Indexed OCR Text
Pages 461-480
٧- باب فضل الصدقة (باب فضل الصدقة) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٣٣١ - قال رسول الله ﴾: (مَن تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرةٍ من كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يقبلُ الله إلا الطيّبَ - فإِنَّ الله يتقبَّلُها بيمينِهِ، ثم يُرَبيها لصاحِبها كما يُرَبسي أحدُكم فَلُوَّه حتى تكونَ مِثْلَ الجَبَلِ)). ((من الصحاح)): ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من تصدَّق بعدل تمرة)): عدل الشيء - فتحاً وكسراً -: مثله، وقيل: بالفتح: ما يعادله من غير جنسه، وبالكسر: من جنسه، وقيل بالعكس؛ يعني: من تصدق بتمرة أو مثلها «من کسب طیب))؛ أي: حلال. ((ولا يقبل الله إلا الطيب)): جملة معترضة بين الشرط والجزاء، وفيه إشارة إلى أن غيرَ الحلال غيرُ مقبولة، وأن الحلالَ المكتسبَ يقع بمحلِّ عظيم. ((فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه)): كناية عن حسن قَبولها، والرضاء بها؛ لأن الشيء المرضي يُتلقَّى باليمين في العادة. ((ثم يربيها لصاحبها)): تربيها كناية عن زيادتها؛ أي: يزيدها، أو يعظم ذاتها حتى تثقل في الميزان. ((كما يربي أحدكم فَلَوَّهُ»: بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: المهر الصغير، وهذا تمثيل لزيادة التفهيم، خصه به لأن زيادته بينة. ٤٦١ ((حتى تكون مثل الجبل)): ذكر التربية في الصدقة دون غيرها من العبادات إشارةً إلى أنها - فريضة كانت، أو نافلة - أحوجُ إلى تربية الله؛ لثبوت نقيصة فيها بسبب حب الطبع الأموال. ١٣٣٢ - وقال: ((ما نقصَتْ صدَقةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ الله عبْداً بعفْوٍ إلا عِزاً، وما تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلا رَفَعهُ الله)). ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما نقصت صدقة من مال)): (ما) نافية، و(من) إما للتبعيض، أو للتبيين، أو زيادة؛ أي: ما نقصت صدقة بعض مال أو شيئاً من مال أو مالاً، بل تزيد أضعاف ما یعطي منه. ((وما زاد الله عبداً بعفو)): الباء للسببية؛ أي: بسبب أن يعفو ذلك العبد عمن ظلم عليه مع قدرته على الانتقام منه. ((إلا عزاً)؛ أي: زاد عزاً ورفعة. (وما تواضَع أحدٌ لله إلا رفعه الله)). ١٣٣٣ - وقال: ((مَنْ أَنَفَقَ زَوجَينٍ من شيءٍ من الأشياءِ في سبيلِ اللهِ دُعِيَ من أَبَوابِ الجنةِ، وللجنةِ ثمانية أبوابٍ، فمَن كانَ مِن أهلِ الصلاةِ، دُعِيَ من بابِ الصلاةِ، ومَن كانَ مِن أَهلِ الجِهادِ دُعيَ من بابِ الجِهادِ، ومَن كان من أهلِ الصدقةِ دُعي من باب الصَّدَقةِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الصِّيامِ دُعي من بابِ الرَّيانِ))، فقالَ أبو بَكْرٍ: ما على مَن دُعيَ من تلكَ الأبوابِ مِن ضرورةٍ، فهل ٤٦٢ يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟، قال: ((نعم، وأَرَجُو أنْ تكونَ مِنْهم)). ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء)»: الزوج يطلق على الاثنين وعلى واحد منهما؛ لأنه زوجٌ مع آخر، وهو المراد هنا؛ لما جاء في بعض الروايات أنه قيل: يا رسول الله! وما الزوجان؟ قال: ((فرسان، أو عبدان، أو بعیران من إبله)). (في سبيل الله))؛ أي: في وجوه الخير. ((دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانيةُ أبواب، فمن كان من أهل الصلاة))؛ أي: من كان يكثر صلاة النافلة، ((دُعِي من باب الصلاة))؛ أي: ينادى من بابها إلى دخول الجنة. ((ومن كان من أهل الجهاد، دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دُعِي من باب الريان)): وهو ضد العطشان، اسمٌ لباب من أبواب الجنة . والمعنى: أن أهل الصيام بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان، ويسقون من ذلك الباب شراباً طهوراً قبل تمكنهم في الجنة؛ ليزولَ عطشهم . ((فقال أبو بكر : ما على من دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة)»: (ما) نافية، و(من) في (من ضرورة) زائدة؛ أي: ليس على أحد يدعى من باب من تلك الأبواب ضرورة واحتياج إن لم يدعَ من سائرها؛ لحصول مراده، وهو دخول الجنة . ((فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم)»: تكون جماعة كثيرة يدعون من جميع الأبواب؛ لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير. ٤٦٣ ((وأرجو أن تكون)) أنت يا أبا بكر (منهم)): وفي قوله: (أرجو) إشارة إلى أن ثواب الأعمال ينبغي أن لا يجزم به، بل يُرجى أن يوصل إليه لخفاء مقبوليتها . ١٣٣٤ - وعن أبي هُريرة ﴿به قال: قال رسول الله وَّهِ: ((مَن أَصْبَحَ منكُم اليومَ صائماً؟))، قال أبو بكر: أنا، قال: ((فمَن تَبعَ منكُم اليومَ جنازةً؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((فمَن أَطَعمَ منكُم اليومَ مِسْكيناً؟))، قال أبو بكرٍ: أنا، قال: ((فَمَن عادَ منكم اليومَ مَريضاً؟))، قال أبو بكر: أنا، فقال رسولُ الله ◌َالفتن: ((ما اجتَمَعْنَ في امرىءٍ إلا دخَلَ الجنَّةَ». ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أصبح منكم اليوم صائماً؟)): (من) استفهامية، و(أصبح) بمعنى: صار، وخبره (صائماً)، أو بمعنى: دخل في الصباح، فتكون تامة، و(صائماً) حال عن ضميره. ((قال أبو بكر: أنا، قال))؛ أي: النبي عليه الصلاة والسلام: ((فمن تبعَ منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله وَلاير: فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله وَله: ما اجتمعنَ))؛ أي: هذه الخصال المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحد ((في امرئ إلا دخل الجنة)): قيل: معناه بلا محاسبة، وإلا فمجرد الإيمان يكفي بمطلق الدخول. ١٣٣٥ - وقال: ((اتّقُوا النارَ ولو بِشِقِّ تَمْرةٍ، فإنْ لم تَجدْ فبكلِمةٍ طَيِّةٍ)). ٤٦٤ ((وعن عدي بن حاتم أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اتقوا النار))؛ أي: ادفعوها عن أنفسكم بالخيرات، ((ولو بشق تمرة))؛ أي: ولو كان الاتقاء بتصدُّقٍ [بعض تمرة؛ يعني: لا تستقلُّوا شيئاً من الصدقة. ((فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة))؛ أي: فليتقِ منها بقولٍ حسن يُطيِّبُ به قلب المسلم . ١٣٣٦ - وقال: ((يا نساءَ المُسلِماتِ، لا تحقِرَنَّ جارةٌ لِجَارِها ولو فِرْسِنَ شاةٍ». ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا نساء المسلمات)»: بنصب (نساء) وجر (المسلمات)؛ أي: يا نساء الطوائف المسلمات . ((لا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها)): قيل: جارة المرأة امرأة زوجها. ((ولو كان فرسِنَ شاة))؛ أي: ظلفها هدية؛ يعني: لا تمنع إحداكن من الهدية لجارتها احتقاراً للموجود عندها، ويجوز أن يكون الخطاب لمن أُهدِي إليهن، فالمعنى: لا تحقرن إحداكن هدية جارتها، بل تقبلها وإن كانت قليلةً. وفيه حثٌّ على الهدية واستجلاب القلوب. ١٣٣٧ - وقال: ((كلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقةٌ)). ((عن جابر وحذيفة أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كل