Indexed OCR Text

Pages 361-380

قدرتها على السّير لهزالها، أو جعل يسير براحلته يمين الأرض وشمالها؛ لتعبها
وعدم قدرتها على السير على نهج واحد، من ضرب في الأرض: سافر فيها.
((فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ كان معه فَضْلُ ظَهْرٍ))؛
أي: دابة زائدة على حاجته.
(فلْيَعُدْ به)): الباء للتعدية.
((على مَنْ لا ظَهْرَ له))؛ أي: فليحمل عليه مَنْ لا ظَهْرَ له.
((ومن كان معه فَضْلُ زاد فلْيَعُدْ به على مَنْ لا زاد له، قال)»؛ أي:
الراوي: ((فذكر))؛ أي: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
((من أصناف المال))؛ أي: التي ينبغي أن تُبْذَل للرفقة.
(حتى رأينا))؛ أي: ظننا.
((أنه لا حقَّ لأحد منا في فَضْل))؛ أي: زيادة هي في يده، يعني: أنه وَّل
بالغ في مساعدة رفقة السفر إلى هذه الغاية.
٢٩٥٠ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((السَّفَرُ قِطعةٌ مِن العذابِ، يمنعُ أحدكم
نومَهُ وطَعامَهُ، فإذا قَضَى نَهْمَتَهُ مِن وَجِهِهِ فليُعجِّلْ إلى أهلِمِ».
((وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله
تعالى عليه وسلم: السّفر قطعة من العذاب، يمنَعُ»: استئنافُ بَيَانٍ لعلَّة الحكم
السابق؛ أي: يمنع السفر.
((أحدكم نومه وطعامه وشرابه))؛ المراد منه: منع كمال الْتِذَاذ المسافر
بها؛ لكونها مقارنة بالمشقّة.
((فإذا قضى))؛ أي: أحدكم .
٣٦١

«نَهْمَتَهُ»؛ أي: حاجته.
(من وَجْهِهِ))؛ أي: مما توجَّه إليه.
((فليعجِّل إلى أهله)): وفيه ترجيح الإقامة على الأسفار غير الواجبة.
*
٢٩٥١ - عن عبدِالله بن جَعْفٍ قال: كانَ رسولُ الله وَ﴿ إذا قدِمَ مِن سَفَرِ
تُلَقِّيَ بصِبْيانِ أهلِ بيتِهِ، وإنه قدِمَ مِن سفرٍ فسُبقَ بي إلیهِ فحملتي بینَ یدئْهِ، ثم
جِيءَ بأحدٍ ابنيْ فاطمةَ فأردفَهُ خَلفَهُ، قال: فأُدخِلْنا المدينةَ ثلاثةً على دائَّةٍ.
((عن عبدالله بن جعفر)): ابن عمّ رسول الله.
((أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قَدِمَ من سفر
تُلقِّيَ)): على صيغة المجهول من التَّلْقِية.
((بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسُبقَ بي إليه)): على صيغة
المجهول .
«فحملني بین یدیه، ثم چِيء بأحد ابنيْ فاطمة، فَأَرْدَفَهُ»؛ أي: أركبه.
((خلفه، قال فَأُدْخِلْنَا)): بصيغة المجهول، وفي بعض النسخ: (فدخلنا).
((المدينة ثلاثةً)): نصب على الحال؛ أي: ثلاثة أشخاص.
((على دابّة)): وهذا يدل على أن الإرداف سُنَّة؛ لأن فيه تواضعاً.
٢٩٥٢ - عن أنسٍ: أنه أَقبَلَ هو وأبو طلحةَ معَ النبيِّ وَّهِ، ومعَ النبيِّ ◌َّـ
صَفِيَّةُ مُرْدِفَها على راحلتِهِ.
((عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه أَقْبَلَ هو وأبو طلحة مع النبي ◌َّ،
٣٦٢

ومع النبي ◌َّهِ صَفِيَّة مُرْدِفَها على راحلته))، وهذا يدل على أن استصحاب الزوجة
في السفر سُنَّة.
٢٩٥٣ - عن أنسٍ قال: كانَ النبيُّ ◌َّهُ لا يَطْرُقُ أهلَهُ، كانَ لا يدخلُ إلا
غُدْوةً أو عَشِيَّةً.
((عن أنس: أنه كان النبي ◌َّهِ لا يَطْرُقُ أهلَهُ»؛ أي: لا يأتيهم ليلاً،
والطَّرْقُ: الدَّقُّ، سمي الآتي ليلاً طارقاً لحاجته إلى دقِّ الباب.
((كان لا يدخل)): بدل عن (كان لا يطرق أهله).
(إلا غُدْوة أو عَشِيَّة))، ليبلُغَ خَبَرُ قدومه إلى الزَّوجات فيتهيأْنَ له.
٢٩٥٤ - وعن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَ﴾: ((إذا أَطالَ أحدُكم الغَيْبَةَ فلا
یطرقْ أهلَهُ لیلاً».
((عن جابر - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: إذا أطال أحدكم الغَيْبَة فلا يَطْرُقْ))؛ أي: لا يَأْتِ.
((أهله ليلاً))، قال ابن عباس: فَطَرَقَ رجلان بعد نهيه ◌َِّ، فوجد كلٌّ منهما
مع امرأته رجلاً .
٢٩٥٥ - وعن جابرِ أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((إذا دخلتَ ليلاً فلا تدخُلْ على
أهلِكَ، حتى تَستحِدَّ المُغِيبَةُ، وتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ».
(وعنه: أنَّ النبي ◌َ﴿ قال: إذا دخلْتَ ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى
٣٦٣

