Indexed OCR Text

Pages 21-40

٤٢٧٨ - عن عبدِ الله بن عُمَرَ ﴾ قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((يَطْوِي الله
السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ
الجبّارونَ؟ أينَ المُتَكَبرُونَ؟ ثمَّ يَطْوِي الأَرْضينَ بشِمالِهِ - وفي روايةٍ: ثُمَّ
يأخُذُهُنَّ بيدِه الأُخْرِىَ - ثمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجَبَّارونَ؟ أينَ المُتكبرونَ؟)).
((عن عبدالله بن عمر ﴾ قال: قال رسول الله وَله: يطوي الله تعالى
السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين
الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله)): تخصيص السماء
باليمين والأرض بالشمال بحسب شرف المقبوض؛ لشرف العلويات على
السفليات، وإلا فلا يمينَ له حقيقةً، ولا شمال.
((وفي رواية: ثم يأخذهن بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أين
الجبارون؟ أين المتكبرون)»؟
٤٢٧٩ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: ((جَاءَ حَبْرٌ منَ اليهودِ إلى النَّبيِّ ◌َِّ
فقال: يا مُحَمَّدُ! إنَّ الله يُمسِكُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامةِ على إِصْبَعٍ، والأَرضينَ
على إِصْبَعٍ، والجِبالَ والشَّجَرَ على إِصْبَعٍ، والماءَ والثَّرَى على إِصْبَعِ،
وسائِرَ الخَلْقِ على إِصِبَع، ثم يَهُزُّهُنَّ فيقولُ: أنا الملِكُ، أنا الله، فَضَحِكَ
رسولُ اللهِ وَ﴿ تَعَجُّباً مِمَّا قَالَ الحَبْرُ تَصْدِيقاً لهُ، ثُمَّ قَرأَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،
وَاْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى
عَمَّا يُشْرِكُنَ﴾)).
((عن عبدالله بن مسعود ه قال: جاء حبرٌ من اليهود إلى رسول الله واله
فقال: يا محمد! إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبع)): يراد
به : سعة القدرة.
٢١

((والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، والماء والثرى
على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهنَّ فيقول: أنا الملك، أنا الله،
فضحك رسول الله وَ تعجباً مما قال الحبرُ تصديقاً له، ثم قرأ»؛ أي:
رسول الله الـ
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ ﴾؛ أي: ما عرفوه حقَّ معرفته.
﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾: الواو للحال؛ أي: والأرضون السبع.
﴿قَبْضَتُّهُ,﴾؛ أي: مقبوضة.
﴿يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾؛ يعني: في ملكه وتصرفه، يتصرف فيها كيف يشاء بلا
مزاحم مع سهولة؛ أي: هن بعظمتهن بالنسبة إلى قدرته تعالى ليست إلا قبضة
واحدة .
﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَتُ بِيَمِينِهِ،﴾؛ أي: مجموعات بقدرته.
أو معناه: مفنيات بقسَمِهِ؛ لأنه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنه يفنيها، وفيه
تنبيه للناس على عظمته؛ ليعرفوه حق معرفته، ويعظموه حق عظمته، ولا يصفوه
كما وصفه اليهود والمشركون بنسبة الولد إليه والشريك.
﴿سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]؛ أي: نزَّه نفسه تنزيهاً وتعظّم
عما يصفون له مما لا يليق بذاته وصفاته .
٤٢٨٠ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلْتُ رسولَ اللهِلَّهُ عِنْ
قولِه ◌ّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَبِرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ : فَأَيْنَ يكونُ النّاسُ يومئذٍ؟
قالَ: ((علَى الصِّراطِ)).
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألتُ رسول اللهِ وَّهِ عن قوله:
٢٢

يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ ﴾ [إبراهيم: ٤٨])): التبديلُ: تغييرُ الشيء عن
حاله، والإبدال: جعل الشيء مكان آخر.
قال الأزهري: تبديل الأرض: تسيير جبالها، وتفجير أنهارها، وتكوينها
مستوية لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتبديل السموات: بانتشار كواكبها
وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسف قمرها.
((فأين يكون الناس يومئذ؟ فقال: على الصراط)).
٤٢٨١ - وقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((الشَّمْسُ والقَمَرُ مُكوَّرانِ يَوْمَ القِيامَةِ)).
((قال عليه الصلاة والسلام: الشمس والقمر مكوَّرانِ يوم القيامة))؛ أي:
مجموعان ومكفوفان، ومنه تكوير العمامة، وقيل: يُلفُّ ضوءهما لفاً، فيذهب
انبساطهما في الآفاق، وقيل: من (كوَّره): إذا ألقاه، فمعناه: يلقيان من فلكيهما.
مِنَ الحِسَان:
٤٢٨٢ - عن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((كيفَ أَنْعَمُ
وصاحِبُ الصُّورِ قِدِ التَّقَمَهُ، وأصْغَى سَمْعَهُ، وحَتَى جَبْهَتَهُ متَى يُؤْمَرُ بالنَّفْخِ؟» .
فقالوا: يا رسولَ الله! وما تَأْمُرُنا؟ قال: ((قُولُوا: حَسْبنا الله ونِعْمَ الوَكيلُ)).
((من الحسان)):
((عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ﴾: كيف أَنْعَمُ))؛ أي: كيف
أتنعم؟ وقيل: كيف أفرح؟
((وصاحبُ الصور قد التقمه))؛ أي: وضع طرف الصور في فمه.
«وأصغى سمعه))؛ أي: أمال أذنه.
٢٣

((وحنى جبهته))؛ أي: أمالها ينتظر.
((متى يُؤْمَرُ بالنفخ، فقالوا: يا رسول الله! وما تأمرنا؟ قال: قولوا: حسبنا
الله)): وهو مبتدأ، خبره (حسبنا)؛ أي: کافینا.
((ونعم الوكيل))؛ أي: نعم الموكول إليه الله، فعيل بمعنى: مفعول،
والمخصوص بالمدح محذوف.
٤٢٨٣ - عن عبدالله بن عَمْرٍوَهُ، عَنِ النَّبيِّ وَ﴿ قالَ: ((الصُّورُ قَرْنٌ
◌ُنْفَخُ فیهِ».
((عن عبدالله بن عمرو ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: الصورُ قرنّ ينفخ فيه)»: قيل: دائرة رأسه كعرض السموات والأرض.
٣ - باب
الحَشْرِ
(باب الحشر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٢٨٤ - قالَ رسولُ الله ◌َِّ: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامةِ على أَرْضٍ بَيْضاءَ
عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، ليسَ فيها عَلَمٌّ لأَحَدٍ».
((من الصحاح)):
((قال رسول الله ويلي: يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء))؛ أي:
خالية من الغرس.
((عفراء)): وهي البيضاء التي ليست بشديدة البياض.
٢٤

((كقُرصةِ النقيِّ»: وهو صفة لمحذوف؛ أي: الخبز النقي، يريد بذلك:
استدارتها واستواء أجزائها، شبَّهها بقرصة النقي باعتبار صغر أجزائها؛ لأنها تدأُ
یومئذ دکاً.
((ليس فيها علم لأحد)): من الأبنية وغيرها، بل تكون مستوية؛ لئلا
يختفي بها أحدٌ.
٤٢٨٥ - وقالَ: ((تكونُ الأَرْضُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً، يتكَفَّؤُها الجَبَّارُ
بيدِه، نُزُلاً لأَهْلِ الجَنَّةِ».
((وقال: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة)): معناه كمعنى قُرصة
النقي.
((يتكفَّؤها الجبارُ)): صفة (خبزة)؛ أي: يقلبها ويميلها ويبدلها .
(بيده نُزُلاً لأهل الجنة)): و(النزل) بالضم: ما يُهيّأ للنزيل، وهو الضيف.
وقيل: المراد ما عند الله من الأجر والثواب.
وقيل: أنه * لم يرد أن جرم الأرض ينقلب يومئذ في الشكل والطبع خبزة
واحدة، بل أراد به: أنها تكون حينئذ بالنسبة إلى ما أعده الله تعالى لأهل الجنة
كقرصة النقي يستعجل المضيف بها نزلاً للضيف، ونبه ◌َّهر بذلك على عظم نعم
الآخرة، وحقارة نعم الدنيا بالإضافة، وأشار إلى سهولة تصرفه فيها.
ومنهم من أجرى الحديث على ظاهره؛ فإن الله تعالى قادر على أن يقلب
طبع الأرض إلى طبع المطعوم.
٢٥

