Indexed OCR Text

Pages 501-520

كِتَابُ الصَّوْمِ
(٧)
٥٠١

(٧)
كتاب الصوم
(كتاب الصوم)
١- بل
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٩١ / م - قال رسولُ اللهِ﴾: ((إذا دَخَلَ رَمضانُ فُتِحَتْ أَبْوابُ
السَّماءِ)).
وفي رواية: ((فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبُوابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتْ
الشَّياطينُ)).
وفي روايةٍ: ((فُتِحِتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ)).
((من الصحاح)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
دخل رمضان فُتِحت أبوابُ السماء)»: فتحُ أبوابها كنايةٌ عن تواتر نزول الرحمة
والمغفرة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارةً ببذل التوفيق، وتارةً بحسن
القَبولِ عنهم .
((وفي رواية: فتحت أبواب الجنة)): فتح أبوابها كناية عن فعل ما يؤدي
ويهيأ إلى دخولها.
٥٠٣

((وغلقت أبواب جهنم)): تغليق أبوابها كناية عن انتفاء ما يُدخِل إليها؛ إذ
الصائمُ يتنزَّه عن كبائر الذنوب، ويُغفَرُ له ببركة الصيام صغائرها.
((وسلسلت الشياطين)): كناية عن امتناع تسويل النفوس، واستعصائها عن
قَبولِ وساوسهم؛ إذ بالصوم تنكسر القوة الحيوانية التي هي مبدأ الشهوة
والغضب الداعيين إلى أنواع المعاصي، وتنبعث القوة العقلية إلى الطاعات.
((وفي رواية: فتحت أبواب الرحمة)).
١٣٩٢ - وقال: ((في الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوابٍ، فيها بابٌ يُسَمَّى الرََّّان لا يَدْخُلُهُ
إِلَّ الصَّائِمُونَ».
((وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
للجنة ثمانيةُ أبواب، منها بابٌ يسمَّى الريان، لا يدخلُهُ إلا الصائمون)).
١٣٩٣ - وقال: ((مَنْ صَامَ رمضانَ إِنْماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِنْماناً وَاحْتِساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، ومَنْ قامَ لَيْلَةَ
القَدْرِ إِنْماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْهِ».
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من
صام رمضان إيماناً))؛ أي: تصديقاً لثوابه.
((واحتساباً)؛ أي: إخلاصاً، نصبهما على الحال، أو على أنه مفعول له.
((غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان))؛ أي: أحيا لياليه بالعبادة غير
ليلة القدر تقديراً، أو معناه: أذَّى التراويح فيها ((إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم
٥٠٤

من ذنبه، ومن قام ليلة القدر))؛ أي: أحياها مجردة عن قيام رمضان ((إيماناً
واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)).
١٣٩٤ - وقال: ((كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها إلى
سَبْعِمائَةِ ضِعْفٍ، قال الله تعالى: إلَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لي، وأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ
شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلي)).
وقال: ((للصائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبَهِ،
ولَخُلوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تعالى مِنْ رِيْحِ المِسْكِ، والصِّيامُ جُنَّةٌ، فَإِذا
كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ؛ فلا يَرْفُثْ، وَلاَ يَصْخَبْ، فإنْ سَابَهُ أَحَدٌ أَوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ:
إِنِّي آمْرُزٌ صائِمٌ)) .
(وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كلُّ
عمل ابن آدم))؛ أي: كل عمل صالح لابن آدم.
(يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها))، وقد يُزاد ((إلى سبعة مئة ضعف)):
والضعف المثل؛ لقوله تعالى: ﴿َثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ
أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِ كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْتَّةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وسبب الزيادة إليها؛ إما لكمال إخلاص نية المتصدق، وإما لشدة
استحقاق الفقير، وقد يزاد عن سبع مئة ضعف، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ
لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
((قال الله تعالى: إلا الصومَ، فإنه لي))؛ أي: لم يشاركني فيه أحد، ولا عُبدَ
به غيري، وهذا لأن جميع العبادات التي يَتقرَّب بها إلى الله تعالى قد عَبَدَ بها
المشركون آلهتهم، ولم يُسمع أن طائفة منهم عبدت آلهتها بالصوم، ولا تقربت به
٥٠٥