تَسْتَحِدَّ المُغِيْبَة)): وهي المرأة التي غاب عنها زوجها، والمراد بالاستحداد:
معالجة شعر العانة .
(وتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةِ)) بكسر العين المهملة؛ أي: التي تفرَّق شعر رأسها.
٢٩٥٦ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ◌َّ﴾ِ لمَّا قِدِمَ المدينةَ نحرَ جَزُوراً أو
بقرةً.
(وعن جابر: أن النبي ◌َّ﴿ لما قَدِمَ المدينة نَحَرَ جَزُوراً أو بقرة)»، وهذا
يدل على سُنِيَّة الضيافة للقدوم بقَدْرِ وُسْعِهِ .
٢٩٥٧ - وعن كعبٍ بن مالكٍ قال: كانَ رسولُ الله ◌َّهُ لا يَقْدَمُ مِن سفرٍ
إلا نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بَدَأَ بالمسجدِ فصلَّى فيهِ ركعتينٍ، ثم جلسَ فيهِ
للناسِ.
(وعن کعب بن مالك - رضي الله تعالی عنه - قال: كان رسول الله صلى
الله تعالى عليه وسلم لا يَقْدَمُ من سَفَرٍ إلا نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بدأ
بالمسجد))؛ أي: يكون ابتداء نزوله بالمسجد.
((فصلَّى فيه ركعتين، ثم جلس فيه للناس))؛ أي: ليزوره الناس والأصدقاء،
ویفرحون بقدومه ێ﴾ .
٢٩٥٨ - وقال جابرٌ: كنتُ معَ النبيِّ وَّهِ فِي سفرٍ، فلمَّا قِدِمْنا المدينةَ قال
لي: ((أُدْخُل المسجدَ فَصَلِّ ركعتينٍ)).
٣٦٤

((وقال جابر: كنت مع النبي ◌َّ﴿ في سفر فلمَّا قِدِمْنَا المدينة، قال لي:
ادخل المسجد فصلِّ فيه ركعتين))، يدل على أن ذلك سُنَّة.
مِنَ الحِسَان:
٢٩٥٩ - عن صَخْرِ الغامِدِيِّ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((اللهمَّ بارِكْ
لِأمتي في بُكورِها))، وكانَ إذا بعثَ سريةً أو جيشاً بعثَهم مِن أوَّلِ النَّهارِ.
((من الحسان)) :
((عن صَخْرِ الغامِدِي قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
اللهمَّ بارك لأمتي في بُكُورِها)»: وكان الغامدي الراوي تاجراً يبعث أمواله في
أول النهار في الأسفار فكثر ماله لبركة مراعاته للسُّنَّة؛ لأن دعاءه وَّ مقبول
لا محالة.
((وكان إذا بعث سَرِيَّة، أو جيشاً بعثهم من أوَّل النهار))، وفيه سُنِّيّة
المسافرة في أول النهار.
٢٩٦٠ - عن أنس قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((عليكم بالذُّلْجَةِ، فإنَّ
الأرضَ تُطْوَى بِاللَّلِ)).
((عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: عليكم بالدُّلْجَة))؛ أي: الزموا الذُّلْجَة، وهي السّير آخر الليل، فإن
السّير فيه أسهل حتى يظن المسافر أنه سار قليلاً وقد سار كثيراً، فكأنه ◌ُوِيَتْ له
الأرض.
٣٦٥

(فإن الأرض تُطْوَى بالليل)): ما لا تُطْوَى بالنَّهار.
٢٩٦١ - وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله وَلول
قال: ((الرَّاكِبُ شيطانٌ، والرَّاكِبانِ شيطانانٍ، والثلاثةُ رَكْبٌ)).
((عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ◌ِّفي قال: الرَّاكب
شيطان))؛ أي: الانفراد والذَّهاب منفرداً من فعل الشيطان، أو شيء يحمل عليه
الشيطان .
((والراكبان شيطانان)): لأنَّ كل واحدٍ منهما سَلَكَ مَسْلَكَ الشيطان في
اختيار الوحدة والرغبة عن الجماعة.
((والثلاثة رَكْبٌّ)): جمع راكب؛ أي: جماعة، وهذا حثٌّ على اجتماع
الرفقة في السفر؛ لأن ما يحدث في السفر يحتاج إلى كثرة، خصوصاً إن نزل بهم
نازل الموت للاحتياج فيه إلى الغسل والصلاة والدَّفن والحفر والوصية بردٍّ وديعة
ودين ونحوه، قيل: كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نُسِخَ.
٢٩٦٢ - عن أبي سعيد الخُدريِّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إذا كانَ ثلاثةٌ
فِي سَفَرٍ فليُؤمِّروا أحدهم».
((عن أبي سعيد الخُذْري - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ◌َّهر قال: إذا
كان ثلاثةٌ في سفر فليُؤَمِّروا أحدهم)؛ أي: فليجعلوا أحدهم أميراً عليهم؛
ليجتمع أمرهم ولا يختلفوا فيتعبوا.
٣٦٦

