Indexed OCR Text

Pages 321-340

((قلنا: الله ورسوله أعلم)): وهذا مراعاة للأدب والاحتراز عن التقدم بين
يدي الله ورسوله، والتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال.
((قال: أليس ذا الحجة؟)): خبر (ليس) محذوف؛ أي: ما نحن فيه.
«قلنا: بلی» یا رسول الله!
((قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس البلدة؟))؛ أي:
البلدة المحرمة، وهي اسم خاص لمكة.
«قلنا: بلی، یا رسول الله!
(قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس يوم النحر؟
قلنا: بلى، قال: فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم)): جمع عِرْض، وهو
الأوصاف التي يُمدح ويُذم الرجل بها.
((عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا،
وستلقون ربكم))؛ أي: ستبعثون وتحضرون يوم القيامة.
((فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً))؛ يعني: إذا
فارقتُ الدنيا، فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا
أحداً، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل.
((لا يضرب بعضهم رقابَ بعض))؛ فإن هذه الأفعال من الضلالة.
((ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ))؛
أي: فليبلغ من سمع كلامي وحضرني ما سمع مني إلى الغائبين.
((قرب مبلَّغ)): بفتح اللام.
((أوعى من سامع))؛ أي: فرب غائب إذا بلغه كلامي، كان أشدَّ حفظاً
وأدومَ قراءة ومراعاةً ممن سمع مني، وهذا تحريضٌ على تعليم الناس أحاديثه
- عليه الصلاة والسلام - وغيره من العلوم الشرعية، فإنه لولا التعليم والتعلم،
٣٢١

لانقطع العلم بين الناس.
٠
٠
١٩٣٠ - عن وَبَرَةَ قال: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ: مَتَى أَرْمي الجمارَ؟، قال: إذا
رمَى إمامُكَ فارْمِهِ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المسألَةَ، فقال: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فإذا زالَت الشَّمْسُ
رَمَیْنا .
((عن وَبَرة) : - بفتحتين -: ((أنه قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟
قال: إذا رمى إمامك فارمه))؛ يعني: اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقته.
((فأعدتُ عليه المسألة فقال: كنا نتحيَّن))؛ أي: نطلب الحين، وهو
الوقت؛ أي: ننتظر دخول وقت الرمي، وقيل: أي نحفظ الوقت ونراقبه.
((فإذا زالت الشمس رمينا))؛ أي: جمار أيام التشريق.
١٩٣١ - وعن سَالِم، عن ابن عُمر ◌َُ: ((أنَّهُ كانَ يَرْمي جَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ
حَصَياتٍ يُكَبرُ على إِثْرِ كُلِّ حَصاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حتَّى يُسْهِلَ، فيقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ
طَوِيلاً، ثم يَدْعُو وبَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمي الوُسْطَى بِسَبْعٍ خَصَياتٍ يُكَبِرُ كُلَّمَا رَمَى
بحَصاةٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذاتَ الشِّمالِ، فَيُسْهِلُ، ويقُومُ مُسْتَقبلَ القِبْلة، ثُمَّ يَدْعُو،
ويَرْفَعُ بَدَيْهِ، ويَقُومُ طَوِيلاً، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوادِي بِسَبْعِ
حَصَياتٍ، يُكَبِرُ عِنْدَ كُلِّ حَصاةٍ، ولا يَقِفُ عِنْدَها، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فيقول: هكذا
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَفْعَل.
((وعن سالم، عن ابن عمر ﴾: أنه كان يرمي جمرة الدُّنيا»: تأنيث
الأدنى؛ أي: الأقرب، وهي التي يُبدأ بها في الرمي، وصفها بالدنيا؛ لدنوها من
٣٢٢

منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهناك كان مناخه عليه الصلاة والسلام،
وإضافتها كإضافة المسجد الجامع، أو فيه حذف؛ أي: جمرة العقبة الدنيا؛
يعني: يرمي في الموضع الأول من المواضع الثلاثة.
(بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة))؛ أي: عقيبه.
((ثم يتقدم))؛ أي: يذهب قليلاً من ذلك الموضع.
«حتی یُسهِلَ))؛ أي: يبلغ إلى موضع سهل لين، وهو الموضع الذي رمی
فيه .
((فيقوم مستقبل القبلة طويلاً)؛ أي: قياماً طويلاً.
((ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى))؛ أي: الجمرة الوسطى.
(بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يأخذ بذات الشمال))؛ أي:
يذهب على شمال الجمرة الوسطى .
((فيسهل)): يقال: أسهل: إذا صار إليه.
((ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي
جمرة ذات العقبة)): وهي الجمرة التي تلي مكة.
((من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ولا يقفُ عندها،
ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي - عليه الصلاة والسلام - يفعله)).
١٩٣٢ - وعن ابن عُمر ﴾ قال: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ
رَسُولَ الله ◌ِ﴿ أَنْ يَبيتَ بِمِكَّةَ لَيَالِيَ مِنَّى مِنْ أجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.
((وعن ابن عمر ه أنه قال: استأذن العباسُ بن عبد المطلب رسول الله وَّ
٣٢٣

أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته)): وهي في الأصل مصدر، أطلق هنا على
المحل، أو المراد: أهل السقاية.
((فأذن له)): إذنه - عليه الصلاة والسلام - للعباس بذلك يدلُّ على جواز
ترك المبيت بمنى لمن هو مشغول بإسقاء الماء لأجل الناس، وكذا لمن له
ضرورة وعذر، فإن ترك المبيت بغير عذر أثم عندنا ولا شيء عليه، وعند
الشافعي لزمه في ليلة درهم، وفي ليلتين درهمان، وفي ثلاث ليال دم. وقال
مالك : يلزمه بكل ليلة دم.
١٩٣٣ - وعن ابن عبّاس ﴾: أنَّ رسُولَ اللهِ وَه جاءَ إلى السَّقايَة،
فاسْتَسْقَى، فقال العبّاسُ: يا فَضْلُ! اذْهَبْ إلى أُمَّكَ، فائْتِ رَسُولَ اللهِ و ◌َ﴾
بِشَرابٍ مَنْ عِنْدِها، فقال: ((اسْقِنِي))، فقال: يا رسولَ الله! إنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَبْدِيَهُمْ
فِيهِ، فقال: ((اسْقِنِي))، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فيها،
فقال: ((اعْمَلُوا، فإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ))، ثُمَّ قال: ((لولا أنْ تُغْلَبُوا لِنَزَلْتُ حتَّى
أَضَعَ الحَبْلَ على هذه))، وأشَارَ إلى عاتِقِهِ.
((وعن ابن عباس: أن رسول الله بص فر جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال
العباس: یا فضل!)): هو فضل بن عباس.
((اذهب إلى أمك، فأتِ رسولَ الله ﴿ بشراب من عندها، فقال))؛ أي:
النبي عليه الصلاة والسلام: ((اسقني)): من هذه السقاية.
((فقال))؛ أي: العباس.
(يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه، فقال: اسقني، فشرب منه)):
شربه - عليه الصلاة والسلام - لدفع وسوستهم من جعل أیدیهم فيه، وفيه دليل
٣٢٤

على أن الماء الطاهر لا يصير نجساً بجعل الناس أيديهم فيه ما لم تتيقَّنْ نجاسة
أیدیھم .
(ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل
صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا))؛ أي: لولا مخافة غلبة الناس عليكم في
الاستقاء اقتداءً بفعلي .
((لنزلت)): من دابتي.
((حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه)): وشاركتكم في
الاستقاء، وفيه حثٌّ على العمل في البر.
١٩٣٤ - وقال أَنَسٌ ه: إنَّ رَسُولَ اللهِ﴾ِ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ
والعِشاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إلى البَيْتِ، فطافَ به.
((وقال أنس : إن النبي - عليه الصلاة والسلام - صلَّى الظهر والعصر
والمغرب والعشاء)»: في اليوم الآخر من أيام التشريق.
(ثم رقد رقدة))؛ أي: نام نومةً من الليلة التي بعد أيام التشريق.
((بالمحصَّب)) بفتح الصاد: موضع قريب إلى الأبطح من مكة.
(ثم ركب، وسار إلى البيت، فطاف به)): طواف الوداع، فتزولُ
المحصَّب في هذه الليلة سنَّة عند ابن عمر .
١٩٣٥ - وسُئِلَ أنَسٌ﴾ عَنْ النَّبيِّ وَ﴿ أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ
التَرْوِيَةِ؟، قال: بِمِنَّى، قيل: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟، قال: بِالأَبْطَحِ، ثُمَّ
٣٢٥

