Indexed OCR Text

Pages 221-240

صرف إلى الباطل.
٣٧٢٠ - وقَالَ: ((إنَّ مِنَ الشِّعرِ حِكْمَةً)).
((وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن
من الشعر لحكمة))؛ أي: كلاماً نافعاً يمنع عن الجهل والسفه، وهو ما نَظَمه
الشعراء من المواعظ والأمثال المنتفع بها الناسُ، والثناءِ على الله ورسوله،
والنصيحةِ للمسلمين، وما أشبه ذلك، وهذا النوع من الشعر محمودٌ وممدوحٌ،
والشعر المذمومُ ما فيه كلام قبيح.
٣٧٢١ - وقَالَ: ((هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلاثاً.
«وعن ابن مسعود څ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
ألا هلك المتنطعون)) وهم المتعمِّقون في الكلام الغالُون في خوضهم فيما
لا يعنيهم منه، وقيل: المتكلِّفون في الفصاحة، وقيل: أراد بهم المصوِّتين من
قعر حلوقهم والمردِّدين لكلامهم في أفواههم رعونةً في القول وفصاحة.
((قالها))؛ أي: هذه الكلمة.
((ثلاثاً)) تهويلاً لشأن هذا الأمر وتحريضاً على التيقُّظ لما فيه من الغائلة
العظيمة .
٣٧٢٢ - وقَالَ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبيدٍ:
أَلَاكُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطِلٌ))
٢٢١

((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصدق
کلمة))؛ أي: كلام.
((قالها الشاعر كلمة لبيد بن ربيعة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل))؛ أي:
فانٍ في حد ذاته، وهو الممكن، و(خلا) بمعنى سوى، وإنما كان هذا القولُ
أصدق لأن النقل والعقل شاهدان عليه.
روي: أن لبيداً لما أنشد هذا المِصرَاع قال ◌َّقوله: ((صدقت))، ولمَّا قال:
وكلُّ نعيم لا محالةَ زائلُ، قال ◌َّ: ((كذبتَ فإن نعيم الجنة لا يزول)).
٣٧٢٣ - وعَن عَمرٍو بن الشَّريدِ، عَنْ أبيهِ، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِوَهُ
يَوْماً فَقَالَ: ((هَلْ مَعَكَ مِن شِعْرٍ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ شَيءٌ؟)) قُلتُ: نَعَم، قَال:
(هِيْهِ))، فَأَنشدْتُهُ بَيْتاً، فَقَال: ((هيهِ»، ثُمَّ أنشدْتُهُ بيتاً، فَقَالَ: ((هِيْهِ»، حتى أَنْشدتُهُ
مئةَ بْتٍ .
((وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه أنه قال: ردفتُ رسول الله وَلِيٍ يوماً
فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه))
بمعنى إيهٍ - بكسر الهمزة - هو اسم فعل معناه الأمر؛ أي: تكلّم، وقد تنوَّن فتحاً
وكسراً للتنكير نحو: إيهٍ وإيهاً؛ أي: حدِّث حديثاً.
((فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً فقال: هيه، حتى أنشدته مئة
بیت)) .
وأمية ثقفيٌّ من شعراء الجاهلية، وكان مترهِّباً وحريصاً على استعلام أخبار
النبي ◌َ﴿ مصدِّقاً لخروجه، راجياً كونه من قومه ثقيف، فلما أُخبر أنه من قريش
أيس منه ومنعه الحسدُ عن الإيمان به، ولم يلبث أن مات.
٢٢٢

