Indexed OCR Text
Pages 481-500
(٢٥) ◌ِتَابُ الفِين (كتاب الفتن) جمع: فتنة، وهي الامتحان والاختيار. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤١٤١ - عن حُذَيْفةَ قال: ((قامَ فِينا رَسولُ اللهِوَلِ مَقاماً، ما تركَ شيئاً يكونُ في مَقامِهِ ذلكَ إلى قِيامِ السَّاعةِ إلاَّ حدَّثَ بهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ونَسِيَهُ مَنْ نِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أصحابي هؤلاءِ، وإِنَّهُ لَيكونُ منهُ الشَّيُ قدْ نسيتُهُ، فأراهُ فأذْكُرُه كما يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إذا غابَ عنْهُ، ثُمَّ إذا رآهُ عَرَفَهُ)) . ((من الصحاح)): ((عن حذيفة ه أنه قال: قام فينا رسول الله وَله مقاماً)): نصب على المصدر؛ أي: خطيباً، ووعَظَنا وأخبَرَنا بما يظهر من الفتن. ((ما ترك شيئاً يكون»: صفة (شيئاً)، وهي تامة. ((في مقامه)»: اسم الزمان. («ذلك)): صفته؛ أي: في زمانٍ عصرِه. ((إلى قيام الساعة إلا حدَّث به))؛ أي: بذلك الشيء الكائن. ((حفظَه مَن حفظَه، ونسيَه مَن نسيه، قد عَلِمَه أصحابي هؤلاء، وإنه))؛ أي: وإن الشأنَ. ٤٨١ (لَيكون منه الشيءُ»؛ أي: لَيقع شيءٌ مما ذَكرَه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. ((قد نسيتُه، فأَراه)): على صيغة الفاعل. «فأَذکره» عند وقوعه. (كما يَذكر الرجلُ وجهَ الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفَه)). ٤١٤٢ - وعن حُذَيْفَةَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِلَّهِ يقولُ: ((تُعْرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عُوْداً عُوْداً، فأيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وأيُّ قَلْبٍ أنكَرَها نُكِتَتْ فيهِ نُكْتَةٌ بَيَضاءُ، حَتَّى تَصيرَ على قلبَيْنِ: أَنْيضَ مِثلِ الصَّفا، فلا تَضُرُّهُ فِتنةٌ ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ، والآخرُ أسودُ مُزبادَاً كالكُوزِ، مُجَخِّياً لا يَعرِفُ مَعْروفاً، ولا يُنكِرُ مُنْكراً، إلاَّ ما أُشْرِبَ مِنْ هَواهُ» . (وعن حذيفة ع قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: تُعرَض الفتنُ على القلوب))؛ أي: تُوضَع عليها وتُبْسَط، من: عرضَ العُود على الإناء يَعرِضُه؛ أي: وضعَه عَرضاً. ((كالحصير عود عود)) بالرفع، كذا ذكره مسلم، والمؤلف اختار رواية رفعه بفعل محذوف؛ أي: نُسج عودٌ عودٌ، واحد: العيدان، وهو ما يُنسَج به الحصير من طاقاته، أو خبر مبتدأ محذوف، ويروى بالنصب في غير ((المصابيح)) حالاً؛ أي: يُنسَج على هذه الحال، قيل: تُعرَض الفتنُ على القلوب شيئاً فشيئاً وتُنْسَج فيها واحدةً بعدَ واحدةٍ، كالحصير الذي يُنسَج عوداً عوداً، ويُعرَض عليها، فيؤثِّر فيها واحدةً بعدَ واحدةٍ، كتأثير عيدان الحصير في جنب النائم عليه واحداً بعدَ واحدٍ؛ أي: تُعرَض مترادفةً بعضها خلف بعض، قيل: أراد بالفتن: ٤٨٢ الاعتقادات الفاسدة . ((فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها)) على صيغة المجهول؛ أي: الفتنَ، يقال: أُشْرِبَ قلبُهُ محبةَ كذا؛ أي: خالطه وحلَّ محلّ الشراب؛ يعني: أيُّ قلبِ اختلط بها اختلاطَ الصبغ بالثوب. (نُكتت فيه)): على صيغة المجهول أيضاً؛ أي: نُقُطت وأثّرت في قلبه. ((نكتةٌ))؛ أي: نقطةٌ. (سوداءُ))، وأصل النَّكت: ضرب الأرض بقضيب، فيؤثِّر فيها. «وأُّ قلبٍ أَنکرها)»؛ أي: امتنع عن قبول تلك الفتن. (نُكتت فيه نكتةٌ بيضاءُ»؛ يعني: ظَهر فيه النورُ. قوله: ((حتى تصير)): غاية لكلا الأمرين؛ يعني: يصير الإنسانُ، أو قلوبُ أهل ذلك الزمان ((على قلبين))؛ أي: نوعين، أحدهما: ((أبيضَ مثلَ الصَّفا) بالقصر: وهو الحجر الأبيض شديد البياض. ((فلا تضرُّه فتنة ما دامت السماوات والأرض))؛ لأنها قلوبٌ صافيةٌ قد أَنكرتْ تلك الفتنَ في ذلك الزمان، فحفظها الله بعد ذلك الزمان عنها إلى يوم القيامة . ((والآخرَ أسودَ مُزبادً)، وهو بضم الميم وسكون الراء المهملة وبالباء الموحدة والدال المشددة المهملة: الطُّين المتغير المُنتِن الذي صار أسودَ من غاية تغيُّره وطول مكثه لمكان، نُصب على الذم، وقيل برفعه، وفي رواية: ((مُرْبَدّا)، من: اربَدَّ، والرُّبْدَة: لون بين