٢٩٦٣ - عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبِيِّ وَ﴿ قال: ((خيرُ الصَّحابةِ أربعةٌ، وخيرُ
السَّرايا أربعمائةٍ، وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ، ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفاً مِن
قِلَةٍ»، غريب.
((عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي صلى الله تعالى عليه
وسلم قال: خير الصحابة)»؛ أي: الرفقاء.
((أربعة)): لاستئناس كل منهم بآخر، وإذا عَنَّ لهم أمر يُحْتَاج فيه إلى
ذهاب أحدهم وافقه آخر معاونة له ومؤانسةً.
((وخير السَّرايا): جمع سرية ((أربع مئة))، و(السرية): خيل، مأخوذ من
سَرَى يَسْرِي من باب ضرب: إذا سار ليلاً؛ لأنها تسري خفية، أو من الاستِرَاء:
الاختيار؛ لأنها جماعة مُسْتراة؛ أي مختارة من الجيش، ولم يَرِدْ في تحديدها
نصٌّ،
وقيل: التسعة فما فوقها سرية، والثلاثة والأربعة ونحو ذلك طَلِيْعَة
لا سَرِيَّة .
((وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً عن قلة))؛ أي:
لقلة، يعني: لو غُلبوا لم يكن للقلَّة بل لأمر آخر.
((غریب)).
٢٩٦٤ - عن جابرٍ قال: كانَ رسولُ اللهِ وَ﴿ يتخلَّفُ في السَّيرِ، فيُزْجي
الضَّعيفَ، ويُرْدِفُ، ويَدْعُو لهم.
((عن جابر به قال: كان رسول الله صلى الله صلى الله تعالى عليه وسلم
يتخلَّف في السّير))؛ أي: يتأخر ويسير خلف الجيش.
٣٦٧

((فُيُزْجِي))؛ أي: يسوق ((الضعيف)) في السَّير، ويعينه ليلحق بالرفقة.
((ويُرْدِفُ))؛ أي: يُرْكِبُ خلفه رديفاً؛ تواضعاً ورحمة منه للخلق.
((ويدعو لهم)).
٢٩٦٥ - عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ قال: كانَ النَّاسُ إذا نَزَلُوا مَنِزِلاً تَفَرَّقوا في
الشِّعابِ والأوديةِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ تَفَرُّقَكُمْ في هذِهِ الشِّعابِ والأوديةِ
إنما ذلكم مِن الشَّيطانِ))، فلم ينزِلوا بعدَ ذلكَ منزِلاً إلا انضَمَّ بعضُهم إلى
بعضٍ، حتى يقالَ: لو بُسِطَ عليهم ثوبٌ لعمَّهم.
((عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ قال: كان الناس إذا نزلوا منزلاً تفرَّقوا في
الشِّعاب)) بكسر الشين: جمع شِعْبٍ، وهو الطريق بين الجبلين.
(والأودية)): جمع الوادي.
((فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن تَفَرُّقَكُم في هذه
الشِّعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزلوا بعدَ ذلك مَنْزِلاً إلا انضمَّ
بعضهم إلى بعض))؛ أي: قرب بعضهم بعضاً واجتمع .
((حتى يُقَال: لو بُسِطَ))؛ أي: فُرِشَ.
((عليهم ثوب لعمَّهم))؛ أي: لكفاهم.
٢٩٦٦ - وعن عبدِالله بن مسعودٍ قال: كنا يومَ بدرٍ كلُّ ثلاثةٍ على بعيرٍ،
فكانَ أبو لُبابَةَ وعليٍّ بن أبي طالبٍ زَميلَيْ رسولِ اللهِ وَّر، قال: وكانت إذا
جاءَتْ عُقْبَةُ رسولِ اللهِ وَّهِ قالا: نحنُ نَمشي عنكَ، قال: ((ما أنتما بأَقوَى مِنِّي،
٣٦٨

