Indexed OCR Text

Pages 381-400

الصبر المرضي المثاب عليه إنما هو عند ابتداء المصيبة ولحوق المشقة، وأما إذا
طالت الأيام عليها، فيصير الصبرُ طبعاً، فلا يؤجر عليه.
١٢٢٨ - وقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يموتُ لمسلمٍ ثلاثةٌ من الوَلَدِ فِيَلِجَ النارَ
إِلا تَحِلَّةَ القَسَمِ».
((وعن أبي هريرة ظ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلجُ النار))؛ أي: لا يدخلها،
والمعنى هنا: نفي الاجتماع لاعتبار السببية، فالتقدير: لا يجتمع موت الأولاد
وولوج النار.
(إلا تَحِلَّةَ القسم)): استثناء من قوله: (فيلج).
(تحلة) بكسر الحاء: مصدر حللت اليمين؛ أي: أبررتها، تحلة القسم:
ما يفعله الحالف مما قسم عليه مقدارَ ما يكون باراً في قسمه بأن يمر على النار
بلا ضررٍ منها، والقسم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ ... كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم:
٦٨ - ٧١].
١٢٢٩ - وقال لِنِسْوَةٍ من الأنصارِ: ((لا يموتُ لإحداكُنَّ ثلاثةٌ من الولد
فتحتسبَهُ إلا دخلَتْ الجنةَ))، فقالت امرأة: واثنانِ يا رسول الله؟، قال:
((واثنانِ)).
وفي روايةٍ: ((ثلاثةٌ لم يبلغوا الحِنْثَ)).
قال ابن شُمیل: معناه قبل أن يبلغوا فُکتب علیھم الإثمُ.
٣٨١

((وعنه أنه قال: قال رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لنسوة من
الأنصار: لا يموت لإحداكن ثلاثةٌ من الولد، فتحتسبه))؛ أي: تحتسب موته
ثواباً عند الله بالصبر عليه، وتعتده فيما يُدَّخَرُ عند الله.
((إلا دخلت الجنة، فقالت امرأة: أو اثنين يا رسول الله! قال: أو اثنين)).
((وفي رواية: ثلاثة لم يبلغوا الحِنْثَ))؛ أي: الحد الذي يكتب عليه
الحنث، وهو الإثم.
١٢٣٠ - وقال: ((يقولُ الله تعالى: ما لِعَبْدي المُؤمنِ عندي جزاءٌ إذا
قَبَضْتُ صَفِيَّهِ مِن أهلِ الدنيا ثم احتسَبَهُ إلا الجنة)).
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
يقول الله تعالى: ما))؛ أي: ليس «لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضتُ صفيَّه
من أهل الدنيا)): صفي الرجل: الذي يصافيه الودَّ ويخلصه له، فعيل بمعنى:
فاعل أو مفعول، وقيل: إنه ولدٌ لا يكون له غيره.
(ثم احتسبه))؛ أي: صبر عليه؛ طلباً للثواب من الله تعالى، وضمير
المفعول للصفي .
((إلا الجنة))؛ أي: ما له جزاء إلا الجنة.
مِنَ الحِسَان:
١٢٣١ - عن أبي سعيد الخُدري ﴾ه قال: لعنَ رسولُ الله ◌َِّ النَّائِحَةَ
والمُستمعة .
٣٨٢

