Indexed OCR Text

Pages 401-420

لعدم التفاته إلى ما ترك في الدنيا، قيل: هذا مدح له، ومعناه: أن هذا الشخصَ
لا يحرص على البقاء في الدنيا وعلى طول عمره حرصَ غيره، فهو كالميت
لا يشتهي شيئاً من أنواع أعراض الدنيا، فأراد وسيول بهذا ما أراد بقوله في صفة
الصدِّيق ﴿ه: ((مَن أراد أن ينظرَ إلى ميتٍ يمشي على وجه الأرض فَلْينظرْ إلى
هذا»، وأشار إليه.
أقول: في الصرف عن الحقيقة وإرادة المجاز لابد من قرينةٍ، كهي في
صفة الصدِّيق مِن قوله: ((يمشي على وجه الأرض))، وأما هنا فالسياقُ شيءٌ ينافي
إرادةَ شيءٍ مما ذُكر؛ لأن البكاءَ والميراثَ يقوِّي إرادةَ الحقيقة، فيُحمل ذلك
على إرادةِ الله تعالى تعجيلَ موتِه شوقاً إلى لقائه.
((وقلَّت بواكيه)) جمع: باكية، وهي المرأة التي تَبَكِي على الميت.
((وقلَّ تُراثُه))؛ أي: ميراثُه.
٤٠٣٢ - وقال: ((عَرَضَ عليَّ رَبَي لِيَجْعَلَ لي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَباً، فقلتُ:
لا يا رَبِّ! ولكنْ أَشْبَعُ يَوْماً وأَجُوعُ يوماً، فإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذكرتُكَ،
وإذا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُك)).
((وعن أبي أمامة ظُه قال: قال رسول الله وَّه: عَرضَ عليَّ ربي ليجعلَ
لي بَطحاءَ مكةَ))، البطحاء والأَبطح: مَسيل الماء، أراد به: مكة وصحاريها.
(ذهباً، فقلت: لا يا ربِّ، ولكن أَشَبَع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعتُ
تضرَّعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك)).
٤٠١

٤٠٣٣ - عن عبيدالله بن مِحْصَنِ قال: قال رسولُ اللهِوَاءِ: ((مَن أَصْبَحَ
منكم آمِناً في سِرْبه، مُعَافَى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَه قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ له
الدُّنيا بحذافیرِها»، غريب.
(عن عبيد الله بن مِحْصَن ◌َّه قال: قال رسول الله وٍَّ: مَن أصبح منكم
آمناً في ◌ِرْبه)» بالكسر، أي: في نفسه وقيل: أي: في أهله وعياله، ويروى
بالفتح؛ أي: طريقه ومسلكه.
«معافى في جسده))؛ أي: صحيحاً في بدنه، سالماً من العيوب والآفات.
((عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ))؛ أي جُمعتْ ((له الدنيا!)).
«غريب».
٠٠
٤٠٣٤ - وعن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ:
((ما ملأَ آدميٌّ وِعَاءَ شَرّاً مِن بَطْنٍ، بحَسْبٍ ابن آدَم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإِنْ كانَ
لا محالةَ، فثُلُثٌ طَعامٌ، وَثُلُثٌ شَرابٌ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ)).
((وعن المِقْدَام بن معدي كرب ﴿ه أنه قال: سمعت النبي ◌َّم يقول:
ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً): صفة (وعاء).
((من بطنٍ، بحسب ابن آدم))، الباء: زائدة؛ أي: كَفَاه.
((أُكُلات)) بضمتين: جمع أُكْلة - بالضم ثم السكون-، وهي اللُّقمة.
(يُقِمْنَ))؛ أي: تلك الأكلاتُ ((صُلبَه)): من (أقام الشيءَ): إذا حفظَه عن
السقوط .
((فإن كان لا محالةَ))؛ أي: فإن كان لابد من أن يملأَ بطنَه، ولا يقنع بأدنى
قُوت.
٤٠٢