وما أنا بأَغْنَى عن الأجرِ منكما)).
«عن عبدالله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كنا يوم بدر كل
ثلاثة على بعير، فكان أبو لُبَابة وعلي بن أبي طالب زَمِيلَيْ رسول الله صلى الله
تعالی علیه وسلم)؛ أي: ردیفیه.
((قال: فكانت))؛ أي: القصة.
((إذا جاءت عُقْبَةُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ أي: نَوْبَةُ نزوله
عن الدَّابة ومشیه.
((قالا: نحن نمشي عنك، قال: ما أنتما بأقوى مني))؛ أي: على المشي.
((وما أنا بأغنى عن الأجر منكما))؛ يعني: أنتما تريدان الأجر بالمشي،
وأنا أيضاً أطلبه، وهذا تعليم منه ◌ّ للأمة مكارم الأخلاق وطلب الأجر.
٢٩٦٧ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبِيِّ وَّهِ قال: ((لا تَتَّخِذوا ظُهورَ دوابكم
منابرَ، فإنَّ الله تعالى إنَّما سخَّرَها لكم لتُبلِّغَكم إلى بلدٍ لم تكونوا بالِغِيهِ إلا
بِشِقِّ الأنفُسِ، وجعلَ لكم الأرضَ، فعليها فاقضُوا حاجاتِكم)).
((عن أبي هريرة ظه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا تشَّخذوا
ظُهور دوابكم منابرَ))؛ أي: لا تستقرُّوا عليها بدون السَّير، والنَّهي عن الوقوف
على ظهر الدَّابة مع ثبوت أنه بَّ خطب على راحلته واقفاً يدلُّ على جوازه
لا رَيْبَ، وقيل: معناه: لا تركبوا عليها لغير حاجة ومشقّة في السّير راجلاً.
((فإن الله تعالى إنما سخَّرها لكم لتبلِّغَكم إلى بلد لم تكونوا بَالِغِيْهِ إلا
بِشِقِّ الأَنْفُس»؛ أي: بمشقتها.
((وجعل لكم الأرض))؛ أي: خلقها لتسكنوا فيها وتتردّدوا عليها، كيف
٣٦٩

شئتم ومتى شئتم فلا حرج عليكم في التَّردد عليها، بخلاف ركوب الدَّواب فإن
ركوبها بلا حاجة منهيّ.
((فعليها))؛ أي: فعلى الذَّواب.
((فاقضوا حاجاتكم)): من المسافرة راكبين عليها .
٢٩٦٨ - قال أنسٌ: كنا إذا نَزَلْنا منزِلاً لا نُسبحُ حتى نَحُلَّ الرِّحالَ أي:
لا نُصلِّ الضُّحى.
((قال أنس - رضي الله تعالى عنه - كنا إذا نزلنا منزلاً لا نسبح حتى تحل
الرحال)»؛ أي: حتى نحط الأحمال عن ظهور الدواب كيلا تتعب بكون الحمل
على ظهورها .
((أي: لا نصلي الضحى)): تفسير من المؤلف لقوله: ((لا نسبح)).
٢٩٦٩ - عن بُرَيدَةَ قال: بينما رسولُ اللهِوَهِ يمشي، إذ جاءَ رجلٌ معَهُ
حمارٌ فقال: يا رسولَ الله! اركبْ، وتَأَخَّرَ الرجلُ، فقالَ رسولُ الله ◌ِ: ((لا،
أنتَ أَحَقُّ بصدرِ دابَتِكَ إلا أنْ تجعَلَهُ لي))، قال: قد جعلْتُه لكَ، فركِبَ.
((عن بُرَيْدَة قال: بينما رسول الله وَله يمشي إذ جاء رجل معه حمار فقال:
يا رسول الله! اركب وتأخَّر الرجل، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: لا، أنْتَ أحقُّ بصَدْرِ دابَتَك))، (صدرها) من ظهرها: ما يلي عنقها.
((إلا أن تجعَلَهُ لي)): وإنما قال ◌َِّ ذلك؛ لئلا يظنَّ الرجل أن مَنْ هو أكبر
قدراً أحقُّ بركوب صَدْرِها مالكاً كان أو غيره، فبيَّنِ بَ﴿ أَنَّ المالك أحقُّ بصدر
دابته إلا أن يُؤْثِرَ غيره به على نفسه.
٣٧٠

((قال))؛ أي: الرجل: ((قد جعلته لك، فركب))؛ أي: النبي ◌َّ صَدْرَها.
٢٩٧٠ - عن سعيدِ بن أبي هندٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ◌ٍَّ:
(تكونُ إِيلٌ للشَّياطينِ، وبيوتٌ للشَّيَاطِينِ، فأمَّا إبلُ الشَّيَاطِينِ فقد رأيتُها، يخرُج
أحدُكم بنجيباتٍ مَعَهُ قد أَسْمَنَها فلا يَعْلو بعيراً منها، ويَمُُّ بأَخيهِ قد انقطعَ بهِ فلا
يحمِلُه، وأمَّا بيوتُ الشَّيَاطِينِ فلم أَرَها) كان سعيدٌ يقولُ: لا أُراها إلا هذهِ
الأقفاصَ التي تسترُ الناسَ بالدِّییاجِ.
(عن سعيد بن أبي هِنْدٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: تكون إِبلٌ للشياطين)): يريد به: المُعَدَّة للتَّفَاخر والتَّكاثر دون
قصد أمر مشروع.
((وبيوتٌ للشياطين)): قال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه -: ((فأما إبل
الشياطين فقد رأيتها، يخرج أحدُكُم بنجِيْيَات معه)): جمع نجيبة، وهي النَّاقة
المختارة .
((قد أسمنها فلا يَعْلو بعيراً منها)»؛ أي: لا يركبه.
«ويمزُّ بأخيه)»؛ أي: برجل هو أخوه في الدِّين.
((قد انقُطِعَ به)): على بناء المجهول؛ أي: كلَّ عن السَّير، فالضَّمير للرجل
المنقطع عن الرفقة، و(به) نائب عن الفاعل، والجملة حال.
((فلا يحمله))، وهذا لأنَّ الذَّواب إنما خُلِقَتْ لينتفع بها بالركوب والحمل،
فإذا لم يُحْمَل عليها مَنْ أعيى في الطريق، فقد أطاع الشيطان في منع الانتفاع،
ومن وافق له فهو من الشيطان.
((وأما بيوت الشياطين فلم أَرَها، كان سعيد يقول: لا أراها))؛ أي:
لا أظنُّها.
٣٧١

