Indexed OCR Text

Pages 421-440

((وأبغض البلاد إلى الله أسواقها))؛ لأن السوق موضع الغفلة عن الله
والحرص والطمع والخيانة، والمراد بحب الله المسجد: إرادة الخير لأهله،
وببغضه السوق: خلافها لأهله.
٤٨٥ - وقال: ((مَنْ بنى الله مسجِداً بنى الله لهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ))، رواه
عثمان ﴾﴾ .
((وعن عثمان به أنه قال: قال رسول الله وَله: من بنى الله مسجداً))؛ أي:
مَعْبَداً، فيتناول معبدَ الكفرة فيكون لله؛ لإخراج ما بنى معبداً لغير الله.
((بنى الله له بيتاً في الجنة)).
٤٨٦ - وقال: ((مَنْ غَدا إلى المسجدِ أو رَاحَ، أعدَّ الله لهُ نُزْلَهُ مِنَ الجَنَّةِ
كُلَّمَا غَدا أو راحَ)).
((وعن أبي هريرة، عن النبي ◌َّفي أنه قال: من غدا إلى المسجد))؛ أي:
ذهب إليه في الغفلة.
«وراح))؛ أي: ذهب إليه بعد الزوال.
(أعد الله)؛ أي: هيَّأ له ((نزله)) بضم الزاي وسكونها: ما يهيأ للضيف.
«من الجنة، كلما غدا أو راح)): ظرف، وجوابه ما دلّ عليه ما قبله، وهو
العامل فيه، المعنى: كلما استمر غدوه أو رواحه يستمر إعداد نزله في الجنة .
٤٢١

٤٨٧ - وقال: ((أعظمُ النَّاسِ أجْراً في الصَّلاةِ أبعَدُهُمْ فأبعَدُهُمْ مَمْشَى،
والذي يَنتظِرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصَلِّيها مع الإِمام أعظمُ أجراً مِنَ الذي يُصَلِّي ثمَّ
ینامُ))، رواه أبو موسى څ﴾.
((وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله وَي: أعظم الناس أجراً في
الصلاة أبعدهم فأبعدهم مَمشى)): مصدر ميمي أو اسم مكان؛ يعني: من كان
بيته إلى المسجد أبعد مسافة، فأجره أكثر؛ لأن الأجر بقدر التعب.
((والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي
يصلي))؛ أي: منفرداً، ((ثم ينام))، ولا ينتظر الإمام.
٤٨٨ - وقال جابر: أرادَ بنو سَلِمَةَ أَنْ يَنتقِلُوا إلى قُرْب المسجدِ، فقال
النَّبِيُّ ◌َهِ: ((يا بني سَلِمَةً! دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكم)).
(وقال جابر: أراد بنو سَلِمة)) بكسر اللام: قبيلة من الأنصار.
((أن ينتقلوا إلى قرب المسجد)): وكان ديارهم على بعد من المسجد،
وكان يلحقهم مشقة من المشي في سواد الليل إلى المسجد؛ خصوصاً عند وقوع
المطر، فكره النبي ◌ّ انتقالهم إلى قرب المسجد؛ لئلا تعرى جوانب المدينة،
فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطا.
((فقال النبي (سيه: يا بني سلمة! دياركم)) بالنصب على الإغراء؛ أي:
الزموا دياركم، ولا تنقلوا عنها.
((تكتب)) بالجزم جواب الأمر المقدر؛ أي: حتى تكتب.
((آثاركم)): أجر خطاكم؛ فإن لكل خطوة درجة، فما كان الخطا أكثر يكون
الأجر أيضاً أكثر، وبالرفع حال أو استئناف.
٤٢٢

