم))؛ أي: قاصداً إلى بني قريظة، وهم اليهود. ((فقال النبي ◌َّه: فأين)) أقصد؟ ((فأشار إلى بني قريظة)). ٤٥٩٥ - قَالَ أَنَسَرُ: كَأَنِّي أَنظُرُ إلى الغُبارِ سَاطِعاً في زُقاقٍ بني غَنْمٍ مِنْ مَوْكِبٍ جِبريلَ عليهِ السَّلامُ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إلى بني قُرَيْظَةَ)). ((قال أنس : كأني أنظر الغبار ساطعاً))؛ أي: مرتفعاً. ((في زقاق بني غَنْم)): بفتح الغين المعجمة وسكون النون، ويروى بتحريكها: قبيلة من الأنصار؛ أي: في سكنهم. (من موكب جبريل عليه السلام))؛ أي: جماعته الذين هو فيهم، والموكب: جماعة الفرسان، وجماعة الركبان أيضاً يسيرون برفق. ((حين سار رسول الله وَّل إلى بني قريظة)). ٤٥٩٦ - وقَالَ جَابِرٌعُ: عَطِشَ النَّاسُ يومَ الحُدَيْبيَّةِ وَرَسُولُ اللهِ وَ﴿ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوضَّأَ مِنها، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نحوَهُ، قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنا مَاءٌ نَتَوضَّأُ بهِ ونَشْربُ إِلَّ ما في رَكْوَتِكَ، فَوَضَعَ النَّبِيُّ لَ﴿ يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ العُيونِ، قَالَ: فَشَرِبِنا وَتَوضَّأْنا، قيلَ لِجَابٍ: كَمْ كُنْتُم؟ قَالَ: لوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفاناً، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً. ((وقال جابر: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ( 4 98 بين يديه رَكوة)) ٣٠٥ بفتح الراء المهملة: ظرف يتوضأ منها ويشرب. ((فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ◌َّيز يده في الركوة، فجعل الماء)»؛ أي: طفق. (فور))؛ أي: يجيش. ((من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر: كم کنتم»؛ أي: کم رجلاً کنتم؟ ((قالوا: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة)). ٤٥٩٧ - وقَالَ البَراء بن عازِبٍ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ◌ِلَّهِ أَرْبَعِ عَشْرَةَ مِئَةً يومَ الحُدَيْبيَّةِ، والحُدَيْبيَةُ بِئْرٌ، فَتَزَحْنَاها، فَلَمْ نترُكْ فيها قَطْرةً، فبلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَأَتَاها فجَلَسَ على شَفِيرِها، ثُمَّ دَعَا بإناءٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ ودَعا، ثُمَّ صَبَّهُ فيها، ثُمَّ قَالَ: ((دَعُوها سَاعةً))، فأَرْوَوا أَنفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حَتَّى ارتحلوا. ((وقال البراء بن عازب: كنا مع رسول الله * أربع عشرة مئة يوم الحديبية، والحديبية بئر فنزحناها))؛ أي: استقينا ما في الحديبية. ((فلم نترك فيها قطرة، فبلغ))؛ أي: خبر انقضاء الماء. ((النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فأتاها))؛ أي: الحديبية. ((فجلس على شفيرها))؛ أي: طرفها . («ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبَّه فيها»؛ أي: ذلك الماء في الحديبية . ٣٠٦ ((ثم قال: دعوها ساعة، فأَرْووا أنفسهم وركابهم)): وهي الإبل التي يسأر عليها . ((حتى ارتحلوا))؛ أي: كانوا هم وركابهم يرتوون منها مدة إقامتهم هناك. ٤٥٩٨ - وقَالَ عِمْرانُ بن حُصَيْنِ ﴿ه: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّرَ، فاشتكَى إِليهِ النَّاسُ مِنَ العَطشِ، فنزَلَ، فدَعا فُلاناً ودَعا عَليّاً فقال: ((اذْهَبا فابتَغِيا المَاءَ»، فانطلَقا فَلَقِيا امرأةً بينَ مَزادَتَيْنِ - أو سَطِيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ، فَجَاءَا بها إلى النَّبِّ ◌َ﴿ فاستَنْزَلوها عَنْ بَعِيرِها، ودَعا النَّبِيُّ ◌َّ بِإِنَاءٍ ففرَّغَ فيهِ مِنْ أفواهِ المَزادَيْنِ، ونُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقوا، قال: فشَرِبنا عِطَاشاً