Indexed OCR Text

Pages 261-280

((وقدم علي من اليمن ببُدْنِ النبي عليه الصلاة والسلام)): جمع بَدَنةٍ،
وهي ما يتقرّب بذبحه من الإبل .
((فقال))؛ أي: النبي عليه الصلاة والسلام لعلي ظُه: ((ماذا قلتَ حين
فرضْتَ الحِجَّ؟))؛ أي: ألزمْتَه على نفسك بالتلبية.
((قال))؛ أي: علي ◌ُه :
((قلت: اللهم إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولك» يدل على جواز تعليق إحرام
الرجل على إحرام غيره.
((قال))؛ أي: النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ((فإن معي الهدي))؛ أي: إني
أحرمت بالعمرة ومعي الهدي، ولا أقدر أن أخرج من العمرة، بل قد أدخلت
الحج فيها، ((فلا تحل)) بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتى تفرغ من العمرة
والحج.
((قال))؛ أي: الراوي: ((فكان جماعة الهدي)) من الإبل ((الذي قدم به))؛
أي: بذلك الهدي ((عليه من اليمن، والذي أَتَى به النبيُّ وَّهُ مئة)) من
الهدي.
((قال))؛ أي: الراوي: ((فحل الناس كلهم))؛ أي: خرج من الإحرام مَن
أحرم بالعمرة ولم يكن معه هديٌّ بعد الفراغ منها «وقصروا إلا النبي عليه الصلاة
والسلام ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية)) وهو اليوم الثامن من ذي
الحجة، سمي به لأن الحجاج يرتوون فيه من الماء لما بعده، وقيل: لأن
خليل الله عليه السلام تروَّى؛ أي: تفكّر فيه في ذبح إسماعيل عليه السلام، وأنه
کیف یصنع، حتى جزم عزمه في اليوم العاشر بذبحه.
(توجهوا)؛ أي: خرجوا من مكة ((إلى منى فأهلوا بالحج))؛ أي: أحرم
به مَن كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة.
٢٦١

((وركب النبي)) عليه الصلاة والسلام وسار من مكة إلى منى يوم التروية.
((فصلى بها))؛ أي: بمنى في هذا اليوم.
((الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث))؛ أي: وقف
((قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة))؛ أي: بضرب قبة ((من شعر تضرب له))
بصيغة المجهول.
(بنمرة)) بفتح النون وكسر الميم: موضع قريب من عرفة.
((فسار فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس))؛ أي: مالت فدخلت وقت
الظهر .
«أمر بالقصواء))؛ أي: بإحضارها.
((فرُحِلَتْ له))؛ أي: شُدَّ عليها الرَّحْلُ للنبيّ ◌َِهـ
(فأتى بطن الوادي)) موضعٌ بعرفة.
((فخطب الناس فقال: إن دمائكم وأموالكم))؛ أي: تعرُّض بعضكم دماءَ
بعض وأمواله في غير هذه الأيام ((حرام عليكم كحرمة يومكم هذا)؛ أي:
كحرمة التعرُّض لهما في يوم عرفة.
((في شهركم هذا» وهو ذو الحجة.
((في بلدكم هذا» وهو مكة، وإنما أكد التحريم بهذا التشبيه لمَّا تقرَّر
عندهم أنها من أشد المحرمات.
((ألا كل شيء من أمر الجاهلية))؛ أي: كلُّ شيء فعله أحدكم قبل
الإسلام.
(تحت قدمي موضوع))؛ أي: كالشيء الموضوع تحت القدم، مجازٌ عن
إيطاله وإهداره، يعني: لا مؤاخذة عليه بعد الإسلام بما فعله في الجاهلية .
٢٦٢