٤٢٨٦ - وقال: ((يُحْشَرُ النَّاسُ على ثلاثٍ طرائِقَ: راغِبينَ راهِبِينَ، واثنانِ
على بعيرٍ، وثلاثةٌ على بَعيرٍ، وأَرْبَعَةٌ على بعيرٍ، وعَشَرَةٌ على بعيرٍ، وتَحْشُرُ
بقيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حيثُ قالُوا، وتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ باتُوا، وتُصْبِحُ مَعَهُمْ
حيثُ أَصْبَحُوا، وتُمْسِي مَعَهُمْ حيثُ أَمْسَوْ)).
((وقال: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثٍ طرائقَ))؛ أي: ثلاث فرق.
(راغبين))؛ أي: الأول: قوم يرغبون، ويحرصون باختيارهم إلى أرض
المحشر، وهم الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، وهم أصحاب اليمين.
((راهبين))؛ أي: الثاني: قوم يرهبون؛ أي: يخافون، يريد به: عوام
المؤمنين الذين يترددون بين الخوف والرجاء؛ فتارة يرجون رحمة الله لإيمانهم،
وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات، وهم أصحاب الميمنة.
((واثنان على بعير)): الواو للحال.
((وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير)): يريد: أنهم
يتناوبون، يعتقبون البعير الواحد، والأولى أن يُحمَّل ذلك على الاجتماع؛ لأن
في الاعتقاب لا يكون الاثنان ولا الثلاثة على بعير، وهذا تفصيل لمراتبهم
ومنازلهم في السبق وعلو الدرجة على سبيل الكناية والتمثيل، وأن تفاوتهم في
المراكب بحسب تفاوت نفوسهم واختلاف أقدامهم في العلم والعمل، فمن كان
أعلى مرتبة كان أقل شركة وأشد سرعة وأكثر سباقاً، وإنما لم يذكر منهم من
يتفرد على بعير؛ لأن ذلك مخصوص بالأنبياء إكراماً لهم، فالمراد بالناس: غير
الخواص .
((وتحشر بقيتهم النار))؛ أي: الثالث: قوم تسوقهم النار، وهم أصحاب
المشأمة.
٢٦

((تقيل معهم)): من القيلولة، وهي النوم في الظهيرة؛ أي: تقيل النار مع
المحشورين
((حيث قالوا، وتبيت))؛ أي: النار ((معهم حيث باتوا، وتصبح معهم
حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا))؛ يعني: تلازمهم النار في جميع
أحوالهم، بحيث لا تفارقهم أصلاً، ولا يفارقونها، وهم الكفرة.
وقيل: هذا الحشر إنما يكون قبل قيام الساعة أحياء إلى الشام بقرينة
قيلولتهم وبيتوتهم؛ لأن هذه الأحوال إنما تكون في الدنيا .
وهذا آخر أشراط الساعة، كما في حديث آخره: ((وآخر ذلك نار تخرج
من قعر عدن تطرد الناس إلى محشرهم))، فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من
القبور؛ فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، وإنما هو كما
أخبر: أنهم يبعثون حفاة عُراة غُرلاً، كما في الحديث التالي.
وقيل: يكون بعد البعث؛ لأن الحشر إذا ذُكِر مطلقاً يُصرَف إلى ما بعد
الموت، وهو مختار الإمام التوربشتي؛ لما رُوِي عن أبي هريرة ظُه: ((يحشر
الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفاً مشاة، وصنفاً ركباناً، وصنفاً على
وجوههم))، وکونهم حفاة عراة لا ينافي كونهم ركباناً.
٤٢٨٧ - وقالَ: ((إنّكم مَحْشورونَ حُفاةً عُراةً غُرْلاً))، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ
أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾، ((وأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يومَ القِيامةِ
إبراهيمُ، وإنَّ ناساً منْ أَصْحابي يُؤْخَذُ بهمْ ذاتَ الشِّمالِ فأقولُ: أَصْحابي،
أَصْحابي، فيقولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزالوا مُرْتَدِّينَ على أَعْقابهم مُذْ فارَقْتَهُمْ، فأقولُ كما
قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاً مَّا دُمْتُ فِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ﴾.
٢٧