أَرْبعينَ رَجُلاً حتَّى رَوِينا، فمَلأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنا وإِداوَةٍ، وايمُ الله لَقْدْ أُقِلِعَ عنها وإِنَّهُ لَيُخيَّلُ إِلَيْنَا أنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً منها حِينَ ابتَداً. ((وقال عمران بن حصين : كنا في سفر مع النبي ◌َّهر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً، ودعا علياً، فقال: اذهبا فابتغيا))؛ أي: اطلبا . ((الماء، فانطلقا، فتلقيا))؛ أي: استقبلا . ((امرأة بين مزادتين)): المَزَادة - بفتح الميم والزاي المعجمة -: وعاء يوضع فيه طعام السفر. قال الجوهري: المزادة: الراوية. ((أو سطيحتين من ماء)): والسطيحة: نوع من المزادة يتخذ من جلدين سُطِحَ أحدهما على الآخر. («فجاء! بها إلى النبي ◌َّ، فاستنزلوها))؛ أي: طلبوا منها أن تنزل. ٣٠٧ ((عن بعيرها، ودعا النبي ونَ﴿ بإناء، ففرَّغ فيه))؛ أي: صب في الإناء. ((من أفواه المزادتين، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا))؛ أي: ناولوا الإناء وانزحوا في أوانيكم وقربكم. ((قال: فشربنا عطاشاً)): نصب على الحال من الضمير في (شربنا). (أربعين رجلاً)): حال بعد حال، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في (عطاشاً). ((حتى روينا، فملأنا كل قربة معنا وإدَاوَة)) بكسر الهمزة: المِطهَرة. ((وايم الله لقد أُقلِع عنها)): بصيغة المجهول؛ أي: كُفَّ عن تلك المزادة وترك. ((وإنه))؛ أي: إن الشأن ((ليخيَّل))؛ أي: ليظنُّ ((إلينا أنها))؛ أي تلك المزادة ((أشد ملأً منها حين ابتدئ))؛ يعني: كانت أكثر ماء من تلك الساعة التي كان الناس يبتدؤون بالاستقاء. ٤٥٩٩ - وقَالَ جَابِرٌ ﴿ه: سِرْنا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﴿ِ حتَّى نَزَلنا وادِياً أفْيَحَ، فذهَبَ رَسُولُ الله ◌َِ﴿ يَقْضِي حَاجتَهُ فَلَمْ يرَ شَيئاً يَسْتِرُ بِهِ، وإذا شَجَرتانِ بِشَاطِئِ الوادِي، فانطلَقَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلىَ إِحْدَاهُما فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِها فَقَال: ((انْقادِي عَليَّ بإذنِ الله))، فانقادَتْ مَعَهُ كالبَعيرِ المَخْشوشِ الذي يُصانِعُ قائِدَهُ حتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى، فأخذَ بِغُصْنٍ منْ أغصَانِها فقال: ((انقادِي عليَّ بإذنِ الله)، فانقادَتْ معهُ كذلك، حتَّى إذا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بينهُما قال: ((الَئِّما عليَّ بإذنِ الله)، فالتَأَمَتا، فجلسْتُ أُحدِّثُ نفسِي، فحانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فِإِذَا أَنَ برسولِ اللهِ وَ﴿ مُقبلاً، وإذا الشَّجَرتانِ قدْ انْتَرَقَتَا، فقامَتْ كُلُّ واحِدةٍ منهُما على ساقٍ. ٣٠٨ ((وقال جابر: سرنا مع رسول الله وَّ﴾ حتى نزلنا وادياً أفيح))؛ أي: واسعاً. ((فذهب رسول الله وَّ﴾ يقضي حاجته، فلم يرَ شيئاً يستتر به، وإذا شجرتين)): روي منصوباً لفعلٍ مضمرٍ؛ أي: رأى رسول الله وَلـ شجرتين، وروي: (شجرتان) مرفوعاً، وهو ظاهر؛ لأنه موضع الخبر مبتدأ، فـ (إذا) للمفاجأة . (بشاطئ الوادي))؛ أي: بطرفه. ((فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ أي: ذهب. ((إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله، فانقادت معه)): معجزة له ێ . ((كالبعير المخشوش)): وهو الذي جعل في أنفه الخشاش، وهو - بكسر الخاء -: عُوَيد يجعل في أنف البعير لينقاد. «الذي یصانع»؛ أي: يطاوع وينقاد. ((قائده»، والأصل في المصانعة: الرشوة. ((حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصَف)) بفتح الميم والصاد المهملة: نصف الطريق. ((مما بينهما))؛ أي: بين الشجرتين. ((قال))؛ أي: النبي ◌َّ. ((التئما))؛ أي: اجتمعا ((علي بإذن الله، فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة))؛ أي: أتى وقتها، فعلة من (الالتفات)؛ يعني: كنت مشتغلاً بنفسي لا ألتفت إلى شيء، فالتفتُّ بغتةً. ٣٠٩ ((فإذا أنا برسول الله وَل مقبلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا)): بعد اجتماعهما . ((فقامت كل واحدة منهما على ساق))؛ يعني: رأيت تلك المعجزة منه ولد . ٤٦٠٠ - عَنْ يَزِيْدَ بن أبي عُبَيْدٍ ﴿﴾ قال: رأيتُ أثَرَ ضَرْبةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ ابن الأُكْوَعِ ﴾ فقلتُ: يا أبا مُسْلم! ما هذِهِ الضَّرْبةُ؟ قال: ضَرْبةٌ أصَابَتْنِي يومَ خَيْبَرَ، فقالَ النَّاسُ: أُصيْبَ سَلَمَةُ، فأتيتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِنَفَثَ فِيهِ ثَلاثَ نَفَثَاتٍ، فمَا اشْتَكَيُّتُها حتَّى السّاعةِ. ((عن يزيد بن أبي عُبيدٍ ﴾ قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة))؛ أي: مات بسبب الضربة. ((فأتيت النبي ◌َّ﴿، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة))؛ أي: إلى الآن. ٤٦٠١ - وقَالَ سهْلُ بن سَعْدٍ ◌َُه: قالَ رَسُولَ اللهِ لَّهُ يومَ خَيْبَرَ: (لأُعْطِيَنَّ هذِهِ الرَّايةَ غَداً رَجُلاً يَفتحُ الله على يَديهِ يُحبُّ الله ورسولَهُ ويُحبُّهُ الله ورسولُهُ))، فلمَّا أصْبحَ النَّاسُ غَدَوْا على رَسُولِ اللهِّهِ، فَقَال: ((أَيْنَ عليّ بن أبي طالِبٍ؟))، فقالوا: هوَ يا رَسُولَ الله! يَشْتَكِي عِيْنَّهِ، فأَتِيَ بهِ، فَبَصقَ فِي عَيْثَّهِ ودَعا لهُ فَبَرَأَ حَتَّى كأنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وجَعٌّ، فأعطاهُ الرايةَ. ((وقال سهل بن سعد ه: قال رسول الله وَله يوم خيبر: لأعطين هذه ٣١٠ الراية غداً رجلاً يفتح الله))؛ أي: خيبر. ((على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح الناسُ غَدَو على رسول الله (وَ ﴿))؛ أي: أتوه وقت الغداة. ((فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينه، فأتي به، فبصق في عينه، ودعا له فبرأ))؛ أي: فشفي. ((حتى كأن لم يكنْ به وجع، فأعطاه الراية»: وفيه دليل على فضيلة علي على سائر الصحابة . ٤٦٠٢ - وقَالَ أَنَسٌ ﴿ه: نَعَى النَّبِيُّ ◌َّهِ زَيْداً وجَعْفَراً وابن رَواحةَ لِلنَّاسِ قبلَ أنْ يأتيَهُمْ خبرُهُمْ فَقَالَ: «أخذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فَأُصيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعفَرُ فَأُصيبَ، ثُمَّ أخذَ ابن رَواحَةَ فَأُصيبَ - وعَيْناهُ تَذْرِفان - حتَّى أخذَ الرَّايةَ سَيْفٌ منْ سُيوفٍ الله - يَعني: خَالدَ بن الوليدِ ﴿ُه - حتَّى فتحَ الله عليهِم)). ((وقال أنس به: نعى النبي ◌َّ﴿ زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس))؛ أي: أخبر الناس بموتهم . ((قبل أن يأتيهم خبرهم))؛ أي: الناس خبر موتهم، وفيه دليل على جواز النعي. ((فقال))؛ أي: النبي عليه الصلاة والسلام. ((أخذ الراية زيد فأصيب))؛ أي: مات. ((ثم أخذ جعفرٌ فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه))؛ أي: عينا رسول الله ◌َ ﴾ ((تذرفان))؛ أي: يسيل منهما الدمع لموت هؤلاء الثلاثة، وفيه ٣١١ دليل على جواز البكاء على الميت. ((حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله؛ يعني: خالد بن الوليد حتى فتح الله عليهم)) . ٤٦٠٣ - وقَالَ عَبَّاسٌ لَه: شَهِدْتُ معَ رَسُولِ اللهِنَّهِ يومَ حُنَيْنٍ، فلمَّا الْتَّقَى المُسْلِمُونَ والكُفَّارُ وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدبرينَ، فطفِقَ رَسُولُ الله ◌َِّ يَرْكُضُ بَغْلتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ وأَنَا آخِذٌ بِجامِ بَغْلةِ رسولِ اللهِ وَّهِ أَكُفُّها إِرَادَةَ أنْ لا تُسرِعَ، وَأَبُو سُفيانَ بنِ الحَارِثِ ﴿ أَخِذُ برِكَابِ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهَِهُ وهوَ على بَغلتِهِ كالمُتطاوِلِ عليْها إلى قِتالِهِمْ فقال: ((هذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ!))