(إلا هذه الأَقْفَاص)»: جمع القَفَص، وهو المحامل والهوادج التي يجلس
فيها النساء على ظهر الدَّابة في الطريق.
((تستر الناس بالدِّيْيَاج))، والنهي عنها ليس لذاتها، بل لتستُّرها بالدِّيباج
ونحوه من الثِّيّاب الأبرسميات.
٢٩٧١ - عن سهلِ بن معاذٍ، عن أبيه، قال: غَزَوْنا معَ النبيِّ نَّهُ فِضَيَّقَ
الناسُ المنازلَ وقطعُوا الطَّريقَ، فبعثَ نبِيُّ الله ◌َهُ مُنادِياً يُنادي في النَّاسِ: ((أنَّ
مَن ضيَّقَ منزِلاً أو قطعَ طريقاً فلا جهادَ لهُ)) .
((عن سهل بن معاذ، عن أبيه أنه قال: غزونا مع النبي ◌َّهُ فضيَّق الناس
المنازل)): بسبب أخذِ كلّ منهم منزلاً لا حاجة له فيه.
((وقطعوا الطريق)) بتضييقها على المارة، وقيل: بالاختلاس من الناس.
((فبعث نبي الله منادياً ينادي في الناس: أنَّ مَنْ ضَيَّقَ منزلاً، أو قطع طريقاً
فلا جهاد له))؛ أي: لا کمال لثواب جهاده بإضراره الناس .
٢٩٧٢ - عن جابرٍ، عن النَّبِيِّ وَِّ قال: ((إنَّ أحسنَ ما دخلَ الرجلُ على
أهلِهِ إذا قدِمَ مِن سفرٍ أُولُ اللیلِ)).
((عن جابر - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم
قال: إنَّ أحْسَنَ ما دخل الرجل على أهله إذا قدِمَ من سفر أولُ الليل))، يحمل
هذا على الدُّخول بالزوجة وقضاء الوطء منها، فإنَّ ذلك في أول الليل أحسن منه
نهاراً؛ إذ بالنهار قد يزاحم بالزوَّار فينقطع عما هو فيه، إذ المسافر يقدم غالباً مع
٣٧٢

شهوة، فإذا قضى نهمته عند ذلك يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة.
٤- بل
الكتابِ إلى الكُفَّارِ ودعائِهم إلى الإسلامِ
(باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٩٧٣ - عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النبيَّ وَِّ كتبَ إلى قيصرَ يدعُوه إلى
الإسلام، وبعثَ بكتابهِ إليه مع دِحْيَةَ الكلبيِّ، وأمَرَهُ أنْ يدفعَهُ إلى عظيمٍ بُصْرَى
ليدفعه إلی قیصرَ، فإذا فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم
مِن محمدٍ عبدِالله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيمِ الرُّومِ، سلامٌ على مَن اتَّبَعَ
الهدَى، أمَّا بعدُ: فإني أَدْعُوكَ بداعيةِ الإسلامِ، أسلِمْ تَسْلَم، وأسلِمْ يُؤْتِكَ الله
أجرَكَ مرَّتينٍ، فإنْ تَوَلَّيتَ فعليكَ إثمُ الأرِبسيَّينَ، و﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْأَلَّا نَعْبُّهَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا
أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّه ◌َإِن تَوَلَوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾)).
ويُروَى: ((بدِعايةِ الإِسلامِ)).
(من الصحاح)):
((عن ابن عباس: أنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى قيصر):
هو لقب كلِّ منْ يملك الروم.
((يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه))؛ أي: مع كتابه إلى قيصر.
٣٧٣