((ودماء الجاهلية موضوعة))؛ أي: متروكة؛ يعني: لا قصاص، ولا دية،
ولا كفارة، على قاتلٍ بعد الإسلام بما صدر عنه من القتل في جاهليته.
((وإن أول دم أضعه من دمائنا))؛ أي: من الدماء المستحقة لنا.
((دم ابن ربيعة بن الحارث)) ابن عبد المطلب.
(وكان مسترضعاً))؛ يعني: كان لابن ربيعة ظئر ترضعه ((في بني سعد))
وكان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة
هذیل، ((فقتلته هذيل)).
((وربا الجاهلية موضوع، وأولُ رباً أضعه من ربانا ربا العباس)) بدل من
(ربانا) ((بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله)) المراد به ما هو زائد على رأس
المال؛ لأن رأس ماله غير متروك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ
أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وإنما وضع عليه الصلاة والسلام أولاً من الدماء دم
ابن ربيعة ومن الأربية ربا عمه العباس بن عبد المطلب؛ ليكون أمكنَ في القلوب
وأدعى إلى القبول.
((فاتقوا الله في النساء)»؛ أي: في أمرهن فلا تؤذوهن بالباطل.
((فإنكم أخذتموهن بأمان الله))؛ أي: بعهده، وهو ما عُهد إليهم من الرفق
بهنَّ والشفقة عليهن ومعاشرتهن بالمعروف.
((واستحللتم فروجهن بكلمة الله))؛ أي: بأمره وحُكمه، وهو قوله تعالى:
﴿فَأَنْكِحُوَأْمَا طَابَ لَّكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [النساء: ٣].
(ولكم))؛ أي: من حقوقكم.
((عليهن أن لا يوطئن)) بهمزة من باب الإفعال.
((فُرُشَكم أحداً تكرهونه))؛ أي: أن لا يأذنَّ لأحد من الرجال الأجانب أن
يدخلوا عليهن فيتحدثَ إليهن، وكان ذلك من عادة العرب لا يرون به بأساً، فلما
٢٦٣

نزل آية الحجاب انتهوا عنه، وليس هذا كنايةً عن الزنا، وإلا كان عقوبتهن الرجم
دون الضرب.
((فإن فعلن ذلك))؛ أي: الإيطاء المذكور.
((فاضربوهن ضرباً غير مبرح)»؛ أي: غير جارح.
((ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف))؛ أي: باعتبار حالكم غنّى
وفقراً.
((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده))؛ أي: بعد تركي إياه فيكم ((إن
اعتصمتم))؛ أي: إذا عملتم ((به: كتاب الله)) - بالنصب - بدل أو بيان لـ (ما): في
التفسير بعد الإبهام تفخيمٌ لشأن القرآن، ويجوز بالرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف.
((وأنتم تُسألون عني)) - بصيغة المجهول - عطفٌ على مقدَّر وهو: قد
بلغت ما أُرسلت به إليكم، يعني: سألكم ربكم يوم القيامة أن محمداً - عليه
الصلاة والسلام - هل بلغكم ما أُرسلتُ به؟ .
((فما أنتم قائلون)) في ذلك اليوم؟ .
((قالوا: نشهد أنك قد بلغت)) الرسالة، ((وأديت)) الأمانة، ((ونصحت))
أمتك.
((فقال بإصبعه السبابة))؛ أي: أشار بها ((يرفعها)) حال من فاعل (قال)؛
أي: رافعاً إياها، أو من (السبابة)؛ أي: مرفوعة.
((إلى السماء وينكِّبُها)) بالباء الموحدة بعد الكاف، من (النَّكَب) بالتحريك:
الميل؛ أي: يُميلها ((إلى الناس: اللهم اشهد))؛ أي: على عبادك فإنهم قد أقرُّوا
بأنِّي قد بلَّغتُ إليهم رسالتك، ((اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات)).
(ثم أَذَّن بلال، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلى العصر))؛ أي: جمع
٢٦٤

بينهما ((ولم يصل بينهما شيئاً) من السنن والنوافل كيلا يَبْطُلَ الجمع؛ لأن
الموالاة بين الصلاتين واجبة.
(ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات))
يريد بها اللاصقة بصفح الجبل، وهو موقف الإمام، وكان وثيقهـ ـ يتحرى الوقوف
به .
((وجعل جبل المشاة)): اسم موضع من الرمل مرتفعة كالكثبان، وقيل:
الجبل: الرمل المستطيل، وإنما أضافها إلى المشاة لأنه لا يقدر أن يصعد إليها
إلا الماشي.
(بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وأردف
أسامة))؛ أي أركبه ((خلفه ودفع))؛ أي: ذهب ((حتى أتى المزدلفة)) وهي منزلةٌ
بين منى وعرفة، سميت بها لمجيء الناس إليها في زلف من الليل.
((فصلى بها المغرب والعشاء بآذان وإقامتين ولم يسبح بينهما))؛ أي: لم
يصلِّ بين المغرب والعشاء ((شيئاً): من السنن والنوافل.
((ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان
وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام)) سمي به لأنه مَعْلَمٌ للعباد،
والمشاعر: المعالم التي ندب الله تعالى إليها وأمر بالقيام عليها.
((فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلَّله ووخَّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر
جداً)؛ أي: أضاء الفجر إضاءة تامة .
((فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس ﴿))؛ أي: أركبه
خلفه ((حتى أتى بطن محسِّر)) بكسر السين المشددة: وادٍ معترضٌ للطريق يقطعها
عرضاً، التحسُّر: الإعياء، سمي هذا الموضع به لإسراع الركاب والمشاة فيه.
«فحرك»؛ أي: طرد ناقته.
٢٦٥