السواد والغبرة، وقيل: هي لون الرماد، وإنما وُصف هذا النوع بها لكونها لوناً فيه سواد وبياض، لكن سوادَه أغلبُ، وهذا القلب فيه سواد من قَبول الفتن ودخولها فيه، وفيه بياض لوجود الإيمان فيه، لكن صار مغلوباً بالاعتقادات الفاسدة. ٤٨٣ ((كالكُوز مُجَخِّياً) بضم الميم وفتح الجيم قبل الخاء المعجمة المكسورة المشددة، نُصب على أنه حال عن الضمير في (مربدا)، أو عن (الكوز)، والعامل فيه معنى الفعل الكائن في الكاف الجارَّة؛ لأنه مفعول معنّى، إذ تقديره: يشبه الگُوزَ . يقال: جَخَّى الليلُ: إذا مالَ ليذهبَ؛ أي: مائلاً منصباً ما فيه من المعارف والعلوم، شبه الذي لا يعي خيراً بالكُوز المائل الذي لا يَلبَث فيه شيء. ((لا يَعرِف))؛ أي: هذا القلبُ. ((معروفاً، ولا يُنكِر منكَراً))؛ يعني: لا يبقى فيه عرفانُ ما هو معروفٌ، ولا إنکارُ ما هو مُنگرٌ. ((إلا ما أُشربَ من هواه))؛ يعني: لا يعرف إلا ما قِيل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية. ٤١٤٣ - وقال حُذَيْفَةُ: حدَّثنا رسولُ الله ◌َّهِ حَدِيثَيَّنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُما، وأنا أَنْتَظِرُ الآخرَ، حَدَّثنا أنَّ الأَمانةَ نَزَلَتْ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجالِ، ثمَّ عَلِموا مِنَ القُرآنِ، ثمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ. وحَدَّثَنَا عنْ رفعِها قال: ((يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمانةُ مِنْ قلبهِ، فيظلُّ أثَرُها مِثْلَ أَثَرِ الوَكْتِ، ثمَّ يَنامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَقَى أثَرُها مِثْلَ أثَرِ المَجْلِ كجَمْرٍ دَخْرجتَهُ على رِجلِكَ فَنَقِطَ، فتراهُ مُنْتُبراً وليسَ فيهِ شيءٌ، ويُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعونَ ولا يكادُ أَحَدٌ يُؤدِّي الأمانةَ، فيُقال: إنَّ في بني فُلانٍ رَجُلاً أميناً، ويُقالُ للَّجُلِ: ما أَعْقَلَهُ، وما أظرَفَهُ، وما أَجْلَدَهُ، وما في قَلْبهِ مِثقالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمانٍ». ((وقال حذيفة ظه: حدثنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم حديثين، ٤٨٤ رأيت أحدَهما وأنا أنتظر الآخر: حدثنا أن الأمانة)) أراد بها: الإيمان. ((نَزلت في جَذْر)) بفتح الجيم وكسرها وسكون الذال المعجمة: أصل كل شيء؛ أي: في أصلِ ((قلوب الرجال، ثم عَلِموا))؛ أي بنور الإيمان. ((من القرآن، ثم عَلِموا من السُّنة)): وهي الأحاديث النبوية، وفيه: إشارة إلى أن تعلُّمَ السُّنة بعدَ تعلُّم القرآن. ((وحدَّثَنَا عن رفعِها)) أراد به: ارتفاع الإيمان، أو انتقاصه؛ فإنه سيكون بعد عصر آخر لا في عصر الصحابة . ((قال: ينام الرجلُ النَّومةَ، فَتُقْبَض الأمانة))؛ أي: بعضُها. ((من قلبه)): تنقص ثمرةُ الإيمان. ((فيظلُّ أثرُها)»؛ أي: يصير أثرُ الأمانة، والأثر: ما بقي من رسم الشيء. ((مثلَ أثر الوَكْت)) بفتح الواو وسكون الكاف، واحدها: وَكْتَة، وهي أثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، وقيل: هي نقطة بيضاء تَظهَر في سواد العين. (ثم ينام النَّومةَ فيُقبَض))؛ أي: بعضُ ما بقي فيه من الأمانة. ((فيبقى أثرُها مثلَ أثر المَجل))، يقال: مَجَلتْ يدُه - بالفتح - تَمْجل ۔ بالضم والکسر ـ مَجْلاً بسكون الجیم، ومَجِلَتْ ۔ بالکسر - مَجَلاً بفتحتین؛ أي: سخن جلدها وظهرَ فيها ما يشبه البثر عن الأشياء الصلبة، والمجل وإن كان مصدراً أُريد به نفس النقطة. ((كجمرٍ)): بدل من (مثل أثر المَجل)؛ أي: يكون أثرُها في القلب كأثر جمرٍ، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أثرُ المَجل كجمرٍ . «دحر جته))؛ أي: رددته علی رِجلك. ((فنَفِطَ)) بالكسر؛ أي: مَجلٌ من جمرٍ . ٤٨٥ ((فتراه مُنتبراً)؛ أي: منتفخاً مرتفعاً، من: النَّبر، الرَّفع، وهذا أقلُّ من الأول؛ لأنه شبه الأمانة في هذا المجوف، بخلاف الأول، ذكر الضمير على إرادة الموضع المدحرج عليه الجمر. ((وليس فيه شيء))؛ أي: شيءٌ صالحٌ، بل ماءٌ فاسدٌ، كذلك هذا الرجل يحسبه الناسُ صالحاً ولا يكون فيه من الصلاح والإيمان؛ يعني: أن الأمانةَ تُقْبَض وتُرفَع عن القلوب شيئاً فشيئاً؛ عقوبةً لأصحابها على ما