قال: افْعَلْ كما يَفْعَلُ أُمَراؤُك.
(وسئل أنس عن النبي وَل﴾: أين صلَّى الظّهر والعصر يوم التروية؟)):
وهو اليوم الثامن من ذي الحجة.
((قال: بمنى، قيل: فأين صلى العصر يوم النَفَر؟)): بفتحتين؛ أي: يوم
الرجوع، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، ويسمى النفر الثاني؛ لأن من لم
ينفر في اليوم الثاني من منى، نفر في اليوم الثالث منه.
((قال: بالأَبطح)) بفتح الهمزة: وهو مسيل واسع فيه رقاقُ الحصى، أراد
به: المحصب، عبَّر عن موضع واحد تارة بالأبطح وأخرى بالمحصب، أوَّلُهُ عند
منقطع وادي منى، وآخره متصل بالمقبرة التي يسميه أهل مكة بالمعلَّى.
(ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك)»: أراد به: من يقتدي به الناس.
١٩٣٦ - قالت عائشةُ رضي الله عنها: نُزُولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّما نَزَلَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ لأَنَّهُ كَانَ أسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذا خَرَجَ.
((قالت عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة))؛ أي: ليس بنسكٍ من مناسك
الحج.
((إنما نزله رسول الله ( *؛ لأنه كان أسمح))؛ أي: أسهل.
((لخروجه إذا خرج)): من منى إلى مكة لطواف الوداع.
١٩٣٧ - وقالت: أحْرَمْتُ مِنْ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فدَخَلْتُ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتي،
وانْتُظَرَنِي رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِالأَنْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ،
٣٢٦

فَمَرَّ بِالبَيْتِ، فطافَ بِهِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَدِينَةِ.
((وقالت))؛ أي: عائشة.
((أحرمتُ من التنعيم بعمرة، فدخلت)): مكة.
((فقضيت عمرتي))؛ أي: أتممتها، وهذه العمرة هي التي خرجت منها
بسبب حيضها .
(وانتظرني رسول الله عليه بالأبطح حتى فرغت، فأمر الناس بالرحيل،
فخرج، فمر بالبيت فطاف به))؛ أي: بالبيت طواف الوداع.
((قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة)).
*
١٩٣٨ - عن ابن عبّاسِ ﴾ قال: كانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ،
فقالَ رَسُولُ الله ◌َّهِ: ((لا يَتْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ))، إلاَّ أَنَّهُ
خُفَِّ عَنِ الحائِضِ.
((وعن ابن عباس ﴾ أنه قال: كان الناس)): إذا فرغوا من أفعال الحج.
((ينصرفون في كل وجه))؛ أي: يذهبون في كل جانب إلى أوطانهم بلا
طواف الوداع.
((فقال رسول الله (وَلخ)) نهياً عن ذلك: ((لا ينفرن))؛ أي: لا يذهبن.
((أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت))؛ أي: يطوف بالبيت طواف الوداع
أي: حتى يطوف طواف الوداع، وهذا يدل على وجوب طواف الوداع.
((إلا أنه خفف عن الحائض))؛ يعني: جوَّز لها ترك طواف الوداع، وكذا
عن النفساء، ولا دم عليها، وعليه الأكثر، وبه قال الشافعي.
٣٢٧

١٩٣٩ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: حاضَتْ صَفِيَّهُ لَيْلَةَ النَّفْرِ،
فقالتْ: ما أُراني إلاَّ حابستَكُمْ، فقالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أطافَتْ يَوْمَ
النَّحْرِ؟))، قيل: نَعَمْ، قال: ((فانْفِرِي).
((وقالت عائشة رضي الله عنها: حاضت صفية ليلة النفر))؛ أي: ليلة يوم
النفر؛ لأنه لم يشرع في تلك الليلة، بل في يومها.
((فقالت: ما أراني))؛ أي: ما أظنني.
((إلا حابستكم))؛ أي: مانعتكم عن الرحلة إلى المدينة، بأن تنتظروا
تطهري، فأطوف طواف الوداع، كان ظناً منها أن الحج كما يتوقف انعقاده على
طواف الزيارة، يتوقف على طواف الوداع.
((قال النبي عليه الصلاة والسلام: عَقْرَى حَلْقى)) بغير تنوين: صفتان
للمرأة، دعاء بصيرورتها عاقراً، وإصابة داءٍ في حلقها.
وقيل: بالمصيبة، من (العقر) بمعنى: الخمش وحلق الرأس؛ لأن العرب
كانوا يفعلون ذلك عند شدة المصيبة .
ومحلهما رفع؛ أي: هي عقرى حلقى، أو مصدران على فَعْلَى بمعنى:
العقر والحلق؛ أي: أصابها الله بعقر في جسدها وبوجع في حلقها، وكيف كان،
فهو دعاءٌ لا يراد به وقوعه، إنما هو عادة بينهم في التلطف.
((أطافت يوم النحر))؛ أي: طواف الفرض.
((قيل: نعم، قال: فانفري)): أجاز - عليه الصلاة والسلام - لها أن تنفر إذا
حاضت من غير طواف الوداع.
مِنَ الحِسَان:
١٩٤٠ - عن عَمْرو بن الأَحْوَص قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللهِ وَّهِ يقولُ في
٣٢٨

