Indexed OCR Text

Pages 101-120

((فيسبق))؛ أي: يغلب.
((عليه الكتاب))؛ أي: كتاب السعادة، فالتعريف للعهد، والكتاب بمعنى
المكتوب؛ أي: المقدَّر.
((فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل
الجنة حتی ما یکون بينه وبينها))؛ أي: بين الجنة والنار.
((إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب))؛ أي: كتاب الشقاوة ((فيعمل بعمل أهل
النار فیدخل النار)).
٦٢ - وقال: ((إنَّ العَبْدَ ليعمَلُ عمَلَ أهلِ النارِ وإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ويعملُ
عملَ أهلِ الجَنَّةِ وإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنَّما الأعمالُ بالخَواتيم))، رواه سَهْل بن
سَعْد الساعدي.
((وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله وَله: إن الرجل ليعمل عمل
أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما
الأعمال بالخواتيم))؛ يعني: إنما اعتبار الأعمال بما يُختم عليه أمرُ عاملها، فربّ
كافر متعدِّدٍ يُسلم في آخر عمره ويُختم له بالسعادة، ورب مسلم متعبد يُسلب
إيمانه فيُختم له بالشقاوة .
٦٣ - وقالت عائشةُ رضي الله عنها: دُعِيَ رسولُ اللهِ وَه إلى جَنازةٍ صَبيٍّ
من الأَنْصارِ، فقلتُ: طُوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لمْ يعمَل سُوءاً،
قال: ((أَوْ غيرُ ذلك يا عائشةُ! إنَّ الله خلقَ الجنَّةَ وخلقَ النَّار، فخلقَ لهذه أهلاً،
ولهذه أهلاً، خلقَهم لهما وهم في أَصلابِ آبائهم».
١٠١

((وقالت عائشة - رضي الله عنها -: دُعِيَ رسول الله وَلي إلى جنازة صبي
من الأنصار فقلت: طوبى)) تأنيث أطيب من الطيب في المعيشة؛ أي: الراحةُ
وطِيبُ العيش حاصلٌ ((لهذا)) الصبي، ((عصفور))؛ أي: هو عصفور ((من عصافير
الجنة)) شبهته بالعصفور إما لصغره كما أنه صغير بالنسبة إلى من هو أكبر منه من
الطيور، وإما لكونه خالياً من الذنوب من عدم كونه مكلفاً.
(لم يعمل سوءاً)؛ أي: ذنباً.
((قال: أوغير ذلك)) بتحريك الواو ورفع (غير)، وهو المشهور روايةً،
فالهمزة للاستفهام والواو للحال؛ أي: أتعتقدين ما قلت والحق غير ذلك
(يا عائشة)) وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة، وإنما نهاها - عليه الصلاة
والسلام - عن ذلك مع أن أطفال المؤمنين أتباع لآبائهم؛ لأنها إشارة(١) إلى طفل
معيَّن، فالحكم على شخص معيَّن بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود
النص؛ لأنه من علم الغيب.
ويحتمل أن يكون نهاها قبل نزول ما نزل في حق وِلْدان المؤمنين بأنهم
تبع لآبائهم، والتبعية في الدنيا من الإيمان والكفر، وحكمها من أمور الآخرة.
((إن الله تعالى خلق الجنة والنار وخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً خلقهم
لهما»؛ أي: لكل واحد منهما.
((وهم في أصلاب آبائهم)): جمع صلب، وهو وسط الظهر، يعني: عيَّن
في الأزل من سيكون من أهل الجنة، ومن سيكون من أهل النار، فعبَّر عن الأزل
بأصلاب الآباء لأنه أقرب إلى فهم الناس.
وفي الحديث: دلالة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن كما
(١) في ((م): ((أشارت)).
-
١٠٢