((فثلثٌ طعامٌ وثلثٌ شرابٌ))؛ أي: فليجعل ثلثَ بطنه للطعام، وثلثَه
للشراب .
((وثلثٌ لنَفَسِه))؛ أي: ليتركْ ثلثَه خالياً لخروج النَّفَس.
٤٠٣٥ - وعن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ سَمِعَ رَجُلاً يَتَجَشَّأُ فقال: ((أَقْصِرْ
مِن جُشَائِكَ، فإنَّ أطولَ النَّاسِ جُوْعاً يومَ القِيامةِ أطولُهم شِبَعاً في الدُّنْ)».
(وعن ابن عمر : أن النبي ﴿ سمع رجلاً يتجشَّأ)؛ أي: يَخرجُ
الجُشاء من صدره، وهو ريح يخرج عنه من امتلاء المَعِدَة من الطعام، وذلك
الرجل كان وهبَ بن عبدالله أبا جُحيفة، من صغار الصحابة، لم يبلغ الحُلمَ في
زمنه عليه الصلاة والسلام .
رُوي عنه أنه قال: أكلتُ ثَرِيدَ بُرٍّ مع لحمٍ، فأتيت رسولَ الله وٍَّ وأنا أتجشَّأ
((فقال: أَقصِرْ من جُشائك)) بفتح الهمزة؛ أي: اكففْ عنه، والنهي وإن ورد
الجُشاء لفظاً لكنه على إكثار الطعام معنّ؛ لأنه المقتضي له، ولأن الجُشاءَ إذا
استولى كان أمراً طبيعياً لم يُقدَر على دفعه، وسببه - وهو الشبع - أمر مقدور،
فيَرِدُ النهي عليه .
((فإن أطولَ الناس جوعاً يومَ القيامة أطولُهم شِبَعاً في الدنيا))، روي: أن
ذلك الرجل لم يأكل ملءَ بطنه بعد ذلك حتى فارقَ الدنيا، كان إذا تعشَّى
لا يتغذَّى، وإذا تغذَّى لا يتعشَّى.
٤٠٣٦ - وقالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتِي المالُ)).
٤٠٣

((وعن كعب بن عياض ظ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: إن لكل أمةٍ فتنةً)): وهي ما يوقع أحداً في الضلالة أو المعصية.
((وفتنةُ أمتي المالُ)).
٤٠٣٧ - عن أنسٍ، عن النَّبيِّ وَّهِ قال: ((يُجَاءُ بابن آدَمَ يومَ القِيامَةِ كأنََّ
بَذَجُ، فيُوقَفُ بينَ يدي الله، فيقولُ له: أَعْطَيتُكَ وخَوَّلْتُكَ وأنعمتُ عليكَ، فما
صَنَعْتَ؟ فيقولُ: رَبِّ! جَمَّعتُهُ وثَمَّرتُهُ فَتَرَكْتُه أكثَرِ ما كانَ، فارجِعْنى آتِكَ بهِ
كلِّه، فيقولُ لهُ: أَرِنِي ما قَدَّمْتَ، فيقولُ: ربِّ! جَمَّعتُه وثَمَّرتُه فتركتُه أكثَر
ما كانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بهِ كلِّه، فإذا عَبْدٌ لم يُقَدِّمْ خَيْراً فيُمضَى بهِ إلى النَّارِ))،
ضعيف.
((وعن أنس ظه أنه قال: يُجاء))؛ أي: يُؤْتَى.
(بابن آدم)) يريد به: شخصاً واحداً.
((يومَ القيامة كأنه بَذَجٌ))؛ أي: ولدُ الضأن في الحقارة والعجز، وهو
معرَّب، وأصله بالفارسية: برة، وهو أصغر ما يكون من الجُملان، شبَّهه به
صَغَاراً؛ أي: يكون حقيراً ذليلاً.
((فيُوقَف بين يدَي الله تعالى، فيقول له: أَعطيتُك وخوَّلتُك))؛ أي:
جعلتُك ذا خَوَلٍ وخدمٍ.
((وأنعمتُ عليك، فما صنعتَ فيها؟ فيقول: ربِّ! جَمَّعتُه وثَمَّرتُه))،
والتثمير: تكثير المال.
((فتركتُه أكثرَ ما كان، فأرجِعْني آتِك به كلِّه، فيقول له: أرِني ما قدَّمتَ))؛
أي: للآخرة من الخير .
٤٠٤

فإذا عبدٌ لم يقدِّم خيراً، فيُمضَى به إلى النار))، ((ضعيف)).
٤٠٣٨ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((إنَّ أَوَّلَ ما يُسَأَلُ العَبْدُ
يومَ القِيامَةِ مِن النعيمِ أنْ يُقالَ لهُ: أَلَم نُصِحَّ جِسْمَكَ ونُرُوِكَ مِن الماءِ البارِدِ؟».
((وعن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله وَل﴾: إن أولَ ما يُسأل العبدُ يومَ
القيامة من النعيم أن يقال: ألم نُصِحَّ جسمَك))، يقال: أَصَّ القومُ فهم
مُصخُّون: إذا أصابت أموالَهم عاهةٌ ثم ارتفعت.
((ونُروِك من الماء البارد؟)).
٤٠٣٩ - عن ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ وَهِ قالَ: ((لا تَزولُ قَدَما ابن آدَم يومَ
القيامةِ حتَّى يُسألَ عن خَمْسٍ: عن عُمْرِهِ فيما أَفْنَاهُ، وعن شبابهِ فيما أَبْلاهُ،
وعن مالِهِ مِن أينَ اكتسَبَهُ وفيما أنفقَهُ، وماذا عَمِلَ فيما عَلِمَ)).
((وعن ابن مسعود ﴿ه، عن النبي ◌َّيم أنه قال: لا تزول قدما ابن آدمَ يومَ
القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه))،
وإنما ذَكر شبابَه بعد ذِكر عمرِهِ؛ لأنه الزمانُ الذي يتمكن فيه على أقوى
العبادات .
((وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟)): وإنما غيَّر
السؤالَ فيه حيث لم يقل: عن علمه؛ لأن العملَ أهمٌّ، والعلمَ مقدمتُه، وهو
لا يُعَّد لولا العملُ.
(غریب)).
٠٠٠
٤٠٥

