Indexed OCR Text

Pages 21-40

((ولا يعرفه منا))؛ أي: من الصحابة ((أحد))، وإلا فالرسول الله قد كان
يعرفه.
((حتى جلس))؛ أي: الرجل ((إلى النبي ( 8))؛ أي: إلى جانبه أو معه،
(حتى) متعلق بمحذوف تقديره: استأذن وأتى حتى جلس، أو متعلق بقوله:
طلع، و(جلس) بمعنى: قرب بقرينة (إلى)؛ أي: حتى قرب إلى النبي ◌َّ؛ أي:
جلس بقربه .
((وأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه))؛ أي: ألصقهما إلى رُكبتي النبي ◌َِّ. فيه إشارةٌ
إلى أن هذه الجلسة كانت كجلسة المتشهد، إلا أنه كان مفترش القدمين يتحقق
إسناد الركبتين.
((ووضع))؛ أي: جبرائيل عليه السلام ((يديه على فخذيه))؛ أي: فخذي
النبي 0* طلباً لإحضاره؛ ليكون أبلغَ في الاستماع إلى كلام جبرائيل عليه السلام.
وقيل: الضمير في (فخذيه) راجعٌ إلى جبرائيل، وهذا أقربُ إلى
التواضع؛ لأنه جاء على صورة المتعلم، ومن شأنه التواضعُ وتوقيرُ المعلم.
وفي هذا رخصةُ دنوِّ السائل من المسؤول لأجل الاستكشافِ بهيئة
الأدب.
((فقال: يا محمد أخبرني))؛ أي: أعلمني ((عن الإيمان فقال: الإيمان أن
تؤمن بالله))؛ أي: تصدق جزماً بوجوده بأنه موجودٌ واحدٌ قديم أزلي متصفٌ بما
يليق به من صفات الكمال.
((وملائكته))؛ أي: تعتقد بأنهم عباد الله لا يَفْتُرون عن عبادته لحظةً، جمع
(ملك)، أصله: (مَأْلَك) من (الألوكة)، وهي الرسالة، فقُدِّم اللامُ على الهمزة،
فصار (ملاكاً)، ثم حُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإذا جُمِعَ رُدَّت، والتاء
لتأكيد الجمع .
٢١

((وكتبه)): جمع كتاب، وهو يشمل كلَّ كتاب أُنزِل على الرسل؛ أي:
تعتقد بوجودها، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاَلْكِنَبِ
الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦]، والكتبُ المنزلة
مئة وأربعة كتب، منها عشرُ صحائف أُنزِلت على آدم عليه السلام، وخمسون
على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم عليه السلام، والتوراة
والإنجيل والزبور والفرقان.
((ورسله)): جمع رسول؛ أي: تعتقد بأنهم مبعوثون إلى الخلق بالحقِّ،
وبينهم تفاوتٌ في الفضل، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُِ﴾
[البقرة: ٢٥٣]، ونبينا محمد رَّةٍ أفضلُ من جميعهم وأكمل.
وعدد الرسل في حديث أبي ذر حظ: ثلاث مئة وثلاثة عشر، وعدد
الأنبياء: مئة وأربعة وعشرون ألفاً.
وإنما قدم الملائكة على الكتب والرسل رعاية للترتيب الواقع، فإنه تعالى
يرسل الملك بالكتاب إلى الرسل، لا للتفضيل.
((واليوم الآخر))؛ أي: القيامة، وُصِف به لتأُّره عن أيام الدنيا، أو لأنه
أخر إليه الحساب، والإيمانُ به تصديقُ ما فيه من الأحوال والأهوال.
((وتؤمن بالقدر؛ خيره وشرِّه)): بالجر بدلٌ من (القدر) بدلَ البعض؛ أي:
تعتقد بأن كلَّ ما يجري في العالم من الخير والشر والنفع والضر ونحو ذلك
بقضاء الله تعالى وقدره.
أعاد ذكر الإيمان هنا لزيادة الاهتمام به نفياً لقول القدرية، وإنما لم يذكر
القضاء؛ لأن الإيمان بالقدر مستلزمٌ للإيمان بالقضاء.
والفرق بين القضاء والقدر: أن القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية
المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدرَ تعلُّقُ تلك الإرادة
٢٢