اكتسبوا من الذنوب، حتى إن الرجل إذا استيقظ من منامه لا يجد قلبه على ما كان عليه؛ لأنه أولاً لا يبقى في قلبه من الأمانة أثرٌ إلا أثر الوَكت، وثانياً مثلَ أثر المَجل، أراد به: خلو القلب عنها مع أثر أثرها. ((ويصبح الناس يتبايعون))؛ أي: يجرى بينهم البيع. ((ولا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة))؛ أي: لا يَقرُّب يؤدِّيها في المعاملات؛ لأن حفظَ الأمانةِ من أثر كمال الإيمان، فإذا أُنقص الإيمان نقصت الأمانة؛ يعني: لا يبقى مَن يحفظ الأمانةَ إلا قليل، حتى يكون في ناحية واحدٌ. ((فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقلَه! وما أظرفَه! وما أَجلدَه!)) (ما) في الثلاثة: للتعجب؛ يعني: يُمدَح أهلُ ذلك الزمان بكثرة العقل والظرافة والجلادة، لا بكثرة الصلاح. ((ما))؛ الواو: للحال، و(ما): للنفي؛ أي: والحال أنه ليس ((في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إیمانٍ». ٤١٤٤ - وعن حُذَيْفَ قال: كانَ النَّاسُ يَسألونَ رسولَ اللهِ وَّلِ عنِ الخَيْرِ، وكُنْتُ أسألُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخافةَ أنْ يُدرِكَنِي، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله! إنََّ كُنَّا في ٤٨٦ جاهِليَّةٍ وشرٍّ، فجاءَنا الله بهذا الخَيْرِ، فهلْ بعدَ هذا الخيرِ مِنْ شرِّ؟ قال: ((نعم))، قلتُ: وهلْ بعدَ ذلكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قال: ((نعمْ، وفيهِ دَخَنٌ)). قلتُ: وما دَخَتُهُ؟ قال: ((قومٌ يَسْتُّونَ بغيرِ سُتَّتي، ويَهدونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعرِفُ منهمْ وتُنكِرُ)). قلت: فهلْ بعدَ ذلكَ الخَيرِ منْ شرّ؟ قال: ((نعمْ، دُعاةٌ على أبوابٍ جَهَنَّمَ، مَنْ أجابَهُمْ إليها قَذَفوهُ فيها)). قلتُ: يا رسولَ الله! صِفْهُمْ لنا. قال: ((هُمْ مِنَ جِلْدَتِنا، ويتكلَّمونَ بألسِنِنا)). قلتُ: فما تأْمُرُني إنْ أدركَني ذلكَ؟ قال: ((تَلَزَمُ جَماعَةً المُسْلِمِينَ وإمامَهُمْ). قلتُ: فإنْ لمْ يَكُنْ لَهُمْ جَماعَةٌ ولا إمامٌ؟ قال: ((فاعتَزِلْ تلكَ الفِرَقَ كلَّها، ولوْ أنْ تَعَضَّ بأصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدرِكَكَ المَوْتُ وأنتَ على ذلك)» . وفي روايةٍ: ((تكونُ بعدِي أَئِمَّةٌ لا يَهتَدونَ بُهُدَايَ ولا يَستُّونَ بِسُنَّتِي، وسيقومُ فيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ كقلوبِ الشَّيَاطِينِ فِي جُثمانِ إنسٍ)). قالَ حُذَيْفةُ، قلتُ: كيفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله إنْ أدركْتُ ذلكَ؟ قال: ((تَسْمَعُ وتُطيعُ الأميرَ، وإن ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخِذَ مالُكَ». ((وعن حذيفة ﴿ قال: قلت: يا رسولَ الله! إنا كنا في جاهليةٍ وشرّ)؛ أي كفرٍ . ((فجاءنا الله بهذا الخير))؛ يعني: الإسلام. (فهل بعدَ هذا الخير من شرّ؟))؛ أي: هل يجيء بعد الإسلام الكفرُ والضلالةُ والبدَعُ والفتنُ؟ ((قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟))؛ أي: وهل تزول تلك الفتنُ والبدَعُ ويجيء بعدها العدلُ والصلاحُ؟ ((قال: نعم، وفيه))؛ أي: في ذلك الخير ((دَخَرٌ)) بفتحتين؛ أي: كُدورة؛ يعني: لا يكون الخير محضاً، بل مشوباً بكدورةٍ وظلمةٍ . ٤٨٧ ((قلت: وما دَخَنُه؟ قال: قومٌ يستثُّون بغير سُنَّتي))؛ يعني: يكون في ذلك الوقت قومٌ يعتقدون اعتقاداتٍ ويعملون أعمالاً غيرَ ما أنا عليه. ((ويَهدون بغير هَذْبِي))؛ أي: يتخذون سيرةً وطريقةً غير سيرتي وطريقتي من القول والفعل . (تَعرِف منهم وتُنكِر))؛ أي: تُبُصِر منهم المعروفَ والمنكرَ أيضاً؛ أي: يصدرانِ عنهم مخلوطاً. («قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرٌّ؟ قال: نعم، دعاة)) جمع: داعٍ. ((على أبواب جهنم))؛ يعني: يظهر بعد ذلك جماعةٌ من أهل البدعة والضلالة يدعون الناس من الهداية إلى الضلالة، ومن السُّنة إلى البدعة، فكأنهم كائنون على أبواب جهنم داعين الناسَ إلى الدخول فيها، مثل كون صاحب الدعوة عند باب بيته داعياً الناس إلى الدخول في ضيافته. ((مَن أجابهم إليها قذفوه فيها))؛ أي: رَمَوه في جهنم. ((قلت: يا رسولَ الله! صِفْهم لنا، قال: هم من جلدتنا»؛ أي: هم من أبناء جنسنا، أو من عشيرتنا وأقربائنا، أو من أهل مِلَّتنا، و(الجِلدة) أخصُّ من (الجِلْد). ((ويتكلمون بألسنتنا))؛ أي: بالعربية، قيل: يتكلمون بالمواعظ والحكم، وليس في قلوبهم شيءٌ من الخير، ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ◌َا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ . ((قلت: فما تأمرُّني إن أدركَني ذلك؟))