٣ - باب
فضل الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيّ
صَلَّىاللّه
وَسَّر
(باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي (مي)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٤٠ - قال رسولَ الله ◌َّهِ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوع بالأَبوابِ لو أَقسمَ على
الله لأبَرَّهُ).
(من الصحاح):
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: رُبَّ أشعثَ))؛ أي: رُبَّ
رجلٍ متفرقٍ شَعر الرأس.
((مدفوع بالأبواب))؛ أي: من الأبواب باليد أو باللسان أن يدخلَها؛ من
غاية حقارته في نظر الناس .
((لو أَقَسَمَ على الله لأَبرَّه))؛ يعني: لو حلفَ يميناً على أن الله تعالى يفعل
الشيءَ أو لا يفعله جاء الأمر فيه على ما يوافق يمينَه؛ من غاية عزَّته عند الله
تعالی .
٤٠٤١ - وقال: ((هل تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلا بِضُعفَائِكُمْ؟)).
(وعن سعد بن أبي وقاص ﴾ قال: قال رسول الله وَله: هل تُنْصَرون
وتُرزَقون إلا بضعفائكم))؛ يعني: إنما حصل لكم النصرُ على الأعداء وقُدِّر لكم
الرزقُ ببركة الفقراء؛ فأَكرِمُوهم.
٤٠٦

٤٠٤٢ - وقال: ((قُمْتُ على بابِ الجَنَّةِ، فكانَ عامَّةُ مَن دَخَلَهَا
المساكينُ، وأصحابُ الجَدِّ مَحبُّوسُونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النارِ قد أُمِرَ بهم إلى
النَّارِ، وقُمْتُ على بابِ النَّارِ، فإذا عامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّساءُ».
((وعن أسامة بن زيد ظه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: قمتُ على باب الجنة، فكان عامةُ))؛ أي: أكثرُ ((مَن دخلَها المساكينَ،
وأصحابُ الجَدِّ)، وهو بفتح الجيم وتشديد الدال: المَغنى والحظ الدنيوي مالاً
ومنصباً؛ يعني: أصحاب الأموال والمناصب.
((محبوسون)) في العَرَصَات لطولِ حسابهم؛ بسبب كثرة أموالهم وتلذُّذهم
بها في الدنيا، والفقراء بُرَاء من هذا، فلا يُحبَسون؛ بل يدخلون الجنةَ قبل
الأغنياء بأربعين خريفاً مكأفاةً عن فقرهم في الدنيا.
(غيرَ أن أصحابَ النار)) أُريد بهم: الكفار.
((قد أُمر بهم إلى النار)) من غير وقوف في العَرَصَات.
((وقمتُ على باب النار؛ فإذا عامةُ مَن دخلَها النساءُ».
٤٠٤٣ - وقال: ((اطَّلَعتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكثرَ أَهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ
في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ».
((وعن ابن عباس ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
اطّلعت في الجنة، فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطّلعت في النار، فرأيت أكثرَ
أهلها النساءَ»، فإن قيل: إن أهل الجنة والنار قبلَ يوم القيامة إما أحياءٌ أو أمواتٌ
لم يُبعثوا، فكيف رآهم رسول الله وَلي؟
قلنا: يحتمل أنه أراد بالماضي المستقبل، أو رأى أرواحَهم، أو أن الجنةَ
٤٠٧

والنارَ مُثِّلَتَا له بصورتهم يومَ القيامة، كما قال يوماً: ((رأيت الجنةَ والنارَ في
عرض هذا الحائط))؛ أي: مثالَهما.
٤٠٤٤ - وقال: ((إنَّ فُقَراءَ المُهاجِرينَ يَسبقونَ الأَغْنياءَ يومَ القيامةِ إلى
الجَنَّةِ بأربعينَ خَرِيفاً» .
((وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله بَله: إن فقراءَ المهاجرين
يسبقون الأغنياءَ يومَ القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)؛ أي: سنةً.
٤٠٤٥ - عن سهلِ بن سَعْدٍ قال: مرَّ رَجُلٌ على رَسولِ اللهَِِّ فقالَ لَرَجُلٍ
عِنْدَه جالسٍ: ((ما رأيُّكَ في هذا؟)) فقال: رجلٌ مِن أَشْرافِ الناسِ، هذا والله
حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أنْ يُشفَّعَ، قال: فَسَكَتَ رسولُ اللهِ، ثُمَّ
مَرَّ رَجُلٌ، فقالَ لهُ رسولُ الله ◌ِّهِ: ((ما رأيُكَ في هذا؟» فقالَ: يا رسولَ الله! هذا
رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسلِمِينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ
لا يُشفَّعَ، وإِنْ قالَ أنْ لا يُسْمَعَ لقولِهِ، فقالَ رسولُ الله ◌ِصلِّ: ((هذا خيرٌ مِن ملءِ
الأرضِ مِن مثلٍ هذا».
(عن سهل بن سعد قال: مرَّ رجل على النبي ◌َّه: فقال لرجلٍ عندَه
جالسٍ: ما رأيك في هذا؟))؛ أي: ما ظنُّك في حق هذا الرجل، تظُّه خيراً أم
شرّاً؟
((فقال: رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ))، (هذا): مبتدأ، خبره
(حري)، والقَسَم معترض بينهما؛ أي: جديرٌ وحقيقٌ ((إنْ خَطبَ))؛ أي: طلبَ
أن یتزوج بامرأة ((أن يُنکحَ)): متعلق بـ (حري).
٤٠٨