((وقال: إنكم تحشرون حُفاة)): جمع الحافي، نصب على الحال.
((عُراة)): جمع العاري.
((غُزْلاً)) بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة: جمع الأغرل، وهو
الأقلف، والغُزلة: القُلْفة.
(ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقِ تُّعِيدُهُ﴾)): الكاف متعلق بمحذوف دلَّ
عليه (نعيده)، تقديره: نعيد الخلق إعادةً مثل الخلق الأول؛ يعني: بدأناهم في
بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة .
﴿وَعْدًا عَلَيْنَآَ﴾؛ أي: واجباً علينا إنجازه، نصب على المصدر من غير لفظ
الفعل؛ لأن الإعادة وعد، ويجوز أن يكون (علينا) صفة لـ (وعداً)؛ أي: وعداً
واجباً علينا بإيجابنا .
﴿إِنَّا كُنَّا فَعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]؛ أي: الإعادة والبعث.
((وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم))، وإنما خُصَّ بكرامة الكسوة أولاً؛
لأنه أول من عُرِّي وجُرِّد في سبيل الله من النبيين حين أرادوا إلقاءه في النار،
لا لأنه أفضل من نبينا وَّر؛ لأنه تعالى اختصه بفضائل لم يشاركه فيها أحدٌ من
النبيين، أو لكون إبراهيم - عليه السلام - أباه، وتقدمه في اللباس لغرة الأبوة،
والحديث مخصوص بنبينا وَّر، لكن في غير هذه الرواية: أن نبينا بَّهُ يُكْسَى
على أثره.
((وإن ناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أُصيحابي!
أصيحابي!)): تصغير أصحاب، وهو جمع قلة، وإنما صُغِّر لقلة عددهم، وهم
الذين دخل عليهم بعده وَ ﴿ دواخلُ الشيطان، فأخلدوا إلى الدنيا، قيل: كثعلبة،
وبسر بن أرطاة .
«فیقول))؛ أي: قائل، أو مجيب، أو مناد.
٢٨

((إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم حين فارقتهم)): لم يرد به الردة عن
الإسلام؛ إذ لم يرتد أحدٌ من الصحابة، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب، بل
المعنى: تخلفوا عن بعض الحقوق الواجبة، وأساءوا السيرة، بدليل التقييد بـ
(على أعقابهم).
((فأقول كما قال العبد الصالح)): وهو عيسى عليه السلام.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ؛ أي: رقيباً أمنعهم من الكفر.
﴿َّا دُمْتُ فِهِمْ قَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِ﴾ ؛ أي: قبضتني ورفعتني إليك.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ﴾؛ أي: الحفيظ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: تحفظ أعمالهم، ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ﴾ : بإقامتهم على الكفر .
﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: أحقاء بالتعذيب؛ لأنك المالك المتصرف.
﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: للمؤمنين منهم، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَبِزُ اَلْحَكِيمُ ﴾ [المائدة:
١١٨].
((إلى قوله: ﴿الْعَرَبِزُ لَلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨])): تلخيصه: إن تعذب فعدل،
وإن تغفر ففضل .
٤٢٨٨ - عن عائِشَةَ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَهِ يقولُ:
(يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةَ عُراةً غُرْلاً))، قلتُ: يا رسولَ الله! الرِّجالُ
والنِّسَاءُ جَميعاً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ؟ فقالَ: ((يا عائشةُ! الأَمرُ أَشَدُّ مِنْ أنْ
يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ».
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله ◌َلفه يقول: يحشر
٢٩

الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلاً، قلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً
ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: يا عائشة! الأمر أشد من أن ينظرَ بعضهم إلى
بعض)): المراد من الأمر: أهوال يوم القيامة وشدته من دنو الشمس، وطول
الموقف، والسؤال والحساب.
٤٢٨٩ - عن أنس : أنَّ رَجُلاً قالَ: يا نبيَّ الله! يُحْشَرُ الكافِرُ على
وَجْهِهِ يومَ القِيامَةِ؟ قال: ((أَلَيْسَ الذِي أَمْشَاهُ على الرِّجلَيْنِ في الدُّنيا قادِرٌ على أنْ
يُمْشِيَه على وَجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟)).
((عن أنس ﴿ه: أن رجلاً قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه
يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه
على وجهه يوم القيامة؟)): قيل: كان سؤال السائل عند نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ الآية، فإن الحشر إذا كان على الوجه، يفهم منه أن
المشي يكون كذلك باستصحاب الحال، كأن السائل قال: كيف يمشي الكافر
علی وجهه؟
٤٢٩٠ - عن أبي هُريرةَ ه: أنَّ النَّبيَّ نَّهِ قالَ: ((بَلَى إبراهيمُ أباهُ يومَ
القِيامَةِ وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فيقولُ لهُ إبراهيمُ: أَلَمْ أقُلْ لكَ: لا تَعْصِني؟
فيَقولُ لهُ أبوهُ: فاليَوْمَ لا أَعْصِيكَ، فيقُولُ إبراهيمُ: يا ربِّ! إنَّكَ وعَدْتَنِي أَنْ
لا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبعَثونَ، فأيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فيقولُ الله لك: إنِّي
حَرَّمْتُ الجَنَّةَ على الكافِرِينَ، ثُمَّ يُقالُ لإبراهيمَ: ما تحتَ رِجلَيْكَ؟ فينظُرُ فإذا
هوَ بِذِيخٍ مُتَلِطِّخِ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فِيُلقَى فِي النَّارِ)).
٣٠