(دِحْيَةَ الكلبي)): وهو اسم المبعوث.
((وأمره))؛ أي: النبيُّ نَ ◌ّهِ دِحْيَةَ الكلبي.
((أن يدفعه))؛ أي: الكتاب.
((إلى عظيم بُصْرَى))؛ أي: إلى من يُعَظِّمه أهل بُصْرى؛ أي: زعيمها
وحاكمها، وبُصْرَى على وزن حبلى: موضع بالشام.
((ليدفعه))؛ أي: عظيمُ بصرى ذلك الكتاب.
((إلى قيصر، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد)): يتعلق
بمحذوف؛ أي: صَدَرَ من محمد.
((عبدالله)): صفة، أو بدل منه، وليس عطف بيان؛ لأن محمداً أشهر منه.
((ورسوله): تقديم لفظ (العبد) على لفظ (الرسول) يدل على أن العبودية
إليه تعالى أقرب طرق العباد إليه تعالى، وهذا يدلُّ على أنَّ مِنْ آداب المكاتبة
تصدير المكتوب بالبسملة وباسم المكتوب منه .
((إلى هِرَقْل)) بكسر الهاء وفتح الراء: اسم ملك الروم في ذلك الوقت،
وقيصر اسم لجميع ملوك الروم، وقیل کلاهما واحد.
(عظيم الروم)): وإنما لم يكتب: ملك الروم؛ لئلا يكون ذلك مقتضياً
لتسليم الملك إليه، وهو بحكم الدِّين معزولٌ عنه، وفيه جواز إطلاق (العظيم)
مضافاً إلى غيره تعالى كـ (الربّ).
(سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى))؛ أي: طريق الحقِّ، وهو الإسلام.
((أما بعد: فإني أدْعُوك بداعية الإسلام): وهو مصدر بمعنى الدَّعوة
كالعافية؛ أي: بكلمة الشهادة التي يُدْعَى إليها الناس كلهم.
(أُسْلِمْ تَسْلَم)): من السلامة.
٣٧٤

((وأسْلِمْ يؤتِكَ الله أجرَكَ مرتين)): أجرُّ النصرانية التي كنت عليها مُحِقّاً قبل
بعثتي، وأجر الإيمان بي، ويجوز أن يتعلق قوله: (مرتين) بقوله: (تسلم) أيضاً
تعلق التنارع؛ أي: تسلم مرةً في الدنيا من القتل وأخذ الجزية، ومرة من عقاب
العقبى، وتكرير (أسلم) مبالغةٌ وإيذانٌ بشفقته ◌َلِّ بإسلامه.
((وإن تولَّيْتَ))؛ أي: أعرضْتَ عن الإسلام.
((فعليك إثم الأرِئْسِيين)): جمع أَرِيْسيِّ، وهو منسوب إلى الأَرِيس، وهو
الزراع، والمراد بها: أتباعه من الرعايا؛ لأنه بإعراضه عن الإسلام يصدُّهم عنه
فیکون إثم کُفْرِهم علیه.
وقيل: الأريس مخففاً: الخدم والخَوَل(١)، وقيل: هو نصراني مشهور
بينهم (٢)، قَتَلَ هو وأصحابه نبياً بُعِثَ إليهم، وقيل: الأريسون: الملوك، وقيل:
العشارون، وقيل: جمع إرِّيس - بكسر الهمزة وتشديد الراء - وهو الملك، وهذا
أولى بالقبول.
١٠
(و﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُوْأَلَّا نَعْبُّهَ إِلَّا اللّهَ﴾)»:
بيان لقوله ﴿كَلِمَةٍ سَوَلَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ .
﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَا أَرْبَابًا﴾ ؛ أي: لا يتخذُ مخلوقٌ
مخلوقاً إلهاً.
﴿مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: من غيره.
﴿فَإِن تَوَلَوْأَ﴾؛ أي: فإن أعرض أهل الكتاب عن الكلمة السواء.
﴿فَقُولُوا﴾: أيها المسلمون: ﴿أَشْهَدُواْ﴾: يا أهل الكتاب ((﴿بِأَنَّا
(١) في ((غ)): ((الخيل)) وهو تصحيف، والمثبت من ((النهاية في غريب الحديث)) (١ / ٣٨).
(٢) في (غ)): ((سهم)).
٣٧٥