((من الحسان)):
((عن أبي سعيد الخدري أنه قال: لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم النائحة والمستمعة».
١٢٣٢ - وقال رسول الله وَ﴾: ((عَجَباً للمؤمن!، إنْ أصابَهُ خيرٌ حَمِدَ الله
وشَكَرَ، وإنْ أصابَتْهُ مصيبةٌ حَمِدَ الله وصبَرَ، فالمؤمنُ يُؤْجرُ في كلِّ أمرِهِ، حتى
في اللَّقمةِ يرفعُها إلى في امرأتِهِ)).
((وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: عجباً للمؤمن)): أصله: أعجب عجباً، فعدل من النصب إلى الرفع
للثبات، كقولك: سلام عليك.
((إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر)):
حمده عند المصيبة لعلمه بما يثاب عليه من الثواب العظيم، والثواب نعمةٌ،
فحمد الله لذلك، يدل على أن الحمد محمود عند النعمة وعند المصيبة.
((فالمؤمن يؤجر في كل أمره)): من الأمور المباحة، فإنه إذا نوى به الطاعة
انقلب المباح مثاباً عليه، ألا ترى أنه لو قصد بالنوم زوال الكلال والملال؛ ليقوم
لصلاة الصبح عن النشاط، وبالأكل قوة بدنه؛ ليقدر على الطاعة، لكان مثاباً
فیه؟!
(حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته))؛ أي: إلى فمها.
١٢٣٣ - وعن أنس به قال: قال رسول الله صلجر: ((ما مِنْ مُؤمنٍ إلا وله
٣٨٣

بابانِ بابٌ يصعدُ منهُ عملهُ، وبابٌ ينزلُ منه رِزْقُهُ، فإذا ماتَ بَكَيَا عليه، فذلكَ
قوله وَّ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾)».
((عن أنس ظه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما من
مؤمن إلا وله بابان من السماء: بابٌ يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه،
فإذا مات بكيا عليه)): وجه بكائهما عليه: أن الله تعالى خلق السماء والأرض
لعباده من الملائكة والجن والإنس، فمن صدر منه خيرٌ تحبه السماء والأرض،
وما كان من السماء والأرض مشغولاً به يبكي بفراقه؛ لانقطاع خيره منه .
وأما الكافر؛ فتتأذى به السماء والأرض؛ لصدور الشر والكفر منه،
فیفرحان بموته، ولا یبکیان عليه .
((فذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتّ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]).
١٢٣٤ - عن ابن عباس قال: قالَ رسولُ اللهِلَّهِ: ((مَن كانَ له فَرَطَانِ مِن
أمتي أدخلَهُ الله بهما الجنةَ)، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: فَمَن كانَ له فَرَطٌ مِن
أُمَتِكَ؟، قال: ((وَمَن كانَ له فَرَطٌ يا مُوَفَّقَةُ))، فقالت: فمَن لم يكنْ له فَرَطْ مِن
أُمَتك؟، فقال: ((فأنا فَرَطُ أمَّتي، لن يُصابوا بِمِثْلِي))، غريب.
((وعن ابن عباس: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
من كان له فَرَطان)»: بفتحتين؛ أي: ولدان لم يبلغا أوانَ الحلم، بل ماتا قبله .
((من أمتي، أدخله الله تعالى بهما الجنةَ): والمعنى: أنهما يتقدمان
والديهما] فيهيتِئان] لهما في الجنة نزلاً ومنزلاً، كما يتقدم فارطُ القافلة،
وهو: الذي يسبقهم، فيعيِّنُ لهم المنازل وغيرها مما يحتاجون إليه.
((فقالت عائشة رضي الله عنها: فمن كان له فرطٌ من أمتك))؛ يعني: مات
٣٨٤

له ولد واحدٌ، فهل له هذا الثواب؟
((قال: ومن كان له فرط))؛ أي: من كان له ولد واحد، فله هذا الثواب.
(يا موفَّقة)): وإنما قال لها ذلك؛ لأنها قد نوَّر الله قلبها بحسن السؤال عن
أسباب المثوبات شفقةً على الأمة، ولا شك أن ذلك توفيق من الله الكريم لها،
عدا ما كانت عليه من الحرص على تعلم الأحكام الشرعية، ثم تبليغها إلى
الأمة، وأيُّ توفيق أبلغ من ذلك؟
((فمن لم يكن له فرط من أمتك قال: فأنا فرط أمتي لن يصابوا بمثلي))؛
أي: أنا مصيبتهم العظمى التي أصيبوا بها، فإنه - عليه الصلاة والسلام - رحمةٌ
للعالمين وأمنةٌ لأصحابه، فأي مصيبة أعظم من فقده؟
((غریب)).
١٢٣٥ - وقال: ((إذا ماتَ ولدُ العبدِ؛ قال الله لملائكتِهِ: قَبَضْتُم ولَد
عبدي؟، فيقولونَ: نعم، فيقول قَبَضْتُم ثَمَرَةَ فؤادِهِ؟، فيقولون: نعم، فيقولُ:
ماذا قالَ عبدي؟، فيقولون: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فيقولُ الله تعالى: ابنوا لعبدي
بيتاً في الجنةِ، وسَقُّوهُ بيتَ الحمدِ)).
((وقال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم،
فيقول الله تعالى: قبضتم ثمرة فؤاده؟)): قيل للولد: ثمرة الفؤاد؛ لأنه نتيجة
الأب، كالثمرة نتيجة الشجرة .
((فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع))؛
أي: قال: إنا الله وإنا إليه راجعون.
٣٨٥

((فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد)»؛ أي :
اجعلوا اسم ذلك البيت بيت الحمد، أضاف ذلك البيت إلى الحمد الذي قاله
عند المصيبة؛ لأنه یکون جزاءً ذلك الحمد.
١٢٣٦ - وقال: ((مَنْ عَزَّى مصاباً فله مثلُ أجرِهِ)).
((وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: من عزَّى مصاباً)؛ أي: حمله على الصبر بوعد الأجر، والتعزية أن
يقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك، و(العزاء) بالمد: الصبر.
«فله مثل أجره))؛ أي: مثل أجر صبره به.
١٢٣٧ - عن أبي بَرْزَةَ ﴿ه قال: قال رسول الله وَلِّ: ((مَنْ عَزَّى ثَكْلَى
كُسِيَ بُرْداً في الجنَّةِ»، غريب.
((وعن أبي برزة ﴿ه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
من عزَّى ثَكلى)): وهي المرأة التي مات ولدها، أو التي لا يعيشُ لها ولد.
(كُسِي برداً في الجنة)).
((غریب)).
*
*
*
١٢٣٨ - وروي: أنَّه لمَّا جاءَ نَعْيُ جَعْفرَ بن أبي طالبٍ ﴿ه قال النبي ◌َّ:
((صنَعُوا لآلِ جعفرٍ طعاماً، فقد أتاهُمْ ما يَشْغَلُهم)).
٣٨٦

((وعن عبدالله بن جعفر ﴾ه أنه لما جاء نعيُ جعفر بن أبي طالب))؛ أي:
خبر موته.
((قال النبي عليه الصلاة والسلام: اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم ما
يشغلهم))؛ أي: يمنعهم عن تهيئة الطعام لأنفسهم، وهذا يدل على أنه يستحب
للجيران والأقارب تهيئة الطعام لأهل المبيت.
٨ - باب
زيارة القبور
(باب زيارة القبور)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٣٩ - عن بُرَيْدة ﴿ه: قال رسول الله وَّه: ((نَهَيتُكم عن زيارةِ القُبُورِ،
فزوروها، ونهيتُكم عن لُحومِ الأَضاحي فوقَ ثلاثٍ، فأمسكوا ما بدَا لكم،
ونهيتُكم عن النَّبيذ إلا في سِقَاءٍ، فاشرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كلِّها، ولا تشرّبُوا
مُسْكِراً).
((من الصحاح)):
((عن بريدة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نهيتكم
عن زيارة القبور))؛ يعني: نهيتكم قبل هذا عن زيارتها، ثم رخّصت لكم في
زيارتها، «فزوروها)).
قيل: الزيارة مأذونة للرجال، وأما النساء؛ فقد روي: أنه - عليه الصلاة
والسلام - لعن زوَّارات القبور.
وقيل: إنه كان قبل أن يُرخِّص في زيارتها.
٣٨٧