((قليلاً))؛ أي: تحريكاً قليلاً، وأسرع إلى منى لأداء العبادات المأمورة بها
فيها .
«ثم سلك))؛ أي: مشی.
((الطريق الوسطى)) هو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات.
((التي تخرج على الجمرة الكبرى، ثم أتى الجمرة التي عند الشجرة
فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف)) بالخاء
والذال المعجمتين: الرمي برؤوس الأصابع.
((فرمى من بطن الوادي ثم انصرف))؛ أي: رجع من جمرة العقبة ((إلى
المنحر، فنحر ثلاثاً وستين)) بدنة ((بيده)) كأنه قصد به أن ينحر عن كل سنة من
سني عمره بيده بدنة.
((ثم أعطى علياً فنحر ما غبر))؛ أي: ما بقي، والباقي كان سبعةً وثلاثين
تمام المئة .
((وأشركه))؛ أي: النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - علياً ((في هديه))؛ أي:
أعطاه بعض الهدايا لينحره عن نفسه؛ لأنه لم يكن له هديٌّ في تلك الحجة.
((ثم أمر من كل بدنة ببضعة)) بفتح الباء الثانية؛ أي: بقطعة من اللحم.
((فجعلت في قِدْرٍ فطُبخت، فأكلا من لحمها)) الضمير يعود إلى القِدْرِ،
ویحتمل أن يعود إلى الهدايا.
((وشربا من مرقها)) يدل على جواز الأكل من هدي التطوع.
((ثم ركب رسول الله ◌َفي فأفاض إلى البيت))؛ أي: مشى إلى الكعبة
لطواف الفرض.
(فصلى بمكة الظهر فأتى على بني عبد المطلب))؛ يعني: عباس بن
٢٦٦

عبد المطلب ومتعلَّقيه.
((وهم يسقون على زمزم))؛ أي: ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون
الناس.
((فقال: انزعوا بني عبد المطلب)) بحذف النداء، دعاء لهم بالقوة على
النزع والاستقاء، يريد أن هذا العمل - أي: النزع - عمل صالح مرغوب فيه لكثرة
ثوابه .
((فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم))؛ يعني: لولا مخافةُ كثرة
الازدحام عليكم بحيث يؤدي إلى إخراجكم عنه رغبة في النزع ((لنزعت معكم،
فناولوه))؛ أي: أعطوه ((دلواً فشرب منه)) فصار الشرب منه سنةً.
١٨٤٢ - وقالت عائشة رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رسول اللهِ وَّهِ فِي
حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ فقالَ
رسُولُ اللهِوَ﴾: ((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى
فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُما)).
وفي روايةٍ: ((فلا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بنحْرٍ هَذْبِهِ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ
حَجَّهُ».
وقالَتْ: فَحِضْتُ، ولَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ
حائِضاً حتَّى كانَ بَوْمُ عَرَفَةَ، ولَمْ أُهِلَّ إلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَّنِي النَّبِيُّ نَّهِ أَنْ أَنْقُضَ
رَأْسي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بالحَجِّ، وأَتْرُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ حتَّى قَضَيْتُ حَجَّتي،
بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحمنِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكانَ عُمْرَّتِي مِنَ
التَّنْعِيمِ، قالت: فَطَافَ الذينَ كانُوا أَهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبيتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ،
٢٦٧

ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافً بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى، وأَمَّ الذينَ جَمَعُوا الحَجَّ
والعُمْرَةَ فإنَّما طافُوا طَوَافً واحِداً.
((وقالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في
حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهلَّ بحجة، فلما قدمنا مكة قال
رسول الله ◌َي: من أهل بعمرة ولم يُهْدِ))؛ أي: لم يكن معه هديٌّ («فليَحْلِلَ،
ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى)؛ أي: كان معه هدي ((فليُهِلَّ بالحج مع العمرة))؛
أي: فليُدْخِل الحجَّ في العمرة ليكون قارناً.
(ثم لا يَحِلَّ حتى يَحِلَّ منهما))؛ يعني: لا يَخْرُج من الإحرام ولا يَحِلُّ له
شيء من المحظورات حتى يُتم أفعال الحج والعمرة جميعاً.
((وفي رواية: فلا يحلَّ حتى يحلَّ بنحر هديه))؛ أي: حتى يأتي يوم العيد،
فإنه لا يجوز نحر الهدي قبله، ((ومن أهل بحج فلیتم حجه)).
((قالت: فحضتُ ولم أَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فلم أزل
حائضاً حتى كان يوم عرفة ولم أُهلَّ إلا بعمرة، فأمرني رسول الله مل﴿ أن أنقض
رأسي وأمتشط))؛ أي: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة، وأتركها باستباحة
المحظورات من التمشُّط وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب
الحيض.
(أهلَّ بالحج))؛ أي: أمرني أن أُحرم بالحج ((وأترك العمرة، ففعلت
حتى قضيت حجي فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر مكان
عمرتي))؛ أي: بدلها، نصبٌ على المصدر.
((من التنعيم)): موضع قريبٌ من مكة بينها وبينه فرسخ، وبهذا تمسُّك أبو
حنيفة رحمه الله.
وقال الشافعي: ليس معناه أنه عليه الصلاة والسلام أمرها بترك العمرة
٢٦٨

رأساً، بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي وإدخال الحج في العمرة
لتكون قارنة، وأما عمرتُها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوُّعاً لتطبيب نفسها؛
لئلا تظن لحوق نقصانٍ بترك أعمال عمرتها .
((قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة))؛ أي: الذين أفردوا العمرة عن
الحج.
(بالبيت وبين الصفا والمروة))؛ يعني: طافوا طوافاً للعمرة.
(ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافاً) للحج في يوم النحر.
«بعد أن رجعوا من منی)) إلى مكة.
((وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً، يوم النحر
لهما جميعاً، وعليه الشافعي، وعندنا: يلزم القارنَ طوافان: طوافٌ قبل الوقوف
بعرفة للعمرة، وطوافٌ بعده للحج.
١٨٤٣ - وقال عبدالله بن عُمر: تَمَتَّعَ رسولُ اللهِ وَلِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ
بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فساقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ
أَهَلَّ بالحَجِّ فَتَمَثَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّلَهُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فكانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ
أَهْدَى، ومِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ وَهْ مَكَّةَ قالَ لِلنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ
أَهْدَى فإنَّهُ لاَ يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ
أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ،
ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى
أَهْلِهِ»، فَطَافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وأَسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أْوافٍ،
٢٦٩

ومشَى أرْبعاً، فَرَكَعَ حينَ قَضَى طَوافُهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ
فَأَنْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فطافَ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ
شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَذْئَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وأَفاضَ فطافَ بِالبَيْتِ،
ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وفعَلَ مِثْلَ ما فعلَ رسولُ اللهِ مَنْ سَاقَ الهَديَ
مِنَ النَّاسِ .
((وقال عبدالله بن عمر: تمتع رسول الله ◌َ﴾ في حجة الوداع بالعمرة إلى
الحج، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج،
فتمثَّع الناس مع النبي عليه الصلاة والسلام بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس
من أهدى، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام مكة قال
للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يَحِلُّ من شيء حرمَ منه حتى يقضي حجه،
ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ ولْيَحِللْ،
ثم ليُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ))؛ أي: يلزمه هديُ التمتّع لتقديمه العمرة على الحج في
أشهره.
((فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج)) قبل يوم النحر ((وسبعة إذا
رجع إلى أهله)).
(فطاف))؛ أي: النبي ◌َّ﴾ للقدوم ((حين قدم مكة، واستلم الركن))؛ أي:
مسح الحجر الأسود بيده.
((ثم خب ثلاثة أطواف))؛ أي: أسرع في المشي في ثلاث مرات إظهاراً
للجلادة والرجولية من نفسه ومِمَّن معه من الصحابة؛ كيلا يظنَّ الكفار أنهم
عاجزون ضعفاء.
((ومشى أربعاً))؛ أي: مشى على السكون في أربع مرات.
((فركع))؛ أي: فصلى ((حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم
٢٧٠