((وإِنْ شَفَعَ)) - بالتخفيف ـ((أنْ يُشفَّع)) بضم الياء وفتح الفاء المشددة؛ أي :
تُقْبَل شفاعتُه.
((قال: فسكت النبيِ بَ﴿، ثم مرَّ رجلٌ، فقال له رسول الله وَله: ما رأيك
في هذا؟))؛ أي: ما ظنُّك بهذا الرجل، تظنُّه خيراً أم شرّاً؟
((فقال: يا رسولَ الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيُّ إِنْ
خَطبَ أن لا يُنكِحِ، وإن شَفَعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُسمَع لقوله))؛ أي:
لا يَسمع أحدٌ لكلامه، ولا يُلتَفَت إليه؛ من غاية فقره وحقارته.
(فقال رسول الله وَله: هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذا)).
٤٠٤٦ - وعن عائِشَةَ قالت: ما شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ نَّهِ مِن خُبْزِ الشَّعيرِ يومَيْنِ
مُتَتَابعَيْنٍ حَتَّى قُبِضَ رسولُ اللهِ.
((عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ما شبعَ آلُ محمدٍ من خبز الشعير
يومَين متتابعين، حتى قُبض رسولُ الله ◌ِ)).
٤٠٤٧ - وقال أبو هُريرةَ: خَرَجَ النَّبيُّ ◌َّهِ مِن الدُّنيَا ولم يَشبعْ مِن خُبْزِ
الشَّعيرِ .
((وقال أبو هريرة ﴿ه خرجَ النبيُّ ◌َّ﴿ من الدنيا، ولم يَشَبَع من خبز
الشعير)) .
٤٠٤٨ - عن أنسٍ: أنه مَشَى إلى النَّبيِّ ل ◌َهُ بِخُبْزِ شَعيرٍ وإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ،
٤٠٩

ولقد رَهَنَ النَّبِيُّ :﴿ دِرْعاً بالمَدينةِ عندَ يهوديٍّ وأخذَ منهُ شَعيراً لأَهْلِهِ، ولقد
سَمِعْتُه يقولُ: ما أَمْسَى عندَ آلِ مُحَمَّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبِّ، وإِنَّ عِنْدَه لَتِسِعَ
نِسْوَةٍ.
((عن أنس ه: أنه مشى إلى النبي ◌َّه بخبز شعير وإهالة)) بكسر الهمزة:
ما أُذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، وقيل: الوَدّك، وهو دسم
الشحم، وقيل: كل دُهن يُؤْتَدَم به.
(سَنِخَة)) بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة؛ أي:
متغيرة لطول المكث.
((ولقد رَهنَ النبيُّ وَّه درعاً له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيراً
لأهله، ولقد سمعته))؛ أي: قال راوي هذا الحديث عن أنس ظه: سمعتُ أنساً
(يقول: ما أمسى))؛ أي: لم يُدَّخر في الليل للغد («عند آل محمد صاعُ بُرّ
ولا صاعُ حَبِّ)) للقُوت.
((وإن عنده)): الواو للحال.
((لَتَسِعَ نسوةٍ).
٠
٤٠٤٩ - وقال عُمَرُ ه: دَخَلْتُ على رَسولِ الله ◌ِوَِّ، فإذا هو مُضْطَجِعٌ
على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ فِرَاشٌ، قد أَثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبه، مُتَّكِئاً على
وِسادةٍ من أَدَعِ حَشْوُها ليفٌ، قلتُ: يا رسولَ الله! أُدْعُ الله فلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ،
فإنَّ فَارِسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وهم لا يَعْبُدُونَ الله، فقال: ((أَوَ في هذا أَنْتَ
يا ابن الخطابِ! أُولئكَ قومٌ مُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في الحياةِ الدنيا».
وفي روايةٍ: ((أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهُم الدُّنيا ولَنَاَ الآخِرَةُ؟».
٤١٠