ومنهم من كرهها للنساء؛ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، وأما اتباع
الجنازة؛ فلا رخصة لهن فيه .
(ونھیتکم))؛ أي: في أول الأمر.
((عن لحوم الأضاحي)): جمع أضحية، وهي: المذبوح عاشر ذي الحجة
وأيام التشريق للقربان، كان ◌ّ نهاهم عن أكل لحومها.
((فوق ثلاث))؛ أي: ثلاث ليال، فأمرهم أن يتصدقوا بالباقي بعدها.
((فأمسكوا)): بحذف المفعول؛ أي: لحومها.
((ما بدا لكم)): (ما) بمعنى المدة؛ أي: مدة ظهور الإمساك لكم، فرخَّص
لهم أن يأكلوا ما بقي منها بعد الثلاث في أيٍّ وقت شاؤوا، وإنما اللازمُ إعطاءُ
الفقراء شيئاً منها، ولو أعطى الأغنياء جاز، لكنَّ الفقراء أولى.
((ونهيتكم عن النبيذ))؛ أي: عن إلقاء التمر والزبيب ونحوهما من
الحلاوى في الماء؛ ليصير حلواً .
((إلا في سقاء))؛ فإنه جلد رقيق لا يُسخِّن الماء سريعاً، فلا يصير مسكراً
عن قريب؛ بخلاف سائر الظروف؛ فإنها تسخِّنه سريعاً، فيصير مسكراً.
((فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكراً): رخّص لهم - عليه
الصلاة والسلام - [في] شربِ النبيذ من كلِّ ظرف ما لم يصير مسكراً.
١٢٤٠ - وقال أبو هُريرة ◌ُ: زارَ النبيُّ ونَ﴿ قِبْرَ أُمِّه فَبَكَى وَأَبكى مَنْ
حَوْلَهُ، فقالَ: ((استأذنتُ ربي في أنْ أستَغْفِرَ لها فلم يأُذنْ لي، واستأذنتُهُ في أن
أزورَ قبرَها فَأَذِنَ لي، فزوروا القبورَ، فإنها تذكِّرُكم الموتَ».
(وقال أبو هريرة: زار النبي - عليه الصلاة والسلام - قبرَ أمه)): مع أنها
٣٨٨

كافرة؛ تعليماً منه للأمة حقوقَ الوالدين والأقارب؛ فإنه لم يترك قضاء حقها مع
کفرها.
«فبکی وأبکی من حوله))؛ أي: حتى بكى الذين معه من كثرة بكائه.
وهذا يدل على جواز البكاء عند حضور المقابر.
((فقال: استأذنت ربي في أن أستغفرَ لها، فلم يأذنْ لي))؛ لأنها كانت
كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله تعالى لن يغفر لهم أبداً.
((واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور؛ فإنها))؛ أي:
القبور ((تذكر الموتَ)).
١٢٤١ - عن بُرَيدَة ﴿ه قال: كانَ رسولُ اللهِوَّه يُعَلِّمُهم إذا خَرَجوا إلى
المقابرِ: ((السلامُ عليكم أهل الديارِ من المؤمنينَ والمُسلمينَ، وإنَّ إنْ شاءَ الله
بكم لاحِقُونَ، نسأل الله لنا ولكم العافية)).
وعنه في روايةٍ: ((إنَّا إنْ شاء الله بكم لاحِقُون، أنتم لنا فَرَطُ ونحن لكم
تَبَعٌ، نسأل الله العافية)).
((وعن بُريدة له أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: السلام عليكم أهلَ الديار)»: سمى المقابر داراً؛
تشبيهاً بدار الأحياء؛ لاجتماع الموتى فيها.
(من المؤمنين والمسلمين)): المراد بالمسلمين: المخلصون لوجه الله
تعالى، والذين أسلموا باللسان، ولا يدخلُ الإيمان في قلوبهم، وهذا يدلّ على
أن السلام عليهم كهو على الأحياء، وأنهم يسمعون.
((وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)): قيل: معناه: لاحقون بكم في الوفاة على
٣٨٩