سلم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف(١)، ثم لم
يحل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف
بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسولُ الله ◌َِلِ مَن
ساق الهدي من الناس)).
١٨٤٤ - وعن ابن عبّاسِ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((هذِهِ عُمْرَةٌ
ء
اَسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، فإِنَّ العُمْرَةَ قَدْ
دَخَلَتْ فِي الحَجِّ إلى يَوْمِ القيامَةِ».
((وعن ابن عباس ) أنه قال: قال رسول الله صلى: هذه عمرة استمتعنا
بها)) استَدَلَّ به مَن قال: إنه عليه الصلاة والسلام كان متمتعاً، فمعناه: أنه استمتع
بأن قدَّم العمرةَ على الحج، واستباح محظورات الإحرام بعد الفراغ من العمرة
حتى يحرم بعد ذلك بالحج، ومن قال: إنه كان قارناً، أوَّلَ قولَه: (استمتعنا)
بأن: استَمْتَعَ من أمرتُه من أصحابي بتقديم العمرة على الحج، فأضاف فعلهم
إلى نفسه لأنه هو الآمر.
((فمن لم يكن عنده الهدي فليَحِلَّ الحلَّ كلَّه)) تأكيد له؛ أي: فليَجْعَلَ
حلالاً على نفسه جميعَ ما حلَّ له قبل الإحرام بالعمرة بعد الفراغ من أفعالها .
((فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة))؛ يعني: إن دخولها فيه
في أشهُره لا يختص بهذه السنة، بل يجوز في جميع السنين.
(١) في ((ت)) و(غ)): ((أشواط)).
٢٧١

٤ -.
دُخُولِ مَكَّةَ والطّواف
(باب دخول مكة والطواف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٤٥ - قال نافع: إنَّ ابن عُمَرَ ﴾ كانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلاَّ باتَ بذِي طُوَى
حتَّى يُصْبِحَ، ويَغْتَسِلُ، ويَدْخُلُ مَكَّةَ نهاراً، وإذا نَفَرَ مَرَّ بذِي ◌ُوَّى، وباتَ بها
حتَّى يُصْبِحَ، ويَذْكُرُ أنَّ النَّبِيّ ◌َِّ كَانَ يفعلُ ذلك.
((من الصحاح)) :
((قال نافع: كان ابن عمر ﴾ لا يَقْدَمُ مكة إلا بات بذي طُوى)) بضم الطاء
وفتحها: اسم موضع بمكة داخل الحرم، وقيل: اسم بئر عند مكة في طريق أهل
المدينة، يعني: أنه كان إذا وصل إلى ذلك الموضع ليلاً لم يدخل مكة، بل بات
فيه .
((حتى يصبح ويغتسل فيه فيدخل مكة نهاراً)؛ فالأفضل أن يدخلها نهاراً؛
لیری البیت من البعید ويدعو .
((وإذا نفر منها))؛ أي: رجع من مكة («مر بذي طُوى وبات بها حتى
يصبح، ويذكر)) عطف على خبر (كان)؛ أي: كان ابن عمر يجمع هذه الأفعال
ويذكر ((أن نبي الله وَل ﴿ كان يفعل ذلك)).
١٨٤٦ - وقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ النَّبِيَّ نَه لمَّا جَاءَ إلى مَكَّةَ
دَخَلَها مِنْ أَعْلاَها وخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
٢٧٢