بالأشياء في أوقاتها الخاصة بها، وفي هذا مذاهبٌ مختلفة من طوائف متفرقة
موضعه علم الكلام.
((فقال))؛ أي: الرجل: ((صدقت))؛ إظهاراً لصحة الجواب ومطابقته لما
عنده، ولتأكيد ذلك عند السامعين .
((قال: فأخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام أن تشهد)»؛ أي: تخبر قطعاً
بعلمٍ يقين ((أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله))، قيل: لو أتى بالشهادتين
بغير هذا اللفظ نحو: أشهد أن لا إله إلا الرحمن الرحيم، أو القدوس، أو
نحوهما، وأشهد أن محمداً نبي الله، لا يصح؛ لأن اسمَ الله علمٌ للمعبود بالحقِّ
الجامع بالكمالات اللائقة به، وغيرُهُ من الألفاظ العربية لا يؤدي معناه،
والرسولُ أخصُّ من النبي، فلا يُستفادُ منه ما يستفاد من الرسول، وقِسْ عليه لو
غیرًّ (محمد) باسم آخر.
((وتقيم الصلاة))؛ أي: تؤديها في أوقاتها مع المحافظة عليها بشرائطها،
وإنما عبَّر عن الأداء بالإقامة إشارةً إلى أن الصلاة عمادُ الدين، أو أراد أن تُعدَّل
الأركان، من (أقام العود): إذا قوَّمه وسواه.
((وتؤتي الزكاة))؛ أي: تعطيها، وهي في الشرع: الطائفة من المال المزكى
بها، وفي اللغة: النماء والطهارة، فإن المال بإعطائها يزيد ويطهر صاحبُها، قال
الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
((وتصوم رمضان))؛ أي: شهره، والصوم لغة: الإمساك مطلقاً، وشرعاً:
الإمساك عن المفطرات الثلاثة من أول النهار إلى آخره مع النية .
و(رمضان) من (الرمض)، وهو: شدة وقع حرِّ الشمس على الرمل
وغيره، سمي به؛ لأنهم لما وضعوا أسماء الشهور العربية عن اللغة القديمة
سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام شدة الحر، فسمي به.
٢٣

((وتحج البيت))؛ أي: تقصده؛ إذ الحجُّ لغة: القصد مطلقاً، وشرعاً:
قصد معين، وهو زيارة الكعبة مع وقوف عرفة ومراعاة أركان الحج، و(البيت):
اسم جنس، ثم غلب على الكعبة - شرفها الله تعالى - كالعَلَم لها .
(إن استطعت إليه))؛ أي: إلى البيت، أو إلى الحج؛ لدلالة (تحج) عليه،
وهو متعلق بـ (سبيلاً)؛ لأنه بمعنى: موصل ومبلغ.
(سبيلاً): تمييز أو مفعول به، والكلامُ في الاستطاعة مذكورٌ في الفروع.
((قال: صدقت))، قيل في انحصار الأركان في الخمسة: إن الأعمال
الشرعية؛ إما قولية وهي الإقرار باللسان، أو فعلية وهي إما إتيان وهو الصلاة،
أو ترك وهو الصوم، وإما مالية وهي الزكاة، وإما جامعة للنفس والمال وهو
الحج.
وفي قوله: (فأخبرني عن الإسلام) بفاء التعقيب إشارةٌ إلى أن الإيمان
والإسلام شيئان متباينان؛ لأن سؤله عن الإسلام بعطف الفاء بعد سؤله عن
الإيمان، وجوابه وَّل عن الإيمان بما بطن من الاعتقاد، وعن الإسلام بما ظهر
من الأعمال - دليلٌ واضح على تغايرهما؛ فالإيمانُ تصديقُ القلب للأشياء
الستة، والإسلامُ أعمال الجوارح.
وذهب بعض المحدثين وجمهور المعتزلة إلى أنهما عبارتان عن شيء
واحد، وهو مجموع التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان.
((قال: فأخبرني عن الإحسان))، يقال: (أحسن الشيء): إذا زينه وأجمله،
كأنه يقول: أخبرني عن الشيء الذي يزين أركان الإسلام ويحسِّنها، والمراد به:
الإخلاص، فأشار ◌َّ في جوابه إلى حسن الاستقامة على حسب الطاقة بأن ((قال:
الإحسانُ أن تعبد الله كأنك تراه))، وإلى المراقبة وحسن الطاقة بقوله: ((فإن لم
تكن تراه فإنه يراك))؛ يعني: الإحسان عبادته تعالى على نعت الهيبة والتعظيم له
٢٤