هو مذهب أهل السنة، وإشارة إلى أن الثواب والعقاب ليسا لأجل الأعمال، بل
الموجب لهما اللطف الرباني أو الخذلان السابق المقدَّر لهم أزلاً .
٦٤ - وقال رسول الله وَجِ: ((ما منكم من أحدٍ إلاَّ وقد كُتِبَ مَفْعدُهُ مِنَ
النارِ ومَفْعِدُهُ منَ الجنَّةِ»، قالوا: يا رسولَ الله! أفلا نَّكِلُ على كتابنا وندعُ
العملَ؟ فقال: ((اعملوا، فكلٌّ مُيسَرٌ لما خُلِقَ له، أَمَّا مَن كان من أهلِ السعادة
فسَيُسَر لعمَلِ السَّعادة، وأمَّا مَن كان من أهل الشَّقاوة فسيُسَّر لعملِ الشَّقاوةِ»،
ثمَّ قرأَ: ((﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى وَصَدَّقَ بِاَلْفَ﴾ الآيةَ))، رواه علي بن أبي طالب.
((وعن عليه أنه قال: قال رسول الله وَله: ما منكم من أحد إلا وقد
كتب)) الواو للحال والاستثناء مفرغ؛ أي: ما وجد أحد منكم في حال من
الأحوال إلا وقد قدر له ((مقعده من النار ومقعده من الجنة)) الواو فيه بمعنى (أو)
لما جاء في بعض الروايات: بـ (أو) مصرحاً، لكن حديث أنس في إثبات عذاب
القبر يدل على أن لكل مؤمن مقعدين: أحدهما في الجنة، والآخر في النار.
((قالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل)) الفاء جواب شرط مقدر؛ أي إذا كان
الأمر كذلك أفلا نعتمد «على كتابنا)) المقدَّرِ لنا في الأزل ((وندع العمل؟))؛ أي:
نتركه، إذ لا فائدة في إتعاب أنفسنا بالأعمال؛ لأن قضاء الله لا يغيّر، فلم
يرخص عليه الصلاة والسلام في ذلك، بل أعلمهم أن ها هنا أمرين لا يُبطل
أحدهما الآخر: باطن هو حكم الربوبية، وظاهر هو سمة العبودية، وهو غير
مفيد حقيقة العلم، فأمر عليه الصلاة والسلام بكليهما ليتعلق الخوف بالباطن
المغيب، والرجاء بالظاهر البادي؛ ليستكمل العبد بذلك صفة الإيمان.
((قال: اعملوا فكل)): الفاء للسببية، والتنوين عوض عن المضاف إليه؛
أي: كلُّ خلق ((ميسر))؛ أي: موفق ومهيًَّ «لما خلق له))؛ أي: قدِّر له ذلك من
١٠٣

عمل الجنة أو النار، فيسوقه العمل إلى ما كتب له من سعادة أو شقاوة، ونظيره
الرزق المقسوم مع الأمر بالکسب.
ثم فصل ◌َيجو ما أجمله بقوله: ((أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل
السعادة»؛ أي: سیوفّق لذلك العمل بإقداره عليه وتمكينه منه.
((وأما من كان من أهل الشَّقاوة)) بفتح الشين بمعنى الشقاوة ضد السعادة
((فسيُيَسَّر لعمل الشِّقوة)) بكسر الشين؛ أي: يسهّل عليه ذلك بأن اتبع هواه وران
على قلبه الشهوات حتى أتى بأعمال أهل النار، وأصر عليها حتى طوى صحيفة
أعماله على ذلك.
(ثم قرأ»؛ أي: النبي ◌َّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾؛ أي: حق الله من ماله ﴿وَأَنَّقَ﴾؛
أي: خاف من الله ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُتْنَ﴾؛ أي: بكلمة لا إله إلا الله ﴿فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:
٧]؛ أي: الجنة. ((الآية)).
٦٥ - وقال: ((إنَّ الله - تعالى - كتبَ على ابن آدمَ حظّهُ مِنَ الزُّنا، أدركَ ذلكَ
لا محالةَ، فِزِنا العين النَّظر، وزِنا اللِّسان المَنْطقُ، والنَّفسُ تتمنَّى وتشتَهي، والفَرْج
◌ُصدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُ».
وفي روايةٍ: ((الأُذُنَانِ زِناهُما الاستماعُ، واليدُ زِناها البَطْشُ، والرّجلُ
زِناها الخُطا»، رواه أبو هريرة ظ
((وعن أبي هريرة ه أنه قال: قال رسول الله وَليزر: إن الله تعالى كتب))؛
أي: أثبت في اللوح المحفوظ.
((على ابن آدم حظه من الزنا) أراد به مقدِّماتِه من النظر الحرام والاستماع
والبطش والتخلي له والتكلم به والاشتهاء له.
١٠٤

((أدرك ذلك لا مَحالة)) بفتح الميم؛ أي: أصاب ذلك الحظَّ المكتوب عليه
البتة .
وقيل: معناه: خلق لابن آدم الحواس التي يجد بها لذة من الزنا، وأعطاه
القوى التي بها يقدر عليه، وركز في جبلَّته حب الشهوات.
((فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي)) والتمنِّي
أعم من الاشتهاء؛ لأنه یکون في الممتنعات دونه.
((والفرج يصدق ذلك)): أي: ما تتمناه النفس فيدعو إليه الحواس وهو
الجماع.
((أو يكذبه)): ومعنى تكذيبه تركُه والكف عنه، وإسناد التصديق والتكذيب
إلى الفرج بطريق المجاز.
اعلم أن هذا ليس على عمومه فإن الخواصَّ معصومون عن الزنا
ومقدِّماته، ويحتمل أن يبقى على عمومه بأن يقال: كتب الله على كل فرد من بني
آدم صدور نفس الزنا، فمن عصمه الله تعالى بفضله عن الزنا صدر عنه شيء من
مقدماته الظاهرة، ومن عصمه بمزيد فضله ورحمته عن صدور مقدماته، وهم
خواصُّ عباده، صدر عنه لا محالة بمقتضى الجبلة مقدماتُه الباطنةُ التي هي تمني
النفس واشتهاؤها .
((وفي رواية: الأذنان زناهما الاستماع، واليد زناها البطش))؛ أي: الأخذ
بها .
((والرجل زناها الخطى)): جمع خطوة، وهي ما بين القدمين، يعني:
زناها نقل الخطى؛ أي: المشي إلى ما فيه الزنا.
١٠٥