إليها في عصر من الأعصار، فلذا قال تعالى: الصوم لي.
((وأنا أجزي به)): وأتولى الجزاء عليه على قدر اختصاصه بي، فإن الصوم
عمل خالص، قلَّما يطلع عليه غيرُ الله.
(يدع شهوته))؛ أي: يترك ما اشتهته نفسه من اللذات.
((وطعامه من أجلي، وقال: للصائم فرحتان)): الفَرْحة: فَعْلة للمرة من
الفرح.
((فرحة عند فطره))، وذلك إما سروره بالأكل والشرب؛ فإن نفس الإنسان
تفرح بهما بعد الجوع والعطش، وإما سروره بما وُفُقَ له من إتمام الصوم
الموعود عليه الثواب الجزيل.
((وفرحة عند لقاء ربه)) يوم القيامة، وإعطائه جزاءً صومه، يفرح فرحاً
لا یبلغ أحد کنھه .
(ولخُلُوف فم الصائم)) بضم الخاء المعجمة: ما تخلف بعد الطعام في
الفم من رائحة كريهة؛ بخلاء المعدة منه.
((أطيب))؛ أي: أرضى وأحب ((عند الله من ريح المسك)) عندكم؛ لأن
رائحة فم الصائم من أثر الصوم، وهو عبادة يجزي الله تعالى بنفسه صاحبها .
((والصيام جنة))؛ أي: ترس يقي نفسه من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة،
فلا يوقع فيها، كما تقي الجنةُ السهمَ، أو هو جنة للصائم تقیه من النار.
((وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفثُ))؛ أي: لا يتكلم بكلام قبيح.
((ولا يصخبْ)): بالخاء المعجمة؛ أي: لا يرفع صوته بالهذيان، بل ليكن
صائماً من جميع المناهي .
((فإن سابَّه أحدٌ))؛ أي: شتمه، ((أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم))؛ أي:
٥٠٦

يقول لصاحبه باللسان يرده به عن نفسه، أو يقول في نفسه؛ أي: ليتفكر في نفسه
أنه صائم، فلا يخوض معه بمكافأته على شتمه؛ لئلا يُحبط أجرُ تحمله، وثواب
عمله .
مِنَ الحِسَان:
١٣٩٥ - قال: ((إذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ
وَمَرَدَةُ الجزِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْها بابٌ، وفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ
فَلَمْ يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي مُنادٍ: يا باغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وبَا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ،
ولِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ))، غريب.
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطينُ ومردةُ الجن)): جمع مارد،
وهو الشرير؛ أي: شُدُّوا بالأغلال؛ كيلا يوسوسٍ في الصائمين، ويحملوهم
على المعاصي.
(وغلقت أبواب النار، فلم يُفتَحْ منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم
يُغلق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغيَ الخير))؛ أي: يا طالبَ الثواب ((أقبل))؛
أي: ارجع وتعال واطلب الثواب بالعبادة؛ فإنك تُعطى ثواباً كثيراً بعمل قليل،
وذلك لشرف الوقت.
((ويا باغيّ الشرِّ أقصرْ))؛ أي: يا من سعى بالمعاصي اتركها، وتبْ وارجعْ
إلى الله تعالى.
((ولله عتقاء من النار))؛ أي: يعتق الله عباداً كثيراً من النار بحرمة هذا الشهر.
٥٠٧

((وذلك))؛ أي: هذا النداء ((يكون كلَّ ليلة)): من ليالي رمضان.
((غريب)).
٣- بل
رؤية الهلال
(باب رؤية الهلال)
مِنَ الصِّحِاحِ:
١٣٩٦ - قال رسول الله وَ﴾: ((لا تَصومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا
حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
وفي روايةٍ: ((فإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثينَ)).
((من الصحاح)):
((عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا تصوموا حتى تروا الهلالَ»: حتى تثبت عندكم رؤيته بشهادة عدلين، أو أكثر،
وتثبت بعدل واحد عند أبي حنيفة إذا كان في السماء غيمٌ، وعند الشافعي أيضاً
في أصح قوليه، وعند أحمد سواء كان في السماء غيم أو لا، وعند مالك
لا تثبت أصلاً.
((ولا تفطروا حتى تروه))؛ أي: تثبت رؤيته بشهادة عدلين، لا بأقل
بالاتفاق .
((فإن غُمَّ)؛ أي: خفي ((عليكم) الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وغُطِّي
بغيم، ((فاقدروا له))؛ أي: قدَّروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً، ثم
صوموا.
٥٠٨