كأنك تنظر إليه، فإنَّ إطاعةَ الملك في حضرته تزيدُ المطيعَ جداً ونشاطاً في العمل
وطمعاً في معروفه وخوفاً من تأديبه في تقصيره وتفريطه، وذلك واقعٌ لاطلاع
الملك على حاله، وهو المراد من قوله: (فإنه يراك) بكلمة التحقيق.
وإنما قال في رؤية العبد: (كأنك تراه) بكلمة التشبيه، وهو من باب
التشبيه بالمخيَّل الذي لا وجودَ له، لاسيما عند من لا يجوِّز الرؤيةَ أصلاً،
والجملة حال .
قيل: ترك قوله: (صدقت) في هذا الجواب وقعَ من إغفال بعض الرواة،
وفي ((كتاب مسلم)) مذكور في الأجوبة الثلاثة.
((قال: فأخبرني عن الساعة»؛ أي: عن وقت قيام الساعة، وإنما استعيرت
لاسم يوم القيامة؛ لأن [في] ذلك اليوم ساعةً حقيقة يقع فيها أمرٌ عظيم، فلقلةٍ
الوقت سمیت بها .
((قال: ما المسؤول عنها))؛ أي: عن الساعة، أراد النبي ◌ُّ به نفسه.
(بأعلمَ من السائل))؛ يعني: كلانا في عدم علمها سواء، بل هو مختصٌّ
بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ عِندَهُ, عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]، والغرضُ منه
قطعُ الطمع عن معرفة وقتها؛ لأنهم لا يزالون يسألون رسول الله صل﴿ عنها، قال
ج
الله تعالى: ﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦٣].
(قال: فأخبرني عن أماراتها))؛ أي: علاماتها .
((قال: أن تلد الأمة»: عن مولاها.
((ربتها)): أنَّها على إرادة البنت، فتناول الابن بطريق الأولى، أو على
تأويل النفس والتسمية، أو على كراهة إطلاق الرب تعظيماً لجلال رب العباد،
وإن جاز إطلاقه مضافاً إلى غيره.
ويروى: (ربها)؛ أي: سيدها سمي المولود به؛ لأنه صار سبباً لعتقها، أو
٢٥

لأنه مولاها بعد الأب لأنه كهو في النسب، والمراد: أنه يكثر السبي والتسري،
وذلك دليلٌ على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين الدال على التراجع
والانحطاط المؤذن بقرب القيمة.
وقيل: المراد به أنهم يكتفون عن الحرائر بالسرائر، حتى يكثر الاستيلاد،
فتعتق الأمة به، فإن العتق بعد موت السيد بسبب الاستيلاد مخصوصٌ بشريعة
نبينا وٌَّ، وإن وُجِد الاستيلاد بدونه في الأمم السالفة.
((وأن ترى الحفاة): جمع الحافي، وهو: الذي لا شيءَ في رجله من نعل
وغيره.
((العراة)): جمع العاري، وهو: المتجرد عن الثياب.
((العالة)): جمع عائل، وهو: الفقير المراد بهم العاجزون المقصودون في
الدين كعجزهم في السير والعيش.
((رعاء)): جمع راع.
((الشاء): جمع شاة؛ يعني: ملوكاً، عبّر عن الخلق بالشاء؛ لكونهم في
العجز كالشاء.
((يتطاولون في البنيان))؛ أي: حال كونهم متفاخرين بارتفاع أبنيتهم؛
يعني: من أماراتها أن تفوَّض الإمارة إلى الأراذل والأجلاف، فحينئذٍ ينعكس
الزمان، ويتذلل الأشراف.
((قال))؛ أي: عمر.
((ثم انطلق))؛ أي: ذهب ذلك الرجل .
«فلبثت))؛ أي: مكثت بعد ذهابه.
((ملياً))؛ أي: حيناً، صفة مصدر محذوف؛ أي: لبئاً ملياً، ولم أستخبر
عن السائل استهابةً لحضرة النبوة.
٢٦