حَجَّةِ الوَداعِ: ((أيُّ يَوْمِ هذا؟))، قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ، قال: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ،
وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا
لا يَجْني جانٍ إلَّ عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لا يَجْني جانٍ عَلَى وَلَدِهِ، ولا مَوْلُودٌ عَلَى
والِدِهِ، ألا وإنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيْسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هذا أَبَداً، ولَكِنْ سَتَكُونُ لهُ
طاعَةٌ فِيما تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَسَيَرْضَی بهِ)، صحيح.
((من الحسان)):
((عن عمرو بن الأحوص أنه قال: سمعت رسول الله وَلفي يقول في حجة
الوداع: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر)): قال ابن عباس: هو يوم عرفة؛
لأنه من أدرك عرفة، فقد أدرك معظم الحج، سمي بالحج الأكبر؛ لأنه أكبر من
يوم الجمعة، وهو حج المساکین.
وقيل: هو الذي حجَّ فيه رسول الله وَّز؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين
وعید اليهود والنصارى، ولم يجتمع قبله ولا بعده.
((قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم
هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، ألا لا يجني جاٍ على
ولده، ولا مولود علی والده»: تقدم بحثه.
((ألا وإن الشيطان قد أيسَ أن يُعبَد في بلدكم هذا))؛ يعني: أنتم أبناء
العرب لن تعبدوا الطَّاغوت وغير الله من الأصنام بعد هذا.
((أبداً): بمعنى: خالداً، فيكون ظرفاً لـ (أيس)، أو بمعنى: قط، فيكون
راجعاً إلى النفي؛ أي: لا يعبد قط.
(ولكن ستکون له طاعةٌ فیما تحقِرون من أعمالكم، فسیرضی به)) .
٣٢٩

١٩٤١ - عن رافع بن عَمْرو المُزَني قال: رأيتُ رسُول الله،وَهِ يَخْطُبُ
النَّاسَ بِمِنَّى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى على بَغْلَةٍ شَهباءَ، وعليٍّ يُعَبرُ عنهُ، والنَّاسُ بينَ
قائم وقاعِدٍ.
((عن رافع بن عمرو المزني ﴾ أنه قال: رأيت رسول الله الخل يخطب
الناس بمنى حين ارتفع الضُّحى على بغلة شهباء»؛ أي: بيضاء لا يخالط لونها
سواد؛ أي: راکب عليها.
((وعلي يعبر))؛ أي: يبلِّغ ((عنه))، والتعبير في الأصل: إنهاء المعنى
بتوسط العبارة في نفسك.
((والناس بين قائم وقاعد))؛ أي: بعضهم قيام، وبعضهم قعود، نصبُهُ
- عليه الصلاة والسلام - علياً لإسماع موعظته من لم يسمع؛ لكثرة الازدحام في
ذلك الموضع؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في ذلك الموسم بين أمة
لا يُحصى عديدهم، وكان صوته وسل﴿ لا يبلغ أُخريات القوم.
*
١٩٤٢ - عن أَبي الزُّبَيْر، عن عائشة، وابن عبّاسٍ ﴿﴾: أنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ
أَخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى اللَّيْلِ.
((عن أبي الزبير): اسمه محمد بن مسلم المكي التابعي.
(عن عائشة وابن عباس : أن النبي - عليه الصلاة والسلام - أخَّر
طواف الزيارة)): وهو طواف الإفاضة.
((يوم النحر إلى الليل))، وأول وقته عند الشافعي بعد نصف ليلة العيد.
وعند أبي حنيفة وأحمد ومالك: بعد طلوع فجر يوم النحر، وأما آخره فأي وقت
طاف جاز سواء يوم النحر وأيام التشريق وبعدها، ولكن ينبغي أن لا يخرج
٣٣٠