((وقال عمر ه: دخلت على النبي ◌ٍَّ، فإذا هو مضطجعٌ على رمالِ
حصيرٍ)) بكسر الراء المهملة وضمها: جمع رَمِيل بمعنى: مَرمُول؛ أي: منسوج،
ويُستعمل في الواحد، وهذا من إضافة الجنس إلى النوع، كـ (خاتم فضة)؛ أي:
رمال من حصير، والمراد هنا: المنسوج من ورق النخل.
وقيل: الرمال: ما يُنسَج عُوداً عُوداً.
((ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّر الرمال بجنبه وَّهِ، متكئاً على وسادةٍ من
أدم، حشوُها لِيفٌ، قلت: يا رسولَ الله! ادعُ الله فَلْيوسِّعْ على أمتك؛ فإن فارسَ
والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: أوفي هذا أنتَ)): استفهام
على سبيل الإنكار؛ أي: أأنت في هذا ونظرُّك مرتهنٌّ بهذه الأشياء؟! أي: أين
أنت من النِّعَم الباقية الغائبة عنك ((يا ابن الخطاب؟!)) وفي ترك مخاطبته بـ
(عمر) في هذا المعرض معنّى لطيفٌ؛ لأن الارتهانَ بطيبات الدنيا من خصال
ذوي الجهل والعمى، فكان نسبتُه وَّه إلى أبيه ذي الجهل والعمى أَولى وأليقَ
بالكلام، كأنه قال: يا ابن ذلك المقيّد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم الآخرة.
((أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا، وفي رواية: أَمَا ترضى
أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟)).
٤٠٥٠ - عن أبي هُريرةَ قال: ((لقد رأيتُ سَبْعينَ مِن أصحابِ الصُّفَّةِ،
ما مِنهم رَجُلٌ عليه رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وإمَّا كِساءٌ، قد رَبَطوا في أَعْناقِهم، فمِنْها
ما يبلُغُ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبِينِ، فَيَجمعَه بيدِه كراهِيةَ أنْ تُرَى عورتُه)).
(عن أبي هريرة : لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة)): وهم
الفقراء الذين بايعوا النبي والقوى.
٤١١

(ما منهم رجلٌ عليه رداء))؛ أي: لم يكن منهم رجلٌ عليه رداءٌ وإزارٌ، بل
یکون له «إما إزار)) فقط یستر به عورته، «وإما کِساءُ» يشتمل به.
(قد ربطوا في أعناقهم، فمنها))؛ أي مِن كِساءِ ((ما يَبلَغ نصفَ الساقين،
ومنها ما يَبلُغ الكعبين، فيجمعه بيده؛ كراهيةَ أن تُرى عورتُهُ)).
٤٠٥١ - وقال رَسولُ اللهِوَّهِ: ((إذا نَظَرَ أَحَدُكم إلى مَن فُضلَ عليهِ في
المالِ والخَلْقِ، فَلْيَنظرْ إلى مَن هو أَسْفَلَ منهُ».
((وقال أبو هريرة به قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نظر
أحدُكم إلى مَن فُضلَ))؛ أي: زِيدَ ((عليه في المال والخَلق))؛ يعني: إذا رأى
أحدُكم مَن هو أكثر منه مالاً وجثةً ولباساً وجمالاً.
((فَلْينظرْ إلى مَن هو أسفلُ))؛ أي: أقلُّ ((منه)) في ذلك؛ ليَعرفَ أن الله
تعالى أنعمَ عليه نعمةً كثيرةً بالنسبة إليه .
٤٠٥٢ - وقال: ((انظُرُوا إلى مَن هو أَسْفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو
فَوْقَكم، فهوَ أَجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله علَيْكم» .
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: انظروا إلى مَن هو أسفلُ
منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ))؛ أي: النظرُ إلى مَن هو
أسفلَ منكم مالاً وجمالاً وجثةً ولباساً أحقُّ ((أن لا تزدروا))؛ أي: بألا تحتقروا
(نعمةَ الله عليكم))؛ لأنكم بذلك النظرِ علمتُم أن لله تعالى عليكم نعماءَ كثيرةً.
٤١٢