؛ أي: ذلك الزمانُ. ((قال: تَلَزَم)): خبر في معنى الأمر؛ أي: الزمْ. («جماعة المسلمين وإمامَهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزلْ تلك الفِرَقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ بأصل شجرة)»، قيل: (أن) هذه: مخففة من المثقلة المفتوحة، والمراد: الحث على التمسك بما يصبره ويقوِّي ٤٨٨ عزمه على اعتزالهم بأبلغ الوجوه. «حتى يدركك الموتُ وأنت على ذلك))، الواو: للحال. ((وفي رواية: يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بهُداي، ولا يستنُّون بسنَّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبُهم قلوبُ الشياطين في جُثمان إنسٍ) بضم الجيم؛ أي: في جسدهم. ((قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسولَ الله إن أدركتُ ذلك؟ قال: تَسمع وتُطيع الأميرَ))؛ يعني: طريق النجاح في ذلك الوقت: أن تسمعَ ما يأمرك الأمير وتطيعَه . (وإن ضربَ ظَهرَك وأخذَ ماَلَك))؛ إلا إذا أمرَك بمعصيةٍ فحينئذٍ لا تُطِعْه، ولكن لا تقاتلْه، بل فرّ منه. ٤١٤٥ - وقالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((بادِرُوا بالأَعْمالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّلِ المُظْلِمِ، يُصبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً ويُمْسي كافِراً، ويُمْسي مُؤْمِناً ويُصْبحُ كافِراً، يبيعُ دِينَهُ بَعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا». ((وعن أبي هريرة ﴾ قال: قال رسول الله وَله: بادروا بالأعمال فتناً))؛ يعني: سابقوا باشتغال الأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن المانعة عنه، المراد بـ (الفتن): القتل والنهب والاختلاف بين المسلمين. (كقِطَعِ الليل المُظلِمِ))، (القِطَع) - بكسر القاف وفتح الطاء - جمع: قطعة، والغرض من هذا التشبيه: بيان حال الفتن، من أنها ستقع وتستمر، ولا يُعرف سببُها ولا طريقُ الخلاص منها. «يصبح الرجلُ مؤمناً): وهذا استئناف بيان لبعض تلك الأحوال. ٤٨٩ ((ويمسي كافراً)؛ معناه: يصبح محرِّماً ما حرَّمه الله ويمسي مستحِلاً إياه. ((ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دِينَه بعَرَضٍ من الدنيا))، (عَرَض الدنيا): ما كان من مالٍ، قلَّ أو كَثُرَ. ٤١٤٦ - وقال: ((ستكونُ فِتَنُ القاعِدُ فيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فيها خَيْرٌ مِنَ الماشي، والماشي فيها خَيْرٌ مِنَ السَّاعي، مَنْ تَشْرَّفَ لها تَسْتَشرِفْهُ، فمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ أو مَعاذاً فلْيَعُذْ بِهِ». وفي روايةٍ: ((النَّائِمُ فيها خيرٌ مِنَ اليَقْظانِ، واليَقْظانُ خيرٌ مِنَ القائِمِ)). وفي روايةٍ: ((فإذا وَقَعَتْ فمَنْ كانَ له إيلٌ فَلْيَلْحَقْ بإيلِهِ، ومَنْ كانَتْ لهُ غَنَمٌّ فليلْحَقْ بِغَنَمِهِ، ومَنْ كانَتْ لهُ أرضٌ فليلْحَقْ بأرضهِ». فقالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أرأَيَتَ مَنْ لمْ تكُنْ لهُ إِيلٌ ولا غَنَمٌّ ولا أرضٌ؟ قال: ((يعمِدُ إلى سيفِهِ فيدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بحَجَرٍ، ثمَّ ليَنْجُ إن استطاعَ النَّجاءَ، اللهمَّ هلْ بلَّغْتُ؟)) ثلاثاً، فقال رَجُلٌ: يا رسُولَ الله! أرأيتَ إنْ أُكْرِهْتُ حتَّى يُنْطَلَقَ بي إلى أَحَدٍ الصَّفَّيْنِ فضرَبَنِي رَجُلٌ بسيفِهِ، أوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فيقتُلُني؟ قال: ((يَبوءُ بإثمه وإثمِك ويكونُ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ». ((وعنه قال: قال رسول الله وَله: ستكون فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم))؛ لأن القائمَ أقربُ من القاعد إلى تلك الفتنة لمشاهدته ما لا يشاهده القاعدُ. ((والقائم فيها))؛ أي: القائم بمكانه في تلك الحال. ((خيرٌ من الماشي))؛ أي: من الذي يمشي إلى الفتنة. ((والماشي فيها خيرٌ من الساعي))؛ أي: من الذي يسعى ويعمل في الفتنة. ((مَن تشرَّف لها))؛ أي: مَن نظرَ إلى تلك الفتنة. ٤٩٠ (تَستشرفْه))؛ يعني: تجرَّه لنفسها وتدعوه إلى الوقوع فيها؛ فالخلاصُ في التباعُدِ منها، والهلاكُ في مقاربتها . ((فمَن وجدَ ملجأً أو معاذاً): شك من الراوي؛ أي: موضعاً يخلص بالذهاب إليه من الفتنة. «فَلْيَعُذْ به))؛ أي: ليذهب إليه. ((وفي وراية: النائمُ فيها خيرٌ من اليقظان، واليقظان خيرٌ من القائم، وفي وراية: فإذا وقعت))؛ أي: الفتنُ. ((فمَن كان له إبلٌ فَلْيلحقْ بإبله))؛ أي: ليطردْها وَلْيَبَعُدْ عن موضع الفتنة. ((ومَن كان له غنمٌ فَلْيلحقْ بغنمه، ومَن كان له أرضٌ فَلْيلحقْ بأرضه، فقال رجل: يا رسولَ الله! أرأيتَ))؛ أي: أخبرني. (مَن لم تكن له إبلٌ ولا غنمٌ ولا أرضٌ؟ قال: يعمد))؛ أي يقصد. ((إلى سيفه فيدقُّه على حدِّه بحجرٍ))؛ يعني: فَلْيكسرْ سلاحَه؛ كيلا يذهبَ به إلى الحرب، فإنما أمر ◌َّه بذلك؛ لأن تلك الحربَ تكون بين المسلمين، فلا يجوز حضورُها. (ثم لِيَنَجُ إن استطاع النَّجاء))؛ أي: لِيسرعْ هرباً؛ حتى لا يصيبَه البلاء والفتن، وقال لي بعد ذكر هذه الفتن: ((اللهم هل بلَّغتُ؟ ثلاثاً)؛ أي: ثلاث مرات. (( فقال رجل: يا رسولَ الله! أرأيتَ إن أُكرهتُ حتى يُنطلَقَ بي إلى أحد الصفَّين، فضربني رجل بسيفه، أو يجيء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء))؛ أي: يرجع مَن أَكرهك ((بإثمِه وإثمِك))؛ أي: تكون عقوبةُ ذنبه وعقوبةُ قتلِ صاحبه عليه، ((فيكون من أصحاب النار))، أضاف الإثمَ إليه؛ لأن قتلَه هو سببُ إثمه. ٤٩١ ٤١٤٧ - وقال: ((يُوشِكُ أنْ يكونَ خَيْرَ مالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبالِ ومَواقِعَ القَطْرِ، يَفِزُّ بدينِهِ مِنَ الفِتَزِ». ((وعن أبي سعيد الخُدري به قال: قال رسول الله وَله: يوشك أن يكون)): اسمها ضمير الشأن، وخبرها الجملة بعده، وهي: ((خيرُ مالِ المسلم غنمٌ))؛ أي: سوف تكون المواشي أفضلُ أموال الرجل. (يتبع بها شَعَفَ الجبال))؛ أي: رؤوسَها، شَعَفُ كل شيء: أعاليه. ((ومواقعَ القطر)) جمع: موقع، وهو موضع الوقوع، والقَطْر: المطر؛ أي: المواقع التي ينزل المطر فيها؛ ليرعاها. ((يفُّ بدينه من الفتن))، ويتخلص بإقامته هناك عنها. ٤١٤٨ - عن أُسَامَةً قال: أَشْرَفَ النَّبِيُّ وَهِ على أُطُمٍ مِنْ آطامِ المَدينةِ فقال: ((هل تَرَوْنَ ما أَرَى؟)) قالوا: لا، قال: ((فإِنِّي لأَرَى الفِتَنَ تَقَعُ خِلالَ بُيُوتِكُمْ كَوَفْع المَطَرِ». (وعن أسامة ﴿ه قال: أشرف النبي (وَّ﴾)؛ أي: اطَّلِعَ ونظرَ. ((على أُطُم)): هو - بضمتين - بناء مرتفع من الحجارة، كالقصر والحِصن. ((من آطام المدينة)) جمع: أُطُم، وآطامها: حصونها. ((فقال: هل تَرَون ما أرى؟ قالوا: لا، قال: فإني لأَرى الفتنَ تقع خلال بيوتكم))؛ أي: وسطَها. (وقع القطر))؛ يعني: أرى الله نبيَّهِ وَ ل﴿ حينَ صعدَ ذلك الموضعَ اقترابَ الفتن؛ ليُخبرَ بها أمته، ليكونوا على حذرٍ منها. ٤٩٢ ٤١٤٩ - وقال: ((هَلَكَةُ أُمَّتِي على يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ)). (وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: هَلَكَةُ أمتي))، أراد بـ (الأمة) هنا: الصحابة؛ فإنهم خيارُ الأمة. ((على يَدِي غِلْمَة)) جمع: غلام؛ يعني: شُبَّان. (من قريش))، والمراد: ما وقع بين عثمان وقَتَلَتِهِ، وعلي والحسن والحسين مع مَن قاتَلَهم، قيل: لعله وَّ أراد بأولئك الغِلْمة: الخلفاء الذين كانوا بعد الخلفاء الراشدين، مثل يزيد وعبد الملك بن مروان وغيرهما، فإنه قد لحق بالمسلمين منهم قتلٌ وظلمٌ. ٤١٥٠ - وقال: ((يتقارَبُ الزَّمَانُ، ويُقبَضُ العِلمُ، وتظهَرُ الفِتنُ، ويُلْقَى الشُّحُ، ويكثُرُ الهَرْجُ)). قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: ((القتلُ)). ((وعنه قال: قال رسول الله وَافى: يتقارب الزمان))، قيل: يريد به اقتراب الساعة، وقيل: تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر، وقيل: هو قِصَر زمان الأعمار وقلة البركة فيها، وقيل: هو قِصَر مدة الأيام والليالي، على ما رُوي: ((إن الزمانَ يتقارب حتى