الإيمان، فـ (إن) شرطية، وقيل: (إن) هنا بمعنى: (إذ)، وقيل: للتبرك كقوله
تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اَللّهُ مَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقيل: للتأديب
كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٨٦) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ﴾ [ الكهف:
٢٣ - ٢٤].
(نسأل الله لنا ولكم العافية))؛ أي: الخلاص من المكروه.
فيه دليلٌ على أن مَنْ يدعو للحي والميت ينبغي أن يقدِّم دعاءَ الحي على
الميت .
مِنَ الحِسَان:
١٢٤٢ - عن ابن عبّاسِ ﴾ قال: مرَّ النبيُّ لَه بقبُورٍ بالمدينةِ، فَأَقْبَلَ
عليهم بوجهِهِ فقالَ: ((السلامُ عليكم يا أهلَ القبورِ، يغفرُ الله لنا ولكم، أنتم
سلفُنا ونحنُ بالأثَرِ))، وبالله التوفيق.
«من الحسان»:
((عن ابن عباس أنه قال: مرَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - بقبور المدينة،
فأقبل عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور! يغفر الله لنا ولكم، أنتم
سلفنا»: من (سلف المال)، كأنه قد أسلفه، وجعله ثمناً للأجر والثواب الذي
يُجازى بالصبر عليه، وقيل: سَلَفُ الإنسان: مَنْ تقدمه مِنْ قرابته.
«ونحن بالأثر)).
٣٩٠

(٦)
كِتَابُ الَّكَاة
م

(٦)
كتاب الشركاء
, ٠٧
(كتاب الزكاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٤٣ - عن ابن عباس ﴾: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ بعثَ مُعاذاً إلى اليَمنِ
فقال: ((إنك تأتي قوماً أهلَ كتابٍ، فادعُهم إلى شهادةٍ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ
محمداً رسولُ الله، فإنْ هُمْ أطاعوا لذلك فَأَعْلِمْهُم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهم
خمسَ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ، فإنْ هم أَطاعوا لذلك فَأَعْلِمْهم أنَّ الله قد
فرض عليهم صدقةً تُؤْخَذْ مِن أغنيائهم فَتُرَدُّ على فُقرائهم، فإنْ هم أَطاعوا لذلك
فإِيَّاكَ وكرائمَ أَموالِهِم، واتَّقِ دعوةَ المظلومِ، فإنَّه ليسَ بينَها وبينَ اللهِ حِجَابٌ)).
(من الصحاح)):
((عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث معاذاً إلى
اليمن فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب)): يريد به؟ اليهود والنصارى.
((فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)): هذا يدل
على وجوب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال، لكن هذا إذا لم تبلغهم
الدعوة، أما إذا بلغتهم فغير واجبة؛ لأنه صح أن النبي - عليه الصلاة والسلام -
أغار [على] بني المصطلق وهم غافلون.
٣٩٣

((فإن هم أطاعوا لذلك)): إشارة إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: إن قبلوا
الإسلام.
((فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)): يستدل
به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، كما ذهب إليه بعض الأصوليين.
((فإن هم أطاعوا لذلك)): إشارة إلى (خمس صلوات).
((فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة))؛ أي: زكاة.
((تُؤخَذ من أغنيائهم)): عمومه يدل على لزوم الزكاة على الطفل الغني.
((فترد على فقراءهم)): يدل على أنها تصرف إلى فقراء بلد المال
للإضافة، ولو نُقُلت عنه إلى آخر كره، وتسقط بالإجماع.
((فإن هم أطاعوا لذلك، فإياك وكرائم أموالهم)»: جمع كريمة، وهي:
خيار المال؛ أي: اتق نفسك أن تأخذ خيار أموالهم، يدل على أن ليس للساعي
أخذ خيار المال إلا أن يتبرع رب المال.
((واتق دعوة المظلوم)): عطف على عامل (إياك) المحذوف؛ يعني: لا
تظلم أحداً بأن تأخذ ما ليس بواجب عليه، أو تؤذيه بلسانك، فإنك إن ظلمت
ودعا علیك بسوء، يقبل الله دعاءه.
«فإنه ليس بينها))؛ أي: بين دعوته .
(وبين الله حجاب)): وهذا مجاز عن سرعة القبول وعدم الرد.
١٢٤٤ - عن أبي هريرةَ ﴾ قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((ما مِنْ صاحبٍ
ذَهبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ صُفِّحَت له صَفائحَ مِن
نارٍ، فأُحمِيَ عليها في نار جهنّم، فيُكْوَى بها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ وظَهْرُهُ، كلَّما بَرَدَتْ
٣٩٤