((ثم قال لي))؛ أي: رسول الله وَّر: ((يا عمر! أتدري))؛ أي: أتعلم ((من
السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم))، وفيه رعاية الأدب التام حيث أحال العلم إلى
الله ورسوله، وأشارت إلى أن وظيفة المتعلم عند شيخه هي الاعترافُ بالجهل
واستخراج ما عند شيخه، لا المبادرة في الجواب.
((قال: فإنه جبرائيل أتاكم)): جملة استئنافية؛ أي: أتى مجلسكم.
(يعلمكم دينكم)) جملة حالية من الضمير المرفوع في (أتاكم)؛ أي:
عازماً تعليمكم، أو مفعول له بتقدير اللام. المراد به تثبيتهم على علمهم؛ لأنهم
كانوا عالمين بدينهم قبله وإنما سأل عن أمارتها؛ لأنه لمَّا لم يكن الاهتمام بها إلا
لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، جعل ذلك من الدين.
((ورواه))؛ أي: هذا الحديث ((أبو هريرة ﴿)) كما روى عمر، ولكن:
(في روايته)) نقصان ما بعد العالة، وبعد قوله: ((وأن ترى الحفاة العراة العالة))
زيادة: ((الصم)): جمع الأصم، وهو الذي لا يسمع، أراد بهم الصم عن
المواعظ والآيات، وهم الذين لا يهتدون ولا يقبلون من صمم العقل.
(البكم)): جمع الأبكم، وهو الأخرس، والمراد بهم: البكم عن تعرُّف
أحوال الظَّمة ودفعهم عن المظالم.
((ملوك الأرض)) فإنهم ملكوها من المشرق إلى حدود المغرب، وفيهم
هذه الصفات المذكورة إلا نادراً، وهذا بخلاف العرب فإنهم في الزمن الذي
كانوا فيه ملوك الأرض كانت الأرض ممتلئة عدلاً وأمناً كما هي ممتلئة من
المذكورين اليوم ظلماً وجوراً.
(في خمس)) متعلق بـ (أعلم) أو منصوب المحل على الحال، والعامل فيه
(ترى)؛ أي: تراهم ملوك الأرض متفكِّرين في خمس ((لا يعلمهن إلا الله)) إذ من
شأن الملوك الجهَّال الفكر في أشياء لا تعنيهم، كاهتمامهم بأن القيامة متى تقوم؟
٢٧

والقَطْر متى ينزل؟ وما تلد خليلتي؟ وأيُّ شيء يصيبني غداً أخير أم شر؟، وكم
يكون عمري؟ وأين تكون وفاتي؟ ويتخذون لذلك منجِّمين ورمَّالین.
والمراد بـ (خمس): خمس كلمات، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلِّمُ السَّاعَةِ﴾
بيانٌ لها؛ أي: علم قيامها عنده ﴿وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ﴾؛ أي: المطر إذا شاء ﴿وَيَعْلَمُ
مَا فِ آلْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدَّاٌ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُونٌ﴾﴾. ((الآية))
من قول المؤلف منصوب بتقدير: أعني.
٢ - وعن ابن عمر ﴾ قال: قال رسول الله وَّهِ: ((بنيَ الإِسلامُ على
خمسٍ : شهادةٍ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ
الزَّكَاةِ، والحِّ، وصَوْمٍ رمضان».
((وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله وَلفي: بني الإسلام على
خمس»؛ أي : خمس خصال.
((شهادة)) بالجر بدل عن (خمس)، وبالنصب بتقدير أعني، وبالرفع خبر
مبتدأ محذوف؛ أي: فهي شهادة.
((أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة،
والحج)) ولم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها ((وصوم رمضان)) فإن قيل: لم قدَّم
الحج على الصوم هنا؟ أجيب: بأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، وقد وقع
الترتيب في الحديث السابق عليه .
وقد عُلم ترتيب وجوب هذه الأركان مما روي عن ابن عباس ﴿﴾ أنه قال:
بعث الله نبيه وَ﴿ بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدَّق به المؤمنون زادهم الصلاة،
فلما صدَّقوا زادهم الزكاة، فلما صدَّقوا به زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم
الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين جعل هذه الأركان
٢٨