((وتکتب آثارکم»: کرره للتأكید.
٤٨٩ - وعن أبي هريرة ﴿ه قال: قال رسولُ اللهِلَّى: ((سبعةٌ يُظلُّهُمُ الله
في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ: إمام عادلٌ، وشابٌ نشأَ في عِبادَةِ الله تعالى، ورجُلٌ
قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسجِدِ إذا خَرَجَ مِنْهُ حتَّى يَعودَ إليه، ورجُلاَنٍ تحابًا في الله اجتَمَعَا
عليهِ، وتَفَرَّقا عليه، ورجُلٌ ذكرَ الله خالِياً ففاضَتْ عَيْنَاهُ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ
حَسَبٍ وجَمالٍ فقال: إنِّي أَخافُ الله، ورجُلٌ تَصَدَّقَ بصدَقَةٍ فَأَخْفاهَا حَتَّى
لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ».
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله وَلاغير: سبعة يظلهم الله في ظله))؛
أي: يدخلهم في رحمته ورعایته.
((يوم لا ظلَّ إلا ظله))؛ أي: لا قدرة ولا رحمة في يوم القيامة إلا لله،
وقيل: المراد ظل العرش.
((إمام عادل)): المراد هنا: من يلي أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم.
(وشاب نشأ))؛ أي: نما ((في عبادة الله))؛ أي: يكون في العبادة من أول
بلوغه من التمييز إلى أن كبر .
((ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا
في الله))؛ أي: جری المحبة بينهما لله، لا لغرض دنيوي.
((إن اجتمعا اجتمعا عليه))؛ أي: على التحابِّ في الله.
((وإن تفرقا))، تفرقا ((عليه))؛ أي: على ذلك التحابِّ؛ أي: يكون تحابهما
في الله غيبةً وحضوراً.
٤٢٣

((ورجل ذكر الله خالياً)؛ أي: خاف الله في خلوته من ذنوبه السالفة وتقصيره
السابق.
((ففاضت عيناه))؛ أي: جرت دموعه من عينيه خوفاً من عذاب الله؛
لتقصيره في الطاعات، وانهماكه في الشهوات.
((ورجل دعته امرأة)) إلى الزنا بها.
(ذات حسب)): وهو ما يعده الإنسان [من] مفاخر آبائه، وقيل: الخصال
الحميدة له ولآبائه.
((وجمال))؛ أي: لها جمال كامل، والمرأة إذا كانت شريفة ذات خصال
حميدة تكون النفس أميل إليها ممن لم تكن بهذه الصفة.
((فقال: إني أخاف الله))، وهذا القول أعم من أن يكون بلسانه أو في قلبه.
((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها)): هذا محمولٌ على التطوع؛ لأن الزكاة
إعلانها أفضل.
(حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينه))، وهذا تأكيد ومبالغة في كتم الصدقة
وإخفائها؛ فإن نسبة العلم إلى الشمال استعارة، أو معناه: لا يعلم من شماله
ما تنفق يمينه، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوُهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٧١].
٤٩٠ - وقال: ((صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَعَّفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ
وفي سُوقِهِ خَمْساً وعشرينَ ضعفاً، وذلكَ أنَّهُ إذا تَوَضَّأَ فأحسَنَ الوُضوءَ، ثمَّ
خرجَ إلى المسجد لا يُخرِجُهُ إلّ الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خُطوةً إلاّ رُفِعَتْ له بها
درجةٌ، وحُطَّ عنهُ بها خَطيئةٌ، فإذا صَلَّى لمْ تَزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليهِ ما دامَ في
٤٢٤

مُصَلاَهُ: اللهم! صلِّ عليه، اللهم! ارحمْهُ)).
وقال: ((لا يزالُ أحدُكُمْ فِي صَلاةٍ ما دامَ ينتظِرِها، ولا تزالُ الملائكَةُ
تُصلِّي على أحدِكُمْ ما دامَ في المسجِدِ تقول: اللهمَّ! اغفِرْ لهُ، اللهمَّ! ارحَمْهُ
ما لمْ يُحدِثْ)).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ريليه: صلاة الرجل في الجماعة
تضعف))؛ أي: تزداد الأجر.
((على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً)؛ أي: مثلاً،
والمراد: الكثرة لا الحصر.
((وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه))؛
أي: من بيته إلى المسجد، ((إلا الصلاة))، لا شغلَ آخر، جملة حالية.
((لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى
لم تزل الملائكة تصلي عليه)»؛ أي: تدعو له وتستغفر له.
(«ما دام في مصلاه))؛ أي: في الموضع الذي صلى فيه.
((ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة))؛ أي: مادام ينتظرها.
((وعنه، عن النبي ◌َّم أنه قال: لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها،
ولا تزال الملائكة تصلي عليه ما دام في المسجد، تقول))؛ أي: الملائكة:
((اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث)) بالتخفيف من (الحدث)؛ أي:
ما لم يبطل وضوءه؛ لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل
من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، ومن شدَّد الدال
فقد غلط .
٤٢٥