٦٦ - وعن عِمْران بن حُصَيْن: أنَّ رجلَيْنٍ من مُزَيْنَةَ قالا: يا رسول الله!
أرأيتَ ما يعملُ الناسُ، ويَكْدَحُونَ فيهِ، أشيءٌ قُضيَ عليهم ومضَى فيهِم مِنْ قَدَرٍ
سبَقَ، أمْ فيما يستقبلُونَ؟ فقال: ((لا، بل شيءٌ قُضيَ عليهم، وتصديقُ ذلكَ في
كتابِ الله : ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَهَمَهَا فُرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]).
((وعن عمران بن حصين: أن رجلين من مزينة)): اسم قبيلة.
((قالا: يا رسول الله! أرأيت))؛ أي: أخبرني.
((ما يعمل الناس)) من الخير والشر.
«ويكدحون فيه))؛ أي: يسعون في العمل.
((أشيء)) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أهو شيء.
((قُضي عليهم)): فقضي صفة (شيء)، أو (شيء) مبتدأ و(قضي) خبره.
((ومضى فيهم من قدر قد سبق، أم فيما يستقبلون))؛ أي: أم شيء لم
يُقض عليهم في الأزل، بل هو كائن فيما يستقبلون من الزمان الذي فيه يتوجهون
إلى العمل ويقصدون(١) من غير سَبْقٍ تقدیرٍ قبل ذلك.
((فقال: لا بل شيء قضي عليهم، وتصديق ذلك)) إشارة إلى ما ذكر من
أنه قضي عليهم.
(في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ﴾ الواو فيه للقسم عطفاً على ﴿وَالشَّمْسِ﴾،
أراد بها نفس آدم عليه السلام؛ لأنه الأصل، فالتنوين للتقليل.
وقيل: المراد: جميع النفوس، فالتنوين للتكثير.
﴿وَمَا سَوَّنَهَا﴾ (ما) بمعنى (مَن)؛ أي: ومن خلقها؛ يعني به ذاته تعالى؛
أي: خلقها على أحسن صورة، وزينها بالعقل والتمييز.
(١) في ((م): ((ويقصدونه)).
١٠٦

﴿فَمَهَا﴾؛ أي: أعلمها وركب فيها ﴿ُرَهَا﴾ الذي قضى به عليها
﴿وَتَقْوَنهَا﴾ الذي حكم به لها في السابق، والغرض: أنه تعالى ذكر ﴿فَأَهَمَهَا﴾
بلفظ الماضي الدال على أن ما يعمل الناس من الخير والشر قد جرى في الأزل.
٦٧ - وقال رسول الله وَله: ((يا أبا هريرةً! جَفَّ القلمُ بما أنتَ لاقٍ،
فاختَصِ على ذلكَ أو ذَرْ)).
((وقال أبو هريرة ﴿ه)): أتيت رسول الله وَطهير فقلت: إني رجل شاب،
وإني أخاف العنت، ولست أجد طولاً أتزوج به النساء(١)، فأذن لي أن أختصي.
((قال رسول الله لي: يا أبا هريرة! جف القلم)): جفافه كناية عن الفراغ
عن التقدير، وثبت المقادير، إذ جفاف قلم الكاتب يكون بعد فراغه عن الكتابة.
(بما أنت لاق))؛ أي: بما تفعله وتقوله ويجري عليك.
((فاختصِ)): أمر من الاختصاء، وهو جعلُ المرء نفسه خصياً.
((على ذلك)) في موضع الحال؛ يعني: إذا علمتَ أن كل شيء مقدَّرٌ
فاختصٍ حال كون اختصائك واقعاً على ما جف القلم به من الاختصاء.
((أو ذر))؛ أي: اترك الاختصاء حال كون تركك واقعاً على ما جف القلم
به من تركك، وهذا على وجه اللوم على استئذانه قطع العضو من غير فائدة.
٦٨ - وقال ◌َّه: ((إنَّ قُلوبَ بني آدمَ كُلَّهَا بينَ إصبعين من أصابعِ الرَّحمنِ،
(١) في ((غ)): ((بالنساء)) بدل ((به النساء)).
١٠٧