من مكة حتى يطوف.
*
٠
١٩٤٣ - وعن ابن عبّاسٍ ﴾: أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الذي
أفاضَ فیهِ .
((وعن ابن عباس ﴾: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لم يرمُلْ في
السبع الذي أفاض فیه»؛ أي: من عرفة.
١٩٤٤ - وعن عائشةَ رضيَ الله عنها، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((إذا رَمَى
أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ النِّسَاءَ»، ضعيف منقطع.
((عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال:
إذا رمى أحدُكم جمرة العقبة، فقد حلَّ له كل شيء إلا النساء)»، (ضعيف
منقطع).
١٩٤٥ - عن القاسم، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: أفاضَ رسُولُ الله ◌َيه
مِنْ آخِرٍ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مِنَّى، فَمَكَثَ بها لَيَالِيَ أَيَّامِ الَّشْرِيقِ،
يَرْمي الجَمْرَةَ إذا زالَتِ الشمسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بسبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ خَصاةٍ،
ويقِفُ عندَ الأُولَى والثانيةِ، فَيُطِيلُ القِيامَ، ويتضَرَّعُ، ويَرْمِي الثالِثَةَ، فلا يقِفُ
٥
عِنْدَها.
((عن القاسم، عن عائشة: أنها قالت: أفاض رسول الله (وَلا﴾)؛ أي: طاف
طواف الفرض.
٣٣١

(من آخر يومه))؛ أي: في آخر يوم النحر.
((حين صلى الظهر)): وفي الكلام تقدير، فالمعنى: صلى الظهر والعصر
معاً في يوم عرفة، ووقف، ثم أفاض من آخر يومه، يدل عليه حديث حجة
الوداع.
(ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا
زالت الشمس)»: بيان لوقت الرمي في أيام التشريق.
((كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى
والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقفُ عندها)).
١٩٤٦ - عن أَبي البَدَّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ عن أبيه قال: رَخَّص
رسُولُ الله :﴿ لِرِعاءِ الإِبلِ فِي البَيْئُوتَةِ أنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ
يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّخْرِ، فَيَزْمُوهُ في أَحَدِهِما.
((عن أبي البَدَّاح بن عاصم بن عدي، عن أبيه: أنه قال: رخَّص رسول الله وَّه
لرعاء الإبل في البيتوتة))؛ أي: في ترك المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق؛
لاشتغالهم برعي الإبل وحفظها.
((أن يرمُوا))؛ أي: رخّص لهم أن يرموا.
(يوم النحر جمرة العقبة، ثم يجمعوا رميَ يومين بعد يوم النحر، فيرموه
في أحدهما))؛ أي: فيرموا رمي يومين في أحد اليومين من أيام التشريق، فإن
رموا ذلك في اليوم الثاني منها، كان الرمي عن اليوم الأول فيه قضاء، والرمي
عن اليوم الثاني أداء، وإن رموا في اليوم الأول منها، كان رمي اليوم الأول أداء،
ورمي اليوم الثاني تعجيلاً، وهذا لا يجوز عند الشافعي ومالك؛ لأن ما لم يجب
٣٣٢

لم يجز تقديمه، وأجازه بعضهم.
٠٠٠
١١- بك
ما يجتنبه المحرم
(باب ما يجتنبه المحرم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩٤٧ - عن عبدالله بن عُمر﴾: أنَّ رَجُلاً سَأَلَ النبيَّ ◌َله: ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ
مِنَ الثِّابِ؟، فقال: ((لا يَلْبَسُوا القُمُصَ، ولا العَمَائِمَ، ولا السَّراوِيلات، ولا
البَرانِسَ، ولا الخِفَافَ، إلاَّ أَحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسَ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ
مِنَ الكَعْبَيْنِ، ولا تَلْبَسُوا مِنَ الثَّابِ شَيْئاً مَسَّهُ زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ».
وفي روايةٍ: ((ولا تَنْتَقِبِ المرْأَةُ المُحْرِمَةُ، ولا تَلَبَسُ القُفَّزَيْن)).
(من الصحاح):
((عن عبدالله بن عمر: أن رجلاً سأل رسول الله وَلايخفى: ما يلبس
المحرمُ؟))؛ أي: سأل عن الشيء الذي يلبسه المحرم.
(من الثياب)): ويجوز أن تكون (ما) استفهامية.
((فقال: لا تلبسوا القمص)): جمع قميص، وهو الثوب المخيط.
((ولا العمائم)): جمع عمامة.
((ولا السراويلات)): وبهذا قال مالك وأبو حنيفة؛ ليس له لبس السراويل
مطلقاً مع وجود الإزار وفقده.
((وفي رواية: ولا البرانس)): جمع برنس، وهو قلنسوة طويلة، وكان
٣٣٣