يروى أنه قال عند وفاته:
وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
إن تغفر اللهم فاغفر جماً
وقال:
صائرٌ مدةً إلى أنْ يزولا
وكلُّ عيشٍ وإن تطاول دهراً
في قلال الجبال أرعى الوعولا
ليتني كنت قبل ما بدالي
ولذلك قال ◌َّه في بعض طرق الحديث: ((أسلم شعرُه وكفر قلبُه)).
وقال ◌َّ﴾ لأخته لمَّا قدمت عليه بعد فتح الطائف: ((كان مَثَلُ أخيك كمَثَلِ
الذي أعطاه الله آياتٍ فانسلخ منها فكان من الغاوين)»، وهذا يدل على استحباب
قراءة الشعر إذا كان فيه حكمةٌ وموعظة .
٣٧٢٤ - وعَنْ جُنْدَبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَهُ كَانَ فِي بَعْضِ المَشَاهدِ وَقَدْ دَمِيَتْ
إِصبَعُه فَقَال:
وفي سَبيْلِ الله ما لَقِيتٍ))
(هَلْ أنتِ إِلاّ إِصْبَعِّ دَمِيتٍ
((وعن جندب بن سفيان البجلي: أن النبي ﴿﴿ كان في بعض المشاهد))؛
أي: الغزوات.
«وقد دمیت إصبعه» والواو للحال.
((فقال هل أنت إلا إصبع دميت)) بكسر التاء: خطابٌ للإصبع؛ أي:
جُرحت.
(وفي سبيل الله ما لقيت))؛ أي: الذي لقيته في سبيل الله لا في سبيل غيره،
والحبيب إذا لقي في سبيل حبيبه سوءاً لا يشتكي منه، لم يقصد ونله بتكلَّمه بهذا
٢٢٣

وأشباهه الشعر، ولكن خرج من غاية فصاحته على نظم الشعر من غير قصده إياه.
٣٧٢٥ _ وعَنِ الْبَراءِ بن عَازِبٍ ﴾ قَال: قال رسولُ الله ◌َّهِ يومَ قُرَيْظَةً
لِحَسَّانَ بن ثابتٍ: ((اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ)).
((وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله وَليه يوم قريظة لحسان بن
ثابت: اهجُ المشركين))؛ أي: اذكر عيوبهم وقلةَ عقولهم في عبادة الأصنام.
«فإن جبريل معك».
٣٧٢٦ - وكَانَ رَسُولُ اللهِ﴿ يَقُولُ لِحَسَّانَ: ((أَجِبْ عِنِّي، اللهمَّ! أَيدْهُ
بِرُوحِ القُدُسِ».
((وكان رسول الله ( * يقول لحسان: أجب عني))؛ أي: اهجُهم فإني
لا أُحسن الشعر حتى أهجوهم.
«اللهم أيده))؛ أي: قوِّه، يعني حسان.
(بروح القدس))؛ أي: بجبريل، سمي به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة
القلوب، و(القُدُس) بمعنى المقدَّس وهو الله، فإضافة الروح للتشريف، أو
(القدس) صفة للروح وإنما أضيف إليه تنبيهاً على زيادة الاختصاص، وتأييدُه
إمداده بالجواب وإلهامه بالصواب.
٣٧٢٧ - وعَنْ عَائِشةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((اهْجُوا
قُرَيْشاً، فإنَّه أَشَدُّ عَليْهِم مِن رَشْقِ النَّبلِ)).
٢٢٤

وقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقولُ لِحَسَّانَ: ((إنَّ رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ
يُؤَيِدُكَ ما نافَحْتَ عَنِ الله ورَسُولِه)).
وقالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقولُ: ((هَجاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى)).
((عن عائشة - رضي الله عنها -: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
قال: اهجوا قريشاً، فإنه))؛ أي: الهجو ((أشدُّ عليهم من رشق النبل)) بفتح الراء
وسكون الشين؛ أي: من رمي السهم.
((وقالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لحسان:
إن روح القدس لا يزال يؤيدك)) يجوز أن يكون هذا دعاءً أو إخباراً.
(ما نافحت))؛ أي: خاصمت.
(عن الله))؛ أي: مدةَ دفعك عن عباد الله .
(ورسوله)) وتقويتهم على المشركين.
روي عن عائشة: أن النبي ولي كان يضع لحسان منبراً فيقوم عليه يهجو من
کان یھجو رسول الله .
((وقالت: سمعت رسول الله يقول: هجاهم حسان فشفى))؛ أي: غيره
من المؤمنين؛ يعني: وجدوا بذلك شفاءً لما في قلوبهم من الغيظ.
((واستشفى)) هو بنفسه.
٣٧٢٨ - عَنِ البَراءِ قَال: كانَ رَسُولُ اللهِوَهِ ينقُلُ التُّرابَ يومَ الخَنْدقِ حتَّى
اغبَرَّ بطْنُهُ ويَقُولُ:
ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
((والله لَوْلا الله ما اهتَدَيْنَاَ
٢٢٥

وَثَبَتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَقَيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِيَنَةً عَلَيْنَا
إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: أَبَيْنَا، أَبَيْن)).
((عن البراء أنه قال: كان رسول الله وَل* ينقل التراب يوم الخندق)): وهو
يوم اتفق قبائل العرب على محاربة النبي تمييز، فاجتمعوا وجاؤوا حتى نزلوا حول
المدينة، فقيل للنبي وَير: طريق دفعهم أن يحفر حولها خندقاً كيلا يقدروا أن
يتجاوزوا الخندق فإنهم أكثر من أن نقدر على مقاومتهم، فاشتغل وَّر هو
وأصحابه بحفر الخندق.
(حتى اغبر بطنه))؛ أي: صار ذا غبار.
((ويقول: والله لولا الله))؛ أي: لولا هدايةُ الله، أو فضلُه علينا بأن هدانا
إلى الإسلام.
((ما اهتدينا)) مصداقه قوله تعالى: ﴿وَمَاكُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَنَا ◌َلَهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
((ولا تصدَّقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا))؛ أي: وقاراً وأمناً من العدو.
((وثبت الأقدام))؛ أي: أقدامنا على محاربة العدو.
((إن لاقينا))؛ أي: العدو.
((وإن القريش قد بغوا علينا))؛ أي: ظلمونا بإخراجنا من مكة.
((إذا أرادوا فتنة)) أراد بها الرد إلى الكفر.
((أبينا))؛ أي: امتنعنا.
((يرفع))؛ أي: النبي ◌َلي ((بها صوته)) ويكرر: ((أبينا أبينا)).
٢٢٦

٣٧٢٩ - عَنْ أَنَسِ ظُهُ قَال: جَعَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُون الخَنْدِقَ
وينقُلُونَ التّرابَ وهُمْ يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بابَعُوا مُحَمَّداً
على الجِهَادِ ما بَقِيْنا أَبَدَاً
ويَقُولُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ وهوَ يُجُهُم:
((اللهمَّ! لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرة
فاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ والمُهاجِره»
(عن أنس ﴿ أنه قال: جعل المهاجرون والأنصار))؛ أي: شرعوا
((يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً
على الجهاد ما بقينا أبداً، ويقول النبي صل﴾ وهو يجيبهم: اللهم لا عيش
إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)) التاء فيها للجمع، یرید
المهاجرين .
٣٧٣٠ - وقَال رَسُول اللهِوَّ: ((لأنْ يَمْتَلِىَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً يَرِبْهِ خَيْرٌ
مِن أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْراً).
((عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﴾: لأَنْ يمتلئ
جوف رجل قيحاً حتى يَرِيَه)) الضمير للجوف، معناه: يفسد رئته، من قولهم:
وَرَى القيحُ جوفَه؛ أي: أكله.
((خير من أن يمتلئ شعراً) والمراد به: كلُّ شعر شاغل عن ذكر الله والعلم.
٢٢٧

مِنَ الحِسَان:
٣٧٣١ - عَنْ كَعْبٍ بن مَالكِ ﴿ه: أنَّ قَال لنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ الله تعالى قَدْ
أَنْزِلَ في الشِّعرِ مَا أَنْزِلَ، فَقَال النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ المُؤْمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولِسانِهِ،
والذي نفسي بيده، لَكَأنَّما ترمُونَهَم بِهِ نَضْحُ النَّبلِ)).
«من الحسان»:
((عن كعب بن مالك أنه قال للنبي رَلي: إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل))
وهو ذم الشعراء بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فهل
يجوز لنا أن نقول الشعر في هجو الكفار؟ .
((فقال النبي ◌َّهر: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)) تنبيهاً على أن هذا ليس
من الغواية بل هو مجاهدةٌ في سبيل الله .
((والذي نفسي بيده لكأنَّ ما ترمونهم به))؛ أي: بالشعر واللسان.
(نضحُ النبل))؛ أي: نضحاً مثل نضح النبل؛ أي: رمياً مثل رمي السهم؛
يعني: تأثيره في نفوسهم كتأثير السهام بل أشد.
٣٧٣٢ - عن أَبِي أُمَامَةَ ﴿ه، عَنِ النَّبِيِّ وَ لِ قَالَ: ((الحَيَاءُ والعِيُّ شُعبَتَانِ
مِن الإِيْمانِ، والبَذَاءُ والبَيَانُ شُعبَتَانِ مِن النِّفاقِ» .
(عن أبي أمامة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: الحياء والعِيُّ))
بكسر العين المهملة هو التحيُّر في الكلام والعجزُ، والمراد هنا: السكوت عما فيه
إثم من الكلام.
((شعبتان من الإيمان)) وذلك لمناسبتهما له في منعهما من المعاصي
والاجتراء على الله بِعَثْرةِ اللسان وتبيعة القول كما يمنع الإيمان من ذلك.
٢٢٨