مِنَ الحِسَان:
٤٠٥٣ - قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَبْشِروا يا مَعْشَرَ صَعَاليكِ المُهاجرينَ!
بالنُّورِ التامّ يومَ القيامةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قبلَ أغنياءِ النَّاسِ بنصْفِ يَوْمٍ وذلكَ
خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ» .
((من الحسان)) :
((عن أبي سعيد الخُدري ﴿ه قال: قال رسول الله وٍَّ: أَبْشِروا يا مَعشرَ
صعاليك المهاجرين)) جمع: صُعلوك، الفقير الذي لا مالَ له ولا اعتمالَ.
((بالنور التام يومَ القيامة، تدخلون الجنةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم،
وذلك خمس مئة سنة))؛ فإن اليومَ الأخرويَّ مقدارُ طولِه ألفُ سنة من سِنِي
الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعْدُّونَ ﴾ [الحج: ٤٧]،
فنصفه خمس مئة .
٤٠٥٤ - وقال: ((يدخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قبلَ الأَغْنِياءِ بِخَمْسِ مِئَّةٍ عامٍ نصفٍ
يومٍ».
((عن أبي هريرة وجابر - رضي الله تعالى عنهما - قالا: قال
رسول الله ◌َّ *: يدخل الفقراءُ الجنةَ قبل الأغنياء بخمسِ مئةٍ عامٍ، نصفٍ
يومٍ)) بالجر: بدل، أو عطف بيان عن (خمس مئة عام).
٤٠٥٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((اللهمَّ! أَحْيني مِسْكيناً،
وأَمِثْنِي مِسْكيناً، واحشُرْني في زُمْرةِ المَساكينِ))، فقالت عائِشَةُ: لِمَ يا رسولَ
الله؟ قال: ((إِنَّهِم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنيائهم بأَرْبعينَ خَرِيفاً، يا عائِشةُ! لا تَرُدِّي
٤١٣

المِسْكِينَ، ولو بِشِقِّ تمرةٍ، يا عائِشَةُ! أَحِبي المَساكينَ وقَرَّبيهم، فإنَّ الله يُقَرِّبُكِ
يومَ القيامةِ» .
((عن أنس : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم أَحْيني
مسكيناً، وأَمِتْني مسكيناً، واحشرني في زُمرة المساكين))، معناه: اجعلْني
متواضعاً لا جباراً متكبراً، وقد فسَّر النبيُّ ◌َ﴿ المسكينَ: ((وهو الذي لا يجد
غنّى يغنيه، ولا يُفطَن به فيتصدَّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس))، قيل: هذا
تعليم منه لأمته ◌َ ﴿ أن يعرفوا فضلَ الفقراء ليحبُّوهم وليجالسوهم لينالَهم
بركتهم، ويجوز أن يُراد بهذا أن يجعل قُوتَه عليه كفافاً، ولا يشغله بالمال؛ فإن
كثرةَ المال مذمومٌ في حق المقرَّبين.
((فقالت عائشة: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنةَ قبل أغنيائهم
بأربعين خريفاً، يا عائشة! لا تردِّي المسكينَ ولو بشق تمرة، يا عائشةُ! أحبي
المساكينَ وقرّبيهم؛ فإن الله تعالى يقرِّبك يومَ القيامة))، ((غریب)).
٤٠٥٦ - عن أبي الدَّرْداءِ، عن النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قال: ((ابِغُونِي فِي ضُعَفَائِكُم،
فإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وتُنصَرونَ بِضُعَفائِكُم».
(عن أبي الدرداء ه، عن النبي (وَلقر قال: ابغوني في ضعفائكم)) بهمزة
قطع ووصل، من: بَغَى بُغَاءَ بالضم: طلبَ؛ أي: اطلبوا رضائي في رضا
ضعفائكم؛ فمَن أكرمَهم فقد أكرمَني، ومَن آذاهم فقد آذاني.
((فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم)).
٤٠٥٧ _ ورُوِيَ: أَنَّ رسولَ الله وَِّ كَانَ يَستفتِحُ بصَعَاليكِ المُهاجِرِينَ.
٤١٤

((ورُوي: أن رسولَ اللهِ وَل﴿ كان يَستفتح))؛ أي: يطلب الفتحَ والنصرةَ من
الله الكريم ((بصعاليك المهاجرين))؛ أي: ببركة فقرائهم.
٤٠٥٨ - عن أبي هُريرةً قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تَغْبطَنَّ فاجِراً
بنعْمَةٍ، فإنّكَ لا تَدري ما هوَ لاقٍ بعدَ مَوْتِه، إنَّ لهُ عندَ الله قاتِلاً لا يَموتُ))،
يعني : النَّار.
(عن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسول الله ﴾: لا تَغْبطَنَّ فاجراً)، قيل:
أي: كافراً.
(بنعمةٍ))؛ يعني: لا تتمنََّنَّ أن يكونَ لك ما له من النِّعَم.
((فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إن له))؛ أي: للفاجر.
((عند الله قاتلاً) من: القتل، كذا في أكثر النسخ.
(لا يموت))؛ أي: لا يَفْنَى.
(يعني: النار)): تفسير (قاتلاً).
وفي ((شرح السُّنة)): ((قائلاً))؛ أي: مَقيلاً، من: القَيلولة.
٤٠٥٩ - وقال: ((الُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وسَنَتُهُ، فإذا فارقَ الدُّنْيا فارقَ
السِّجْنَ والسَّنَةَ».
((وعن عبدالله بن عمرو ﴾ قال: قال رسول الله وَله: الدنيا سجنُ المؤمن
وَسَنتُه))؛ أي: قحطُه وشدةُ عيشِه.
(«فإذا فارقَ الدنيا فارقَ السجنَ والسَّنةَ».
٤١٥