ذهب بعض إلى أن المراد به التقدير بحساب القمر في المنازل؛ أي:
قدروا منازل القمر؛ فإنه يدلكم على أن الشهر تسعةٌ وعشرون أو ثلاثون.
((وفي رواية: إن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين)).
١٣٩٧ - وقال: ((صوموا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا
عِدَّةَ شَعبانَ ثلاثينَ)).
((وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
صوموا لرؤيته)): اللام للتوقيت، أو بمعنى: بعد؛ أي: صوموا لوقت رؤيته، أو
بعد رؤيته .
((وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين)): العدة
هنا: العدد، و(ثلاثین) بدل منه بدلَ الکل .
١٣٩٨ - وقال: ((إنَّ أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ، ولا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هكَذَا،
وهَكَذَا وهكَذَا، وعَقَدَ الإِبْهَامَ في الثَّالِثَةِ»، ثُمَّ قالَ: ((الشَّهْرُ هكذَا وهكَذَا
وهكَذَا)) يَعْنِي: تمامَ ثلاثين، يعني: مرَّةً تسعٌ وعِشرونَ، ومَرَّةً ثلاثونَ.
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا
أمة))؛ أي: جماعة.
((أمَّة)): نُسِبَ الأميُّ إلى أمة العرب؛ لأنهم لا يعرفون الكتابة، ولا
يقرؤون من الكتاب، فاستعير لكلِّ مَنْ لا يعرف الكتابة، ولا القراءة من كتاب.
وقيل: نُسِب إلى الأمّ على أنه باقٍ على الحال التي ولدته أمه.
٥٠٩

وقيل: إلى أمِّ القرى وهي مكة؛ أي: أمة مكية؛ أي: نحن جماعة العرب
((لا نكتب، ولا نحسب))؛ أي: لا نعرف الكتابة وحساب النجوم حتى نعتمد
على علم النجوم وسير القمر، ونعرف الشهر بذلك.
قال الخطابي: إنما صح إطلاق الأمي عليهم من قبل نبيِّهم، والقرن الذي
بُعِث فيه، فصار الآخر تبعاً للأول في النسبة، وإن كانوا يكتبون ويحسبون.
((الشهر هكذا)): أشار به إلى أصابعه العشرة، ((وهكذا، وهكذا، وعقد
الإبهام في الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا؛ يعني: تمام الثلاثين؛
يعني: مرة تسع وعشرون، ومرة ثلاثون)): بحسب ما يُرى الهلالُ، لا على
الترتيب والتعاقب فى ذلك
١٣٩٩ - وقال: ((شَهْرًا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الحِجَّةِ».
((وعن أبي بكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
شهرا عيدٍ لا ينقصان))؛ أي: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، بل إن نقصَ
أحدُهما تمَّ الآخر، وقيل: لا ينقصان في ثواب من يعظّمها ولو كان تسعاً
وعشرين، وقيل: أراد تفضيل ثواب عشر ذي الحجة بأنه لا ينقصُ أجره عن
رمضان، وقيل: أي: في الحكم، وإن نقصا في العدد.
((رمضان وذو الحجة))، وإنما سمي رمضان شهر العيد بطريق المجاورة.
١٤٠٠ - وقال: ((لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمضانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ إلَّ أَنْ
يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصوُ صَوماً فَلْيَصُمْ ذلِكَ اليَوْمِ».
((عن أبي هريرة # أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
٥١٠

لا يتقدمنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يوم أو يومين)»، وإنما نهى عنه حذراً عن التشبه
بأهل الكتاب، وقيل: ليشرع في صوم رمضان بنشاط، ولا يثقل عليه صومه،
وقيل: لئلا يختلط صوم النفل بالفرض.
((إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً، فليصمْ ذلك اليوم)): الحديث يدل
على صحة صوم يوم الشك إن وافق نذراً أو قضاءً أو ورداً؛ لأن فيه ضرورة؛ لأن
القضاء والنذر فرضٌ، وتأخيرُهُ غيرُ مرضي، وأما الوِرْدُ فتركه أيضاً شديدٌ عند مَنْ
ألِفَ به؛ لأن أفضل العبادة أدومُها .
مِنَ الحِسَان :
١٤٠١ - قال رَ﴾: ((إذا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلا تَصُومُوا)).
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
انتصف شعبانُ))؛ أي: إذا مضى النصف الأول منه، ((فلا تصوموا)): وهذا
لیستریحَ من الصوم، ویکون له نشاط لصوم رمضان.
١٤٠٢ - وقال ◌َ﴾: «أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ)).
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
أَحصُوا هلالَ شعبان لرمضان)): بفتح الهمزة: أمرٌ من (الإحصاء) وهو: العد؛
أي: عدوا أيامه لتعلموا دخول رمضان.
٥١١