، ثُمَّ أَخَذَ حَصَياتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وجُوهَ الكُفَّارِ ثُمَّ قال: ((انهَزَموا ورَبِّ مُحَمَّدٍ))، فوالله ما هُوَ إلاَّ أنْ رَماهُمْ بحَصَياتِهِ، فما زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلاً وأمْرَهُمْ مُدبراً. ((وقال عباس ◌ُه: شهدت))؛ أي: حضرتُ. (مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حُنينٍ))؛ أي: يوم وقعة حنين اسم موضع . ((فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين))؛ أي: أدبروا متوجِّهین إلی خلفهم. ((فطفق رسول الله ﴿ يَركُضُ بغلته))؛ أي: يحثها لتعدو ((قِبَلَ الكفار))؛ أي: نحوهم. ((وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله وولفر أكفها))؛ أي: أمنع البغلة . ((إرادة أن لا تسرع)): في العدو نحوهم. ٣١٢ ((وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله وَ له، فنظر رسول الله وَله وهو على بغلته)): الواو للحال؛ يعني: نظر ◌ّ في حال كونه راكباً على بغلته، والكاف في قوله: (كالمتطاول عليها)»: حال من الضمير المرفوع في (على بغلته)؛ أي: كائناً كالغالب القادر على سوقها . ((إلى قتالهم)): متعلق بـ (نظر). ((فقال: هذا))؛ أي: هذا الحين. ((حين حمي الوطيس)): وهو - بفتح الواو وكسر الطاء -: التنور، وقيل: الضراب في الحرب، وقيل: الوطء الذي يطيس الناس؛ أي: يدقهم، وقيل: حجارة مدورة إذا أُحمِيت لم يقدر أحد أن يطأها، ولم تسمع لغة الوطيس من أحد قبل النبي ◌َّر، عبر به عن اشتباك الحرب واشتدادها وقيامها على ساق. ((ثم أخذ حصيات)): جمع حصاة. ((فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمدٍ»: والرمي وإن صدر في الظاهر منه وَّ، لكن الله تعالى نفاه عنه حقيقة؛ دفعاً للسبب، وأضاف إلى نفسه من الحقيقة؛ إتياناً للمسبب؛ لأنه لا فاعلَ في عالم الوجود إلا الله في الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْنَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَى﴾﴾ [الأنفال: ١٧]. قال الراوي: ((فو الله ما هو))؛ أي: ليس انهزام الكفار. ((إلا أن رماهم بحصياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم))؛ أي: بأسهم وشدتهم وسیوفهم. ((كليلاً))؛ أي: ضعيفاً. ((وأمرهم مدبراً). * * * ٣١٣ ٤٦٠٤ - وقِيْلَ للبَراءِ بن عَازِبٍ ﴾: أفَرَرْتُمْ يومَ حُنَيَّنٍ؟ قال: لا والله ما وَلَى رَسُولُ اللهِوَّهِ، ولكنَّ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحابهِ لَيسَ عليهِمْ كثيرُ سِلاحٍ، فَلَقُوا قَوماً رُماةً لا يَكادُ يَسقُطُ لهُمْ سَهْمٌ، فرَشَقُوهُمْ رَشْقاً ما يَكادونَ يُخطِئُونَ، فأقبَلُوا هُناكَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، ورَسُولُ اللهِنَّهِ على بَغْلِتِهِ البَيْضَاءِ، وأبو سُفيانَ بن الحَارِثِ ﴿هِ يَقُودُهُ، فنزلَ واستنصَرَ وقال: أَنَا ابن عبدِ المُطَّلِبْ» ((أَنَا النَّبيُّ لا حَذِبْ ثُمَّ صَفَّهُمْ. ((وقيل للبراء: أفررتم يوم حُنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله وَله ولكن خرج شبان أصحابه)): جمع شاب. ((ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا))؛ أي: أبصروا. ((قوماً رماة)) بضم الراء: جمع رام. ((لا يكاد يسقط لهم))؛ أي: على الأرض. ((سهم، فرشقوهم))؛ أي: رموهم بالسهام. ((رشقاً ما يكادون يخطئون))؛ أي: في الرمي. (( فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﴿﴿ ورسولُ الله على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقوده، فنزل))؛ أي: النبي ◌َّه عن بغلته. ((واستنصر))؛ أي: طلب النصرة من الله تعالى. ((وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)): قيل: إنه على سبيل التعريف لا على سبيل المباهاة، وقد كان أصحاب الأخبار من أهل الكتاب يتحدثون بأن النبي ◌ّ الموعود به في آخر الزمان من بني عبد المطلب، فذكَّرهم بما اشتهر فيهم؛ ليرجعوا عن قتالهم. ٣١٤ قال التوربشتي: إن القول ربما صدر عن صاحبه مستقيماً على وزن الشعر من غير تعمد منه، فلا يعدُّ ذلك عليه شعراً، ثم إنه رجز، والرجز خارجٌ من جملة ما يتعاطاه الشعراء على القوانين الموضوعة في العَروض. ((ثم صفهم))؛ أي: المسلمين، يقال: صففت القوم: إذا أقمتهم في الحرب صفاً. ٤٦٠٥ - قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا والله إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وإنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحاذِي بهِ، يَعني: رسولَ الله ◌ِلُه . ((قال البراء: كنا والله إذا احمرّ البأسُ))؛ أي: اشتد الحرب، من قولهم: موت أحمر: إذا وُصِف بالشدة، وكذا: سنة حمراء، والعرب تصف عام القحط بالحمرة، واحمرار الحرب كناية عن إراقة الدماء. (نتقي به))؛ أي: بالنبي ◌َّ؛ أي: نجعله واقياً لنا من العدو. ((وإن الشجاعَ منا لَلذي يحاذي به؛ يعني: بالنبي ◌ِّر)؛ أي: يوازي منكبه حذو منكبه . ٤٦٠٦ - وقَالَ سَلَمَةُ بن الأَْوَعِ ﴾: ((غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ اللهِوَِّ حُنَيَّناً، فَوَلَّى صَحابةُ رَسُولِ اللهِنَّهِ فلمَّا غَشُوا رَسُولَ اللهِوَهُ نَزَلَ عَنِ البَغْلةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسَتَقْبَلَ بها وُجُوهَهُمْ، فَقَال: ((شَاهَتٍ الوُجوهُ»، فَمَا خَلَقَ الله منهُمْ إِنْسَاناً إِلاَّ مَلَ عَيْنَيْهِ تُراباً بِتِلْكَ القَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدبرينَ . ٣١٥ ((وقال سلمة بن الأكوع: غزونا مع رسول الله صل﴿ حُنيناً، فولى صحابة رسول الله ﴿، فلما غَشُوا))؛ أي: جاؤوا ((رسولَ اللهُ وَّ)) وحفوه، ((نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من ترابٍ من الأرض، ثم استقبل به))؛ أي: بالتراب فرمی به . («وجوههم فقال: شاهت الوجوه))؛ أي: قبحت، دعاء على العدو. ((فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرین)) . ٤٦٠٧ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَهُ قَالَ: شَهِدْنا مَعَ رَسُولِ اللهِوَِّ حُنَيّاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسلامَ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فلمَّا حَضَرَ القِتَالُ قاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتالِ وكَثُرَتْ بهِ الجِراحُ، فجَاءَ رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَنْتَ الذِي تَحدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قاتَلَ في سَبيلِ الله مِنْ أَشَدِّ القِتالِ فكثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ، فَقَال: ((أَمَا إِنَّهُ منْ أَهلِ النَّارِ»، فكادَ بعضُ المُسْلِمِينَ يَرِتابُ، فَبَيْنَما هُمْ عَلَىَ ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِراحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلى كِنانتِهِ فانتزَعَ سَهْماً فانتحَرَ بهِ، فاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى رَسُولِ اللهِوَهُ فَقَالُوا: يا رسولَ الله! صَدَّقَ اللهِ حَديثَكَ، قَدْ انتحَرَ فُلانٌ وقتلَ نفسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الله أَكْبرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبدُ الله ورَسُولُهُ، يَا بِلالُ! قُمْ فأذِّنْ: لا يَدخلُ الجَنَّةَ إِلَّ مُؤْمِنٌ، وإِنَّ اللّه لَيُؤيدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ)). ((عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله وَ لل حنيناً، فقال رسول الله