كقلْبٍ واحدٍ يُصرِّفُه كيفَ يشاءُ»، ثمّ قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اللهمَّ! مُصَرِّفَ
القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبنا على طاعَتِكَ))، رواهُ عبدالله بن عمرو.
((وعن عبدالله بن عمرو عنه أنه قال: قال رسول الله وَيقول: إن قلوب بني
آدم كلها بين إصبعين)) إطلاق الإصبع عليه تعالى مجاز، قيل: هذا استعارة
تخييلية والمستعارُ له التقليب؛ أي: تقليب القلوب في قدرته یسیرٌ.
وقيل: معناه: بين أثرين من آثار رحمته وقهره؛ أي: هو قادر على أن
يقلّبها من حال إلى حال، من الإيمان، والكفر، والطاعة، والعصيان، والغلظ،
واللين، وغير ذلك.
((من أصابع الرحمن)): وفي إضافة الأصابع إلى الرحمن إشعار بأن الله
تعالى من كمال رحمته على عباده تولى بنفسه أمر القلوب، ولم يكل ذلك إلى
أحد من ملائكته كيلا يطّلع على سرائرهم، ولا يكتب عليهم ما في ضمائرهم.
(كقلب واحد يصرفه كيف يشاء))؛ يعني: يتصرف في جميع القلوب
كتصرفه في قلب واحد لا يشغله قلب عن قلب.
((ثم قال رسول الله وَّه: اللهم)): أصله: يا الله، فحذف (يا) من أوله
وأدخل ميم مشددة في آخره عوضاً عنه.
((مصرف القلوب)) بالإضافة، نصب صفة (اللهم) عند المبرد والأخفش،
ومنادی برأسه عند سيبويه، وقد حذف منه النداء.
((صرف قلوبنا إلى طاعتك)) وإنما قال عليه الصلاة والسلام ذلك إرشاداً
للأمة التعوذ بالله في جميع أحوالهم من تحول النعمة إلى النقمة، يعني: اطلبوا من
الله توفيق الإيمان والطاعة والثبات والدوام على الخيرات، ولا تأمنوا مكر الله.
١٠٨

٦٩ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((ما مِنْ مَولودٍ إلاَّ يُولَدُ
على الفِطرَةِ، فَأَبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ أو يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهيمةً
جَمْعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تكونُوا أنتمْ تَجدعونَهَا؟))، ثم يقول:
(﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا﴾)).
((وعن أبي هريرة به قال: قال رسول الله ◌َله: ما من مولود إلا يولد
على الفطرة))؛ أي: على استعداد قبول الإسلام الذي خلقه الله تعالى في الإنسان
من العقل والتمييز بين الحق والباطل والخير والشر بواسطة الشريعة، ولو لم
تعترضه آفة من جهة أبويه لاستمر عليها، ولم يختر غير دين الإسلام.
(فأبواه يهودانه))؛ أي: يعلمانه اليهودية، ويجعلانه يهودياً.
((أو ينصرانه))؛ أي: يجعلانه نصرانياً.
((أو يمجسانه))؛ أي: يجعلانه مجوسياً، أو غير ذلك من الأديان ومذاهب
البدعة، فإن [طبيعة] الإنسان مخلوقة على قبول ما عرض عليها من الاعتقاد
والأفعال والأقوال.
(كما تنتج البهيمة)): صفة لمصدر محذوف، و(ما) مصدرية؛ أي: يولد
على الفطرة ولادةً مثلَ إنتاج البهيمة .
(بهيمة جمعاء)) الجمعاء من البهيمة هي التي لم يذهب من بدنها شيء،
صفة لبهيمة، و(بهيمة) منصوب على الحال على تقدير كون (تنتج) مجهولاً؛
أي: ولدت في حال كونها بهيمة سليمة الأعضاء، أو على أنه مفعول ثان لتنتج
معروفاً من أنتج: إذا ولد.
((هل تحسون فيها))؛ أي: هل تجدون وتبصرون في تلك البهيمة ((من
جدعاء)): تأنيث الأجدع، وهو مقطوع الأنف أو الأذن أو الشفة، صفة أخرى
لبهيمة بتقدير: مقولاً في حقها .
١٠٩

((حتى تكونوا أنتم تجدعونها))؛ أي: حتى يكون جادعها أنتم لا غيركم،
ولولا تعرضكم لها بالجدع لبقيت سليمة كما ولدت، شبَّ النبي ◌َّر ولادته على
الفطرة السليمة بولادة البهيمة السليمة عن العيوب، غير أن المراد فيها سلامتها
عن العيوب الظاهرة، وهنا سلامتها عن العيوب المعنوية.
(ثم يقول)): بمعنى قال؛ أي: قرأ رسول الله الآتى :
﴿فِطَرَتَ اللَّهِ﴾: منصوب على الإغراء؛ أي: الزموا فطرة الله وداوموا
عليها ولا تغيروها.
﴿الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ﴾؛ أي: خلقهم ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]»: هذا
نفي بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا ولا تغيروا ما خلق الله فيكم من قبول الإسلام.
٧٠ - وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري ﴿به قال: قامَ فينا رسولُ الله وَ﴿ بخمسٍ
كلِماتٍ، فقال: ((إنَّ الله تعالى لا يَنامُ، ولا ينبغي له أَنْ يَنامَ، يخفِضُ القِسْطَ
ويرفعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ،
حِجَابُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لِأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
((وعن أبي موسى ه أنه قال: قام فينا رسول الله (وَلي))؛ أي: خطبنا
وذگَّرنا.
((بخمس كلمات)»: جمع كلمة، والمراد بها الكلام المفيد المستقل.
((فقال: إن الله لا ينام)): لأن النوم استراحة القوى والحواس، تعالى الله
ج
عن ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
((ولا ينبغي له أن ينام))؛ أي: يستحيل عليه ذلك؛ لأنه المتصرف في ملكه
أبداً بميزان العدل، والأولى تدل على عدم صدور النوم عنه، والثانية على نفي
١١٠