((وقالت عائشة رضي الله عنها: إن النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا جاء إلى
مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها))، فيكون ذلك سنَّة.
١٨٤٧ - عن عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ، فَأَخْبَرَتْنِي عائشةُ رضي
الله عنها أنَّ أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ حينَ قَدِمَ أَنَّهُ توضَّأَ، ثُمَّ طافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ ﴾ فكانَ أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ الطَّوافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ
عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذلك.
((وقال عروة بن الزبير: قد حج النبي - عليه الصلاة والسلام - فأخبرتني
عائشة رضي الله عنها: أنه)) الضمير للشأن «أولُ شيء بدأ به حين قدم))؛ أي:
قدم مكة ((أنه توضأ) فالجملةُ المنعقدةُ من المبتدأ والخبر مفسِّرةٌ لضمير الشأن،
أو عائدٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالجملة خبر (أنَّ)، ويجوز أن ينصب
(أول) على الظرفية بعاملٍ مضمر، فتكون (أنَّ) الثانية بدلاً من الأولى، وفي
بعض النسخ: (أنَّ أول شيء).
(ثم طاف بالبيت)) يدل على استحباب طواف القدوم كتحية المسجد.
(ثم لم تكن عمرةٌ)) كذا رواه البخاري، (كان) تامة؛ أي: ثم لم يوجد بعد
الطواف عمرةٌ، فيكون من كلام عروة.
(ثم حج أبو بكر ﴾، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن
عمرةٌ، ثم عمر، ثم عثمان ﴾، مثل ذلك))، وفي رواية مسلم: (ثم لم يكن
غيَّره) بالغين المعجمة والياء المشددة؛ أي: (ثم لم يكن) بعد الطواف (غيّره)؛
أي: لم يغير الحجَّ، ولم ينقله، ولم يفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران.
٢٧٣

١٨٤٨ - وقال ابن عمر: كانَ رسولَ اللهِوَّهِ إذا طَافَ في الحَجِّ أو العُمْرَةِ
أَوَّلَ ما يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أَطْوافٍ، ومشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجِدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ
بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
((وقال ابن عمر : كان رسول الله رضي إذا طاف في الحج أو العمرة أول
ما يقدم)) بنصب (أول) على الظرفية؛ أي: في أول قدومه.
((سعى ثلاثة أطواف))؛ أي: أسرع بالمشي فيها.
((ومشى)) على السكون.
((أربعة، ثم سجد سجدتين))؛ أي: صلى ركعتين، ((ثم يطوف بين الصفا
والمروة)» .
١٨٤٩ - وقال: رَمَلَ رَسولُ اللهِ وَهِ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثاً، ومَشى
أَرْبَعاً، وكانَ يَسْعَى بين المِيْلَيْنِ بَطْنَ المَسِيلِ إذا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
((وقال))؛ أي: الراوي: ((رمل رسول الله وَ﴾ من الحجر إلى الحجر))؛
أي: ابتدأ من الحجر الأسود وأسرع في مشيه حتى وصل إليه، فعل ذلك ((ثلاثاً،
ومشى أربعاً) يدل على استحباب الرَّمَل في الثلاثة الأُول والهِينة في الأربعة
الأخيرة.
((وكان يسعى ببطن المسيل)): اسم موضع بين الصفا والمروة.
((إذا طاف بين الصفا والمروة))؛ يعني: إذا نزل من الصفا يمشي على السكون
حتى وصل أول بطن المسيل، ثم سعى سعياً شديداً حتى وصل إلى آخره.
٢٧٤

١٨٥٠ - وقال جَابرٍ له: إنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الحَجَرَ
فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى على يمينِهِ، فَرَمَلَ ثَلاثَاً، ومشَى أَرْبَعاً.
(وقال جابر﴿ه: إن رسول الله ** لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ثم
مشى على يمينه))؛ أي: يمين الحجر الأسود، يعني: دار حول الكعبة بحيث
جعل الكعبة على يساره، «فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً).
١٨٥١ - وسُئِلَ ابن عُمر عَنْ اسْتِلاَمِ الحَجَر، قال: رَأَيْتُ رسولَ الله وَّل
يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبلُهُ.
((وسئل ابن عمر عن استلام الحجر فاستلمه وقال: رأيت رسول الله والخيول
يستلمه ويقبله)) والاستلام: أن يتناوله بلمس أو تقبيل أو إدراكِ بعضٍ، والحجر
للبيت بمثابة اليد اليمنى يَسُوغُ تقبيله للوافدين إليه تعظيماً له.
١٨٥٢ - وقال ابن عمر ﴾: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إلَّ الرُّكْنَيْنِ
الیَمَانِیَیْنِ.
((وقال ابن عمر ه لم أر النبيَّ عليه الصلاة والسلام يستلم من البيت إلا
الركنين اليمانيين)): هما الركن الأسود والركن اليماني، وإنما قيل: اليمانيان؛
للتغليب، خصَّهما بالاستلام لبقائهما على بناء إبراهيم، دون الركنين الآخرين
يقال لهما: الشاميان.
١٨٥٣ - وقال ابن عبّاسِ ﴾: طافَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ
٢٧٥

يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ .
((وقال ابن عباس # طاف النبي ◌َ﴿ في حجة الوداع على بعير يستلم
الركن)»؛ أي: الحجر الأسود.
((بمحجن))؛ أي: بعصاً معوجٌ الرأس مثل الصولجان.
١٨٥٤ - وعنه: أنَّ رسولَ اللهِوَلْ طَافَ بِالبَيْتِ على بَعِيرِ كُلَّمَا أَتَى على
الرُّكْنِ أَشَارَ بشيءٍ فِي يَدِهِ، وكَبَّرَ.
((وعنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام طاف بالبيت على بعير، كلما أتى
على الركن أشار بشيء في يده وکبرً))، الحديث يدل على جواز الطواف راكباً،
ولكن المشي أفضل.
١٨٥٥ - وعن أبي الطُّفَيْلِ ﴾ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَطُوفُ بِالبَيْتِ،
ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبلُ المِحْجَنَ.
((وعن أبي الطفيل أنه قال: رأيت رسول الله* يطوف بالبيت ويستلم
الركن بمحجن معه ويقبل المحجن))، وفيه من التعظيم ما ليس في تقبيل اليد؛
لأنه أقرب إلى التواضع، وأبعدُ من تهمة الترفُّع، وفيه دليل على أن العاجز عن
الاستلام بيده له ذلك بعصاً وسوطٍ ونحوِهما، وله تقبيل ذلك الشيء.
١٨٥٦ - وقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿ لا نَذْكُرُ إِلاَّ
٢٧٦

الحَجَّ، فلمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ :﴿ وَأَنَا أَبْكِي، فقالَ: ((لَعَلَّكِ
نَفَسْتِ؟ ))، قلتُ: نعم، قال: ((فإنَّ ذلكَ شيءٌ كَتَبَهُ الله على بناتِ آدَمَ، فَأَفْعَلِي
ما يَفْعَلُ الحَاجُ غَيْرَ أنْ لا تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)).
((وقالت عائشة رضي الله عنها: خرجنا مع النبي عليه الصلاة والسلام
لا نذكر إلا الحج؛؛ أي: لا ننوي ولا نُحرِمُ إلا بالحج.
((فلما كنا بسَرِف)) بفتح السين وكسر الراء المهملتين: اسم موضع بمكة
على ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: عشرة، وهو منصرِفٌ على تأويل المكان،
وغيرُ منصرفٍ على تأويل البقعة.
(طَمِثْتُ)) بفتح الطاء وكسر الميم؛ أي: حِضْتُ.
((فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وأنا أبكي، قال: لعلك نَفَسْتِ؟)) بفتح
النون و کسر الفاء؛ بمعنى: حضت.
((قلت: نعم، قال: فإن ذلك شيء كتبه الله تعالى على بنات آدم، فافعلي
ما يفعل الحاجُ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)) يدل على أن للحائض أن
تأتي بمناسك الحج إلا الطواف، فإنه لا يجوز بدون الطهارة.
١٨٥٧ - وقال أبو هريرةَ ﴾: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ﴾ في الحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ
النَّبِيُّ ◌َهَ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَلا لا
يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرٌِ، ولا يَطُوفُ بالبَيْتِ عُزْيانٌ.
((وقال أبو هريرة ﴾: بعثني أبو بكر ظه في الحجة التي أمَّره النبيُّ عليه
الصلاة والسلام عليها) بتشديد الميم؛ أي: جعله أميراً على القافلة في السنة
التاسعة ((قبل حجة الوداع)) بفتح الحاء وكسرها.
٢٧٧