الحجاج يلبسونها في صدر الإسلام، وهي من لبد، يقال بالفارسي: برطولة
وبلغاري، ذكر البرانس بعد ذكر العمائم يدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس
لا بنادر ولا بمعتاد اللباس، فإن غطى منه شيئاً فعليه الفدية.
((ولا الخفاف»: جمع خف.
((إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فيلبس الخفين، ويبقطعْهما أسفلَ من الكعبين)):
فيصير كالمكعب، فإن لبس قبل القطع فعليه فدية، أو بعده مع وجود النعلين،
وجبت الفدية عند بعض؛ لأنه لم يُؤذَن فيه إلا عند عدمهما .
(ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسّه زعفران، ولا ورس)): هو نبت أصفر
يشبه الزعفران يكون باليمن يصبغ به، وهذا يدل على منع المحرم عن الطيب في
بدنه وثيابه .
((وفي رواية: ولا تنتقب المرأة المحرمة))؛ أي: لا تستر وجهها بالنقاب.
(لا تلبس القُفَّزين)) بالضم والتشديد: شيء يتخذه الصائد في يده من
جلد أو لبد.
وقيل: هو شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن؛ لتغطية الأصابع والكف؛
توقياً من البرد ونحوه، وقد يكون طويلاً إلى المرفق والساعد، وقد يكون قصيراً.
١٩٤٨ - وعن ابن عبّاس ﴾ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَخْطُبُ وهو
يَقُولُ: ((إذا لَمْ يَجِدِ المُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وإذا لَمْ يَجِدْ إزاراً لَبِسَ
سَراوِیلَ».
((وعن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله وَل﴿ يخطب وهو يقول: إذا
لم يجد المحرم نعلين لبس خُفَّين)): وبهذا تمسك عطاء وأحمد وقالا: يجوز
٣٣٤

لبسهما بلا قطع؛ لأنه فساد.
قلنا: حديث ابن عمر ظلما صحيح، وفيه أمر بقطعهما، ولا فسادَ فيما أمر
به الشرع وأذن فیه، بل الفساد فیما نهى عنه ێ .
((وإذا لم يجد إزاراً لبس سراويل)): وبهذا قال الشافعي، لو لبسه مع فقد
الإزار لا فدية عليه، وعليه الأكثر.
١٩٤٩ - عن يَعْلَى عن بن أُمَّة قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ بالجِعْرانَةَ إذْ جاءَهُ
رحُلٌ أَعْرابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةً وهو مُتَضَمَّخٌ بِالخَلُوقِ، فقال: يا رسُولَ الله، إنِّي
أَحْرَمْتُ بالعمرةِ وهذِهِ عليَّ، فقال: ((أمَّ الطَّيبُ الذي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ،
وأمَّا الجُنَّةُ فانْزِعْها، ثمَّ اصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كما تَصْنَعُ في حَجِّتِكَ».
((وعن يعلى بن أمية أنه قال: كنا عند النبي - عليه الصلاة والسلام -
بالجِعْرانة)): بكسر الجيم وسكون العين والتخفيف وقد يكسر العين ويشدد
الراء، وهي من أطراف الحلِّ، وميقاتٌ لإحرام العمرة، بينها وبين مكة تسعة
أمیال.
((إذ جاءه أعرابي عليه جُبة وهو متضمِّخ))؛ أي: متطيب متلطخ.
((بالخَلوق)): وهو - بفتح الخاء - نوع من الطيب يتخذ من زعفران وغيره.
((فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بالعمرة، وهذه عليَّ، فقال ◌َّ: أما
الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها)»: أمر - عليه الصلاة
والسلام - بغسله ونزع الجبة، ولم يأمر بالفدية، ففيه دليل على أنه لو تطيب أو
لبس جاهلاً لا فدیةَ علیه، وبه قال الشافعي، وعندنا يلزمه دم.
((ثم اصنع في عمرتك، كما تصنعُ في حجتك)): من اجتناب النساء
٣٣٥