((والبذاء)) بفتح الباء: هو الفحش من القول.
((والبيان)) أراد به ما فيه إثم من الفصاحة، كهجو أحد، أو مدحه (١) بما
لا يليق بالبشر.
((شعبتان من النفاق)) يريد أن منشأهما النفاق.
٣٧٣٣ - عَنْ أَبِ ثَعلبَةَ الْخُشَنِيِّ هِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهْ قَال: ((إنَّ أَحَبَّكم
إِلَيَّ وأَقْرَبَكُم مِنِّي يَوْمَ القِيَامَةِ أحاسِنُكُمْ أَخَلاَقاً، وإِنَّ أَبْغِضَكُم إليَّ وأَبْعَدَكم مِنِّي
مَسَاوِتُكم أخلاقاً، الثَّثَارُونَ المُتشدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ».
((عن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال:
إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم)) - جمع الأحسن - ((أخلاقاً).
((وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم)) - بفتح الميم: جمع السوء،
وهو ضد الحسن - ((أخلاقاً)).
(الثرثارون)) وهم الذين يكثرون الكلام تكلُّفاً وخروجاً عن الحق.
((المتشدقون))؛ أي: المتمخِّصون، وقيل: المستهزئون بالناس.
((المتفيهقون))؛ أي: المتوسعون في الكلام، وفي هذا شيء من التكبُّر
والرعونة.
٣٧٣٤ - عَنْ سَعْدٍ بن أبي وَقَّاصٍ قَال: قَال رَسُولُ اللهِوَهُ: ((لا تَقُومُ
السّاعةُ حتَّى يخرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بألسِنَتِهِم كَمَا تَأْكُلُ البَقَرُ بِأَلِسْنَتِها».
(١) في ((ت)): ((أو ذمه)).
٢٢٩

((عن سعد بن أبي وقاص ه قال: قال رسول الله وَلقى: لا تقوم الساعة
حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها))؛ يعني: كما أن البقر
تأكل الحشيش من كل نوع ولا تميز بين النافع والضار، فكذلك هؤلاء لا يبالون
بما یقولون من كلامهم.
وقيل: إن البقرة كما لا تهتدي إلى الكلأ، ولا تتمكن من الاحتشاش إلا
بلسانها، فكذلك هؤلاء لا يهتدون إلى المآكل إلا بذلك، لا يميزون بين الحق
والباطل، وبين الحلال والحرام، سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت، فوقع
ضربُ المثل بالبقر عن هذين المعنيين .
٣٧٣٥ - عَنْ عَبدِ الله بن عَمرِو: أنَّ رَسُولَ اللهِوَهُ قَال: ((إنَّ الله يُغِضُ
البَليِغَ مِن الرِّجالِ، الَّذي يَتَخَلَّلُ بلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ البَاقِرَةُ بِلِسانِها»، غريب.
((عن عبدالله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن
الله تعالى يبغض البليغ))؛ أي: الفصيح، وهو المبالغ في الكلام.
((من الرجال الذي يتخلَّل))؛ أي: يأكل ((بلسانه))؛ يعني يدير اللسان حول
الأسنان في التكلم تفاصحاً.
(كما تتخلل الباقرة)) بمعنى البقرة.
(بلسانها)) ومعناه كمعنى الحديث الأول، فالمرضيُّ من الكلام أن يكون
قَدْرَ الحاجة غيرَ زائد عليها، يوافق ظاهرُه باطنَه .
((غریب)) .
٣٧٣٦ - عَنْ أَنْسِ ظُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسْرِيَ بي
بِقَومٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بمقارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ! مَن هَؤُلاءِ؟ قَال:
٢٣٠