٤٩١ - وقال: ((إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجِدَ فليَقُلْ: اللهمَّ! افتَحْ لي أبوابَ
رَحِمَتِكَ، وإذا خرجَ فليَقُل: اللهمَّ! إني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ)).
((وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله وَّه: إذا دخل أحدكم المسجد
فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من
فضلك)): لعل السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول والفضل بالخروج: أن
من دخل اشتغل بما يؤلفه إلى الله تعالى وإلى ثوابه وجنته، فناسب أن يذكر
الرحمة، فإذا انتشر في الأرض اشتغل بابتغاء الرزق، فناسب أن يذكر الفضل،
كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُ وا فِ الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
٤٩٢ - وقال: ((إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ
يَجْلِسَ».
((وعن أبي قتادة السلمي أنه قال: قال رسول الله وَلي: إذا دخل أحدكم
المسجد فليركع))؛ أي: فليصل ((ركعتين))؛ يعني: تحية المسجد ((قبل أن
یجلس».
٤٩٣ - وقال كعب بن مالك: كانَ رسولُ اللهِ وَّهِ لا يَقْدُمُ مِنْ سِفَرٍ إلاَّ
نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بداً بالمسجِدِ، فصلَّى فيهِ ركعَتَيْنِ، ثمَّ جلسَ فيه.
((وقال كعب بن مالك: كان رسول الله وَلي لا يقدم من سفر إلا نهاراً في
الضُّحى)»: وهو وقت تشرق الشمس، فالسنة إذا رجع من السفر أن يدخل في
أول نهاره.
٤٢٦

«فإذا قدم بدأ بالمسجد»؛ أي: بدخوله.
((فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه)) لحظة؛ ليزوره المسلمون ويزورهم،
ثم يدخل بيته .
٤٩٤ - وقال رسول الله وَلجه: ((مَنْ سَمِعَ رَجُلاً ينشُدُ ضالَّةً في المسجدِ
فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عليكَ، فإنَّ المساجِدَ لمْ تُبْن لهذا».
((عن أبي هريرة به أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
من سمع رجلاً ينشد ضالة))؛ أي: يطلبها برفع الصوت.
((في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك؛ فإن المساجد لم تُبْن
لهذا»؛ أي: لنشدان الضالة، بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ، يعرف
منه كراهة كلِّ أمر لم يُين المسجد لأجله، حتى كره مالك البحث العلمي فيه،
وجوَّزه أبو حنيفة وغيره؛ لأنه مما يحتاج إليه الناس؛ لأن المسجد مجمعهم.
٤٩٥ - وقال: ((مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجرةِ المُنْتَنَّةَ فلا يَقْرَبنِ مَسجِدَنَاَ، فإنَّ
الملائكَةَ تتأذَّی ممَّا بَتَأَذَّی منهُ الإِنسُ)).
((وعن جابر څبه أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -:
من أكل من هذه الشجرة المنتنة)): كالثوم والبصل والكراث.
((فلا يقربن مسجدنا)): قيل: النهي يتعلق بكل المساجد، فالإضافة
للملابسة، أو التقدير: مسجد أهل ملتنا؛ لأن العلةَ وهي ((فإن الملائكة)): أريد
بهم: الحاضرون مواضع العبادات ((تتأذى مما يتأذى منه الإنس)) = عامةٌ؛ أي:
٤٢٧

توجد في سائر المساجد، فيعم الحكم، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل
المسجد وإن كان خالياً عن الإنسان؛ لأنه محل الملائكة .
٠
٤٩٦ - وقال: ((البُزاقُ في المَسجِدِ خَطيئةٌ، وكفَّارتُها دَفْنُها)).
((وعن أنسٍ أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: البزاق في المسجد
خطيئة))؛ أي: إلقاء البزاق في أرض المسجد وجدرانه إثمٌ.
((وكفارتها دفنها))؛ يعني: إذا أزال ذلك البراق أو ستره بشيء طاهرٍ عقيبَ
الإلقاء، أزال عنه تلك الخطيئة.
٤٩٧ - وقال: ((عُرِضَتْ عليَّ أَعمالُ أُمَِّي حَسَنُها وسيئُها، فوجدتُ في
مَحاسِنِ أعمالِها الأَذَى يُماطُ عنِ الطَّريقِ، ووجدتُ في مَساوىء أعمالِها
النُّخَاعةَ في المسجدِ لا تُدْفَنُ)).
((وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
عرضت علي أعمال أمتي؛ حسنها وسيئها)): بالرفع بدل من (أعمال).
((فوجدت في محاسن أعمالها)): جمع (حُسن) - بضم الحاء - على غير
قیاس.
((الأذى))؛ أي: إزالة الأذى، وهو: ما يتأذى به الناس من حجر أو غيره،
واللام فيه للعهد الذهني.
(یماط))؛ أي: يبعد.
((عن الطريق)): وهذه الجملة صفته.
٤٢٨