تكونَ السَّنُ كالشهر))، الحديث. ((ويُقبَض العلم، وتَظهَر الفتن، ويُلقَى الشُّخُ))؛ أي: يُوقَع البخل في قلوب الناس، فيحبُّون المال حبّاً جَمّاً، حتى لا يؤدوا الزكاةَ والكفاراتِ والنذورَ من شدة حب المال . ((ويكثر الهَرْج، قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: القتلُ»؛ أي: تجري الحرب بين طائفتين من المسلمين للعصبية وطلب الجاه، فسَّر النبي - عليه الصلاة والسلام - الهَرْج بالقتل، وأصله: الاختلاط والاختلاف بحيث يُفضي إلى القتل. ٤٩٣ ٤١٥١ - وقال: ((والذِي نَفْسي بيدِه، لا تَذْهَبُ الدُّنْيا حتَّى يأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يومٌ لا يَدْري القائِلُ فيمَ قتلَ، ولا المَقْتُولُ فيمَ قُتِلَ)). فقيلَ: كيفَ يكونُ ذلكَ؟ قال: ((الهَرْجُ، القائِلُ والمَقتولُ في النَّارِ)). ((وعنه قال: قال رسول الله وَلفي: والذي نفسي بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يومٌّ لا يدري القاتلُ فيمَ قَتل؟ ولا المقتولُ فيمَ قُتل؟ فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهَرْجُ، القاتل والمقتول في النار))؛ أما القاتلُ فلقتلِه مسلماً ظلماً، وأما المقتولُ فلأنه كان حريصاً على قتل صاحبه المسلم. * ٤١٥٢ - وقال: ((العِبَادَةُ في الهَرْجِ كِهِجْرَةٍ إليَّ). ((وعن مَعقِل بن يسار قال: قال رسول الله وَّهِ: العبادةُ في الهَرْج))؛ أي: ثوابُ العبادة في زمان الفتن والمحاربة بين المسلمين. (كهجرةٍ إليَّ))؛ أي: كثوابِ هجرةٍ من مكة إلى المدينة قبلَ فتح مكة. * ٤١٥٣ - وقالَ الزُّبَيْرُ بن عَدِيٍّ: أتَيَّنَا أَنَسَ بن مالِكٍ فشكَوْنا إليهِ ما يلقَوْنَ من الحَجَّاجِ، فقالَ: ((اصبرُوا فإنَّهُ لا يأْتِي عَلَيْكُمْ زمانٌ إلَّ الذي بعدَهُ أَشَرُّ منهُ حَتَّى تَلْقَوا ربَّكُمْ). سَمِعْتُهُ مِنْ نِبِيكُمْ وَِّ. ((وقال الزبير بن عدي: أتينا أنسَ بن مالك، فشَكَونا إليه ما نلقى من الحَجَّاج، فقال: اصبروا؛ فإنه لا يأتي علیکم زمانٌ إلا الذي بعده أشرُّ منه حتى تلقَوا ربكم)؛ أي: حتى تموتوا. (سمعتُه من نبيكم ◌َ﴾). * ٤٩٤ مِنَ الحِسَان: ٤١٥٤ - عن حُذَيْفةَ ﴾ قال: والله ما أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحابي أوْ تَنَاسَوْا؟ والله ما تَرَكَ رسولُ اللهِوَ﴿ مِنْ قائِدِ فِتْنَةٍ إلى أنْ تَنْقِضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثلاثَ مِئَةٍ فَصَاعِداً إلَّ قَدْ سَمَّاهُ لنا باسمِهِ واسمٍ أبيهِ واسمٍ قبيلَتِهِ. ((من الحسان)): ((عن حذيفة ه أنه قال: والله ما أدري أنَسِيَ أصحابي أم تَنَاسَوا؟ والله ما تركَ رسولُ اللهِ وَ﴿ من قائدِ فتنةٍ))، أراد به: مَن تظهر بسببه بدعةٌ وضلالةٌ ومحاربة بباطلٍ . ((إلى أن تنقضيَ الدنيا، يَبلُغ مَن معه))؛ أي: مع القائد، والجملة صفة (قائد)؛ أي: يَبلُغ أتباعُه ((ثلاث مئة فصاعداً)؛ أي: فزائداً. ((إلا قد سَمَّاه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته)). ٤١٥٥ - وقال: ((إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضلِينَ، وإذا وُضعَ السَّيْفُ في أُمَّتي لم يُرْفَعْ عنهمْ إلى يَوْمِ القِيامةِ). ((وعن ثَوبان ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنما أخاف على أمتي الأئمةَ المُضلِين)»: يدعون أمتي إلى البدعة والضلالة. ((فإذا وُضع السيفُ في أمتي لم يُرفَع عنهم))؛ يعني: إذا ظهر الحرب بينهم یبقی ذلك «إلی يوم القيامة))، إن لم یکن في بلد یکون في بلد آخر. ٤٩٥ ٤١٥٦ - عن سَفينةَ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّه يقولُ: ((الخِلافَةُ ثلاثونَ سنةً ثمّ تكونُ مُلْكاً). ثُمَّ يقولُ سَفينةُ: أمْسِكْ، خِلافةُ أبي بكرٍ سَنتين، وخِلافةُ عُمرَ عَشراً، وخِلافةُ عُثمانَ اثنتَيْ عَشَرَةَ، وعليٍّ سِتّاً). (عن سَفِينة)): مولى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: مولى أم سَلَمة، أعتقتْه واشترطتْ عليه خدمةَ رسول الله وََّ ما عاشَ، تُوفي في زمن الحجاج. ((أنه قال: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: الخلافة))؛ أي: الخلافةُ المَرْضيّةُ لله ولرسوله. ((ثلاثون سَنةً)): وهو زمن خلافة الخلفاء الراشدين المهديين. (ثم تكون مُلكاً)، فلا يكون الخلفاء مُتَّبعينَ بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، يظلمون الناسَ ويخلطون الشرَّ بالخير. (ثم يقول سَفِينةُ)) لراويه حمادٍ أستاذٍ أبي حنيفة: ((أَمسِكْ))؛ أي: أحسبْ، وقيل: أمر مخاطب لا يعنيه؛ أي: احفظْ أو عدَّ. (خلافة أبي بكر سنتين، وخلافةَ عُمرَ عشرةً وخلافةَ عثمان اثنتي عشرةَ، وعليٍّ ستّاً). ٤١٥٧ - وعن حُذَيْفةَ قال: قلتُ: يا رسُولَ الله! أيكونُ بعدَ هذا الخَيْرِ شَرِّ كما كانَ قبلَهُ شرٌّ؟ قال: ((نعمْ)). قلتُ: فما العِصْمَةُ؟ قال: ((السَّيفُ)). قلتُ: وهَلْ بعدَ السَّيفِ بقيّةٌ؟ قال: ((نعمْ، تكونُ إِمارَةٌ على أَقْذَاءَ وهُدْنَةٌ على دَخَنٍ)). قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثمَّ تَنْشَأُ دُعاةُ الضَّلَالِ، فإنْ كانَ لله في الأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وإلا فَمُتْ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلِ ٤٩٦ شَجَرةٍ». قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بعدَ ذلكَ، معَهُ نَهْرٌ ونارٌ، فمَنْ وَقَعَ في نارِهِ وجَبَ أَجْرُهُ وحُطَّ وِزْرُهُ، ومَنْ وقعَ فِي نَهْرِهِ وجَبَ وِزْرُهُ وحُطَّ أجرُهُ». قالَ: قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثُمَّ يُنْتَجُ المُهْرُ فلا يُركَبُ حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ)). وفي روايةٍ: ((هُدْنَةٌ على دَخَنٍ، وجَماعةٌ على أقذاءَ». قلتُ: يا رسولَ الله! الهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ ما هيَ؟ قال: ((لا تَرْجِعُ قلوبُ أقوامٍ على الذي كانتْ عليهِ». قلتُ: بعدَ هذا الخَيْرِ شرٌّ؟ قال: ((فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ صَمَّاءُ، عليها دُعاةٌ على أبوابِ النَّارِ، فإنْ مِثَّ يا حُذَيفَةُ وأنتَ عاضٌّ على جِذْلٍ خيرٌ لكَ منْ أنْ تَّبَعَ أَحَداً منْهُمْ)). ((وعن حذيفة ﴿ه أنه قال: قلت: يا رسولَ الله! أيكون بعدَ هذا الخير شرّ»؛ أي: بعد الإسلام كفرٌ. ((كما كان قبلَه شرّ؟)) يعني: في الجاهلية. ((قال: نعم، قلت: فما العصمة؟))؛ أي: ما طريقُ النجاة من ذلك الشر؟ ((قال: السيفُ))؛ أي: طريق النجاة أن تضربَهم بالسيف. قال قتادة: المراد بهذه الطائفة: هم الذين ارتدُّوا بعد وفاة النبي - عليه الصلاة والسلام - في زمن خلافة الصدِّيق څه. ((قلت: وهل بعد السيف بقيةٌ؟))؛ أي: هل يبقى الإسلامُ بعد محاربتنا إياهم؟ وهل يَصلُح أهلُ ذلك الزمان بعد ذلك؟ ((قال: نعم، تكون إمارة على أقذاء)) جمع: قَذَّى، وهي جمع: قَذَاة، وهي ما يقع في العين من التِّبن والتراب أو غير ذلك؛ أي: يكون اجتماع الناس على مَن جُعل أميراً بكراهة لا بطيبٍ القلوب، يقال: فعلت كذا وفي العين قذَى؛ أي: فعلتُه على كراهةٍ . ((وهُدْنة)) بضم الهاء وسكون الدال: الصُّلح والموادعة بين المتحاربين. ٤٩٧ ((على دَخَن)»: وهو الكُدورة واللون الذي يضرب إلى السواد؛ يعني: يقع صلحٌ مع ذلك الأمير غيرُ صافٍ، بل على بقايا من الضغن؛ لعدم الموافقة، وذلك أن الدخانَ أثرٌ من النار يدلُّ على بقيةٍ منها، يُظهرون الصلحَ ويُبطنون العداوةَ والبغضَ؛ كما أن العينَ التي فيها القذاةُ ظاهرُها صحيحٌ وباطنُها سقيمٌ. ((قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تنشأ)؛ أي: تَظهَر ((دعاة الضلال)). (فإن كان الله في الأرض خليفةٌ جَلَدَ ظَهرَك)»: صفة (خليفة). ((وأخذَ مالَك، فَأَطِعْه)): إنما أمره بالإطاعة مع ذلك كله؛ لئلا تثورَ فتنة. ((وإلا))؛ أي: وإن لم يكن الله في الأرض خليفةٌ ((قمتَ)): خبر بمعنى الأمر؛ أي: قُمْ. (وأنت عاضٌّ على جذلِ)) بفتح الجيم وكسرها؛ أي: على أصلِ ((شجرةٍ))؛ أي: فعليك بالعزلة عنهم والفرار منهم إلى موضعٍ بعيدِ عنهم تحتَ شجرةٍ، وبالصبر على مصائب الزمان وتحمُّل مشاقُّه، وهذا مأخوذ من قولهم: يعضُّ الحجارةَ لشدة الألم، أو من قولهم: عضَّ الرجلُ بصاحبه: إذا لزمَه ولصقَ به. ((قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال بعد ذلك، معه نهرٌ ونارٌ، فمَن وقع في ناره))؛ يعني: مَن خالَفَه حتى يلقيه في ناره، وإضافة النار إليه دليلٌ على أنه لیس بنارٍ ، بل سحر . ((وجب أجرُه وحُطَّ وِزرُه، ومَن وقع