جوازه عنه مؤكّدة للأولى.
(خفض القسط ويرفعه)) المراد بالقسط: الميزان؛ يعني: يخفض ويرفع
ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، يقللها لمن يشاء، ويكثرها لمن يشاء، كمن
بيده الميزان يخفض تارة ويرفع أخرى، وميزان أرزاقهم النازلة من عنده، قال
تعالى: ﴿وَمَا نُغَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
وقيل: المراد به العدل؛ يعني: ينقص العدل في الأرض بغلبة الجور
وأهله، ويرفعه تارة بغلبة العدل وأهله.
«یرفع إلیه))؛ أي: إلى مخزنه.
((عمل الليل قبل عمل النهار))؛ أي: قبل أن يشرع العامل في عمل النهار.
((وعمل النهار قبل عمل الليل))؛ أي: قبل أن يشرع في عمل الليل، هكذا
إلى يوم الجزاء؛ يعني: يعرض عمل كل منهما على حدة قبل عرض الآخر؛ لأنه
تعالى وكّل كل واحد منهما إلى ملائكة يتعاقبون في الناس تعاقب الليل والنهار
ليكتبوا أعمالهم، كما قال ◌َّلفى: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)).
وإنما رفعت إليه وإن كان أعلمَ بها ليأمر ملائكته بإمضاء ما قضى لفاعله
جزاء له على فعله.
وقيل: معناه: يقبل الله أعمال المؤمنين في ليلهم قبل النهار، وفي نهارهم
قبل الليل، فيكون عبارة عن سرعة الإجابة.
((حجابه النور)) هذا استئناف جواب عمن قال: لم لا نشاهد الله؟ يعني:
هو محتجب بنور عظمته فلا يشاهد، وهذا بالنسبة إلى العباد.
((لو كشفه)) استئناف أيضاً جواب عمن قال: لم لا يكشف ذلك الحجاب؟
يعني: لو رفع ذلك الحجاب ((لأحرقت سبحات وجهه)): جمع سبحة وهي
العظمة، وقيل: أي: أنوار وجهه، ووجهه ذاته.
١١١

((ما انتهى)) (ما) موصولة مفعول به لـ (أحرقت)؛ أي: لأحرقت ما وصل
((إليه بصره))؛ أي: عِلمه ((من خلقه)) بيان للموصول أو متعلق بـ (أحرقت)،
والمراد جميع الموجودات؛ لأن علمه تعالى محيط بجميع الكائنات ومنتهٍ إليه،
يعني: لاضمحل جميع الموجودات من هيبته وفنوا.
٧١ - وقال: ((يَدُ الله مَلَأَى، لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَخَاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتُمْ
ما أنفقَ منذ خَلَقَ السماءَ والأرضَ؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يديه، وكانَ عرشُهُ على
الماءِ، وبيدِهِ الميزانُ، يَخِفِضُ ويَرْفَعُ))، رواه أبو هريرة ﴾.
وفي روايةٍ أُخرى: ((يمينُ الرَّحمنِ مَلَى سَخَّاءُ».
(وعن أبي هريرة ﴿ه أنه قال: قال رسول الله وسلاف: يد الله)) هذا كناية عن
محل عطائه؛ أي: خزائنه.
((ملأی)) تأنيث الملآن.
((لا تغيضها نفقة))؛ أي: لا ينقصها إنفاقٌ وإعطاءُ رزق لمخلوقاته أبداً؛
لأن له القدرة على إيجاد المعدوم.
((سحاء الليل والنهار)) من سح: إذا سال من فوق؛ أي: دائمةُ الصبِّ في
الليل والنهار، صفة لـ (ید).
((أرأيتم))؛ أي: أتعلمون وتبصرون.
((ما أنفق)) (ما) مصدرية؛ أي: إنفاق الله تعالى على عباده.
(مذ خلق السماء والأرض، فإنه))؛ أي: الإنفاق ((لم يغض))؛ أي: لم
ينقص ((ما في يده)) (ما) هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول (لم يغض).
((وكان عرشه على الماء وبيده الميزان)؛ أي: ميزانُ الأرزاق والأعمال
١١٢