((عن أبي هريرة ﴾ [قال]: قال النبي ◌َّر: يلقى إبراهيم - عليه السلام -
أباه يوم القيامة وعلى وجه آزرًا بالمد: اسم أبي إبراهيم عليه السلام.
((قَتَرةٌ وغبرةٌ)): وهما بفتحتين بمعنى، وقيل: القترة: غبارٌ معه سواد،
وعن ابن زيد: القترة: ما ارتفع من الغبار، فلحق بالسماء، والغبرة: ما كان
أسفل في الأرض.
((فيقول له إبراهيم: ألم أقلْ لك: لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليومَ
لا أعصیك، فیقول إبراهیم: یا رب! إنك وعدتني أن لا تخزیني يوم يبعثون،
فأيُّ خزي أخزى من أبي))؛ أي: من خزي أبي («الأبعد؟))؛ أي: الأهلك،
والبعد: الهلاك، أو الأبعد من رحمة الله تعالى، وفي خزي الأب إهانة الابن.
((فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين)): أجيب إبراهيم
- عليه السلام - بأن تعذيب الكافر ليس خزياً بالحقيقة، والوعد حينئذ بأن
لا يخزيه؛ أي: في نفسه، وفي حق مَنْ لا يستحقُّ الخزيَ.
(ثم يقال لإبراهيم: انظر ما تحت رجليك؟)): (ما) استفهام مبتدأ، وخبره
(تحت)، ويحتمل أن يكون بمعنى: الذي؛ أي: انظر إلى الذي تحت رجليك.
((فينظر فإذا هو بِذِيْخ)) بالذال المعجمة المكسورة، والياء الساكنة المثناة
من تحت والخاء المعجمة: ولد الضبع، والأنثى: ذيخة؛ أي: غُير أبوه على
صورة ذیخ.
وفي بعض بالباء الموحدة الساكنة، والحاء المهملة، وهو: ما يذبح.
((متلطخ))؛ أي: برجيعه، أو بالطين.
((فيؤخذ بقوائمه)): جمع قائمة، وهي ما تقوم به الدوابُّ بمثابة الأرجل من
الإنسان .
٣١

((فيلقى في النار)): حوَّل الله تعالى صورته إلى تلك الصورة تسليةً لإبراهيم
عليه السلام؛ لئلا يخزيه لو رآه قد ألقاه في النار على صورته.
٤٢٩١ - وقالَ: ((يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ
سَبَعِينَ ذِراعاً، ويُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذانَهُمْ).
((وقال: يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهبَ عرقهم في الأرض سبعين
ذراعاً)): قيل: سبب هذا العرق تراكم الأهوال، وتزاحم حرِّ الشمس والنار، كما
جاء في الرواية: أن جهنم تُديرُ أهلَ المحشر يوم القيامة، فلا يكون للجنة طريق
إلا الصراط .
((ويلجمهم))؛ أي: يصلُ العرق إلى أفواههم، فيصير لهم كاللجام يمنعهم
عن الكلام .
((حتى يبلغ آذانهم)).
٤٢٩٢ - وقال ◌َله ((تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ
كمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكونُ النَّاسُ على قَدْرِ أَعْمالِهِمْ في العَرَقِ، فمِنْهُمْ مَنْ يكونُ إلى
كَعْبَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى رُكبتَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ يكونُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهُمْ مَنْ
يُلْجِمُهُ العَرَقُ إِلْجاماً). وأَشَارَ رسولُ الله ◌َّ بیدِه إلی فیهِ.
((وقال ◌َله: تُدنى الشمسُ يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار
ميل)): أراد به: الميل الذي تكتحل به العين، وقيل: ثلث فرسخ، وقيل: قطعة
من الأرض ما بين العلمين، وقيل: مد البصر.
(«فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من یکون إلی کعبیه،
٣٢

ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حَقْويه)): الحَقْو: معقد
الإزار، وهو الخاصرة.
((ومنهم من يلجمهم العرق إلجاماً، وأشار رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم بيده إلى فيه)): فإن قلت: إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض،
فكيف يصل إلى كعبي الآخر؟
قلت: يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض.
أو يقال: يمسك الله عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يصلُ إلى
غيره منه شيء، كما أمسك جَرْية البحر لموسى وقومه حين اتبعهم فرعون.
٤٢٩٣ - عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﴿، عن النَّبِيِّ وَ﴿ قال: ((يقولُ الله
تعالَى: يا آدمُ! فيَقُولُ: لِبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ في يدَيْكَ، قال: أَخْرِجْ بَعْثَ
النَّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النَّارِ؟ قالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعونَ، فِعِنْدَهُ
يَشِيبُ الصَّغيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمّلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم
بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ عَذَابَ اَللَّهِ شَدِيدٌ﴾))، قالوا: يا رسولَ الله! وأيُّنا ذلكَ الوَاحِدُ؟
قال: ((أَبْشِرُوا، فإنَّ مِنْكُمْ رَجُلاً، ومِنْ بِأُجُوجَ ومأجوجَ ألفٌ))، ثُمَّ قال: ((والذِي
نَفْسِي بيدِه، إنِّي أَرْجُو أنْ تكونوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ))، فَكَبَّرنا، فقال: ((أرجو أنْ
تكونُوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ»، فكَبَّرنا، فقال: ((أرجُو أنْ تكونوا نِصفَ أهلِ الجَنَّةِ»،
فكبَّرنا، قال: ((ما أنتُم في النَّاسِ إلَّ كالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أو
كشَعِرَةٍ بيضاءَ في جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ).
((عن أبي سعيد الخدري ﴿ه: قال النبي وثي: يقول الله تعالى))؛ أي في
يوم الموقف.
٣٣

(يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، والخير بيديك، قال: أخرجْ بعثَ النار))؛
أي: الجماعة المبعوث لها.
((قال: وما بعثُ النار؟)): (ما) بمعنى: كم العددية .
((قال))؛ أي: الله تعالى: ((من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، فعنده))؛
أي: عند ذلك التقاول ((يشيبُ الصغير، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا﴾))،
وهما كنايتان عن شدة أهوال يوم القيامة، معناه: لو تصورت الحوامل والصغائر
هنالك لوضعن أحمالهن، ولشاب الصغائر، وإنما خص آدم بهذا الخطاب؛ لأنه
أصل الجميع.
﴿وَتَرَىَ النَّاسَ سُكَرَى﴾؛ أي: من الخوف.
﴿وَمَا هُمْ بِسُكَرَى﴾؛ أي: من الخمر.
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قالوا: يا رسول الله! وأيّنا ذلك
الواحد)»: الباقي من الألف.
((قال: أبشروا؛ فإن منكم رجلاً)): الخطاب للصحابة وغيرهم من
المؤمنين .
((ومن يأجوج ومأجوج ألفاً، ثم قال: والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا
ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلثَ أهل الجنة، فكبرنا،
فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا، قال: ما أنتم في الناس إلا
کالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو کشعرة بيضاء في جلد ثور أسود»؛
يعني: أنتم قليلون بالإضافة إلى الأمم السالفة، أو الكفار مطلقاً.
٤٢٩٤ - وقالَ: وَّهِ ((يَكْشِفُ ربنا عنْ ساقِهِ، فَيَسْجُدُ لهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنةٍ،
٣٤

ويَبقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ في الدُّنيا رِياءً وسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً
واحداً).
((وقال: يكشِفُ ربنا عن ساقه)): معناه عند المؤوِّلين: مَثَلٌ في شدة الأمر
وصعوبة الخطب، والأصل فيه: أن يموت الولد في بطن الناقة، فيدخل الرجل
يده في رحمها، فيأخذ بساقه؛ ليخرجه، فهذا هو الكشف عن الساق، ثم
استعمل في كل أمر فظيع، وأضافَ الساق إلى ربنا؛ تنبيهاً على أن الساق هي
الشدة التي لا يُجلِّيها لوقتها إلا هو.
«فيسجد له كلُّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة)):
السُّمعة: الصيت والشهرة.
((فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحد)»: الطبق: فِقارُ الظهر،
واحدها: طبقة، يريد: أنه تصير فِقاره كلها كالفقرة الواحدة، فلا يقدر على
السجود .
٤٢٩٥ - وقالَ رَّهِ: ((لَيَأْتِيَنَّ الرَّجُلُ العَظيمُ السَّمِيْنُ يَوْمَ القيامَةِ لا يَزِنُ
عِنْدَ الله جَناحَ بَعُوضَةٍ))، وقالَ: ((اقرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزًَّا﴾)).
((وقال ◌َّهُ: ليأتي الرجلُ العظيمُ السمين يوم القيامة لا يزنُ عند الله جناحَ
بعوضة))؛ أي: ما له قدر ومنزلة؛ لخسته وحقارته.
((وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥]))؛ أي: قدراً.
مِنَ الحِسَان:
٣٥