معروف))؛ أي: ما عُرِفَ فيه رضاء الله من الأقوال والأفعال. ٤٦٥ ((صدقة))؛ أي: ثوابه كثواب الصدقة. ١٣٣٨ - وقال: ((لا تحقِّرَنَّ من المَعْروفِ شيئاً ولو أَنْ تَلَقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلِيْقٍ)). ((عن أبي ذر ﴾ه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)): وهو الذي فيه البشاشة والسرور، فإنه يصل إلى قلبه سرور، ولا شكَّ أن إيصالَ السرور إلى قلوب المسلمين حسنة . ١٣٣٩ - وقال: ((على كلِّ مُسلِمٍ صدَقةٌ))، قالوا: فإنْ لم يجدْ؟، قال: (فيعملُ بيدَيهِ، فينفعُ نفْسَه، ويتصدَّقُ))، قالوا: فإنْ لم يستطِعْ أَوْ لم يفعلْ؟، قال: فَلْيُعِنْ صاحِبَ الحاجةِ المَلْهُوف))، قالوا: فإنْ لم يفعلْ؟ قال: ((فليَأْمُرْ بالخَيرِ))، قالوا: فإن لم يفعل؟، قال: ((فليُمْسِكْ عَن الشَّرِّ، فإنَّه له صدَقةٌ)). (وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: على كلِّ مسلم صدقة)): شكراً لنعمة الله عليه. «قالوا: فإن لم يجد»؛ أي: ما يتصدق به. «قال: فلیعمل بیدیه»؛ أي: فلیکتسب مالاً بعمل یدیه. ((فينفع نفسَه ويتصدَّق، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف))؛ أي: المحزون المتحير في أمره. ((قالوا: فإن لم يفعله؟ قال: فيأمر بالخير، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: ٤٦٦ فليمسكْ عن الشر؛ فإنه))؛ أي: الإمساك عن الشر ((له صدقة): يتصدق به على نفسه؛ لأنه إذا أمسك عنه لله تعالى، كان له أجرٌ على ذلك، كما أن للمتصدق بالمال أجراً. ١٣٤٠ - وقال: ((كلُّ سُلامَى من الناسِ عليهِ صدقةٌ، كلَّ يومٍ تطلُعُ فيه الشَّمسُ يعدِلُ بين الاثنينِ صدقةٌ، ويعينُ الرجلَ على دائَتِهِ، فَيَحمِلُ عليها أو يرفعُ عليها مَتاعَه صدَقةٌ، والكَلِمَةُ الطَّةُ صدَقةٌ، وكلُّ خُطْوةٍ يَخطُّوها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، ويُميطُ الأذَى عن الطَّريقِ صدَقةٌ». ((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة)): أوجب الصدقة على السُّلامى مجازاً، وفي الحقيقة واجبة على صاحبه؛ يعني: على كل واحد من الإنسان بعدد كلِّ مفصلٍ في أعضائه. ((صدقة))؛ شكراً لله تعالى بأن جعل في عظامه مفاصل، يقدر على قبض أصابعه ويديه ورجليه وغير ذلك وبسطها، فإن هذه نعمة عظيمة. (كل يوم)): نصب على الظرفية. (تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين))؛ أي: تصلح بين الخصمين، وتدفع ظلم ظالم عن مظلوم، وهو في تأويل المصدر مبتدأ، خبره (صدقة). (وتعين الرجل))؛ أي: إعانتك إياه ((على دابته، فتحمل عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُّ خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى))؛ أي: إزالتك إياه ((عن الطريق صدقة)). ٤٦٧ ١٣٤١ - وقال: ((خُلِقَ كلُّ إنسانٍ من بني آدمَ على ستِينَ وثلاثمائةٍ مَفْصِلٍ، فمَنْ كَبَّر الله، وحَمِدَ الله، وهَلَّلَ الله، وسبَّح الله، واستغفرَ الله، وعزَلَ حجَّراً عن طَريقِ النَّاسِ، أو شَوكَةً، أو عَظْماً، أو أَمَرَ بِمَعْروفٍ أو نَهَى عن مُنْكَرٍ عَددَ تِلكَ الستينَ والثلاثمائةِ فإنَّ يَمْشِي يومَئذٍ وقد زَحْزَحَ نفسَهُ عن النَّارِ». ((وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مئة مفصل)): بالإضافة، وهو - بكسر الصاد وفتحها -: ملتقى العظمين في البدن. ((فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله))؛ أي: قال: لا إله إلا الله. ((وسبح الله، واستغفر الله، وعزل))؛ أي: أبعد («حجراً عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظماً، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عددًا: متعلق بالأذكار وما بعدها، نصبه بفعل مقدر؛ يعني: من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد ((تلك الستين والثلاث مئة، فإنه يمشي يومئذ، وقد زحزح نفسه))؛ أي: باعدها ((عن النار)). ١٣٤٢ - وقال: ((إِنَّ بِكلِّ تَسْبيحةٍ صدقةً، وكلِّ تَكْبيرةٍ صدَقةٌ، وكلِّ تَحْميدةٍ صدقةٌ، وكلِّ تَهْليلةٍ صدَقةٌ، وأَمرٍ بالمَعروفِ صِدَقةٌ، ونَهْيٍ عنْ مُنكٍ صدَقةٌ، وفي بُضْع أحدِكم صدقةٌ))، قالوا: يا رسولَ الله!، أيأْتِي أَحدُنا شهوتهُ ويكونُ له فيها أجرٌ؟، قال: ((أَرَأَيْتُم لَو وَضَعَها في حَرامِ، أكانَ عليهِ فيهِ وِزْرٌ؟، فكذلكَ إذا وضَعَها في الحَلالِ كانَ له أجْرٌ». ((وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، ٤٦٨ وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْع أحدكم))؛ يعني: في جماعه . ((صدقة)): وإنما لم يقل: وببضع أحدكم، إشارة إلى أنه إنما يكون صدقة إذا نوی فیه عفاف نفسه، أو زوجته، أو حصول ولد صالح. ((قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها))؛ أي: شهوة بضعه ((في حرام أكان عليه وزر؟)): الاستفهام فيه للتقرير، ((فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)). ١٣٤٣ - وقال: ((نِعْمَ الصَّدَقةُ اللَّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشَّاءُ الصَّفيُّ مِنحةً، تَغْدُو بإناءٍ، وتَرُوحُ بآخَرٍ). ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نعم الصدقة اللَّقْحَةُ)): بالكسر أو الفتح ثم السكون: الناقة الحلوب. ((الصَّفيُّ)): الناقة الغزيرة اللبن، وكذا الشاة. ((منحةً)): نصب على التمييز، أو الحال، والمنحة عند العرب تُطَلق على العطية التي يملكها المعطَى له، وعلى العارية؛ لينتفع بلبنها ووبرها ثم يردها، وهو المعني بقوله ◌ّل : ((المنحة مردودة)». قيل: أصلها أن تكون في العارية، ثم سمي به كل عطية فمدح - عليه الصلاة والسلام - هذا الفعل. ((والشاة الصفي منحة، تغدو)): صفة مادحة لمنحة، أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة. ((بإناء))؛ أي: ملتبسة بملء إناء. ٤٦٩ (وتروح بآخر))؛ أي: بإناء آخر. ١٣٤٤ - وقال: ((ما مِن مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً أو يَزْرِعُ زَرْعاً، فيأْكلُ منهُ إنسانٌ أو طَيْرٌ أو بَهِيْمَةٌ إلا كانتْ له صدَقٌ)). ويروى: ((ما سُرِقَ منه لهُ صدَقةٌ)). ((وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من مسلم يغرس غَرساً»: بفتح الغين المعجمة وكسرها. ((أو يزرع زرعاً، فيأكل منه إنسان، أو طير، أو بهيمة، إلا كانت له صدقة)): معناه بأي سبب يؤكلُ مالُ الرجل يحصلُ له الثوابُ. ((ویروی: ما سرق منه فهو له صدقة))؛ أي: يحصل له مثل ثواب تصدق المسروق . ١٣٤٥ - وقال: ((غُفِرِ لامرأةٍ مُومِسَةٍ مَّتْ بكلْبٍ على رأْسِ رَكِيٌّ يَلْهثُ، كَادَ يَقتلُهُ العَطَشرُ، فتَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْه بِخِمارِها، فَنَزَعَتْ لهُ من الماءِ، فَغُفِرَ لها بذلك)»، قيل: إنَّ لَنَا فِي البَهائِمِ أَجْراً؟، قال: ((في كلِّ ذاتِ كَبدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ». ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: غفر لامرأة مومسة))؛ أي: فاجرة زانية. (مرت بكلب على رأس رَكِّي)): وهي: البئر. ((يلهث))؛ أي: يخرج لسانه من شدة العطش والحر. ٤٧٠ ((كاد يقتله العطش، فنزعت خفَّها، فأوثقته))؛ أي: شدته ((بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك، قيل: إن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجرٌ))؛ أي: لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر، لكن بشرط أن لا يكون من المأمور بقتله، کالحية والعقرب وغير ذلك. وفي رواية: (في كل ذات كبد حَرَّى): فُعْلى من (الحر)، تأنيث حران. وفي الحديث دليلٌ على غفران الكبيرة من غير توبة، وهو مذهب أهل السنة . ١٣٤٦ - وقال: ((عُذِّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ أَمْسَكَتْها حتى ماتَتْ مِنَ الجُوعِ، فلم تكنْ تُطْعِمُها، ولا تُرسلُها فتأكلَ من خَشاشِ الأَرضِ)). ((وعن ابن عمر، وأبي هريرة: أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عُذِّبت امرأة في هرة)): (في) هنا للسببية؛ أي: بسبب هرة. ((أمسكتها حتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها، ولا ترسلها فتأكلَ): بالنصب جواباً للنفي . ((من خَشاشِ الأرض)): بفتح الخاء المعجمة على الأشهر: هوامها وحشراتها، قيل: هذه المعصية صغيرة، وإنما صارت كبيرة بإصرارها. ١٣٤٧ - وقال: ((مزَّ رجلٌ بغُصْنٍ شَجَرةٍ على ظَهْرٍ طريقٍ، فقالَ: لأُنِّينَّ هذا عن طريقِ المُسلمينَ لا يُؤْذيهم، فأُدخِلَ الجنَّةَ». ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: لأنحينَّ))؛ أي: لأبعدن. ٤٧١ ((هذا عن)) طريق ((المسلمين؛ لا يؤذيهم))؛ أي: كيلا يؤذيهم. ((فأدخل الجنة)): يمكن أن يكون إدخاله الجنة بمجرد نيته الصالحة، وإن لم ینگِّه، وأن یکون قد نحّاه. ١٣٤٨ - وقال: ((لَقَدْ رأَيتُ رجُلاً يتقلَّبُ في الجَنَّةِ فِي شَجَرةٍ قَطَعَها مِن ظَهْرِ الطَّريقِ، كانتْ تُؤْذِي النَّاسَ)). ((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة))؛ أي: يمشي ويتبختر. ((في شجرة)»؛ أي: بسبب شجرة. ((قطعها عن ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس)). * ١٣٤٩ - عن أَبِي بَرْزَة قال: قُلْتُ: يا نَبَيَّ الله، علِّمْني شَيئاً أَنتَفِعُ به؟ قال: ((اعِزِلِ الأَذَى عَنْ طَريقِ المُسلِمين)). ((وعن أبي بَرْزة الأسلمي أنه قال: قلت: يا نبي الله! علمني شيئاً أنتفع به»؛ أي: بعمله. ((قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين)) . مِنَ الحِسَان: ١٣٥٠ - قال عبدالله بن سَلاَم ﴿: لَمَّا قَدِمَ النبيُّ نَّهِ المَدينةَ جِئْتُ، فلمَّا ٤٧٢ تَبَيِّنْتُ وجْهَهُ عرفْتُ أنَّ وجههُ ليسَ بوجهٍ كذَّابٍ، فكانَ أَوَّلَ ما قالَ: ((يا أيُّها الناسُ، أَفْشُوا السَّلامَ، وأَطِعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأَرحامَ، وصَلُّوا بِاللَّلِ والنَّاسُ نِيَامٌ تَدخُلوا الجنَّةَ بِسَلامِ». «من الحسان»: ((قال عبدالله بن سلام: لما قدم النبي وَ﴿ المدينةَ، جئت فلما تبينت))؛ أي: تأملت ((وجهه)): أبصرت وجهه ظاهراً، ((عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: يا أيها الناس! أفشوا))؛ أي: أظهروا وأكثروا ((السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)) . ١٣٥١ - عن عبدالله بن عُمر ﴾ قال: قال رسول الله صل﴾: ((اعبدوا الرحمنَ، وأَطِعِمُوا الطَّعام وأَفْشُوا السَّلام، تَدخلُوا الجنَّةَ بسَلامِ)). ((وعن عبدالله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام)). ١٣٥٢ - وقال رسول الله وَله: ((إنَّ الصَّدَقةَ لَتُطفِىء غضَبَ الرَّبِّ، وتَدَفَعُ مِيْتَةَ السُّوءِ)). ((عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنَّ الصدقةَ لتطفئُ غضب الربِّ)): يجوز أن يحمل إطفاء الغضب على المنع من إنزال ٤٧٣ المكروه في الدنيا، كما ورد: ((لا يرد القضاء إلا الصدقة)). ((وتدفع مِيتة السُّوء)) بكسر الميم: الحالة التي عليها الموت، أصله موتة، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها. والمراد بميتة السوء: ما لا يحمد عاقبته، كالفقر المدقع، والألم الموجع، ونسيان الذكر، وكفران النعمة، والتردي، والغرق، والحرق، والهدم، والفجاءة. ١٣٥٣ - وقال رسول الله وَله: ((الصَّدَقةُ تُطْفِىءُ الخطيئةَ كما يُطفىء الماءُ النَّارَ)). ((وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الصدقةُ تطفئ الخطيئة))؛ أي: تزيل الذنوب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، ((كما يطفئ الماءُ النارَ)». ١٣٥٤ - وقال: ((كلُّ مَعْروفٍ صَدَقةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقَى أَخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وأنْ تُفرِغَ من دَلْوِكَ في إِناءِ أَخيكَ)) . ((عن معاذ أنه قال: قال رسول الله وَّهِ: كلُّ معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلقٍ، وأن تفرغ))؛ أي: تصبّ ((من دلوك)): عند استقائِكْ. ((في إناء أخيك))؛ كي لا يحتاج إلى تعب الاستقاء. (غریب)) . ٤٧٤ ١٣٥٥ - وقال («تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخيكَ صَدقةٌ، وأَمَرُكَ بِالمَعروفِ صدَقةٌ، ونهيُكَ عن المُنكَرِ صدَقةٌ، وإِرشادُكَ الرَّجلَ في أَرضِ الضَّلالِ لكَ صدَقةٌ، ونَصْرُكَ الرَّجلَ الرَّديءَ البصَرِ لكَ صِدَقةٌ، وإِماطتُكَ الحجَرَ والشَّوكَ والعَظْمَ عن الطَّريق لك صدَقةٌ، وإِفْراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخيكَ لكَ صدقةٌ»، غريب. ((عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تبُّمُك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادُك الرجلَ في أرض الضلال)»؛ أي: في أرض لا علامة فيها للطريق، يضل فيها السائر. ((لك صدقة، ونصرك الرجل الرديء البصر)): وهو من لا يبصر أصلاً، أو يبصرُ قليلاً. ((لك صدقة، وإماطتك الحجرَ والشوكَ والعظمَ عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة. غريب)). ١٣٥٦ - عن سَعْد بن عُبَادة أنه قال: يا رسولَ الله!، إنَّ أُمَّ سَعْدٍ ماتتْ، فأيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَل؟، قال: ((الماءُ))، قال: فَحَفَرَ بِثْراً، وقال: هذه لأِمِّ سَعْدٍ. ((عن سعد بن عُبادةَ أنه قال: يا رسول الله! إن أمَّ سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء. ((قال))؛ أي: الراوي عن سعد: «فحفر بئراً، وقال: هذه لأمّ سعد)». ٤٧٥ ١٣٥٧ - وقال: ((أَّمَا مُسلِمٍ كَسَا مُسلِماً ثَوباً على عُريٍ؛ كسَاهُ الله مِن خُضْرِ الجنَّةِ، وأَّما مُسلمٍ أَطْعَمَ مُسلماً على جُوعٍ أَطعَمَهُ الله مِنْ ثِمَارِ الجنَّة، وأَّما مُسلمٍ سَقَى مُسلِماً على ظَمَأٍ سَقاهُ الله من الرَّحيقِ المَخْتُومِ) . ((وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيُّما مسلم كسا مسلماً ثوباً على عُري، كساه الله من خُضْرِ الجنة))؛ أي: من ثيابها الخضر، أقام الصفة مقام الموصوف، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ فِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١]. ((وأيما مسلم أطعم مسلماً على جوع، أطعمه الله