(يوم النحر)) منصوب على الظرفية لـ (بعثني)، ((في رهط)) متعلِّق به .
(يؤذِّن)) بصيغة الغائب، والضمير راجع إلى الرهط باعتبار اللفظ، ويجوز
أن يكون لأبي هريرة على الالتفات؛ أي: يُعْلِم ((في الناس)) ويروى على صيغة
المتكلم .
((ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان)): وكانوا في
الجاهلية يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا فيها.
مِنَ الحِسَان :
١٨٥٨ - سُئِلَ جابر ◌ُ عَنِ الرَّجُلِ يَرى البَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قال: قد
حَجَجْنَا معَ رَسُولِ اللهَِّهِ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ.
((من الحسان)):
(سئل جابر ﴿ه عن الرجل يرى البيتَ)) حال من الرجل، وكذا ((يرفع
يديه، قال: قد حججنا مع رسول الله وَلثر فلم يكن يفعله))؛ أي: لم يكن
النبي ◌َ ﴿ يرفع يديه عند رؤية الكعبة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ومالك
رحمهم الله تعالی.
١٨٥٩ - عن أبي هُرَيرةَ﴿ه قال: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ بَّهِ فدخلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ
إلى الحَجَرِ فَأَسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَاهُ حَتَّى يَنْظُرَ إلى
البَيْتِ، فرفعَ يَدَئِهِ، فجعَلَ يذكُرُ الله ما شاءَ ويدعُو.
((وعن أبي هريرة له أنه قال: أقبل رسول الله : ﴿ فدخل مكة، فأقبل إلى
٢٧٨

الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعَلاَه حتى ينظر إلى البيت،
فرفع يديه فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو)): وبهذا قال أحمد وسفيان الثوري.
قال: قال رسولُ اللهِ مَاءِ: ((الطَّوَافُ حَوْلَ
١٨٦٠ - عن ابن عبّاسِ
البَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ إلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فيهِ فلا يَتَكَلَّمَنَّ إلاَّ بِخَيْرٍ))،
ووقفَه الأكثرون على ابن عباس.
((وعن ابن عباس ﴾ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الطواف حول
البيت مثل الصلاة))؛ أي: في وجوب الطهارة عن الحدث والخبب وستر
العورة .
((إلا أنكم تتكلمون فيه)) يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً؛ أي: إلا في
التكلم، وأن يكون منقطعاً؛ أي: لكن رخِّص لكم التكلُّم فيه.
«فمن تكلم فيه فلا یتکلمن إلا بخير»
«وقفه الأكثرون علی ابن عباس)).
١٨٦١ - وعن ابن عبّاس﴾ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((نَزَلَ الحَجَرُ
الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بني آدَمَ))، صحيح.
((وعن ابن عباس ﴾ أنه قال: قال رسول الله وَله: نزل الحجر الأسود من
الجنة)) وفي بعض النسخ: (حجر الأسود) بالإضافة، فيكون من باب إضافة
الصفة إلى الموصوف، وهذا يجوز حمله على ظاهره، ويجوز التأويل بأنه أراد
به مشاركته لجواهر الجنة في الكرامة کأنه نزل منها .
٢٧٩

((وهو أشد بياضاً من اللبن))؛ يعني: أنه كان من الصفاء والنورانية على
هذا النعت .
((فسوَّدته خطايا بني آدم)) معناه: ذنوب الزائرين بيت الله انتقلت منهم إلى
الحجر فصار أسود، كما جاء في الحديث: ((إن مسح الحجر الأسود ينفي
الذنوب)) وهذا شيء يقبله المؤمن بالإيمان تصديقاً لقوله عليه الصلاة والسلام،
وفيه تنبيهٌ على أن الخطايا تؤثر في الجماد فتجعلُ المبيضَّ منه مسوداً، فكيف
بقلوبكم؟ ! .
((صحيح)).
*
*
١٨٦٢ - وعنه قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ فِي الحَجَرِ: ((والله لَيَبْعَثَنَّهُ الله يَوْمَ
القِيامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، ولِسانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ على مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ،
وعلى مَنِ استلَمَهُ بغير حقٍّ».
((وعنه أنه قال: قال رسول الله وَلي في الحجر: والله ليبعثنه الله يوم القيامة
له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به يشهد على مَن استلمه)» (على) هاهنا بمعنى
اللام.
((بحق))؛ أي: بتعظيم وإحترام.
((وعلى من استلمه بغير حق))؛ أي: باستهزاء واستخفاف، والنطقُ - بعد
أن كان جماداً لا حياة فيه - ليميز بين المشهود له وعليه من زوَّاره، ولا امتناع فيه
لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات.
٢٨٠