الخمسة أصولاً للإسلام وما عداها من أحكام الشريعة فرعاً لها .
ومثال الإسلام كقصر، وهذه الأركان كالأسطوانة لذلك القصر، وما بقي
من أحكام الشريعة كجدار سطح ذلك القصر وكالجدار التي حواليه، فمَن حفظ
هذه الأركان الخمسة وسائر أحكام الشريعة يكون قصرُ إسلامه تاماً كاملاً .
٣ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله:(وَ﴾: ((الإِيمانُ بِضِعٌ
وسبعونَ شُعبةً، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأَذى عن الطَّريق،
والحياءُ شُعبةٌ مِنَ الإِيمانِ)).
((وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
الإيمان بضع)) بكسر الباء: اسم لعدد مبهم من الثلاثة إلى التسعة ((وسبعون
شعبة))؛ أي: قطعة، يعني بها خصلة، ولما كان الأعمال الصالحة خُلُقاً لأهل
الإيمان، وأنها من جملة الدلائل عليه، أطلق اسم الإيمان عليها مجازاً.
لم يُعلم بالتعيين كمية ما أراد النبي ◌َّ من البضع، وقد جاء في بعض
الروايات: (الإيمان سبع وسبعون شعبة).
((فأفضلها))؛ أي: أفضل الشعب وأعلاها منزلة: ((قول: لا إله إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى))؛ أي: تنحية ما يتأذى به مروراً وإزالته ((عن الطريق))
كالشوك والحجر ونحو ذلك، كما في حديث أبي هريرة ظه: ((بينما رجل يمشي
في الطريق إذا وجد غصن شوك فأخّره، فشكر الله تعالى له))؛ أي: رضي عنه
بسبب تنحيته الأذى عن الطريق وغفر له.
((والحياء)) وهو انقباض النفس عن شيء وتركُه حذراً عن اللوم فيه،
والمراد به هنا هو الحياء الإيماني، وهو ما يمنع المؤمن من فعل المعاصي خوفاً
من الله تعالى.
٢٩

((شعبة من الإيمان)) وإنما خصه بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى سائر الشعب؛
لأن الحَييَّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فينزجر عن المعاصي.
وأما الحياء النفساني فهو الذي خلقه الله تعالى في النفوس كلها، كالحياء
عن كشف العورة والجماع بین الناس.
٤ - وقال: قال رسول الله وَله: ((المُسلمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ مِنْ لِسانِهِ
ويدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجَرَ ما نَهَى الله عنه)).
((وعن عبدالله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله صَلخير: المسلم))؛ أي:
المسلم الكامل في إسلامه «من سلم المسلمون من لسانه ويده» بأن لا يتعرض
لهم بما حرِّم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإنما خصَّ اللسان واليد لأن أكثر
الإيذاء يحصل بهما .
((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه))؛ يعني: المهاجر في الحقيقة مَن
اجتنب عما نهى الله عنه؛ لأن فضله على الدوام، وفضل الهجرة من مكة كان في
وقت.
٥ - وقال: ((لا يُؤْمِنُ أحدُكُمْ حتَّى أكون أحبَّ إليهِ مِنْ والدِهِ، وولدِهِ،
والناس أجمعين»، رواه أنس.
((وعن أنس بن مالك ﴾ أنه قال: قال رسول الله ﴾أي: لا يؤمن أحدكم))؛
أي: لا يكون مؤمناً كاملاً ((حتى أكون أحب إليه)) بالحب الاختياري الحاصل من
الإيمان ((من والده وولده والناس أجمعين)) مثلاً لو أمره رسول الله وي لاقيه بقتل أبويه
وأولاده الكافرين، أو بأن يقاتل الكافر حتى يكون شهيداً، لأحبّ أن يختار ذلك
٣٠

لعلمه أن السلامة في امتثال أمره وَلجر، لا بالحب الاختياري الطَبْعي؛ لأن حب
الإنسان نفسَه وولده ووالده أمرٌ غريزي ولا سبيل إلى قلبه، إذ لا تكلَّفُ نفس إلا
وسعها .
٦ - وقال: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حَلاوةَ الإِيمانِ: مَنْ كانَ الله ورسولُهُ
أحبَّ إليهِ ممَّا سِواهُما، ومَنْ أحبَّ عبداً لا يُحبُّهُ إلا لله، ومَنْ يكرهُ أنْ يَعُودَ في
الكُفْرِ بعدَ إذْ أنقذَهُ الله منهُ كما يكرهُ أنْ يُلقى في النَّارِ»، رواه أنس.
((وعنه أنه قال: قال رسول الله ويلي: ثلاث))؛ أي: ثلاث خصال ((من كن
فيه))؛ أي: من اجتمعت فيه هذه الخصال ((وجد حلاوة الإيمان)) وهي استلذاذ
الطاعة وتحمُّل المشاق في طلب رضاه.
((من كان الله ورسوله أحب إليه)): بالحب الاختياري المذكور ((مما
سواهما)) وإنما لم يقل: ممن سواهما؛ لتعمَّ ذا لعقل وغيره، وإنما ثنَّى الضمير
فيه مع أنه ذم ◌َل رجلاً خطب بحضرته فقال: ومن يطع الله ورسوله فقد رشد
ومن يعصهما فقد غوى، إيذاناً بأن وجدان الحلاوة يتوقف على المحبتين معاً،
وأن إحداهما بدون الأخرى غير مفيدة، وثَمَّ إرشاد بأن كل واحد من العصيانين
مستقل في تحصيل الغواية.
((ومن أحب عبداً) أراد به الموسوم بعبودية الله أعم من الحر والمملوك.
((لا يحبه إلا الله)) فالاستثناء مفرٌَّ، ولا يَرِدُ الاعتراض بقوله ◌َّ لعائشة في
حق أسامة: ((أحبيه فإني أحبه))؛ لأنه لا منافاة بينهما؛ لأن محبة الشيء لأجل
محبة الرسول وَل﴿ محبةٌ لأجل الله؛ لأن محبتهما متلازمان.
((ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه))؛ أي: أنجاه من
الكفر .
٣١