((ووجدت في مساوئ أعمالها)): جمع السُّوء على غير قياس أيضاً،
والباء فيها مقلوبة عن الهمزة.
((النُّخاعة) - بضم النون: البزقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها:
إلقاءُها .
((تكون في المسجد لا تدفن))؛ أي: لا تستر، الجملتان صفة (النخاعة)،
أو حال؛ يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات وإلقاء البزاق في
المسجد من جملة السيئات.
٤٩٨ - وقال: ((إذا قامَ أحدُكُمْ إلى الصَّلاةِ فلا يَبصُقْ أَمامهُ، فإنما
يناجي الله ما دام في مُصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً، وليبصُق عن
يَسارِهِ أو تحتَ قدَمِهِ فَيَدْفِنُها)»، وفي رواية: ((أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى)).
((عن أبي هريرة ظه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقْ أمامه))؛ أي: لا يرمي البزاق تلقاءَ وجهه
نحو القبلة.
((فإنما يناجي الله تعالى))؛ أي: يخاطبه.
((ما دام في مصلاه))، ومن يناجي أحدٌ لا يبصق نحوه، وتخصيص القبلة
مع استواء جميع الجهات بالنسبة إليه تعالى؛ لتعظيمها.
((ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً))، وتخصيص يمين المصلي بالملك،
وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّ ◌َلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعٌِ﴾ [ق: ١٧]؛ للإيذان بمزية
ملك اليمين على الشمال بالشرف؛ لأنه كاتب الحسنات التي هي علامة الرحمة،
فالتنكير للتعظيم؛ أي: ملكاً عظيم الشأن، فكان حقه الإكرام، ولذا قال - عليه
٤٢٩

الصلاة والسلام -: ((كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات)).
قيل: هذا النهي عام في المسجد وغيره.
((وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها)).
((وفي رواية)): أبي سعيد ((أو تحت قدمه اليسرى)).
٤٩٩ - وقال: ((لعنةُ الله على اليهودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبيائهم
مَساجِدَ».
((وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»:
وذلك إما لسجودهم لقبور أنبيائهم تعظيماً لها، وهذا شرك جلي؛ لأن السجود
لا يجوز إلا لله، وإما لاعتقادهم أن الصلاة إلى قبورهم أفضل وأعظم موقعاً عند
الله؛ لاشتماله عبادةَ الله تعالى وتعظيمَ أنبيائهم، وهذا شرك خفيٌّ من حيث إنه
أتى في عبادته بما يرجع إلى تعظيم مخلوق، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام -:
((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبدُ».
٥٠٠ - وقال ◌َ: ((ألا فلا تَّخِذُوا القُبُورَ مساجَدَ، إنِّي أنهاكُمْ عَنْ ذلك)).
((ألا فلا تتخذوا القبور مساجد)): نهى - عليه الصلاة والسلام - أمته عن
الصلاة في المقابر؛ احترازاً عن المشابهة اليهود والنصارى.
(إني أنهاكم عن ذلك)): تأكيد للنهي قبله، أما من صلَّى في مقبرة، وقصدَ
به وصول أثرٍ من آثار عبادته إليه، لا التعظيم والتوجُّه نحوه؛ فجائز.
٤٣٠