بقدرته. (یخفض ویرفع»
((وفي رواية: يمين الرحمن ملأى سحاء)» خص اليمين؛ لأنها مظنة
العطاء، وأشار إلى أنها المعطية عن ظهر غنّى؛ لأن الماء إذا انصب من فوق
انصب بسهولة، وإلى جزالة عطاياه؛ لأن السح يستعمل فيما بلغ وارتفع عن
القطر حد السيلان، وإلى أنه لا مانع لعطائه؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب لم
يستطع أحد أن يرده.
٧٢ - وعن أبي هُريرة ﴿به قال: سُئِلَ رسولُ اللهِلَّهُ عِنْ ذَرَارِي المشركينَ
فقال: ((الله أعلمُ بما كانوا عامِلین)).
((وعنه أنه قال: سئل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن ذراري
المشركين)): جمع ذرية؛ أي: سئل عن حكم أطفالهم أنهم من أهل الجنة أو من
أهل النار.
((فقال - عليه الصلاة والسلام -: الله أعلم بما كانوا عاملين)) من الكفر
والإيمان، يعني: من علم الله أنه إن عاش وبلغ يصدر منه الكفر يدخله النار،
ومن علم الله أنه لو عاش وبلغ يصدر منه الإيمان يدخله الجنة، فلم يقطع - عليه
الصلاة والسلام - بكونهم من أهل الجنة، ولا بكونهم من أهل النار، بل أمرهم
بالاعتقاد الذي عليه أكثر أهل السنة من التوقف في أمرهم.
مِنَ الحِسَان:
٧٣ - عن عُبادة بن الصَّامت ﴿ه قال: قال رسول الله وَّه: ((إنَّ أوَّلَ ما
خَلَقَ الله تعالى القلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ما أَكتبُ؟ قال: القَدَر، ما كانَ
١١٣

وما هو كائنٌ إلى الأَبَدِ»، غريب.
((من الحسان)).
((عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله له: إن أول ما خلق الله
القلم)» معناه: أول ما خلق الله من جنس الأقلام ذلك القلم؛ لا أنه أولُ من جميع
الأشياء، وكذا تأويل قوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث آخر: ((أول ما خلق
الله نوري))؛ أي: أنه أولُ من جنس الأنوار، إذ الأوَّلية من الأمور الإضافية.
((فقال))؛ أي: الله للقلم: ((اكتب، فقال))؛ أي: القلم: ((وما أكتب؟)) (ما)
استفهامية مفعولٌ مقدمٌ على الفعل .
((قال: القدر)) منصوب بفعل مقدَّر؛ أي: اكتب القدر؛ أي: المقدَّر
المقضيّ.
((ما كان)) بدل من (القدر)، أو عطفُ بيان له، ((وما هو كائن إلى الأبد)).
(غریب)) .
٧٤ - وسُئلَ عمرُ بن الخطّاب عنْ هذِهِ الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن
ظُهُورِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ الآية، قال عمر ظه: سمعتُ رسولَ اللهِلَّذِ يُسأَلُ عنها،
فقال: ((إنَّ الله خلقَ آدمَ، ثمَّ مسحَ ظهرَهُ بيمينِهِ، فاستخرَجَ منهُ ذُرِّيَّةً، فقال:
خلقْتُ هؤلاءٍ للجنّةِ، وبعملِ أهل الجنةِ يعملون، ثم مَسَحَ ظهرَهُ، فاستخرجَ
منه ذُرِّيَّةً، فقال: خلقْتُ هؤلاءِ للنَّارِ، وبعملِ أهلِ النارِ يعملونَ»، فقالَ رجلٌ:
ففيمَ العملُ يا رسولَ الله؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَاهِ: ((إنَّ الله إذا خَلَقَ العَبْدَ للجنَّةِ
استعمَلَهُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عمَلٍ مِنْ أَعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُهُ
بِهِ الجنَّة، وإذا خلقَ العبدَ للنَّارِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ النَّارِ، حتى يموتَ على عمَلٍ
١١٤

مِنْ أَعْمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُهُ بِهِ النَّارَ».
((وسئل عمر بن الخطاب ﴿ه عن هذه الآية))؛ أي: عن كيفية أخذ الله
ذرية بني آدم عن ظهورهم، المذكورِ في هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾؛ أي:
أخرج ﴿مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بدل من ﴿بَنِىّ ءَآدَمَ﴾ بدلَ البعض من الكل؛
أي: من ظهور بني آدم ﴿ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَ أَنفُسِهِمْ ])؛ أي: أشهد بعضهم على
بعض على هذا الإقرار وعلى هذه الحالة، وقال للذرية: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهام
تقرير.
﴿قَالُواْ بَلَىٌ﴾ [الزمر: ٧١] أنت ربنا. ((الآية))
قيل: كان ذلك قبل الدخول في الجنة بين مكة والطائف. وقيل: ببطن
نعمان وادٍ بقرب عرفة. وقيل: كان في الجنة. وقيل: بعد النزول منها بأرض
هند .
((قال عمر : سمعت رسول الله ﴾: يسأل عنها))؛ أي: عن هذه
الآية.
((فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره)) والماسح إما الملك الموكّل على
تصوير الأجنة، فإسناده إلى الله بأنه هو الآمر به والمتصرف في عباده بما يشاء،
كإسناد التوفِّي إليه في قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَ اُلْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي لها
الملائكة؛ لقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَبِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧]، وإما البارئ تعالى
فالمسح من باب التمثیل .
وقيل: هو من المساحة بمعنى التقدير، كأنه قال: قدَّر وبيَّن ما في ظهره
من الذرية.
((بيمينه))؛ أي: بقدرته، وفي التنصيص على لفظ اليمين دون اليد تنبيهٌ
على تخصيص آدم بالكرامة .
١١٥