تعالى من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلماً على ظمأ))؛ أي: عطش، ((سقاه الله من الرحيق)): وهو اسم الخمر الخالصة التي لا كدرَ فيها، يريد: خمر الجنة. ((المختوم)): الذي يُختم؛ كيلا تصل إليه يدُ أحد، ولم يتبدل، وقيل: الذي يختم بالمسك مكان الطين ونحوه، وقيل: ما كان خاتمةَ رائحتِهِ المسكُ. ١٣٥٨ - وقال: ((إِنَّ في المَالِ لَحَقَّأَ سِوى الزَّكَاةِ، ثم تلا: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآيةَ). ((عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن في المال لحقاً سوى الزكاةِ»: وهو أن لا يحرم سائله ومستقرضه منه، ولا يمنع مستعيره إن كان من أمتعة البيت، كالقدر والقصعة وغير ذلك، ولا يمنع الماء والملح والنار. (ثم تلا: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية)): والمراد: أنه ذكر إيتاء المال في وجوه البر، ثم قفَّاه ـ أي: عقّبه ـ بإيتاء الزكاة، فدل ذلك ٤٧٦ على أن في المال حقاً سوى الزكاة. ١٣٥٩ _ وسُئل رسولُ اللهِوَلِهِ، ما الشَّيءُ الذي لا يحلُّ منعُه؟، قال: (الماءُ))، قيل: ما الشيءُ الذي يحلُّ منعُه؟ قال: ((المِلْحُ)). ((عن بهيسة، عن أبيها، وعن عائشة: أنهما قالا: سُئِل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: الماءُ، قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: النار)). ١٣٦٠ - وقال: ((مَنْ أَحْيَا أَرضاً مَيْتَةً فله أَجْرٌ، وما أَكلَتْ العافِيَةُ منهُ فهوَ له صدقةٌ». ((عن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أحيا أرضاً ميتةً فله فيها أجر، وما أكلت العافيةُ)): وهو كل طالب رزق من إنسان، أو بهيمة، أو طائر. ((منه))؛ أي: من المأكول، أو من النبات. ((فهو له صدقة)). ١٣٦١ - وقال: ((مَن مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ، أو أَهدى زُقَاقاً، أو سَقَى لَبناً؛ كان له کعِدْلِ رقَبَةٍ أُو نَسَمٍ». وفي روايةٍ: ((كانَ لهُ مِثْلُ عِثْق رقَبَةٍ)). ((عن البراء ظه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من ٤٧٧ مَنَحَ مِنحةَ وَرقٍ)»: بفتح الواو مع كسر الراء وسكونها وكسرها مع سكونها: الدراهم؛ أي: من أعطى عطية من الدراهم، وقيل: منحة الورق: القرض؛ لأن المنحة مردودة. ((أو أهدَى زُقاقاً)): بتخفيف الدال، من هداية الطريق، و(الزُّقاق): السكة؛ أي: دل ضالاً إلى طريق سكته أو بيته. ويروى بالتشديد؛ إما مبالغة الهداية، أو من الهدية؛ أي: مَنْ أهدى وتصدَّق بزُقاقٍ من النخل - وهو: الصفُّ من أشجارها - أو جعلها وقفاً. ((أو سقى لبناً، كان له كعدل رقبة أو نسمة)): شك من الراوي، والمراد بهما : العبد . ((وفي رواية: كان له مثل عتق رقبة)». ١٣٦٢ - عن أبي تَمِيْمَةَ الهُجَيْمي، عن أبي جُرَيٍّ جابرٍ بن سُلَيم قال: رأيتُ رجلاً يصدرُ الناسُ عنْ رأيهِ، قلتُ: مَن هذا؟، قالوا: رسولُ اللهِ وَّهِ، قلتُ: عليكَ السَّلامُ، يا رسولَ الله مرَّتين، قال: ((لا تقلْ: عليكَ السلامُ، عليكَ السلامُ تحيةُ المِيَّتِ!، قلْ: السَّلامُ عليكَ))، قلت: السلامُ عليكَ، قلتُ: أنتَ رسولُ الله؟