مُسْلِمُونَ الْكِتَبِ﴾، ويروى: بدعاية الإسلام))؛ أي: بدعوته، مصدر أيضاً
كالشِّكَاية، وقد جاء في بعض الأخبار الصحيحة: أنه لما وصل كتاب
الرسول ◌َّ﴿ إلى هِرَقْل سأل عن حاله ◌َ ◌ّهِ مَن الذي جاء بكتابه؟ فقيل: محمد مِنْ
أشرف قومه، أو مِنْ أوسطهم(١)، أو من أوضعهم (٢)؟ فقال: من أوسطهم،
فقال: هكذا كان الأنبياء فقال: أفقراء أتباعه أم أغنياء؟ فقال: بل فقراء، فقال
هكذا أتباع الأنبياء، فقال: إذا حارب قوماً يكون الظَّفَرُ كلُّه له، أو يكون بعض
الظَّفَرِ له وبعضه لخصمه، فقال: يكون بعض الظَّفَر له وبعضه لخصمه، فقال:
هكذا كان الأنبياء، فقال هرقل: آمنت بمحمد، وأَمَرَ قومه بالإيمان به، فارتفعَتْ
أصواتهم، وقالوا: لا ندَعُ دين آباءنا، فخافهم هرقل، وأغلَقَ باب قصره، وأمر
منادياً ينادي على سطح قصره: أيها الناس، إن هرقل يمتحنكم بعرض دين
محمد عليكم؛ ليعلم أنكم ثابتون على دين آباءكم، فإن هرقل ثابت على دينه
القديم، وقال لمن جاء بالكتاب: قل لمحمد: إني أعلم أنك نبي، لكن إنما لم
أظهر إيماني خوفاً من الرعية ومن ذهاب الملك.
٢٩٧٤ - وعن ابن عبّاس: أنَّ رسولَ الله وَّرُ بعثَ بكتابهِ إلى كِسرى مع
ے
عبدِ الله بن حُذَافَةَ السَّهميِّ، فأمرَهُ أنْ يدفَعَه إلى عظيمِ البحرَيْنِ فدفعَهُ عظيمُ البحرينِ
إلى كِسْرَى فلمَّا قرأَهُ مَزَّقَه، قال ابن المسيبِ: فدعا عليهم رسولُ الله ◌َّهِ أَنْ يُمَزَّقُوا
كلَّ ممزّقٍ.
((وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعَثَ بكتابه
(١) في (غ)): ((أوساطهم)).
(٢) في (غ)): ((أوضاعهم)).
٣٧٦

إلى كسرى)) بفتح الكاف وقد تكسر، وهو أبرويز بن أنوشروان.
((مع عبدالله بن حُذَافة السَّهميِّ، فأمره)؛ أي: النبيُّ ◌َّ عبدَالله بن حُذَافة.
((أن يدفعه))؛ أي: الكتاب.
((إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ»؛
أي: خرقه.
((قال ابن المسيب: فدعا عليهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أن يُمَزَّقوا كل مُمزَّق)): مصدر كالتَّمزيق؛ أي: تفرقوا كلَّ أنواع من التَّفريق،
يريد: زوال ملكهم، قيل: إن الذي مَزَّق كتابَ النبي ◌َّ أبرويز بن أنوشروان قتله
ابنه شيرويه، فلما أيقَنَ أبرويز الهلاك، وكان مأخوذاً عليه فَتْحَ خزانة الأدوية،
وكتب على حُقَّة السُّمِّ: الدواء النافع للجماع، فلما قتل أباه فتح الخزانة فرأى
الحُقَّة فتناول منها فمات من ذلك السُّم، ولم يستقم أمرهم بعد دعائه وَله
بالتمزيق .
وقيل: هو خسرو زوج شيرين، قام ابنه شيرويه فشقَّ بطن أبيه لغلبة عشقه
بها، فلما دفنه وطلب من شيرين أن يتزوج بها قالت: أمهلني حتى أودع أباك
فدخلَتِ القبر، ووضعَتْ مقبض السَّيف على جرح خسرو ورأسه على بطنها،
واعتمدَتْ عليه حتى دخل في بطنها وخرَّتْ عليه ميتة.
وكان فتح بلاد العجم في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -،
وكان ملكهم في ذلك الوقت يزدجرد شهريار بن شيرويه بن أبرويز، وتزوج
الحسن بن علي څ# شهربانو بنت يزدجرد.
٣٧٧

٢٩٧٥ - وقال أنسٌ: إنَّ نبيَّ الله ◌ََّ كتبَ إلى كِسْرَى وإلى قيصرَ وإلى
النَّجاشيِّ وإلى كلِّ جِبَّارٍ يدعُوهم إلى الله، وليسَ بالنَّجاشيِّ الذي صلَّى عليهِ
النبيُّ ◌َاءِ.
((وقال أنس - رضي الله تعالى عنه - إن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم
كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النَّجاشي)) بتخفيف الياء وسكونها، قيل: هو
الصواب، اسم ملوك الحبشة.
((وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه
النبي ◌ِّ)).
٢٩٧٦ - عن سليمانَ بن بُرَيْدةَ، عن أبيه قال: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ إذا أُمَّرَ
أميراً على جيشٍ أو سريّةٍ، أَوْصَاهُ في خاصَّتِهِ بتقوَى الله، ومَن معَهُ مِن
المسلمينَ خيراً ثم قال: ((أُغزُوا بسمِ الله في سبيلِ الله، قاتِلوا مَن كَفَر بالله،
أُغْزُوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتُلُوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدُوَّكَ
مِن المُشركينَ فادعُهم إلى ثلاثٍ خِصالٍ، أو خِلالٍ، فَأَتَّتُهنَّ ما أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ
منهم وكُفَّ عنهم: ثمَّ ادعُهم إلى الإِسلام، فإنْ أجابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ
عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرينَ، وأخبرهم أَنَّهم إنْ
فعلُوا ذلكَ فلهم ما للمُهاجرينَ، وعليهم ما على المُهاجرينَ، فإن أَبَوا
أَنْ يَتَحوَّلُوا منها فَأَخْبرُهم أنهم يكونُونَ كأعرَابِ المسلمينَ، يجري عليهم
حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنينَ، ولا يكونُ لهم في الغنيمةِ والفيءٍ شيءٌ
إلا أنْ يُجاهِدُوا مَعَ المسلمينَ، فإن هُم أَبُوا فَسَلْهم الجِزْيَةَ، فإِنْ هُم أَجَابُوكَ
فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ هم أَبَوا فاستَعِنْ بالله وقاتِلهم، وإذا حاصرْتَ أهلَ
حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أنْ تجعلَ لهم ذِمَّةَ الله وذِمَّةَ نَبَيهِ فلا تَجعلْ لهم ذِمََّ الله ولا ذِمَّةَ
٣٧٨