أُعيدَتْ له في يومٍ كانَ مِقْدَارَه خمسينَ ألفَ سَنَّةٍ حتى يُقْضَى بِينَ العبادِ، فَرَى
سبيلَهُ إِمَّا إلى الجنَّةِ وإِمَّا إلى النارِ، قال: ولا صاحبٍ إبلٍ لا يُؤُدِّي منها حقَّها،
ومِن حقِّها حَلْبُها يومَ وِرْدِها إلاَّ إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ أوفَرَ
ما كانت، لا يفقِدُ منها فَصِيلاً واحداً تَطؤه بأَخْفافها، وتَعَضُّهُ بِأَفواهِهَا، كلَّما مَرَّ
عليهِ أُولاهَا رُدَّ عليهِ أُخراها في يومٍ كانَ مِقْدَارُه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى يُقْضَى
بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلَه إمَّا إلى الجنَّة وإِمَّا إلى النارِ، ولا صاحبٍ بقَرٍ ولا غنَمِ
لا يُؤَدِّي منْها حَقَّها إلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطِحَ لها بقاعٍ قَرْقَرٍ لا يَفْقِدُ منها شيئاً
ليسَ فيها عَقْضَاءُ ولا جَلْحَاءُ ولا عَضْبَاءُ تنطحُهُ بُقرونِها، وَتَطَؤُهُ بِأَظِلاَفِهَا، كلَّما
مَزَّ عليه أُولاها رُدَّ عليه أُخراها في يومٍ كانَ مِقدارَه خمسينَ ألفَ سنةٍ حتى
يُقضَى بينَ العبادِ، فَيَرَى سبيلَهُ إِمَّا إلى الجنَّةِ وإِمَّا إلى النار)).
قال: ((والخيلُ ثلاثةٌ: لِرَجُلٍ أجرٌ، ولرجلٍ سِتْرٌ، وعلى رجلٍ وِزْرٌ، فأمَّا
الذي له أجرٌ: فرجلٌ ربَطها في سبيلِ الله، فأَطالَ لها في مَرْج أو رَوْضَةٍ، فما
أصابَتْ في طِيَلِها ذلكَ من المَرْج أو الرَّوضةِ كانَ له حَسَنَاتٍ، ولو أنه انقطعَ
طِيَّلُها فاسَتَّنت شَرَفاً أو شَرَفَيْنٍ كانتْ آثارُها وأرواتُها حسناتٍ له؛ ولو أنها مَرَّت
بنهرٍ فَشَرِبَتْ منه ولم يُردْ أنْ يسقيَها كانَ ذلك حسناتٍ له، وأمَّا الذي هي له
سِترٌ: فرجلٌ ربَطها تَغَنِّاً وتَعَفُّفاً، ثم لم يَنْسَ حَقَّ الله تعالى في رِقابها ولا
ظهورِها، فهي له سِتْرٌ، وأما الذي هي عليه وِزْرٌ: فرجلٌ ربطَها فخراً ورياءً
ونواءً لأهلِ الإِسلام، فھي على ذلك وِزرًا.
وسُئلَ رسولُ اللهِ وَ﴾ عن الحُمُرِ؟، فقال: ((ما أُنزِلَ عليَّ فيها شيءٌ إلا هذه
الآيةُ الفاذَّةُ الجامعةُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨].
((وعن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
٣٩٥

ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقَّها)): الضمير راجع إلى (الفضة)
لقربها، أو أراد كل واحد منهما، و(الذهب) مؤنث؛ لأنه بمعنى: العين.
((إلا إذا كان يوم القيامة صُفَّحت له)): على بناء المجهول وتشديد الفاء،
ضمن فیه معنی : صُیرت.
((صفائح)): جمع صفيحة وهي: العريضة من حديد وغيره، نصب على أنه
مفعول ثانٍ؛ يعني: جعلت ذهبه وفضته كأمثال الألواح.
((من نار)): فإنها لفرط إحمائها في نار جهنم جُعِلت كأنها مأخوذة من نار.
((فأُحميَ)) : - على صيغة المجهول، والجار والمجرور، وهو ((علیھا)) قائمٌ
مقام الفاعل، والضمير المجرور راجع إلى (الصحائف)؛ أي: تلك الصفائح
النارية تحمى مرة ثانية .
«في نار جهنم)؛ ليشتد حرها.
«فیکوی بها))؛ أي: تلك الصفائح.
((جنبه وجبينه))؛ أي: جبهته ((وظهره))، وذلك لأنه إذا رأى الفقير الطالب
للزكاة أعرض عنه بوجهه، وصرف إليه جنبه، ويُعبس جبهته، فإذا بلغ في
السؤال يقوم من موضعه، ويولي ظهره إليه ويذهب، فتكوى بماله أعضاؤه التي
آذی به الفقیر.
(كلما بردت أعيدت له))؛ يعني: كلما وصل كي هذه الأعضاء من أولها
إلى آخرها، أعيدت للكي إلى أولها حتى توصل إلى آخرها، والمراد: دوام
التعذيب .
((﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤])): يريد به: يوم القيامة
بشهادة قوله :
((حتى يُقضى)): يُحكم ((بين العباد))؛ أي: يستمر هذا النوع من العذاب
٣٩٦

إلى أن يقضي الله بينهم .
((فيرى سبيله؛ إما إلى الجنة)): إن لم يكن له ذنب سواه، أو كان ولكنه
تعالی عفا عنه.
((وإما إلى النار)): إن كان على خلاف ذلك.
((وقال عليه الصلاة والسلام: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن
حقها)): من تبعيضية؛ أي: ومن بعض حقوقها ((حلْبها)): بسكون اللام.
(يوم وِرْدها)): الورد: الماء الذي ترد الماشية عليه، والمراد: أن يحلبها
عند نوبة وردها على الماء؛ ليصيب الناس من لبنها، وخص يوم الورد؛
لاجتماعهم غالباً على المياه، وهذا على سبيل الاستحباب.
وقيل: معناه: ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره؛ لئلا
يلحقها مشقة العطش ومشقة الحلب.
((إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح))؛ أي: ألقي صاحب الإبل على وجهه.
«لها»؛ أي: لإبله.
((بقاع))؛ أي: في مكان مستوٍ .
(قرقر))؛ أي: أملس، وقيل: القرقر بمعنى القاع، ذكره للتأكيد.
((أوفر)): حال من المجرور في (لها)، والعامل (بطح)؛ أي: حال كونها
أوفر.
((ما كانت)) في الدنيا؛ أي: أتم في القوة والسمن؛ ليكون أثقل وطئاً.
«لا یفقد»؛ أي: لا یعدم صاحبها .
((منها)»؛ أي: من الإبل.
((فصيلاً واحداً)؛ أي: ولد الإبل، بل يحضر جميعها، والجملة تأكيد
٣٩٧

لقوله: (أوفر).
«تطؤه))؛ أي: تضربه الإبل.
«بأخفافها))؛ أي بأرجلها .
«وتعضه بأفواهها»؛ أي: بأسنانها، وتشق جلده وتعذبه.
((كلما مر عليه))؛ أي: على صاحبها .
((أولاها))؛ أي: أولى الإبل.
(رُدَّ عليه أخراها)): قيل: فيه تحريف؛ لأن الرد إنما يستعمل في الأول
لا في الآخر؛ لأنه تبع للأول في مروره.
وفي رواية عن أبي هريرة: (كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها).
((﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] حتى يُقضى بين العباد،
فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدِّي منها
حقها إلا إذا كان يوم القيامة بُطِح له بقاع قرقرٍ، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها
عقصاء))؛ أي: التي التوى - أي: مال - قرنها إلى خلف أذنها.
«ولا جلحاء»؛ أي: التي لا قرن لها.
((ولا عضباء))؛ أي: التي كسرت قرنها.
(تنطحه بقرونها)): النطح: الضرب بالقرن.
((وتطؤه بأظلافها)): جمع ظلف: وهي للبقر والغنم بمنزلة الحافر
للفرس.
((كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾
حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال: والخيل
ثلاثة))؛ أي: ربطها على ثلاثة أنحاء.
٣٩٨

((لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي [هي] له أجر،
فرجل ربطها في سبيل الله))؛ أي: ليجاهد الكفار على ظهرها.
((فأطال لها))؛ أي: للخيل حبلها ((في مرج)): وهو الموضع الذي ترعى
فيه، ((أو روضة)): شك من الراوي.
((فما أصابت في طِيَلها ذلك)): صفة (طيل)، وهو - بكسر الطاء وفتح الياء -:
الحبل الذي يطول للدابة؛ لترعى ((من المرج أو الروضة)): (من) فيه بيانية.
((كانت له حسنات))؛ أي: يحصل لمالكها أجر وحسنة مقدار مواضع
إصابتها في ذلك الحبل؛ لأن نيته في ذلك الجهاد، وهو طاعة عظيمة.
((ولو أنه))؛ أي: الضمير فيه للشأن.
((انقطع طيّلها، فاستنَّت)): بتشديد النون؛ أي: عَدَت لمزاجها ونشاطها
(شرفاً أو شرفين))؛ أي: شوطاً أو شوطين، وإنما سمي شرفاً لأن الدابة تعدو
حتى تبلغ شرفاً من الأرض؛ أي: مرتفعاً منها، فتقف عند ذلك وقفة، ثم تعدو
ما بدا لها .
((كانت آثارها))؛ أي: مقدار آثارها.
((وأروائها حسنات له، ولو أنها مرت بنهْرِ)): بسكون الهاء وفتحها: واحد
الأنهار.
((فشربت منه ولم يرد)»: والحال أنه لم يرد ((أن يسقيها، كان ذلك))؛ أي:
ما شربت منه؛ يعني: مقداره.
((حسنات له)): فالحاصل أنه يحصل لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها
وفضلاتها حسنات.
((وأما الذي هي له ستر، فرجلٌ ربطها تغنياً)؛ أي: استغناء عن الناس،
وطالباً لنتاجها.
٣٩٩

((وتعففاً)) عن السؤال؛ يعني: ليركبها عند الحاجة، ولا يسأل مركوباً من
أحد .
((ثم لم ينسَ حقَّ الله في رقابها)): أراد به أداء زكاتها إذا كانت سائمة.
((ولا في ظهورها)): أراد به: ركوبها في سبيل الله، أو إعارتها للركوب
عليها أو للفحل.
((فهي له ستر)): يحفظه عن السؤال والاحتياج.
((وأما الذي هي عليه وزر، فرجل ربطها فخراً ورياءً))؛ أي: ليفخر بها
على الفقراء، وليظهر من نفسه التكبر والعظمة.
((ونواء)) بكسر النون؛ أي: معاداة ((لأهل الإسلام، فهي))؛ أي: تلك
الخيل ((على ذلك)) القصد والنية ((وزر)) لصاحبها.
((وسئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الحمر)): جمع حمار؛
يعني: هل تجب فيها الزكاة؟
((فقال: ما أُنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الفاذة))؛ أي: المنفردة في
معناها؛ يعني: ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ وجمع معاني الخير
والشر فيها .
(الجامعة)): سماها جامعة؛ لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع
الطاعات؛ فرائضها ونوافلها .
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أي: مقدار نملة صغيرة.
﴿خَيْرَايَرَهُ﴾؛ أي: ثوابه في الآخرة.
﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]؛ أي: عقابه في الآخرة.
٤٠٠