هَؤُلاءِ خُطباءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يقولونَ ما لا يعلَمُونَ»، غريب.
((عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مررتُ ليلةً
أسري بي)) بناء (ليلة) على الفتح؛ لإضافتها إلى الجملة.
(((بقوم تقرض))؛ أي: تقطع.
((شفاههم)) بكسر الشين: جمع شَفة بالفتح .
(بمقاريض)): جمع مقراض.
((من النار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك))؛
أي: علماؤهم.
((الذين يقولون ما لا يعلمون)).
((غريب)).
٣٧٣٧ - عَنْ أَبِي هُرِيْرَةَ عَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِوَّهِ: ((مَن تَعَلَّمْ صَرْفَ
الكَلامِ ليَسبيَ به قُلوبَ الرِّجَالِ - أَوٍ: النَّاس - لَمْ يقبلِ الله مَنْهُ يومَ القِيامةِ صَرْفاً
ولا عَدْلاً).
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلي: من تعلّم صرف الكلام))
يريد به فضله وزيادته؛ يعني: مَن تعلَّم الفصاحة وأنواعَ البلاغة من الشعر وغيره
من العلوم لا لله تعالى بل ((ليسبي به قلوب الرجال أو الناس))؛ أي: ليجعل
قلوبهم إليه مائلةً.
((لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً)؛ أي: حيلةً، أو توبة، أو فريضة.
((ولا عدلاً))؛ أي: فداء، أو نافلةً، أو قُربةً.
٢٣١

٣٧٣٨ - عَنْ عَمرِو بن العَاصِ: أنَّه قَال يَوْماً - وقَامَ رَجُلٌ فأكثرَ القَولَ -
قَالَ عمرٌو: لو قَصَدَ في قولِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلَّهِ يَقُولُ: (لَقْد
رَأَيتُ - أو: أُمِرِتُ - أنْ أتجوَّزَ في القَولِ، فإنَّ الجَوازَ هُوَ خيرٌ».
((عن عمرو بن العاص أنه قال يوماً)؛ أي: قولاً.
((وقام رجل فأكثر القول، قال عمرو: لو قصد في قوله)) والقصد في
القول هو ما بين الإفراط والتفريط قِصَراً وطولاً .
((لكان خيراً له، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لقد
رأیت» بمعنی علمت.
((أو أمرت أن أتجوَّز))؛ أي: أقتصر.
((في القول، فإن الجواز))؛ أي: الاقتصار فيه ((هو خير)).
٣٧٣٩ - عن صَخْرٍ بن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيْهِ، عَنْ جَدِّه ◌َ﴾، قَال:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ مِن البَيَانِ سِحْراً، وإنَّ مِن العِلْمِ جَهْلاً، وإنَّ
مِن الشِّعرِ حُكْمَاً، وإِنَّ مِنَ القَولِ عِيَالاً».
((عن صخر بن عبدالله بن بريدة، عن أبيه، عن جده أنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن من البيان لسحراً وإن من العلم
جهلاً))؛ يعني: قد يكون من العلوم ما يكون كالجهل بل الجهلُ خيرٌ منه؛ لكونه
عِلْماً مذموماً، وقيل: معناه: إن بعضاً من العلوم لا يُحتاج إليه كعلوم القدماء،
فالاشتغال به یمنعه عن تعلُّم ما یحتاج إليه في دینه فیکون جهلاً .
(وإن من الشعر حكماً)) قيل: المراد به الحكمة، كقوله تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَهُ
الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [ مريم: ١٢]؛ أي: الحكمة، وقوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ لِى رَبِ حُكْمًا ﴾ [الشعراء:
٢١]؛ أي: حكمة، وأصل الحكمة المنع.
٢٣٢