٥٠١ - وقال: ((اجْعَلُوا في بُيوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، ولا تَّخِذُوهَا قُبُوراً).
(عن ابن عمر ﴾ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم)): مفعول (اجعلوا)؛ أي: اجعلوا بعضَ
صلاتکم في بیوتکم .
((ولا تتخذوها قبوراً) بإخلائها عن الصلوات وقراءة القرآن، وهو من باب
الاستعارة، أو المراد: لا تجعلوا بيوتكم أوطاناً للنوم الذي هو أخٌ للموت،
لا تصلون فيها .
وقيل: إن مثل الذاكر لله ومثل غير الذاكر الله كمثل الحي والميت؛ الساكن
في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما
جعل نفسه بمنزلة الميت.
مِنَ الحِسَان:
٥٠٣ - عن أبي هريرة ﴾
به قال: قال رسول الله وَّلهُ قال: ((ما بينَ المَشرقِ
والمَغربِ قِبْلٌ».
((من الحسان)):
((عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله نَّه: ما بين المشرق والمغرب
قبلة)): المراد به: قبلة أهل المدينة؛ لوقوعها بينهما، وهي إلى طرف الغرب
أميلُ.
قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما
بينهما قبلة .
٤٣١

٥٠٤ - وقال طَلْق بن علي: خرجْنَا وَفْداً إلى النَّبيِّ نَ﴿ فبايعناهُ، وصَلَّيْنَا
معهُ، وأخبَرْنَهُ أنَّ بأرضنَا بِيْعةٌ لنا، فقال: ((إذا أَتَيْتُمْ أرضَكُمْ فاكسِروا بِيعَتَكُمْ،
وانضَحُوا مَكانَها بهذا الماءِ، وانَّخِذُوهَا مسجِداً).
((وقال طَلْق بن علي: خرجنا وفداً): نصب على الحال؛ أي: حال كوننا
وافدين ((إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ أي: قاصدين لتعلم الدين
منه .
((فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا»: وهي الموضع
الذي تعبد فيه النصارى.
((فقال: إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم))؛ أي: غيروا محرابها،
وحولوه إلى الكعبة، وقيل: خرِّبوها.
((وانضحوا))؛ أي: رشوا وأريقوا.
((مكانها بهذا الماء)»: قيل: الإشارة إلى فضل وَضوئه عليه الصلاة
والسلام؛ لما روي: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بماء فتوضأ منه،
فتمضمض، ثم صبَّه في إداوة، وقال: ((اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم،
فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء)).
((واتخذوها مسجداً فقلنا: يا نبي الله! إن البلد بعيد، والماء ينشف،
فقال: أمدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيباً)).
*
٥٠٥ _ قالت عائشة رضي الله عنها: أمرَ رسولُ الله ◌َّهِ ببناءِ المَساجدِ في
الدُّورِ، وأنْ تُتَظَّفَ وتُطَيِّبَ.
((قالت عائشة: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ أي: أذِن
٤٣٢

(ببناء المسجد في الدُّور)): جمع الدار، والمراد هنا: المحلات؛ فإنهم كانوا
يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلةٌ داراً، أو محمولٌ على اتخاذ بيت في
الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهلُ البيت.
(وأن ينظف))؛ أي: يُطهَّر بإزالة التبن والتراب والقاذورات.
((ويطيب))؛ أي: يُجعَل فيه الطيب.
٥٠٦ - وعن ابن عباس ﴾ قال: قال رسول الله مَّهِ: ((ما أُمِرْتُ بتشييدٍ
المَساجِدِ))، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِ فُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى.
(وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
ما أمرت بتشييد المساجد)): (ما) نافية، و(تشييدها): رفع بنائها وتطويلها،
وقيل: تجصیصها.
((قال ابن عباس: لتزخرفنها)): بفتح اللام توطئة للقسم؛ أي: والله لنزينن
المساجد .
((كما زخرفت اليهود والنصارى))؛ أي: مساجدهم عندما حرَّفوا وبدَّلوا
أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم من المراءاة والمباهاة بالمساجد
بتشییدها وتزيينها .
٥٠٧ - عن أنس ، عن النبيِّ ◌َ﴿ قال: ((إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ
يَتَبَاهَى النَّاسُ في المساجِدِ)».
((وعن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إن
٤٣٣