٤٠٦٠ - وعن قتادةَ بن النُّعْمانِ: أنَّ رسولَ اللهِوَِّ قال: ((إذا أَحَبَّ الله
عَبْداً حَماهُ الدُّنْيا كما يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحمِي سَقيمَهُ الماءَ».
((عن قتادة بن النعمان عنه: أن رسول الله وَل﴿ قال: إذا أحبَّ الله عبداً
حَمَاه الدنيا))؛ أي: منعَه منها ووقاه أن يتلوثَ بزينتها؛ کیلا یمرض قلبُه بداء
محبتها .
(كما يظلُّ أحدكم))؛ أي: كما طفقَ أحدُكم.
((يحمي سقيمَه))؛ أي: مريضه المستسقي ((من الماء))؛ كيلا يزيدَ مرضُه
بشربه .
٤٠٦١ - عن مَحْمودٍ بن لَبِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قال: ((اثنتانِ يَكرَهُهُما ابن
آدَمَ: يَكْرَهُ المَوْتَ، والمَوْتُ خيرٌ للمُؤْمِنِ مِنَ الفِتْنَةِ، ويَكْرَهُ قِلَّةَ المالِ، وقِلَةُ
المالِ أَقَلُّ للحِسابِ».
((عن محمود بن لبيد: أن النبي ◌َّفي قال: اثنتان يكرههما ابن آدم: يكرهُ
الموتَ؛ والموتُ خيرٌ للمؤمن من الفتنة))؛ والفتنةُ التي الموتُ خيرٌ منها هي
الوقوعُ في الشِّرك أو في فتنة يتسخَّطها الإنسان ويجري على لسانه ما لا يليق،
وفي اعتقاده ما لا يجوز.
((ويكرهُ قلةَ المال؛ وقلةُ المال أقلُّ للحساب)».
*
٤٠٦٢ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ وَّه فقال: إنِّي
أُحِبُّكَ، قالَ: ((أُنْظُرْ ما تقولُ))، فقالَ: والله إنِّي لأُحِبُّكَ، ثلاثَ مرَّاتٍ، قال:
٤١٦

((إنْ كُنْتَ صَادِقاً فَأَعِدَّ لِلِفَقْرِ تِجْفافاً، لَلْفَقْرُ أَسْرَعُ إلى مَنْ يُحِبني مِنَ السَّيْلِ إلى
مُنْتھَاهُ))، غريب.
((عن عبد الله بن مغفَّل ﴿ه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم فقال: إني لأَحِبُّك، قال: انظرْ ما تقول؟)) قاله لتفخيم شأن المقول؛ أي:
فكِّر فيما تقول في أنك تحبني، أنتَ صادق في هذه الدعوى أم لا؟
((فقال: والله إني لأَّحبُّك، ثلاث مرات، قال: إن كنتَ صادقاً فأعدَّ)؛
أي : فھیئ.
((للفقر تِجْفَافاً) بكسر التاء وسكون الجيم: شيء يُلبَس لدفع السلاح؛
يعني: آلةً تدفع بها عن دِينك ضررَه من الصبر والقناعة والرضا، كنَّى بالتِّجفاف
عن الصبر؛ لأنه يستر الفقرَ كما يسترُ التجفافُ البدن.
(لَلفقر): اللام لام الابتداء.
((أسرعُ إلى مَن يحبني من السيل إلى منتهاه))؛ يعني: لابد من وصول
الفقر إليه .
((غریب)).
٤٠٦٣ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: لقدْ أُخِفْتُ في الله وما يُخافُ
أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيْتُ في الله وما يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثونَ منْ بينِ ليلةٍ
ويَوْمٍ وما لِي ولِبِلالٍ طَعامٌ يأْكلُهُ ذُو كَبدٍ، إلا شَيءٌ يُوارِبِهِ إِبْطُ بِلالٍ)).
((عن أنس ظه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد
أُخِفتُ)) بصيغة المجهول من: الإخافة.
(في الله))؛ أي: في إظهار دينه.
٤١٧