وَله لرجل ممن معه يدَّعي الإسلام))؛ أي: في الظاهر، وهو منافق. ((هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال، ٣١٦ فكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الذي تحدِّثُ أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال، فكثرت به الجراح، فقال: أما إنه من أهل النار، فكاد بعض الناس يرتاب))؛ أي: فقرب أن يرتاب بعضهم؛ أي: يشك في قوله ◌َّ: إنه من أهل النار. ((فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجلُ ألمَ الجراح، فأهوى بيده))؛ أي: قصد بها . ((إلى كنانته)): وهو - بكسر الكاف -: ظرف السهم. ((فانتزع))؛ أي: سلَّ ((سهماً). «فانتحر بها))؛ أي: نحر نفسه. ((فاشتد رجال من المسلمين))؛ أي: عدوا قاصدين ((إلى رسول الله داخل فقالوا: يا رسول الله! صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، وقتل نفسه، فقال رسول الله ◌ّ: الله أكبر»: هذا كلام يقال عند الفرح. ((أشهد أني عبدالله ورسوله، يا بلال! قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد))؛ أي: يقوي ((هذا الدين)): المحمدي، وينصره ((بالرجل الفاجر)). ٤٦٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللهِِّ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إليهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وما فَعَلَهُ، حتَّى كَانَ ذَاتَ يَومِ عندِي، دَعا الله ودَعاهُ، ثُمَّ قال: ((أشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أنَّ الله قَدْ أَفتانِي فِيْمَا استفتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلانِ، جَلَسَ أحدُهُما عندَ رأْسِي والآخرُ عِندَ رِجْلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبوبٌ، قَالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بن الأَعْصَمِ البَهُودِيُّ، ٣١٧ قَالَ: فِيْ ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فَأَيْنَ هوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذَرْوانَ)، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ◌َه فِي أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِه إلى البثْرِ فَقَال: ((هذِهِ البثْرُ الَّتِي أُرِيتُها، وكأَنَّ مَاءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وكَأَنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ))، فاستخرجَهُ. ((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سُحِر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ يعني: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي. «حتی إنه لیخیل إليه))؛ أي: ليظن. ((أنه فعل الشيء، وما فعله))؛ يعني: غلب عليه النسيان، وقد فعل ذلك في أمر الدنيا، لا في أمر الدين؛ لأن [الأنبياء] معصومون في أمر الوحي، فلا يؤثر فيهم السحر في ذلك. ((حتى إذا كان ذات يوم عندي، دعا الله ودعاه))؛ أي: استجاب دعاءه، وقيل: معناه: دعاء الله مرة بعد أخرى. ((ثم قال: أشعرت))؛ أي: أعلمت ((يا عائشة! أن الله قد أفتاني))؛ أي: بيَّن لي. ((فيما استفتيته))؛ أي: فيما طلبت منه بيانه. ((جاءني رجلان، جلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب))؛ أي: مسحور، والطب: السحر، كُّوا عن السحر بالطب الذي هو العلاج تفاؤلاً بالبرء، كما كنوا عن اللديغ بالسليم، وقيل: هو من الأضداد. («قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟))؛ أي: في أيِّ شيء طبه؟ ٣١٨ ((قال: في مشط ومشاطة)) بضم الميم: الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند الامتشاط بالمشط . ((وجُفِّ طلعة ذكر)): والجف ـ بضم الجيم - وعاء الطلع، وهو قشره، ويروى: (في جب طلعة) أراد بالجب: داخل الطلعة، وقيل: طلعةِ ذكرٍ بالإضافة، أراد بالذكر: فحل النخل، وفي بعض بالتنوين صفة وموصوفاً. ((قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان)): وهو - بفتح الذال المعجمة وسكون الراء المهملة -: اسم موضع، وقيل: ذروان بئر المدينة؛ يعني: بئر بالمدينة لبني زريق. وفي ((كتاب مسلم)): (بئر ذي أروان). قيل: وهو الصواب؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة ساعة من المدينة . ((فذهب النبي ◌َّهر في أناس من أصحابه إلى البئر، فقال: هذه البئر التي أُريتها)»؛ أي: التي أراني جبريل - عليه السلام - إياها. ((وكأن ماءها نقاعةُ الحَّاء)»؛ أي: متغير لونه، كمثل ماء نقع فيه الحناء. ((وكأن نخلها))؛ أي: نخل تلك البئر، أراد به: طلع النخل، وإنما أضافه إلى البئر؛ لأنه كان مدفوناً فيها . ((رؤوس الشياطين)): وإنما شبهه بها لقبح صورته، وكراهة منظره؛ لأن العرب إذا استقبحوا شيئاً يشُبهوه بوجه الشيطان، قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ. رُؤُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]. وقيل: أراد بالشياطين: الحيَّات الخبيثة؛ أي: أنها دقيقة كرؤوس الحيات، والحيةُ لخبثها يقال لها: شيطان. «فاستخرجه)). ٣١٩ ٤٦٠٩ - عَنْ أَبِي سَعيدِ الخُدرِيِّ ◌َ﴾ قَالَ: بَيْنما نَحْنُ عِندَ النَّبِّ وَّهِ وهوَ يَقْسِمُ قَسْماً أَنَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وهوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَمِيمٍ، فَقَال: يا رَسُولَ الله! اعدِلْ، فَقَال: ((ويلَكَ! فمَنْ يَعدِلُ إذا لمْ أعدِلْ؟ قَدْ خَبْتُ وخَسِرْتُ إِذَا لمْ أَكُنْ أعدِلُ))، فَقَال عُمرُ: ائْذَنْ لِي أَنْ أَضْرِبِ عُنُقَهُ، فَقَالَ: ((دَعْهُ، فَإِنَّ لهُ أَصْحَاباً يَحقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ معَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ معَ صِيامِهِمْ، يَقْرَؤُوْنَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ، إلى رِصَافِهِ، إلى نَضيهِ - وهو: قِدْحُهُ - إلى قُذَذِهِ، فلا يُوجدُ فيهِ شيءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيْتُهُمْ رَجُلٌ أَسْودُ إِحْدَى عضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ، أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويَخرُجونَ على حِينٍ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ)) . قالَ أبو سَعِيْدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هذا الحَديْثَ مِنْ رَسُولِ اللهِ﴾ وأَشْهَدُ أنَّ عليّ بن أبي طالِبٍ عَظُه قاتَلَهُمْ وَنَا معَهُ، فأمرَ بذلكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ، فَأَتِيَ بهِ حتَّى نَظَرتُ إليهِ على نَعْتِ النَّبِّ ◌َّهِ الذي نَعَتَهُ. وفي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيَّنِ، نَتِئُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللَّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ الله، قَالَ: ((فَمَنْ يُطِيعُ الله إذا عَصَيْتُهُ، فَأْمَنُني الله على أهلِ الأرضِ فلا تَأْمَنُوني؟))، فَسَألَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فمنعَهُ، فَلَمَّا ولَّى قال: ((إنَّ مِنْ ضئْضىٍ هذا قَوْماً يَقْرَؤُونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ مُروقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِنَّةِ، فِيَقْتُلُونَ أهلَ الإِسلامِ، ويَدَعُونَ أهلَ الأوْثَانِ، لَئِنْ أدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)) . ((عن أبي سعيد الخدري تُ قال: بينا نحن عند رسول الله وَّر وهو يقسم قسماً)) بالفتح: مصدر (قسمت الشيء)، سمى الشيء المقسوم - وهو الغنيمة - بالمصدر؛ يعني: أنه ◌ّ﴿ كان يقسم غنائم حنين بالجعرانة . ((أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم)): قيل: اسمه حرقوص بن ٣٢٠