من أشراط الساعة)): جمع شرط، وهو: العلامة؛ أي: من علامات القيامة.
((أن يتباهى الناس))؛ أي: يتفاخر.
((في المساجد)»؛ أي: في شأنها، فيقول كل واحد: مسجدي أرفع بناء
وأكثر زينة من مسجد فلان.
٥٠٨ - وقال: ((عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةَ يُخرِجُها الرجُلُ مِنَ
المسجِدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فلمْ أَر ذنباً أعظمَ مِنْ سورَةٍ مِنَ القُرآنِ أو
آیةٍ أُوتِيَها رجلٌ، ثمَّ نَسِیَها)).
((وقال عليه الصلاة والسلام: عرضت علي أجور أمتي))؛ أي: أجور
أعمال أمتي.
((حتى القَذاة)) بفتح القاف: التبن والتراب وغير ذلك مما يُطهّر منه
المسجد .
((يخرجها الرجل من المسجد))؛ يعني: تطهير المسجد حسنة، ويجوز في
(القذاة) الرفع والجر.
((وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أو
آية أوتيها رجل))؛ أي: تعلمها.
((ثم نسيها))؛ يعني: يكون ذنبه أعظم من سائر الذنوب الصغائر؛ لأن
نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن عن استخفاف وقلة تعظيم،
وإنما قال - عليه الصلاة والسلام - بهذا للتشديد والتحريض على مراعاة حفظ
القرآن.
٤٣٤

٥٠٩ - وقال: ((بَشِّر المشَّائِينَ في الظُّلَم إلى المساجِدِ بالنُّورِ الثَّامِّ يومَ
القِيامَةِ» .
((وعن بريدة الأسلمي أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
وسلم: بشِّر المشائين)»: جمع المشَّاء، وهو: كثير المشي.
((في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)): قيل: لو مشى في
الظلام بضوء وأراد به دفع آفات الظلام، فالجزاءُ بحاله، وإلا فلا.
*
٥١٠ - وقال: ((إذا رأيتُم الرجل يتعاهد المَسجدَ فاشهدوا له بالإيمان،
فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِللهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾).
((وعن أبي سعيد الخدري ظ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد)»؛ أي: يخدمه ويعمره.
وقيل: المراد التردد إليه في أوقات الصلاة وإقامة جماعته، وهذا هو
التعهد الحقيقي؛ إذ ذلك عمارته صورة ومعنى.
«فاشهدوا له بالإيمان»؛ أي: بأنه مؤمن.
((فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ
الْآَخِرِ﴾: قال صاحب ((الكشاف)): عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها
بالمصابيح، وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر، وصيانتها عما لم تُبن له
المساجد من أحاديث الدنیا فضلاً عن فضول الحدیث.
٥١١ - قال عُثمان بن مَظْعُون ﴾: قلت: يا رسولَ الله! ائذَنْ لنا في
الاخْتِصَاءِ، فقالَ رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ليسَ مِنَّا مَنْ خَصَى، ولا مَنِ اخْتَصى، إنَّ
٤٣٥

خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ))، فقال: ائْذَنْ لنا في السِّيَاحَةِ، فقال: ((إنَّ سياحَةَ أُمَّتِي
الجِهادُ في سَبيلِ الله))، فقال: ائذَنْ لنا في التَّرَهُبِ، فقالَ: ((إنَّ تَرَهَّبَ أُمَّتِي
الجُلُوسُ فِي المَساجِدِ انتِظارَ الصَّلاةِ».
((وقال عثمان بن مظعون)): حين أرسله جماعة من أهل الصُّفة؛ ليستأذن
لهم في الاختصاء؛ لأنهم يشتهون النساء، ولا طَول لهم بذلك: ((يا رسول الله!
ائذن لنا في الاختصاء، فقال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم))؛ نهياً عن
ذلك: ((ليس منا))؛ أي: ممن يتمسك بسنتنا ويقتدي بهدينا .
((من خصی))؛ أي: أخرج خصية أحد.
((ولا اختصى)): بحذف (من)؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أخرج وسلَّ
خصية نفسه .
(إن خِصاءَ أمتي الصيام))؛ فإنه يكسر الشهوة، وجعل الصيام خصاءً
مجاز؛ لأنه يكاد يلحق الصوام بالخصيان في اشتهاء النكاح.
((فقال))؛ أي: عثمان: ((ائذن لنا في السياحة)): وهو التردد والسفر في
البلاد والذهاب في الأراضي، كفعل عُبَّاد بني إسرائيل.
((فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، فقال: ائذن لنا في
الترهُّب)): وهو التزهد والتعبد، والمراد به هنا: العزلة عن الناس، والفرار من
بینهم إلی رؤوس الجبال والمواضع الخالية، کما فعلت زهاد النصارى، حتى إن
منهم من خصى نفسه، ووضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب،
فنهى - عليه الصلاة والسلام - المسلمين عنها .
((قال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة)): نصب بأنه
مفعول له للجلوس؛ أي: لانتظار الصلاة.
٤٣٦