في نهره وجب وِزرُه وحُطَّ أجرُه، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يُنتج المُهرُ)) من: النَّتج، يقال: نُتجت الفَرَسُ أو الناقةُ - على بناء ما لم يسم فاعله - نتاجاً، ونَتَجها أهلُها نَتَجاً، والإنتاج: اقتراب ولادتها، والمُهر: ولد الفَرَس، والأنثى: مُهرة. ((فلا يُركِب)) بضم الياء وكسر الكاف، من قولهم: أَركبَ المُهرُ: إذا حان وقتُ ركوبه. ٤٩٨ ((حتى تقومَ الساعة))، قيل: لعل المراد به: زمان نزول عيسى - عليه السلام - وظهور الإسلام، ووقوع العدل والأمن بين الناس يومَئذٍ، فلا يُركب المُهر إلى يوم القيامة؛ لعدم احتياج الناس في ذلك الزمان إلى محاربة بعضهم بعضاً، وقيل: المراد: أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقومَ الساعة؛ أي: أنه يكون حينئذ قيام القيامة قريباً قَدْرَ زمان إنتاج المُهر وإركابه. ((وفي رواية: هُدنة على دَخَن، وجماعةٌ على أقذاء، قلت: يا رسولَ الله! الهُدنة على الدَّخَن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوبُ أقوامٍ على الذي كانت عليه))؛ أي: لا تكون قلوبُهم صافيةً عن الحقد والبغض كما كانت صافيةً قبل ذلك. ((قلت: بعدَ هذا الخير شرٌّ؟ قال: فتنة عمياء)»؛ أي: يَعمَى فيها الإنسانُ عن أن يرى الحقَّ. ((صمَّاء))؛ أي: ويصمُّ عن أن يَسمعَ فيها النصيحةَ والهُدى، بل يتحاربون لا عن بصيرة بل جهلاً وعداوةً، كما أن الأعمى لا يدري أين يذهب؛ فكذا أولئك لا يدرون بأي سببٍ يقاتلون؟ وقيل: الفتنة التي لا سبيلَ إلى تسكينها؛ لتناهيها شدةً ودهاءً. ((عليها دعاةٌ على أبواب النار، فإن تَمُتْ يا حذيفةُ وأنت عاضٌّ على جذلٍ خيرٌ لك من أن تتبعَ أحداً منهم)). ٤١٥٨ - عن أبي ذَرِّ ﴾ قالَ: كنتُ رَدِيفاً خَلْفَ رسولِ الله وَلّه يَوْماً على حِمارٍ، فلمَّا جاوَزْنا بُيُوتَ المَدينةِ قال: ((كيفَ بكَ يا أبا ذَرِّ إذا كانَ في المدينةِ جُوْعٌ تقومُ عنْ فِراشِكَ فلا تبلُغُ مَسْجِدَكَ حتَّى يُجْهِدَكَ الجُوعُ؟)) قالَ: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((تعفَّفْ يا أبا ذرِّ»، ثمَّ قالَ: ((كيفَ بكَ يا أبا ذرٍّ إذا كانَ بالمَدينةِ مَوْتٌ يبلُغُ البَيْتُ العبدَ حتَّى أنَّه يُباعُ القَبْرُ بالعبدِ؟)) قالَ: قلتُ: الله ٤٩٩ ورسولُهُ أعلمُ، قال: ((تصَبَّرْ يا أبا ذرٍّ»، قالَ: ((كيفَ بكَ يا أبا ذرٍّ إذا كانَ بِالمَدينةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّماءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟)) قال: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلمُ، قال: (أتي مَنْ أنتَ منهُ) قالَ: قلتُ: وألبَسُ السِّلاحَ؟ قال: ((شارَكْتَ القَوْمَ إذاً) قُلتُ: فكيفَ أَصْنَعُ يا رسولَ الله؟ قال: ((إنْ خَشِيْتَ أنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ ناحِيَةَ ثوبكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِثْمِكَ وإِثْمِهِ». (عن أبي ذَرِّ ◌َ﴾به قال: كنتُ رديفاً خلفَ رسول الله نَّهُ يوماً على حمارٍ، فلما جاوزْنا بيوتَ المدينة قال: كيف بك يا أبا ذَرِّ إذا كان في المدينة جوعٌ))؛ يعني: كيف يكون حالك إذا ظهر فيها قحطٌ وحصل لك جوعٌ؟ (تقوم عن فراشك ولا تَبلُغ مسجدَك حتى يَجهدَك الجوعُ؟))؛ أي: يُلقيك في الجَهد، وهو المشقة؛ يعني: يُزيل قوتَك حتى تعجزَ عن المشي من البيت إلى المسجد . ((قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: تعفَّفْ يا أبا ذَرِّ)؛ أي: لازِمِ العفةَ، وهي الصلاح والتصبُّر على أذى الجوع، والتقوى والكفُّ عن الحرام وعن سؤال الناس. ((ثم قال: كيف بك يا أبا ذَرٍّ إذا كان في المدينة موتٌ يَبلُغ البيتُ)) أراد به : القبر. ((العبدَ حتى إنه يُباعِ القبرُ بالعبدِ؟))؛ يعني: يُباع موضعُ كلُّ قبرِ بعبدٍ؛ يعني: لا يَحفر الحفَّار قبراً حتى يأخذَ عبداً أو قيمته بالأجرة، أو لا يجد أحدٌ موضعَ قبرٍ إلا بعبدٍ؛ من كثرة الأموات، وقلة مَن يقوم بأمرهم، أو أنه لا يبقى في كل بيت كان فيه كثيرٌ من الناس إلا عبدٌ يقوم بمصالح ضَعَفَة أهل ذلك البيت. ((قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: تصبَّرْ يا أبا ذَرٍّ))؛ يعني: اصبرْ بالبلاء ولا تَجزعُ تُصِبِ الأجرَ. ٥٠٠