(وإن من القول عيالاً) بكسر العين؛ أي: وبالاً وثقلاً؛ يعني: قد يكون
من أقوال الرجل ما يكون عليه منه إثم؛ لكونه من مناهي الشرع.
١٠ - باب
٠
حِفْظِ اللّسانِ والغِيْبةِ والشّتمِ
(باب حفظ اللسان من الغيبة (١) والشتم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٤٠ - قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخِرِ فَلْيقُلْ خَيْراً، أو
لِیَسْكُتْ».
(من الصحاح)):
((عن أبي هريرة ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من
كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت))؛ يعني: إن تكلَّمَ فليتكلّمْ
بما له ثواب وإلا فلیسکت؛ لأن السكوت خيرٌ من کلام فیه إثم.
٣٧٤١ - وقَال ◌َِّ: ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ
الجنَّةَ».
((وعن سهل قال: قال رسول الله وَله: من يضمن لي))؛ أي: يكفل
بمحافظة ((مابين لحييه)) وهو الفم من أكل الحرام وقبح الكلام.
«وما بين رجليه)) وهو الفرج من الزنا.
(١) في ((غ)): ((والغيبة)).
٢٣٣

((أضمن له الجنة)) كونه وَ ل﴿ مكفولاً له باعتبار أنه طالبٌ لهذه المحافظة،
ونفعُها عائد إليه؛ لأنه ټ هو الهادي، واهتداء المولى المدلول نافع له.
٣٧٤٢ - وَقَال ◌َّهِ: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن رِضْوانِ الله لا يُلْقِي لَهَا
بَالاً يَرْفعُهُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِن سَخَطِ الله لا يُلْقِي لَهَا
بالاً يَهوي بِهَا في جَهَنَم)) .
ويُروى: ((يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ)).
((عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إن العبد)) اللام فيه
للجنس .
((ليتكلم بالكلمة))؛ أي: بالكلام.
((من رضوان الله))؛ أي: حالَ كونها مما يَرضَى الله بها .
((لا يلقي لها بالاً) بضم ياء المضارعة وكسر القاف؛ أي: لا يُحضر لها
قلبه ولا يلتفت عاقبتها، حالٌ من ضمير (يتكلم).
(يرفعه الله بها درجات)) هذا استئناف جواب عمن قال: ماذا يستحق
المتكلِّم بها؟ .
((وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها))؛
أي: يسقط بتلك الكلمة ((في جهنم))؛ والمعنى: إنه ليتكلم بكلمة الحق يظنها
قليلة وهي عند الله جليلةٌ، فيحصل له بها رضوانه، وقد يتكلم بسوء ولا يعلم
أنها كذلك وهو عند الله ذنبٌ عظيم، فیحصل له السخط من الله تعالى، وفیه حث
على التديُّر والتفكّر عند المتكلم.
((ويروى: يهوي بها في النار أبعد)) صفته مصدر محذوف؛ أي: هوى أبعدَ.
٢٣٤

((ما بين المشرق والمغرب))، (ما) موصولة والظرفُ صلته؛ يعني: أبعد
قعراً من البعد الذي بين المشرق والمغرب.
٣٧٤٣ - وقَالَ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتَالُهُ كُفْرٌ)».
((وعن ابن مسعود ﴿ه قال: قال رسول الله ( * سِباب)) بكسر السين؛
أي: شتم «المسلم فسوق))؛ لأن شتمه بغير حق حرام.
((وقتاله))؛ أي: مجادلته ومحاربته بالباطل ((كفر)) والحديث محمول على
التغليظ والتهديد .
٣٧٤٤ - وقَالَ بَِّ: ((أَّمَا رَجُلِ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافرٌ، فَقَد باءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)).
((وعن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيما
رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها))؛ أي: رجع بتلك الكلمة ((أحدهما))، وفي
بعض النسخ: (به)، أي: بالكفر، وهو أولى.
وإنما رجع بالكفر أحدهما؛ لأنه إما أن يَصْدُقَ عليه أو يكذب، فإن صدق
فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه لتكفيره أخاه المسلم بسبب ذنبٍ صدر عنه(١)
واعتقد فيه كونه كافراً بذلك، قيل: هذا فيمن كفَّر مسلماً بلا تأويل، وأما المتأوِّل
فخارجٌ عنه.
(١) في (غ)): ((منه)).
٢٣٥