٥١٢ - عن عبد الرحمن بن عائشه قال: قال رسول الله وَله: ((رَأَيْتُ
رَبِي تَبَّارَكَ وتعالى في أَحْسَنِ صُورَةٍ، فقال: فيمَ يَخْتَصِمُ المَلَ الأَعْلَى
يا مُحَمّد؟ قلتُ: أنتَ أَعْلَمُ أَي رَبِّ - مَرَّتَيْنِ - قال: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ،
فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْتَيَّ، فَعَلِمْتُ ما في السَّماءِ والأَرْضِ، ثُمَّ تلا هذه الآية:
وَكَذَلِكَ نُرِىٌ إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾، ثم قال:
فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؟ قلتُ: في الكَفَّارَاتِ، قالَ: وما هُنَّ؟
قُلْتُ: المَشْيُ على الأقْدَامِ إلى الجماعَاتِ، والجُلُوسُ في المَسَاجِدِ خَلْفَ
الصَّلواتِ، وإبلاغُ الوُضوءِ أماكِنَهُ في المَكَارِهِ، مَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ
بِخَيْرٍ ، ويكونَ مِنَ خَطِيئَتِّهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ومِنَ الذَّرَجَاتِ إِطْعَامُ الطَّعامِ، وبَذْلِ
السَّلامِ، وأنْ يَقُومَ بالليلِ والنَّاسُ نِيامٌ، قال: قُلِ: اللهمَّ! إنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيِبَاتِ،
وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المساكين، وأَنْ تَغْفِرَ لي خَطِيئِ وتَرْحَمَني وتَتُوبَ
عَلَيَّ، وإذا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَِّي غَيْرَ مَفْتُونٍ)).
((وعن عبد الرحمن بن عائش أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم: رأيت ربي تبارك وتعالى في أحسن صورة)): حال من النبي عليه
الصلاة والسلام؛ أي: رأيته وأنا في تلك الحالة في أحسن صورة وصفة من غاية
لطفه تعالى بي وإنعامه علي.
ويحتمل أن يكون حالاً من المرئي؛ فالسلفُ على الإيمانِ بظاهر مثله،
وتفويضٍ أمر باطنه إليه تعالى.
ثم هذا الحديث مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن عائش يرويه عن مالك بن
عامر، عن معاذ بن جبل: قال معاذ ظه: لم يخرج علينا رسول الله صل* يوماً
لصلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فخرج، فصلى بنا صلاة الغداة على
العجلة، ثم قال: ((قمت الليلة، وصليت ما قدر الله لي أن أصلي، ثم غلبني
٤٣٧

النعاس، فوضعت جنبي في المسجد، فرأيت ربي في المنام في أحسن صورة)).
((فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟)): المراد بهم: الملائكة
المقربون، وصفوا به لعلوٍّ مكانهم، وهو السماوات، أو لعلو منزلتهم عند الله.
واختصامهم: عبارة عن تبادرهم إلى تثبيت تلك الأعمال المكفرة للذنوب
والصعود بها إلى السماء، أو عن تقاولهم فيما بينهم في فضل تلك الأعمال
وشرفها .
((قلت: أنت أعلم أي رب)»: وإنما نادى بـ (أي) دون (يا) أدباً؛ لأن (يا)
ینادی به البعيد، والله تعالی أقرب من حبل الوريد.
وأما ما روي من النداء بـ (يا) في الدعوات، فلهضم النفس واستبعادها
عن مظانِّ الإجابة، وهو اللائق بحال الدعاء.
(مرتين)): متعلق بقوله: (فيم يختصم)؛ أي: جرى السؤال من ربي
مرتين، والجواب مني مرتين.
((قال: فوضع كفه بين كتفي)): وهذا مجاز عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل
عليه وتكريمه؛ فإن من شأن الملوك إذا أراد أحدهم أن يقرب من نفسه بعضَ
خدمه، ويذكر معه بعض أحوال مملكته: أن يضع يده على ظهره؛ تعظيماً لشأنه
وتکريماً له.
((فوجدت بردها))؛ أي: برد الكفِّ؛ يعني: راحة لطفه تعالى.
(بين ثديي)): أراد به: قلبه، وذلك عبارة عن نزول الرحمة على فؤاده،
وانصباب العلوم الوجدانية إلى صدره.
((فعلمت ما في السماوات والأرض»: كناية عن سعة علمه الذي فتحه الله
تعالى.
(ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ)))؛ أي: كما نريك يا محمد أحكام الدين
٤٣٨