((فاستخرج منه ذريته)) قيل: أخرجهم كأمثال الذر وجعلهم على هيئة
الرجال والنساء، وجعل فيهم العقول ثم كلمهم.
((فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره
بيده فاستخرج منه ذريته فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون))
قيل: الآية تدل على أخذ الذرية من ظهور بني آدم، والحديث يدل على أخذها
من ظهر آدم، فالتوفيق أنه كان بعض الذر في ظهر بعض الذرية، والكل في ظهر
آدم.
((فقال رجل: ففيم العمل)) الفاء في (ففيم) جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا
كان الأمر كما ذكرت ((يا رسول الله)) فأي شيء يفيد العمل؟ أو بأي شيء يتعلق
العمل؟
((فقال رسول الله وَ﴿: إن الله مك إذا خلق العبد للجنة استعمله))؛ أي:
ألزم العمل عليه وأمره ((بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل
الجنة فيدخله به))؛ أي: بسبب ذلك العمل ((الجنة، وإذا خلق العبد للنار
استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به
النار)).
٧٥ - وقال عبدالله بن عَمْرو بن العاص ﴾، قال: خرجَ رسولُ الله ◌ِلول
وفي يديهِ كتابانٍ، فقال للذي في يدهِ اليُمنى: ((هذا كتابٌ مِنْ رَبِّ العالمينَ، فیهِ
أسماءُ أهلِ الجنَّةِ وأسماءُ آبائهمْ وقبائلِهِمْ، ثمّ أُجْمِلَ على آخِرِهم، فلا يُزَادُ
فيهمْ ولا يُنْقَصُ منهمْ أبداً»، ثمّ قال للذي في شِمالِهِ: ((هذا كتابٌ من ربِّ
العالمينَ، فيهِ أسماءُ أهلِ النَّارِ وأسماءُ آبائِهِمْ وأسماء قبائِلِهِمْ، ثمّ أُجْمِلَ على
آخِرِهِمْ، فلا يُزَادُ فيهِمْ ولا يُنْقَصُ منهمْ أبداً»، ثمَّ قال بيدَيْهِ فنبذَهُمَا، ثمّ قال:
١١٦

((فرغَ رِبُّكُمْ مِنَ العِباد، ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾)).
((وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: خرج رسول الله نَّهُ وفي يديه
كتابان)) الواو للحال، وهذا على سبيل التمثيل والتصوير؛ ليكون أقرب إلى
التفهيم.
((فقال للذي))؛ أي: لأجل الذي ((في يده اليمنى)) أو في شأنه، أو المعنى:
أشار إليه.
((هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم
وقبائلهم)) بأن كتب فيه: إن فلان بن فلان الذي من قبيلة فلان، أو من القرية
الفلانية، أو المعروف بفلان، من أهل الجنة، وكذلك اسم كل واحد على هذه
الصفة .
(ثم أجمل على آخرهم)): بأن جميع هؤلاء المذكورين في هذا الكتاب
من أهل الجنة، من الإجمال خلاف التفصيل، يقال: أجملت الحساب: إذا
رددته من التفصيل إلى الجملة في الرفعة.
((فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً))؛ لأن حكم الله لا يتغير.
(ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل
النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص
منهم أبداً، ثم قال بيده))؛ أي: أشار بها ((فنبذهما))؛ أي: طرح الكتابين وراء
ظهره.
(ثم قال: فرغ ربكم من العباد)»؛ أي: من أمرهم وشأنهم، يعني: قدَّر
أمرهم فجعلهم فريقين.
((فريق في الجنة، وفريق في السعير)): فلا يتغير تقديره أبداً، ولا يُعترض
عليه بقوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ ﴾ [الرعد: ٣٩]؛ لأن ذلك عينُ ما قدِّر
١١٧