اعلم أنه إن أُريدَ بالعود العودُ الحقيقي وهو الرجوع إلى الكفر، لم يتناول
هذا إلا مَن كان له سابقة كفر، ويكون تخويفاً للصحابة؛ لأنهم كانوا كفاراً
فأسلموا، وفي نفوس بعضهم حب ما اعتاده من قبلُ، فحذرهم الرسول ◌َّ من
ذلك، وإن أريد به مجرد المصير والتحول، كقوله تعالى في قصة شعيب:
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ في مَِتِناً ﴾ [الأعراف: ٨٨] فهو شامل للكل.
((كما يكره أن يلقى في النار)) وفيه تنبيه على أن الكفر كالنار، وهو كذلك
لأنه جارٌّ إليها، فباعتبار عدم كونه ناراً حقيقةً جعله مشبَّهاً وجعل النار الحقيقية
مشبَّهاً بها؛ إذ العود إليه كالإلقاء فيها؛ لأن عاقبة الكفار دخول النار.
٧ - وقال: ((ذاقَ طعْمَ الإِيمانِ مَنْ رضيَ بالله ربّاً وبالإِسلام ديناً وبمحمَّدٍ
رسولاً))، رواه العبّاس بن عبد المطَّلِب.
(وعن العباس بن عبد المطلب له أنه قال: قال رسول الله (صل﴾: ذاق
طعم الإيمان)) أثبت للإيمان طعماً بطريق الاستعارة وذكر (١) الذوق الذي هو
يلائم المستعار منه؛ فالاستعارة ترشيحية؛ أي: وجد الإيمان.
(من رضي بالله))؛ أي: اكتفى به ((رباً)، ولم يتخذ إلهاً غيره، نصب على
التمييز.
((وبالإسلام ديناً)؛ أي: رضي بكون الإسلام دينه ولم يبتغ ديناً غيره.
((وبمحمد رسولاً))؛ أي: رضي من الرسل والأنبياء بمحمد نَّر ولم يتخذ
سواه رسوله ونبيه، فالحاصل أنه لا بد في الإيمان من الرضاء بكل واحد من
(١) في ((غ)): ((وذلك)).
٣٢

الباعث والمبعوث له (١) بنعوتها الثلاثة؛ أعني: الربوبية والرسالة والدينية.
٨ - وقال: ((والذي نفسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ
يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، ثمَّ يموتُ ولمْ يُؤْمِن بالذي أُرْسِلْتُ بهِ إلاَّ كانَ مِنْ أصحابٍ
النَّار»، رواه أبو هريرة څ﴾.
((وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: قال رسول الله ملين:
والذي نفس محمد بيده))؛ أي: بقدرته وأمره، والواو للقسم، أراد بالنفس
النفس الإنسانية وأعم منها، واليد هي النعمة؛ أي: نفس محمد كائنة بنعمته.
((لا يسمع بي))؛ أي: بمبعثي أو بنبوتي ((أحد من هذه الأمة)) المراد به أمة
الدعوة، فاللام للاستغراق أو للجنس.
(يهودي ولا نصراني) صفتان لـ (أحد)، أو بدلان عنه بدل البعض عن
الكل .
(ثم يموت ولم يؤمن))؛ أي: يموت غير مؤمن («بالذي أرسلت به)) وهو
القرآن، أو الدين الحنيفي.
((إلا كان من أصحاب النار)) فيه إشارة إلى أن الإيمان بجميع أحكام
الإسلام واجب فيكفَّر من قال: آمنت بأن محمداً رسول الله ولكنه إلى بعض
الناس؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّا كَافَّةٌ لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]؛
أي: إلا لتكون رسولاً للناس كافة.
وكذا من قال: آمنت أنه كافة للناس ولكن أعظُّم أمر السبت، أو أحرم
لحم الإبل، كما كان في دين موسى - عليه السلام -، أو ما أشبه ذلك من تحليل
(١) في ((غ)): ((والمبعوث والمنعوت)).
٣٣