١٤٠٣ - وقالتْ أُمُّ سلمَةَ: ما رَأَيْتُ النَّبيَّ ◌َهِ يَصومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ إلَّ
شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
((وقالت أم سلمة: ما رأيت النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم يصوم
شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان)) .
١٤٠٤ - وقال عمَّار بن ياسِر ◌ُه: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الذي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ
عَصَى أبا القَاسِمِ ◌َ﴾.
((وقال عمَّار بن ياسر: من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقد عصى أبا
القاسم)»: محمولٌ على أن صامه ناوياً أنه من رمضان.
١٤٠٥ - عن ابن عبّاس ﴾ قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ◌َّ فقال: إنِّي
رَأَيْتُ الهِلالَ - يعني: رمضان -، قال: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إله إلاَّ الله؟))، قال: نَعَمْ،
قال: ((أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله؟))، قال: نَعَمْ،. ((قال: يا بِلالُ! أَذِّنْ في
النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً).
((عن ابن عباس أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام،
فقال: إني رأيت الهلال؛ يعني: هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟
قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال! أذِّنْ
في الناس فلْيصومُوا غداً): هذا يدل على أن الإسلام شرطٌ في الشهادة، وعلى
أن الرجل إذا لم يعرف فِسْقُهُ تقبَلُ شهادته، وعلى أن شهادة الواحد مقبولة في
هلال رمضان .
٥١٢

١٤٠٦ - عن ابن عُمر ◌ّه قال: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلالَ، فَأَخْبَرْتُ
رسولَ اللهِ وَّهِ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسِ بِصِيامِهِ.
((وعن ابن عمر أنه قال: تراءى الناس الهلال)): الترائي: أن يرى بعضُ
القوم بعضاً، والمراد: اجتماعهم لطلب الهلال.
((فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام: أني رأيته، فصام، وأمر الناس
بصيامه» .
فصل
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٤٠٧ - عن أنسِ ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((تَسَخَّرُوا، فإنَّ في
السُّحُورِ بَرَكٌ)).
(من الصحاح)):
((عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
تسخَّروا))؛ أي: كلوا الطعام في السحر، وهو ما قَبْل الصبح.
((فإن في السَّحور)): وهو بفتح السين: ما يُتسخَّر به، وبضمها: المصدر
والفعل نفسه .
(بركة)): وهي الزيادة في الخير، وهذه الزيادة تكون في قوة البدن على
المعنى الأول، وفي الثواب على المعنى الثاني؛ لأن الأجر في الفعل بإتيان
السنة، لا بنفس الطعام.
٥١٣

١٤٠٨ - وقال: ((فَصْلُ ما بَيْنَ صِيامِنَا وصِيامِ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»،
رواه عمرو بن العاص.
((عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب)): الفصل بالصاد المهملة:
الفرق.
((أَكلَةُ السَّحر)) بضم الهمزة: اللقمة؛ يعني: كان الطعام والشراب والجماع
حراماً على بني إسرائيل ليلة صيامهم بعد النوم، وكذا كان الحكم في بدء
الإسلام، ثم أذن الله بهذه الأشياء ما لم يطلع الصبح.
١٤٠٩ - وقال: ((لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ))، رواه سَهْل بن
سَعْد.
((عن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ)): (ما) للدوام؛ أي: ما داموا يحفظون هذه
السنة، وهذا لأن في تعجيل الفطر مخالفة أهل الكتاب؛ فإنهم يؤخِّرونه إلى
اشتباك النجوم.
١٤١٠ - وقال: ((إذا أَقبلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا،
وغَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ)).
((وعن عمر ﴾ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
أقبل الليل من هاهنا)): إشارة إلى المشرق؛ لأن الظلمة تظهر أولاً من ذلك
٥١٤