وجرى في الأزل كذلك، لا أن يكون تغييراً وتبديلاً للتقدير.
أو المراد منه: محو المنسوخ من الأحكام وإثبات الناسخ، أو محو
السيئات عن التائب وإثبات الحسنات بمكافأته وغير ذلك من الوجوه المذكورة
في تفسيره.
٧٦ - عن أبي خِزامَةَ، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيتَ رُقّى
نَسترقيها، ودواءً نَتَداوَى بِهِ، وتُقَاةَ نَتَّقيها، هلْ تَرُّذُ مِنْ قَدَرِ الله شيئاً؟ قال: ((هيَ
مِنْ قَدَرِ الله)).
((وعن أبي خزامة، ﴿ه أنه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت رُقَى)) بضم
الراء وفتح القاف: جمع رقية، وهي الدعوات التي تقرأ لطلب الشفاء.
((نسترقيها))؛ أي: نطلب تلك الرقى أن يقرأها علينا أحد.
((ودواء نتداوى به))؛ أي: نستعمله في الأعضاء.
((وتقاةً) بمعنى الاتقاء، وهو الشيء الذي التجأ به الناس كالترس ليُحفظوا
من الأعداء، من وقى يقي وقاية؛ أي: حفظ والتاء مقلوبة من الواو.
(نتقيها))؛ أي: نلتجئ بها ونحترز(١) بسببها من شر الأعداء.
(هل تَردُّ)؛ أي: هذه الأسباب.
(من قدر الله شيئاً؟ قال: هي))؛ أي: المذكورات من الاسترقاء والاتقاء
والتداوي ((من قدر الله أيضاً)؛ يعني: كما أن الله تعالى قدَّر الداء قدَّر زوالَه
بالدواء، أو بالرقية، وكما أنه خلق في العدو قصد عدوه بالإيذاء خلق في الذي
(١) في ((م): ((ونحذر)).
١١٨

يقصده العدوُّ أن يلتجئ إلى قلعة، وأن يدفعه بشيء من الأسباب، فكل من
أصابه داء فتداوى بدواء وبرء، فاعلم أنه قدَّر هذا الدواء نافعاً في ذلك الداء،
وإلا لن ينفعه دواء جميع أطباء العالم، وعلى هذا فقس جميع الأسباب.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((فلا رقية إلا من عين أو حمى)) فمعناه:
لا رقية أولى وأنفع.
*
٧٧ - عن أبي هريرة قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﴿ علينا ونحنُ نتنازعُ في
القَدَرِ، فغضبَ حتَى احمرَّ وجهُهُ، فقال: ((أبهذا أُمِرِتُمْ؟ أَمْ بهذا أُرْسِلْتُ
إليكُمْ؟ إنَّما هلكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حينَ تنازَعُوا في هذا الأمرِ، عَزَمْتُ عليكُمْ أنْ
لا تتنازَعُوا فیهِ»، غريب.
((وعن أبي هريرة ظه أنه قال: خرج علينا رسول الله (﴾ ونحن نتنازع))؛
أي: نتخاصم ونتناظر ((في القدر)): بأن يقول أحد: إذا كان جميع ما يجري في
العالم بقضاء الله تعالى وقدره فلمَ يعذَّب المذنبون، ولم ينسب الفعل إلى
الشيطان، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيَطَنَّ ﴾ [البقرة: ١٦٨]
﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ ﴾ [طه: ١٢٠] وغير ذلك.
((فغضب ــ عليه الصلاة والسلام - حتى احمر وجهه)) من الغضب، ولم
يرض منهم التنازعَ في القدر؛ لأن القدر سرٍّ من أسرار الله لا يطَّلع عليه أحد،
وطلبُ سر الله تعالی منھیٌّ عنه.
((فقال)) وَلّى: ((أبهذا)) التنازع ((أمرتم)) الاستفهام للإنكار، يعني: لم يأمركم
الله ورسوله بالتنازع في القدر.
((أم بهذا أرسلت إليكم؟! إنما هلك من كان قبلكم)) من الأمم السالفة
١١٩

(حين تنازعوا في هذا الأمر))؛ أي: الذي لم يأمرهم الله ورسله(١) به من البحث
في القدر، وتفضيل بعض الرسل على بعض من تلقاء أنفسهم.
((عزمت))؛ أي: أقسمت ((عليكم)) كان أصله: عزمت بإلقاء اليمين أو إلزام
الیمین علیکم .
((عزمت عليكم أن لا تنازعوا فيه))؛ بحذف إحدى التاءين؛ أي: أن
لا تبحثوا في القدر بعد هذا، و(أن) هذه يمتنع كونُها مصدرية وزائدة؛ لأن
جواب القسم لا يكون إلا جملة، و(أن) لا تزاد مع (لا) فهي إذن مفسِّرة
كـ (أقسمت أن لا أضربن).
((غریب)).
*
٧٨ - عن أبي موسى ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله تعالى خلقَ
آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، منهمُ
الأحمرُ، والأبيض، والأسودُ، وبَيْنَ ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخَبيثُ،
والطَّبُ».
((وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله وَله: إن الله تعالى خلق آدم
من قبضة)) وهي ملءُ الكف من كل شيء، وهنا من التراب.
((قبضها من جميع الأرض))؛ أي: من جميع ما قدَّر الله تعالى أن يسكنه
بنو آدم من الأرض، والقابض قيل: عزرائيل، وإنما نسب إليه تعالى لأنه بأمره
وإرادته .
(١) في ((م)): ((ورسوله)).
١٢٠