، قال: ((أنا رسولُ الله الذي إذا أَصابَكَ ضُرٍّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عنكَ، وإِنْ أصابَكَ عامُ سَنةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْتَهَا لك، فإذا كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ أو فَلاةٍ فَضَلَّتْ راحَتُكَ فدعوتَه ردَّها عليكَ))، قلتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، قال: ((لا تَسُبن أحداً)، فما سَبَيْتُ بعدَه حُرَّاً ولا عَبْداً ولا بَعْيراً ولا شاةً، قال: ((ولا تحقِرَنَّ شيئاً من المَعْروف، وأنْ تُكلِّم أخاكَ وأنتَ مُنبسِطٌ إليه وجهُك، إِنَّ ذلكَ مِنَ المَعروفِ، وارفَعْ إزارَكَ إلى نِصْفِ السَّاقِ، فإنْ أَبَيْتَ فإلى الكَعْبَينِ، وإِيَّاكَ وإسبالَ الإِزارِ، فإنَّها من المَخِيْلةِ، وإِنَّ الله لا يحبُّ المَخِيْلةَ، وإنِ امرؤٌ شتمَكَ ٤٧٨ وعيََّكَ بما يعلمُ منكَ فلا تُعَيِّرُهُ بما تعلَمُ منه، فإنَّما وبالُ ذلكَ عليهِ». وفي رواية: ((فيكونُ لكَ أَجرُ ذاكَ، ووبالُهُ عَليهِ». (عن أبي تميمة الهُجَيمي ﴿ه، عن أبي جُرَي جابر بن سُليم أنه قال: رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه))؛ أي: ينصرفون عما يراه، ويفعلون ما يأمرهم، ولا يخالفونه. ((قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله وَلفيه. قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين، قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحيةُ الميتِ))؛ يعني: هذا اللفظ يقال في المقابر؛ لأنه لا يتوقع الجواب من الميت، وأما الحي يتوقع الجواب منه، ((قل: السلام عليك))؛ ليقول هو لك: وعليك السلام؛ لأن فائدة التسليم حصول الأمن والسلامة للمسلَّم عليه من المسلِّم، وهو بتقديم لفظ السلام أليقُ؛ فإنه إذا افتتح بـ (عليك)، لم تحصل به السلامة، بل المخافة، بل قد يتوهم أنه يدعو علیه. ((قلت: السلام عليك، قلت: أنت رسول الله وَليه؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرٍّ فدعوته، كشف))؛ أي: أزال ذلك الضر ((عنك، وإن أصابك عام سنة))؛ أي: قحط، لا تنبت الأرض شيئاً، ((فدعوته، أنبتها))؛ أي: أنبت الأرض لك. ((وإذا كنت بأرض قَفْرٍ))؛ أي: أرض خال من النبات والشجر، ((أو فلاة)): وهي المفازة البعيدة من العمران . ((فضلت راحلتك، فدعوته، ردها عليك، قلت: اعهد إلي))؛ أي: أوصني. ((قال: لا تسبن أحداً)؛ أي: لا تشتمن أحداً. («فما سببتُ بعده))؛ أي: ما شتمت بعد العهد ((حراً، ولا عبداً، ٤٧٩ ولا بعيراً، ولا شاةً»: إنما عهد ◌َّه [إليه] بترك السب؛ لعلمه أنه كان الغالب على أحواله ذلك، فنهاه عنه . ((قال: ولا تحقرنَّ شيئاً من المعروف، وأنْ تكلِّم أخاك)): مبتدأ خبره (إن ذلك)، أو عطف على (شيئاً)، و(إن ذلك) استئناف علة له. ((وأنت منبسط إليه وجهُكَ))؛ أي: ذو بشاشة، تتواضع إليه، وتُطيب کلامك له حتى يفرح قلبه بحسن خلقك. ((إن ذلك من المعروف، وارفْع إزارك))؛ أي: ليكن سراويلك وقميصك قصیرین. ((إلى نصف الساق، فإن أبيت))؛ أي: لم ترضَهُ نفسُك. ((فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار))؛ أي: احذر من إطالته. ((فإنها))؛ أي: خصلة إسبال الإزار. ((من المَخيلة)): بفتح الميم؛ أي: من الكبر والعجب. ((وإن الله تعالى لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك أو عيَّرك))؛ أي: عابك بما ((يعلم منك))، ((فلا تعيره بما تعلم منه، فإنما وبالُ ذلك)): الشتم والتغيير . «علیه، وفي رواية: فیکون لك أجر ذلك، ووباله عليه)). ١٣٦٣ - عن عائشة رضي الله عنها: أنهم ذَبَحوا شاةً، فقالَ النبيُّ ◌َل ـ ((ما بقيَ منها؟))، فقالت: ما بقِيَ إلا كَتِفُها، قال: ((بقِيَ كلَّها غيرَ كتِفِها))، صحيح. ((عن عائشة أنهم))؛ أي: أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - ((ذبحوا شاةً، فقال النبي ◌َّي: ما بقي منها؟)): (ما) استفهامية؛ أي: أيُّ شيء بقي منها؟ ٤٨٠