الجانب، ((وأدبر النهار))؛ أي: ذهب ضوؤه ((من هاهنا)) إشارة إلى المغرب،
((وغربت الشمس)): هذا لبيان كمال الغروب؛ لئلا يُظَنَّ جوازُ الإفطار بغروب
بعض الشمس.
((فقد أفطر الصائم))؛ أي: صار مفطراً حُكماً، وإن لم يفطر حساً، بدليل
أنه يحتاج إلى نية صوم الغد، وإن لم يأكل ولم يشرب شيئاً.
١٤١١ - وقال أبو هريرة : نَهَى رسُولُ اللهِ وَلَّهُ عَنِ الوِصَالِ في
الصَّوْمِ، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ الله!، قال: ((وَأَيَّكُمْ مِثلي؟، إنِّي
أَبِيتُ عِنْدَ رَبِي يُطْعِمُني ويَسْقِينِي)).
((وقال أبو هريرة: نهى النبي - عليه الصلاة والسلام - عن الوِصالِ في
الصوم)): وهو تتابع الصوم من غير إفطار بالليل، نهى النبي - عليه الصلاة
والسلام - عنه؛ لإضعافه، وللعجز عن المواظبة على كثير من وظائف العبادات.
((فقال له رجل: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيتُ
بطعمني ربي ويسقين))؛ أي: يعينني على الصوم، ويعطيني القوة على الوصال،
فيكون ذلك لي بمنزلة الطعام والشراب لكم.
أو المراد: يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمهما؛ تكريماً وتشريفاً
له.
مِنَ الحِسَان:
١٤١٢ - عن حَفْصَة رضي الله عنها، عن النبيِّوَِّ قال: ((مَنْ لَمْ يُجْمِعِ
الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ فَلاَ صِيَامَ لَهُ»، ويُروى موقوفاً على حَفْصَةَ.
٥١٥

((من الحسان)):
((عن حفصة، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: مَنْ لم يُجمِعِ
الصيامَ))؛ أي: لم يعزمه؛ يعني: من لم ينوِ الصومَ.
((قبل الفجر، فلا صيامَ لـ)»: اتفقوا على أن الصوم المفروض قضاءً وكفارةً
ونذراً مطلقاً لا يصحُّ بدون النية قبل الفجر، وكذا صوم رمضان والنذر المعين
عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة يجوز نيته بعد الصبح وقبل الزوال.
((ويروى موقوفاً على حفصة)) رضي الله عنها.
١٤١٣ - وقال: ((إذا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ والإناءُ في يَدِهِ؛ فلا يَضَعْهُ حَتَّى
يَقْضِيَ حاجَتَهُ مِنْهُ».
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
سمع النداء))؛ أي: أذان الصبح.
((أحدكم والإناء في يده فلا يضعه))؛ أي: الإناء بسماع النداء ((حتى يقضي
حاجته منه)) بالأكل والشرب، وهذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، وأما إذا علم أنه
قد طلع أو شك فلا.
١٤١٤ - وقال: ((قال الله تعالى: أَحَبُّ العِبادِ إليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً).
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قال
الله تبارك وتعالى: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً)؛ أي: أكثرهم تعجيلاً في
الإفطار، ولعل سبب محبته تعالى إياه؛ لطاعته سنة رسول الله صلى الله تعالى
٥١٦

عليه وسلم؛ ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤدِّيها عن حضور قلب وطمأنينة نفس،
ومن كان بهذه الصفة، فهو أحبُّ إلى الله تعالى ممن لم يكن كذلك.
١٤١٥ - وقال: ((إذا أَفْطَرَ أَحَدُكُم فَلْيُفْطِرْ على تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فإنْ لَمْ
يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ على ماءٍ، فإنَّهُ طَهُورٌ» .
((وعن سلمان بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: إذا أفطر أحدكم، فليفطر على تمر؛ فإنه بركة)): فالأولى أن تحال علته
إلى النبي وَ﴿، وأما ما يجري في الخاطر أن التمر حلو وقوت، والنفس قد تعبت
بمرارة الجوع، فأمر الشارعُ إزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو.
((فإن لم يجد فليفطر على ماء؛ فإنه طهور)) يزيل أيضاً تعب العطش عن
النفس.
١٤١٦ - وقال أَنَسُّ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ
لم تَكُنْ فَتُمَيْرَاتٍ، فإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ ماءِ»، غريب.
((وقال أنس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفطرُ قبل أن
يصليَ على رُطَبات، فإن لم تكن فتُمَيْرات، فإن لم تكن حَسَا حَسَواتٍ من
ماء»؛ أي: یشرب شربات من ماء.
«غريب».
*
٠
١٤١٧ - عن زيد بن خالد قال: قال رسول الله وَجٍ: ((مَنْ فَطَّرَ صائِماً
٥١٧