حرام أو عكسه؛ لأنه لم يؤمن بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى
السِّلْمِ كَافَةٌ﴾ [البقرة: ٢٠٨]؛ يعني: اقبلوا جميع ما أمركم محمد نَّه واتركوا
ما نهاكم .
ويحتمل أن يكون [المراد] بالأمة: المعاصرين، وأما من سيوجد بعدهم
فمندرجٌ في ذلك قياساً على المعاصرين كما في سائر أحكام الإيمان، وإنما
خصَّت اليهود والنصارى بالذكر؛ لأنهما أهلا كتابي التوراة والإنجيل، وهم
أشرف وأخص ممن لم يكن لهم كتاب من الأمم الباقية، فإذا كانوا كفاراً بترك
الإيمان لمحمد فغيرهم كان أولى بذلك.
٩ - وقال: ((ثلاثةٌ لهم أجرانِ: رجلٌ مِنْ أهلِ الكتابِ آمنَ بنبيهِ وآمنَ
بمحمدٍ، والعبدُ المملوكُ إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ مَواليهِ، ورجلٌ كانتْ عندهُ أمَةٌ
يَطؤها، فأذَّبها فأحسنَ تأدِيبَها وعلَّمَها فأحسنَ تعليمَها، ثمَّ أعتَقَها فتزوَّجَها، فلهُ
آجران)، رواه أبو موسى الأشعري
((وعن أبي موسى الأشعري أنه قال: قال رسول الله إليه: ثلاثة))؛ أي:
ثلاثة أشخاص، مبتدأ خبره: ((لهم أجران: رجل من أهل الكتاب)) المراد بهم
النصارى؛ لأن اليهود لا يثابون على دينهم؛ لأن الإيمان بعيسى عليه السلام كان
واجباً علیھم.
((آمن بنبيه))؛ يعني: بعيسى عليه السلام.
((وآمن بمحمد» ◌َّل بعد مبعثه، فإن له أجرين: أجر على العمل بدین نبيه،
وأجر على الإيمان بمحمد بَّهِ والعمل بدينه، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم
مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص: ٥٤].
٣٤

ويجوز أن يُجری علی عمومه؛ إذ لا یبعد أن یکون الإيمان به - صلى الله
تعالى عليه وسلم - سبباً لقبول أعماله في دينه وإن كان منسوخاً، كما ورد في
الخبر أن مبرات(١) الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم، وإنما لم يقل:
وبمحمد، مع أنه أخصر، إيذاناً باستقلال كل منهما بالإيمان.
((والعبد المملوك)) قيد بالمملوك لأنه المراد لا مطلق العبد.
((إذا أدى حق الله))؛ أي: قضى ما فرض الله من الصلاة وغيرها، قدَّم (حق
الله) بالذكر لأنه أهم، إذ ليس لمولاه منعه عن أداء حقوق تعالى، وأما النوافل
فلا بد فيه من إذن السید.
((وحق مواليه)) من الخدمة والطاعة، وإنما قال: (مواليه) دون مولاه؛ لأن
العبد يتداوله أيدي الناس غالباً.
((ورجل كانت عنده أمة يطؤها))؛ أي: يجامعها، فيه إشارة إلى أنه ليس له
أن يَحرِم أمته عن الوطئ صيانة لها عن الزنا؛ لأنها تشتهي كما تشتهي الحرة.
((فأدبها)) الأدب: حسن الأحوال في القيام والقعود واجتماع الخصال
الحميدة .
((فأحسن تأديبها)) المراد بإحسانه أن يكون باللطف والتأني لا بالعنف.
((وعلمها))؛ أي: ما لا بد من الفرائض، ترك المفعول الثاني لقصد التعميم
والاختصار.
((فأحسن تعليمها، ثم أعتقها)) ابتغاءً لمرضاة الله تعالى، ذُكر بـ (ثم)
لتراخيه عن التأديب والتعليم.
((فتزوجها)) ذكر بالفاء ليدل على أن للمعتِقِ تزوُجَها من غير تربُّصٍ، سواءٌ
(١) في (غ)): ((ثواب)).
٣٥