والطيب واللباس وغيرها من المنهيات، لا أعمال النسك؛ إذ لا وقوفَ بعرفة مع
توابعه في العمرة.
١٩٥٠ - عن عثمان ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((لا يَنْكِحُ المُخْرِمُ،
ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ».
(عن عثمان أنه قال: قال رسول الله صلحه: لا ينكِح المحرم،
ولا يُنكَح)): ويروى بصيغة الخبر، و(لا) للنفي، وبصيغة النهي، و(لا) هي
الجازمة، ذكر الخطابي أنهما على صيغة النهي أصح، والأول منهما من النكاح،
والثاني من الإنكاح.
قال الأکثرون ۔ منهم الشافعي ومالك ـ بفساد النكاح زوجاً كان المحرم،
أو امرأة، أو ولياً.
((ولا يخطب)): هو من الخِطبة - بالكسر -: طلب المرأة للنكاح، وهو
نھي تنزيه بخلاف الأولین.
١٩٥١ - ورُوِيَ عن ابن عبّاسِ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ِ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو
مُخرِمٌ.
((وروي عن ابن عباس: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - تزوج ميمونة
وهو محرم))، واحتج بهذا أبو حنيفة وسفيان الثوري على صحة نكاح المحرم.
١٩٥٢ - وعن يَزِيْد بن الأَصَمِّ ابن أخت مَيْمُونة، عن مَيْمُونة: أنَّ
٣٣٦

رسُولَ اللهِ﴾ِ تَزَوَّجَهَا وهو حَلالٌ. قال الإمام رحمه الله: والأكثرون على أنَّه
تزوَّجها حَلالاً .
((وعن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة: أن رسول الله وَلقر تزوجها وهو
حلال، قال المصنف: والأكثرون من أصحاب الحديث على أنه تزوجها
حلالاً)): نصب على الحال؛ أي: في كونه حلالاً؛ لرواية ابن أخت ميمونة
وغيره.
قلنا: يحتمل أنه عبر بالتزويج عن الدخول بها توفيقاً بين الروايتين؛ لما
روي: أنه - عليه الصلاة والسلام - تزوجها وهو محرم، وبنى بها -؛ أي: دخل -
وهو حلال.
١٩٥٣ - عن أبي أَيُّوب ﴿هَ أنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ.
((عن أبي أيوب: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يغسل رأسه وهو
محرم)): اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وإمرار اليد على شعره
بحيث لا ينتفُ شعراً.
١٩٥٤ - وعن ابن عبَّاس ﴾ قال: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ◌ٍَّ وهو مُخْرِمٌ.
((عن ابن عباس أنه قال: احتجم النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو
محرم)): يدل على جواز الحجامة للمحرم بلا قطع شعر، فإن قطع فدى.
٣٣٧
۔

١٩٥٥ - وعن عُثْمان ﴿هَ حدَّث عن رسُولِ اللهِ وَّهِ: في الرجُلِ إذا
اشْتَكَى عَيْنَيَّهِ وهو مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُما بالصَّبرِ.
((وعن عثمان حدث عن رسول الله في في الرجل إذا اشتكى عينيه))؛ أي:
حصل له بهما ألم وأنين من الوجع.
((وهو محرم ضمَّدهما)): وأصل الضمد: الشد، يقال: ضمد رأسه
وجرحه: إذا شده بالضماد، وهو: خرقة يُشَدُّ بها العضو المؤوف.
((بالصبر)) بكسر الباء: الدواء المر الذي يتداوى به، والمراد منه:
الاكتحال .
١٩٥٦ - وقالت أُمُّ الحُصَيْن: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وبلالاً، وأَحَدُهُما آخِذُ بخِطام
ناقَةٍ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، والآخَرُ رافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ، حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ.
((وقالت أم الحصين: رأيت أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذٌ بِخطام ناقة
رسول الله))؛ أي: بزمام ناقته.
((والآخرُ رافعٌ ثوبه))؛ أي: جاعل ثوبه على رأسه - عليه الصلاة والسلام -
مثل ظل بحيث لم يصلِ الثوبُ إلى رسول الله وَله.
(يستره من الحر))؛ أي: حر الشمس.
((حتى رمى جمرة العقبة)): وهذا يدل على جواز الاستظلال، وكرهه
أحمد ومالك.
١٩٥٧ - عن كَعْب بن عُجْرَة ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ مَرَّ بِهِ وهو بالحُدَيْبيَّةِ قَبْلَ أَنْ
٣٣٨

يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرٌِ، وهو يُوقِدُ تَحْتَ القِدْرِ وَالقَمْلُ يَتَهَافَتُ على وَجْهِهِ،
فقال: ((أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟))، قال: نَعَمْ، قال: ((فَأَحْلِقْ رَأْسَكَ، وأَطْعِمْ فَرَقاً بَيْنَ
سِتَّةَ مَسَاكِينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ أَصْوُع - أو صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أو انْسُكْ نَسِيكَةً)) .
((عن كعب بن عجرة: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - مرَّ به وهو
بالحديبية)) بتخفيف الياء: قرية قريبة من مكة، وكثيرٌ من المحدثين يشددونها.
((قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقدُ))؛ أي: يشعل النار.
((تحت قدرا؛ ليطبخ طعاماً.
((والقمل يتهافت))؛ أي: تتساقط من رأسه على وجهه.
((فقال)) له: ((أيؤذيك هوامُّك)): جمع هامة، وهي: الدابة التي تدب؛
أي: تسير على السكون مثل القمل وغيره، والمراد هنا: القمل.
((قال: نعم، قال: فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقاً بين ستة مساكين)): كل
مسكين نصف صاع؛ حنطة أو شعيراً أو زبيباً أو تمراً، وقيل: من التمر والزبيب
صاعاً، والأول أصح.
(والفَرَق)» - بالتحريك - ((ثلاثة أَصْوُع، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو انسُكْ
نَسيكةً))؛ أي: اذبح ذبيحة، وفرِّقْ لحمها بين مساكين الحرم، والحديث يدل
على تخيير فدية الأذى بين الهدي والإطعام والصيام على ما نطق به القرآن، ولا
فرقَ بين الحلق بعذر وغيره عند أكثرهم، وقيل: إن حلق بغير عذر تعیَّنَ الدم إن
قدر عليه .
مِنَ الحِسَان:
١٩٥٨ - عن ابن عُمر﴾: أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ◌َهِ نَهَى النِّساءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ
٣٣٩

عَنِ القُفَّازَيْنِ، والنِّقَابِ، وما مَسَنَّ الوَرْسُ، والزَّعْفَرَانُ مِنَ الثَّابِ، ولْتَلْبَسْ بَعْدَ
ذلكَ ما أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّابِ مُعَصْفٍَ، أو خَزٍّ، أو حُلَلٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو
قَمِيصٍ، أو خُفِّ».
من الحسان :
(عن ابن عمر : أنه سمع رسول الله صل* نهى النساء في إحرامهن عن
القُفَّازين والنقاب وما مسَّه الورس والزعفران من الثياب، ولتلبسْ)): عطف على
قوله: (نهى) من حيث المعنى، كأنه قيل: لا تلبس المرأة القفازين ((ولتلبس بعد
ذلك ما أحبت من ألوان الثياب)»؛ أي: أصنافها .
((معصفر)): بيان للألوان؛ أي: مصبوغ بالعصفر، وجاز هذا؛ لأنه ليس
بطيب بخلاف الزعفران .
((أو خَزَّ): قيل: هو ثوب من إبرسيم وصوف، وفي ((المغرب)): الخز
اسم دابة، ثم سمي المتخذ من وبرها خزاً.
((أو حُلْي)): جعل الحلي من جنس الثياب تغليباً، وفسَّره المظهر: بالحلل
وقال: هي جمع، وهي رداء وإزار من قطن.
(أو سراويل أو قميص أو خف)).
*
٠٠
١٩٥٩ - وقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: كانَ الرُّكْبَانُ یَمُُّونَ بنا ونحنُ معَ
رسولِ الله ◌َ﴿ مُحْرِمَاتٌ، فإذا حاذَوْنَ سَدَلَتْ إِحْدَانَاَ جِلْبَابَها مِنْ رَأْسِها عَلى
وَجْهِهَا، فإذا جاوَزُونَاَ كَشَفْنَاهُ.
«وقالت عائشة رضي الله عنها: كان الُكبان)»: جمع راكب.
(يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلفي محرمات، فإذا حاذونا))؛ أي:
وصلوا حذاءنا ومقابلتنا.
٣٤٠