أو جَهَّزَ غَازِباً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِه»، صحيح.
((وعن زيد بن خالد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
من فطّر صائماً)؛ أي: جعله مفطراً؛ يعني: من أطعم صائماً.
((أو جهّز غازياً))؛ أي: هيَّأ أسبابه من السلاح والفرس والنفقة، ((فله مثل
أجره».
(صحيح)).
١٤١٨ - عن ابن عمر قال: كانَ النبيُّ نَّهِ إِذا أَفْطَرَ قال: ((ذَهَبَ الظَّمَأْ،
وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله تعالى)).
((عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - إذا أفطر
قال: ذهب الظمأ)؛ أي: زال العطش الذي كان بي.
((وابتلت العروق)»: بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش؛ أي: زال التعب.
((وثبت الأجر))؛ أي: حصل الثواب.
((إن شاء الله تعالى)): وهذا حثٌّ على العبادات؛ فإن التعبَّ يسير؛ لذهابه
وزواله، والأجرَ کثیر؛ لبقائه وثباته .
١٤١٩ - ورُوي: أن النبيَّ وَ﴿ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قال: ((اللهمَّ لكَ صُمْتُ،
وعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)).
((وعن ابن عباس أنه قال: إن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان إذا أفطر
قال: اللهم لك صمتُ))؛ يعني: لم يكن صومي رياء، بل كان خالصاً.
٥١٨

((وعلى رزقك أفطرت))؛ لأنك الرزاق، يُقرأ هذا الدعاءُ بعد الإفطار.
٣ - بس
تَنْزيه الصَّوم
(باب تنزيه الصوم)؛ أي: تبعيده وتخليصه من الفواحش.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٤٢٠ - قال رَسُولُ اللهِّهِ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلْيْسَ للهِ
حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرابَهُ» .
(من الصحاح)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ
لم يدع))؛ أي: لم يترك.
(قول الزور))؛ أي: الكذب.
«والعمل به))؛ أي: بالزور.
والمراد: الفواحش؛ لأن في ارتكابها مخالفة لله تعالى، ومخالفته تعالى
في حكم الكذب؛ لأن الغرضَ من الصوم كسرُ النفس بترك المناهي، فإذا لم
يحصل شيء من ذلك إلا جوع وعطش، لم يُبالِ الله تعالی بصومه.
(فليس لله تعالى حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه)): كناية عن عدم
الالتفات إليه، ومثله قوله ◌َّ: ((كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظَّمَا)).
٥١٩

١٤٢١ - وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُقَبلُ ويُبَاشِرُ
وهو صائِمٌ، وكانَ أَمْلَكَكُمْ لإِربهِ.
«وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسولُ الله صلی الله تعالى عليه وسلم
يُقبل ويُباشِرُ))؛ أي: يلمس نساءه بيده.
((وهو صائم))؛ أي: حال كونه صائماً.
(وكان أملَكَكُمْ))؛ أي: أفعل التفضيل من (ملك ملكاً): إذا قدر على
شيء، وصار حاكماً عليه.
((لإربه)): يرويه الأكثرون بفتحتين، وبعض: بكسر الهمزة وتسكين الراء؛
أي: لحاجته.
وقيل: بتسكين الراء: العضو، وعنت به الذكرَ خاصة.
وأرادت بملكه ◌َّله حاجته أو عضوه قمعه الشهوة، فلا يخاف الإنزال،
بخلاف غيره، وعلى هذا فيكره لغيره و القبلة والملامسة باليد.
وقيل: المعنى أنه سي ﴿ كان قادراً على حفظ نفسه عنهما؛ لأنه غالبٌ على
هواه، ومع ذلك كان يقبل ويباشر، وغيرُهُ قلما يصبر على تركهما؛ لأن غيره
قلما يملك هواه، فعلى هذا لا يكونان مكروهين لغير الرسول أيضاً.
١٤٢٢ - وقالتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وهو جُنُبٌ
مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ، فَيَغْتَسِلُ، ويَصُومُ)) .
((وقالت عائشة: كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يدركه الفجرُ وهو
جنبٌ من غير حُلُم))؛ أي: احتلام، بل بالوقوع.
٥٢٠