٣٧٤٥ _ وقَالَ رَ﴾: ((لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيْهِ بالكُفْرِ،
إِلَّ ارْتَذَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلَك)).
((وعن أبي ذر ه قال: قال رسول الله وَله: لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق
ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه))؛ أي: على الرجل الرامي؛ يعني: رجعت
تلك الكلمة إلى قائلها «إن لم یکن صاحبه كذلك)).
٣٧٤٦ - وقَالَ بَّهِ: ((مَنْ دَعَا رَجُلاً بالكفُرِ، أو قَالَ: عَدُواً للهِ، ولَيْسَ
كَذَلك، إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ».
((وعنه قال: قال رسول الله وَله: من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله،
وليس كذلك إلا حار))؛ أي: رجع ذلك ((عليه)).
٣٧٤٧ - وقَالَ: ((المُسْتَبَّانِ مَا قَالا، فعلى البَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ)).
((وعن أبي هريرة ظه قال: قال رسول الله وَ﴾: المستبَّان))؛ أي: اللذان
سبَّ كلٌّ منهما الآخر؛ أي: شتمه.
((ما قالا))؛ أي: إثم ما قالا من السباب ((فعلى البادئ ما لم يعتد
المظلوم))؛ أي: لم يتجاوز المسبوبُ في السبِّ عن حدِّه، فإذا تجاوز لا يكون
الإثم على البادئ فقط بل يكون الآخرَ آئماً أيضاً باعتدائه.
٣٧٤٨ - وقَالَ: ((لاَ ينبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لمَّاناً».
٢٣٦

((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون
لعَّاناً)) وهو الذي يكثر اللعن على لسانه.
٣٧٤٩ - وقَالَ: ((إنَّ اللَّقَانِينَ لاَ يَكُونُونَ شُهَدَاءَ ولاَ شُفَعَاءَ يومَ القِيَامَةِ)).
((وعن أبي الدرداء ه قال: قال رسول الله وَله: إن اللعانين لا يكونون
شهداء))؛ أي: على الأمم السالفة بأنَّ رسلهم بلَّغوا الرسالة إليهم، فيحرمون من
هذه الرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة.
((ولا شفعاء))؛ أي: لا يكونون أيضاً شفعاء في إخوانهم العاصين.
(يوم القيامة)) قيل: في ذكر اللعانين بصيغة التكثير إشارةٌ إلى أن هذا الذمِّ
إنما هو لمن كثر منه اللعن لا لمن يصدر منه مرة أو مرتين.
٣٧٥٠ - وقَالَ: ((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم)).
((وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: إذا قال الرجل: هلك
الناس))؛ أي: استوجبوا النار بسوء أعمالهم.
((فهو أهلكَهم)) بفتح الكاف فعلاً ماضياً؛ أي: أوقَعَهم في الهلاك لأنه
حملهم على ترك الطاعات والتلُّس بالمعاصي يأساً منهم، أو هو الذي أوجب
لهم الهلاك لا الله تعالى.
ويروى بالضم أفعلَ تفضيلٍ؛ أي: هو أشدُّهم هلاكاً وأسوؤهم حالاً؛ لأنه
يُولع بعیبهم ويذهب بنفسه عجباً.
قیل: لو قاله تحُّناً علیهم لما یری فیھم من أمر دينهم فلا بأس به.
٢٣٧

٣٧٥١ _ وقَالَ: ((تَجِدُوْنَ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ ذَا الوَجْهَيْنِ، الَّذي يأْتِي
هَؤُلاءِ بِوَ جهٍ وهَؤُلاءِ بوجهٍ)) .
((وعنه قال: قال رسول الله *: تجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين
الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) هذا إذا لم يكن للإصلاح، فلو كان لأجله
جاز.
٣٧٥٢ - وقال ◌َّهِ: ((لا يَدْخُلُ الجُنَّةَ قَتَّاتٌ)).
ويروى: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» .
(وعن حذيفة به قال: قال رسول الله وَطاهر: لا يدخل الجنة قتَّات)) بفتح
القاف وتشديد التاء الأولى؛ أي: نمَّام، والنميمة: نقلُ الكلام على وجه الإفساد.
((ويروى: لا يدخل الجنة نمام)) فرَّق بعضٌ بينهما: بأن النمام هو الذي
يتحدث مع القوم فينم، والقتات هو الذي يتسمَّع على القوم وهم لا يعلمون ثم
يَئُمُّ .
٣٧٥٣ - وقَالَ نَّهِ: ((عَلَيْكُم بالصِّدْقِ، فإنَّ الصِّدْقَ يَهِدِي إِلَى البرِّ، وإِنَّ
البرَّ يَهْدِي إِلَى الَجَّنةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتَّى يُكْتَبَ
عِنْدَ الله صِدِّيقاً، وإِيَّاكُمْ والكَذِبَ، فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ
يَهْدِي إِلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكْتَبَ عِندَ الله
كَذَّاباً» .
وفي رِوَايَةٍ: ((إنَّ الصِّدَقَ بِرٌ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الكَذِبَ
فُجُورٌ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلى النَّارِ)).
٢٣٨

((وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَطاهر: عليكم بالصدق))؛ أي:
الزموا الصدقَ، وهو الإخبار على وفاقٍ ما في الواقع.
«فإن الصدق يهدي»؛ أي: يوصل صاحبه.
((إلى البر)) وهو اكتساب الحسنات والاجتنابُ عن السيئات.
((وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يَصْدُقُ ويتحرى الصدق))؛
أي: يجتهد في طلب الصدق.
«حتی یکتب عند الله صدِّيقاً)) بكسر الصاد وتشديد الدال للمبالغة.
«وإیاکم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وان الفجور يهدي إلى
النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله تعالى
كذاباً».
((وفي رواية: إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب
فجورٌ، وإن الفجور يهدي إلى النار)).
٣٧٥٤ - وقَالَ: ((لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ويَقُولُ خَيْراً،
ويَنْمِي خَيْراً).
((وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: قال رسول الله رَا *: ليس
الكذاب)) فيه نفي المبالغة في الكذب.
((الذي يصلح بين الناس))؛ يعني: مَن كذب ليصلح بين الناس لم يكن
علیہ إثم ذلك الكذب، بل يثبت له أجرٌ.
(ويقول خيراً وينمي))؛ أي: يبلِّغ ((خيراً) ويقال: نَمَى يَنْمِي نَميْاً: إذا بلَّغ
أحداً حديثَ أحد على وجه الاصلاح وطلبٍ الخير، بأن يقول مثلاً للإصلاح بين
٢٣٩

زيد وعمرو: يسلِّم عليك زيدٌ، ويمدحك، ويقول: أنا أحبه، وكذلك يجيء إلى
زيد ويبلِّغه من عمرو السلامَ مثل ذلك.
٣٧٥٥ - وقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُم المَدَّاحينَ فاحُْوا في وُجُوهِهِمُ الْتُّرابَ)).
((عن مقداد بن الأسود قال: قال رسول الله وَ لخير: إذا رأيتم المداحين)) وهم
الذين اتخذوا مدح الناس عادةً وبضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه.
((فاحثوا في وجوههم التراب)) كنى به عن الحرمان؛ أي: فلا تعطوهم
شيئاً.
وقيل: يؤخذ التراب ويُحثى؛ أي: يرمي به في وجه المادح عملاً
بالظاهر.
وقيل: معناه الأمر بدفع المال إليهم، إذ المال شيء حقير كالتراب؛ أي:
أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم؛ لئلا يهجوكم ويذقُّوكم.
أما إذا مدح رجلاً على فعلٍ حسن ترغيباً له على أمثاله وحثاً للناس على
الاقتداء به في أشباهه، فغير مدَّاح.
٣٧٥٦ - وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﴾ه قَالٍ: أَثْنِى رَجُلٌ على رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َ﴾
فَقَال: ((وَيْلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيْكَ - ثَلاثَاً - مَن كَانَ مِنْكُم مَادِحَاً لا مَحالَةً
فليَقُلْ: أَحْسِبُ فُلاناً والله حَسِيْبُهُ، إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّ كَذَلِكَ، ولاَ يُزَكِّي على الله
أَحَداً) .
((وعن أبي بكرة ه أنه قال: أثنى رجل على رجل عند النبي وٍَّ، فقال:
ويلك قطعت عنق أخيك! ثلاثاً) إنما كره ذلك لئلا يغترَّ المقولُ له فيستشعر
٢٤٠