((وما يُخاف أحدٌ)) بصيغة المجهول؛ أي: مثلَ ما أُخِفتُ.
((ولقد أُوذيتُ في الله، وما يُؤْذَى أحَدٌ))؛ أي: مثلَ ما أُوذيتُ؛ يعني:
كنتُ وحيداً في ابتداء إظهاري الدينَ، فخوَّفني الكفارُ وآذَوني في ذلك، ولم
يكن معي أحد يوافقني في تحمُّل الأذيَّة.
((ولقد أَنَتْ عليَّ))؛ أي: قد كان بعضُ الأوقات مرَّ عليَّ.
(ثلاثون من بين ليلةٍ ويومٍ))، (بين): زائدة، تقديره: من ليلةٍ ويومٍ كان
بلالٌ رفیقي في ذلك الوقت.
«وما لي ولبلالٍ طعام یأکلُه ذو کبد»: هذا إشارة إلى قلته، والمراد بـ (ذو
كبد) هاهنا: نحو الفأرة والهِرَّة مما يَشبَع بأدنى شيءٍ.
((إلا شيءٌ)): بدل من (طعام).
«يُوارِبه))؛ أي: يسترُه.
(إبطُ بلال)) من خبز ونحوه، كنَّى بالمواراة تحت الإبط عن الشيء اليسير،
وعن عدم ما يُجعَل فيه الطعامُ من الظَّرف.
٤٠٦٤ - عن أبي طَلْحَةَ قال: ((شَكَونًا إلى رَسولِ اللهِوَّهِ الجُوعَ، ورَفْعنا
عنْ بُطونِنا عنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فرفعَ رسولُ الله ﴿ه عنْ بَطْنِهِ عنْ حَجَرَيْنِ))،
غريب .
(عن أبي طلحة ظه قال: شكونا إلى رسول اللهِوَ﴿ الجوعَ، ورفعْنا عن
بطوننا عن حَجَرِ حَجَرٍ)): بدل اشتمال، كما تقول: زيدٌ كشفَ عن وجهِه عن
حُسنٍ خارقٍ.
عادة أهل الرياضة إذا اشتد جوعُهم أن يربطَ كلُّ واحدٍ منهم حَجَراً على
٤١٨

بطنه؛ كيلا يسترخي بطنُه، وتنزلَ أمعاؤه، فيشقُّ عليه التحريك.
((فرفع رسولُ اللهِ﴿ عن بطنه عن حَجَرَين))؛ لأنه ◌َِّ أكثرُهم جوعاً
وأشدُّهم رياضةً.
((غريب)).
*
٠ ٠
٤٠٦٥ - عن أبي هُريرةَ: أَنَّهُ أصابَهُم جُوْعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رسولُ اللهِ تَمْرَةً
تَمْرَةً.
((عن أبي هريرة : أنه أصابهم جوعٌ، فأعطاهم رسولُ الله ◌ِوَّهِ تمرةً
نمرةً» .
٤٠٦٦ - عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله وَهـ
قال: ((خَصْلتانِ مَنْ كانتا فيهِ كتَبَهُ الله شاكِراً صابراً: مَنْ نَظَرَ في دِينِهِ إلى مَنْ هوَ
فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بهِ، ونظَرَ في دُنْياهُ إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، فحَمِدَ الله على ما فضَّلَهُ الله
عليهِ؛ كتبَهُ الله شاكِراً صابراً، ومَنْ نظرَ في دِينِهِ إلى مَنْ هوَ دُونَهُ، ونظرَ في
دُنْيَاهُ إلى مَنْ هو فَوْقَهُ، فَأَسِفَ على ما فاتَهُ منهُ؛ لمْ يكتُبُهُ الله شاكِراً ولا
صابراً).
ه عن النبي ◌َّفي قال:
((عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ◌ُ
خصلتانِ مَن كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً: مَن نَظَرَ في دينه إلى مَن هو فوقَه)»؛
أي: نظر في الأعمال الصالحة إلى مَن هو أكثرُ منه عبادةً ورياضةً وقناعةٌ.
((فاقتدى به، ونظرَ في دنياه إلى مَن هو دونَهَ))؛ أي: إلى مَن هو أفقرُ وأقلُّ
مالاً منه.
٤١٩

((فحمد الله))؛ أي شكرَه ((على ما فضَّله الله))؛ أي: على ما أعطاه من
الفضل.
(كتبه الله شاكراً صابراً، ومَن نظر في دينه إلى مَن هو دونَهَ، ونظرَ في
دنياه إلى مَن هو فوقَه فَأَسِفَ))؛ أي: غضبَ وحزنَ ((على ما فاته منه))؛ أي: من
المال الدنيوي وغيره.
((لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً).
٣- باب
الأَمَل والحِرْصِ
(باب الأمل والحرص)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٦٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﴾ قال: خَطَّ النَّبِيُّ وَّهِ خَطّاً مُرَبَّعاً،
وخَطَّ خَطّاً في الوَسَطِ خارِجاً منهُ، وخَطَّ خُطُوطاً صِغاراً إلى هذا الذي في
الوَسَطِ من جانِهِ الذِي في الوسَطِ فقال: ((هذا الإِنسانُ، وهذا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بهِ،
وهذا الذي هوَ خارجٌ أَمَلُهُ، وهذهِ الخُطُوطُ الصَّغَارُ الأَعراضُ، فإنْ أخْطَأَهُ هذا
نَهَشَهُ هذا، وإنْ أَخْطَأَهُ هذا نَهَشَهُ هذا)» .
((من الصحاح)):
((عن عبدالله ﴿ه قال: خطَّ النبيِّهِ خطّاً مربَّعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط
خارجاً منه، وخطَّ خطوطاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في
الوسط)) بهذه الصورة.
٤٢٠