٤٢٩٦ - عن أبي هُريرةَ ﴿ُ قالَ: قرأَ رسولُ اللهِ وَلِ هذِه الآيةَ: ﴿يَوْمَيذٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ن بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ قالَ: ((أَتَدْرونَ ما أَخْبَارُها؟)) قالوا: الله
ورسولُهُ أعلمُ، قال: ((فإِنَّ أَخْبارَها أنْ تَشْهَدَ على كُلِّ عبدٍ أو أَمَةٍ بما عَمِلَ على
ظَهرِها، أنْ تقولَ: عَمِلَ عليَّ كذا يومَ كذا وكذا، قالَ: فهذِه أَخْبارُها))، غريب.
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ◌َ﴾ هذه الآية: ﴿يَوْمَيِذٍ تُحَدِّثُ
أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]))؛ أي: الأرض أخبارها.
((وقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها
أن تشهد على كل عبد، أو أمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل عليَّ كذا
وكذا، يوم كذا وكذا، قال: فهذه أخبارها».
«غريب)).
٤٢٩٧ - وقال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما مِنْ أحَدٍ يَمُوتُ إلا نَدِمَ)). قالوا:
وما نَدَامَتُهُ يا رسولَ الله؟ قالَ: ((إنْ كانَ مُحْسِناً نَدِمَ أنْ لا يكونَ ازدادَ، وإنْ كانَ
مُسِيْئاً نَدِمَ أنْ لا يكونَ نَزَعَ».
((وقال))؛ أي: أبو هريرة ◌ُه: ((قال رسول الله وَّ: ما من أحدٍ يموت إلا
ندم، قالوا: وما ندامته يا رسول الله؟ قال: إن كان محسناً، ندم أن لا يكونَ
ازداد)»؛ أي: خيراً.
((وإن كان مسيئاً، ندم أن لا يكون نَزَعَ))؛ أي: كفَّ نفسه عن ارتكاب
المعاصي.
٣٦

٤٢٩٨ - عن أبي هُرِيرَةَ رَ ه قال: قالَ رسولُ اللهِوَاهُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يومَ
القِيامةِ ثَلاثَةَ أَصْنافٍ: صِنْفاً مُشَاةَ، وصِنْفاً رُكباناً، وصِنْفَاً على وجُوهِهمْ))،
قيلَ: يا رسولَ الله! وكيفَ يَمْشونَ على وجُوهِهم؟ قال: ((إِنَّ الذِي أمْشاهُمْ على
أَقْدَامِهِمْ قادِرٌ على أنْ يُمشِيَهُمْ على وجُوهِهِمْ، أما إنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ
حَدَبٍ وشَوْكٍ».
((وعنه قال: قال رسول الله وَله: يحشر الناسُ يوم القيامة ثلاثة أصناف:
صنفاً مشاة)»: إنما بدأ بالمشاة دون الركبان؛ لأنهم الأكثرون من أهل الإيمان.
((وصنفاً ركباناً، وصنفاً على وجوههم، قيل: يا رسول الله! وكيف
يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن
يمشيهم على وجوههم، أما)» بالتخفيف: كلمة تنبيه.
((إنهم))؛ أي: الكفرة.
(تقون))؛ أي: يحترزون.
(بوجوههم كلَّ حدب)): وهو ما ارتفع من الأرض.
((وشوك))؛ يعني: يجعلون وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى؛
لأجل أن غُلَّت أيديهم وأرجلهم، وفي الدنيا الأمر على العكس، وهذا بيان لغاية
هوانهم وبلوغ اضطرارهم إلى حدٍّ أن جعلوا وجوههم مكان الأيدي والأرجل في
التوقي عن كل مُؤذٍ للبدن، وذلك لأنهم لم يسجدوا بوجوههم لمن خلقها
وصوَّرها، قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ، سُوَّءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [الزمر:
٢٤]، فسَّروا بأنه يلقى الكافر مغلولاً في النار، فلا يقدر أن يدفعَ عن نفسه النار
إلا بوجهه .
٣٧

٤٢٩٩ - عن ابن عُمَرُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنظُرَ
إلى يَوْمِ القِيامَةِ كأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيقرأُ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾
و﴿إِذَا السّماءُ أَنْشَقَّتْ﴾)).
(عن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله رَله: مَنْ سرَّه أن ينظر إلى يوم
القيامة))؛ أي: إلى أهوالها.
((كأنه رأيُ عين))؛ أي: مرئيُّها.
(«فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]،
و﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١])»: فإن هذه السور مشتملة على ذكر أحوال القيامة.
٣- باب
الحِسَابِ والقِصَاصِ والمِيْزانِ
(باب الحساب والقصاص والميزان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣٠٠ - عن أبي هُريرةَ ﴾، عن النَّبيِّ وَه قال: ((يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الجَنَّةَ
سَبِعونَ ألفاً بغيرِ حِسابٍ)).
((من الصحاح)) :
((عن أبي هريرة ظه: قال النبي وَله: يدخل من أمتي الجنة سبعونَ ألفاً
بغير حساب)): يحتمل أن يراد به الكثرة، كقوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَرَّةً
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
٤٣٠١ - عن عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((ليسَ أَحَدٌ
٣٨

يُحَاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ إلاَّ هَلَكَ))، قلتُ: أَوَ ليسَ يقولُ الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا
يَسِيرًا﴾ فقالَ: ((إنَّما ذلكَ العَرْضُ، ولكنْ مَنْ نُوقِشَ في الحِسابِ بَهلِكُ».
((عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله وَل﴾ قال: ليس أحدٌ يحاسب
يوم القيامة إلا هلك))؛ أي: على تقدير المناقشة؛ أي: الاستقصاء في الحساب.
((قلت: أوليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]؟!
قال: إنما ذلك))؛ أي: الحسابُ اليسيرُ ((العرضُ))؛ أي: في عرض عمله، لا في
الحساب على ما ينبغي.
(ولكن من نُوقِشَ في الحسابِ يهلك)»: يقال: ناقشه في الحساب؛ أي:
عاسره فيه، فلا يترك قليلاً ولا كثيراً.
٤٣٠٢ - وقالَ وَهِ: ((ما مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلاَّ سيُكلِّمُهُ رُّه، ليسَ بينَهُ وبينَهُ
تَرْجُمانٌ ولا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فيَظُرُ أيْمِنَ منهُ فلا يَرى إلاَّ ما قدَّمَ منْ عَمَلِهِ،
وينظُرُ أَشْأَمَ منهُ فلا يرَى إلاَّ ما قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، ويَنْظُرُ بِينَ يدَيْهِ فلا يَرَى إلاَّ النَّارَ
تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
«وقال: ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربُّه يوم القيامة، ليس بينه وبينه))؛
أي: لیس بین ربه تعالی وبین العبد.
((تُرجمان)) بضم التاء والجيم ويفتح التاء أيضاً؛ يعني: مفسِّر.
«ولا حجابٌ یحجبه))؛ أي: تحجب ذلك الحجاب العبد من ربه.
((فينظر))؛ أي: العبد.
((أيمنَ منه))؛ أي: يميناً حيرةً ودهشة من ذلك الموقف.
(«فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله»: الذي عمله في الدنيا.
٣٩

((وينظر أشأمَ منه))؛ أي: شمالاً.
((فلا يرى إلا ما قدَّم من عمله، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ
وجهه، فاتقوا النار))؛ أي: فإذا كان كذلك، فاحذروا النار.
((ولو بشقِّ تمرة))؛ أي: ولو بشيء يسير من عمل البر.
٤٣٠٣ - وقالَ ◌َّهِ: ((إنَّ الله يُدْني المُؤْمِنَ فيضَعُ عليهِ كَنَفَهُ ويَسْتُرُه فيقولُ:
أَتَعْرِفُ ذنْبَ كذا؟ فيقولُ: نَعَمْ، أَيْ رَبِّ! حتَّى إذا قرَّرَهُ بذُنوبِهِ ورأَى فِي نَفْسِهِ
أنَّهُ هَلَكَ قالَ: ستَرتُها عليكَ في الدُّنيا، وأنا أَغْفِرُها لكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كتابَ
حَسناتِهِ، وأمَّا الكُفَّارُ والمُنافِقُونَ فِيُنادَى بِهِمْ على رؤُوسِ الخَلائقِ: ﴿هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ﴾)).
((وقال: إن الله تعالى يدني المؤمنَ))؛ أي: يقربه قربَ كرامةٍ لأقرب
مسافة .
((فيضعُ عليه كَنَفَه)): بالتحريك؛ أي: جانبه، وهذا تمثيلٌ معناه: إظهار
عنايته عليه، وصونه عن الخزي بين أهل الموقف، كمن يضع كنف ثوبه على
رجل إذا أراد صیانته.
((ويستره، فيقول: أتعرف ذنبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي
رب! حتى [إذا] قرره بذنوبه)»؛ أي: جعله مقراً بها.
((ورأى في نفسه))؛ أي: علم الله أنه في ذاته: ((أنه هلك))؛ أي: المؤمن،
ويجوز أن يكون الضمير في (رأى) للمؤمن، والواو للحال.
((قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)): تقديم (أنا) يفيد
التخصيص؛ لأن الذنوب لا يغفرها يومئذ إلا الله.
:
٤٠
۔۔۔