وعجائب ما في السماوات والأرض.
﴿زُرِىِّ إِّرَهِيمَ﴾: مضارع في اللفظ، ومعناه الماضي؛ أي: أرينا إبراهيم.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الربوبية والإلهية، ووفقناه بمعرفتها
وأرشدناه بما شرحنا صدره.
﴿وَلِيَكُونَ﴾: عطف على مقدر؛ أي: نريه الملك العظيم، وهو عالم
المعقولات؛ ليستدلَّ به علينا، وليكون ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾: في أن لا إله غيري.
(ثم قال تعالى)) سائلاً مرة أخرى: ((فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟
قلت: في الكفارات))؛ أي: الأشياء التي تكفر الذنوب؛ أي: تمحها، وفي
رواية ابن عباس: (في الدرجات والكفارات).
((قال: وما هن؟)): استفهام عن تلك الكفارات، والغرضُ منه إظهار علمه
التفصيلي الذي علَّمه تعالى إياه، وأن يخبرها أمته؛ ليفعلوها.
((قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد
خلف الصلوات، وإبلاغ الوَضوء)»: بفتح الواو؛ أي: إيصال ماء الوضوء بطريق
المبالغة .
((أماكنه))؛ يعني: مواضع الفروض والسنن.
((في المكاره))؛ أي: في شدة البرد، وإنما خصَّ هذه الأشياء بالذكر حثاً
على فعلها؛ لأنها دائمة، فكانت مظنة أن تُملَّ.
((ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكون من خطيئته كيوم
ولدته أمه)): (يوم) مبني على الفتح؛ لإضافته إلى الماضي؛ يعني: يخرج من
ذنوبه الصغائر طاهراً، أما الكبائر ففي مشيئة الله تعالى.
((ومن الدرجات))؛ أي: ومما يرفعها، أو يوصل إليها، فـ (من) هذه
للتبعيض .
٤٣٩

((إطعام الطعام، وبذل السلام))؛ أي: إفشاؤه على من عرف ومن لم
يعرف.
((وأن تقوم بالليل والناسُ نيام))، وإنما عُدَّت هذه الأشياء منها؛ لأنها
فضل منه على ما وجب عليه، فلا جرمَ استحقَّ بها فضلاً، وهو علوُّ الدرجات.
قال الله تعالى لمحمد بَر: ((قل: اللهم إني أسألك الطيبات))؛ أي:
الأقوال والأفعال الصالحة.
((وفعل الخيرات، ترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي
وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت فتنة))؛ أي: ضلالةً.
(في قوم، فتوفني إليك)»: فقدِّرْ موتي ((غير مفتون))؛ أي: غير ضالٌّ.
٥١٣ - عن أبي أمامة ﴿ه، عن رسول الله وَّ﴿ قال: ((ثلاثةٌ كُلُّهُمْ ضامِنٌ
على الله: رَجُلٌ خرجَ غازِياً في سبيل الله، فهو ضامِنٌ على الله حتَّى يَتوفَّاهُ
فِيُدْخِلَهُ الجنَّةَ أو يَرُدَّهُ بما نالَ مِنْ أَجرٍ أو غنيمةٍ، ورَجُلٌ راحَ إلى المسجِدِ فهو
ضامِنٌ على الله، ورجُلٌ دخلَ بيتَهُ بسلامٍ فهو ضامِنٌ على الله)).
((عن أبي أمامة: عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ثلاثة
کلهم»؛ أي: کُّ واحد منهم.
(ضامن))؛ أي: ذو ضمان، وقيل: بمعنى: مضمون.
((على الله))؛ يعني: وعد الله وعداً لا خُلفَ فيه أن يعطيهم مرادهم.
((رجل خرج غازياً في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه))؛ أي:
يقبض روحه؛ إما بالموت، أو بالقتل في سبيل الله.
((فيدخله الجنة، أو يرده بما نال))؛ أي: بما وجده ((من أجر أو غنيمة،
٤٤٠