نَبِيهِ، ولكنْ اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وذمَّة أصحابكَ، فإنكم أَنْ تَخْفِرُوا ذِمَمِكُمْ
وَذِمَمِ أصحابكم، أهونُ مِن أنْ تَخْفِرُوا ذِمَةَ الله وذمةَ رسولِهِ، وإنْ حاصرْتَ
أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تُنْزِلَهم على حُكْمِ الله فلا تُنزِلْهم على حُكْمِ اللهِ، ولكنْ
أَنْزِلْهُمْ على حُكْمِكَ، فإنك لا تدرِي أَتُصيبُ حكمَ الله فيهمْ أم لا».
((عن سليمان بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سَرِيَّة أَوْصَاهُ في خاصَّته))؛ أي: في أمر نفسه.
«بتقوى الله)): بأن یقول له: اتق الله.
((ومن معه من المسلمين خيراً)؛ يعني: أوصاه في أمرهم بحفظ
مصالحهم، وأمره إيّاهم بما فيه خير .
(ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا
تَغُلُّوا)»؛ أي: لا تسرقوا شيئاً من الغنيمة ولا تخونوا فيها.
((ولا تَغْدِرُوا))؛ أي: لا تحاربوا الكفار قبل أن تدعوهم إلى الإسلام.
(لا تُمَثِّلُوا))؛ أي: لا تجعلوا المُثْلَةَ، وهي قطع الأعضاء، وقيل:
المراد: التصوير والتمثيل بخلق الله؛ أي: لا تشبهوا بخلقه تعالى وتصوّروا.
((ولا تقتلوا وَلِيْداً)؛ أي: طفلاً.
((وإذا لقيْتَ)): الخطاب مع أمير الجيش.
((عدوَّكَ مِنَ المشركين فادْعُهُمْ إلى ثَلاَثِ خِصَال)): جمع خصْلَة.
((أو خِلاَل)): جمع خَلَّة - بفتح الخاء-، وهي الخصلة، شٌّ من الراوي.
(فَأَيُّهُنَّ ما أجابوك)): (ما) هذه زائدة؛ أي: أيَّة واحدة من هذه الخِصَال
الثلاث أجابوك.
((فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام)): هذا هو الخصلة
٣٧٩

الأولى، وفيه دليل لمالك على عدم مقاتلتهم قبل دعوتهم.
((فإن أجابوك فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى الثَّحول))؛ أي:
الانتقال ((من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما
للمهاجرين)) من الثَّواب واستحقاق مال الفيء، قيل: ذلك الاستحقاق كان في
زمن النبي ◌َّه؛ فإنه يُنْفِقُ على المهاجرين مما آتاه الله من الفيء.
(وعليهم ما على المهاجرين)): من الخروج إلى الجهاد؛ أي: في أيِّ
وقت أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو، أو لم يكن، بخلاف غير المهاجرين،
فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بإزاء العدو مَنْ به الكفاية.
((فإن أَبَوْا أن يتحوَّلوا منها))؛ أي: من دار الكفار، هذا هو الخصلة الثانية .
(( فأخبرهم أنهم يكونون كأَعْرَاب المسلمين))؛ أي: الذين لازموا أوطانهم
في البادية، لا في دار الكفر، ولم يهاجروا .
((يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنين)): من وجوب الصلاة
والزكاة وغيرهما والقصاص أو الدية إن قتلوا أحداً عدواناً.
((ولا يكونون لهم في الغنيمة والفَيْءٍ شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين،
فإن هم أَبَوْ))؛ أي: عن قَبول الإسلام.
((فسَلْهُم الجزية)): هذا هو الخصلة الثالثة، ظاهره يوجِبُ قَبُول الجزية مِنْ
كلِّ مشرك كتابيّاً كان أو غيره كعبدة الأوثان والنيران، وإليه ذهب الأوزاعي.
وعن الشافعي: أنها لا تُقبل إلا مِنْ كِتَابي، أو مجوسي عربياً كان أو غيره.
وعن أبي حنيفة: قبولها من الكتابي عموماً، ومن مشركي العجم.
وعن أبي يوسف: عدم قبولها من العربي مطلقاً، وتُقْبَل مِنْ غيره مطلقاً.
((فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكُفَّ عنهم، فإن هم أَبَوْا))؛ أي: عن قَبول
الجزية .
٣٨٠