کانت أم ولد له أو لم تکن.
((فله أجران)) أجرٌ لتعليمها وتأديبها، وأجر لعتقها وتزوجها، وقيل: أجر
لإعتاقها وأجر لتزوَّجها، فيكون ذكر الأوصاف قبلهما؛ لأنها داعية إليهما غالباً.
وإنما خص هذا الأخير بقوله: (فله أجران)؛ لأن جهة الأجر فيه متعددة،
فكانت مظنة أن يستحق أكثر من ذلك، ويجوز أن يعود قوله: (فله) إلى كل
واحد من الثلاث؛ يعني: الرجلين والعبد المملوك.
١٠ - وقال: (أُمِرِتُ أنْ أُقاتلَ النَّاسَ حتَّى يَشهدوا أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ
مُحمَّداً رسولُ الله، ويُقيموا الصَّلاة، ويُؤْتوا الزَّكاة، فإذا فَعَلوا ذلكَ عَصَمُوا مِنِّي
دِماءَهُم وأموالَهُم إلا بحقِّ الإِسلام، وحسابُهم على الله))، رواه ابن عمر ـ
((وعن ابن عمر به أنه قال: قال رسول الله وَلجي: أمرت أن أقاتل الناس))؛
أي: أمرني الله بأن أقاتلهم، ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)) وإنما خصهما بالذكر: إما لأن هذا
الحديث ورد قبل وجوب الصوم والحج، وإما لعظم شأنهما وصعوبة موقعهما
على الطباع لتكرارهما، مع أن النفس مجبولة على حب المال فكانتا مظنتي
التفريط .
((فإذا فعلوا ذلك)) المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة.
((عصموا)؛ أي: حفظوا ((مني دمائهم)) من السفك، ((وأموالهم)) من النهب.
((إلا بحق الإسلام)) استثناء مفرغ؛ أي: إذا فعلوا ذلك عصموهما، ولا يجوز
لنا تعرُّضهما بسبب من الأسباب، إلا بسبب حق الإسلام من استيفاء قصاصٍ نفسٍ
أو طرفٍ إذا قتل أو قطع، ومن أخذ مالٍ إذا غصب، وإلى غير ذلك من الحقوق
٣٦

الإسلامية، أو استثناء من الدماء والأموال بحذف موصوف؛ أي: إلا دماءً ومالاً
ملتبسين بحق الإسلام.
((وحسابهم على الله)) مما يسترون به في غير الأحكام الواجبة عليهم في
الظاهر .
وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملاتهم جارية على الظاهر
من أحوالهم دون باطنها، وأن المُظْهِرَ لشعار الدين يجري عليه حكمه، ولم
یستکشف من باطن أمره والله یتولی حسابه.
١١ - وقال: ((مَنْ صَلَّى صلاتَنَا، واستقبلَ قِلتَنا، وأكلَ ذَبيحتَنَا، فذلكَ
المسلمُ الذي لهُ ذِقَةُ الله وذِمَّةُ رسولِهِ، فلا تُخْفِرُوا الله في ذِمَّتِهِ»، رواه أنَسٌ ﴿ه.
((وعن أنس ﴿ أنه قال: قال رسول الله رَّاج: من صلى صلاتنا))؛ أي:
مثل صلاتنا، ولا توجد الصلاة الشرعية إلا من معترف بالتوحيد والنبوة، فلذا
جعل عَلَماً لإسلامه، ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان استغناءً بالصلاة
التي هي عنوان الدين، أو لتأخّر وجوب تلك الفرائض عن زمان صدور هذا
القول .
((واستقبل قبلتنا)): وإنما ذكر الاستقبال مع أن صلاتنا مشروطة به ترغيباً
للناس عليه لاحتمال صدور الحديث وقت تحويل القبلة من بيت المقدس إلى
الكعبة، أو لأن صلاتنا تشابه صلاة غيرنا في كثير من أعمالها وقبلتنا ليست كذلك.
((وأكل ذبيحتنا))؛ أي: مذبوحتنا، وهي فعيلة بمعنى المفعول، والتاء
للجنس كما في الشاة، وقيل: للتأنيث؛ لأنه لم يُذكر موصوفها معها.
((فذلك))؛ أي: من جمع هذه الثلاثة ((هو المسلم الذي له ذمة الله))؛ أي:
عهده وأمانه .
٣٧

((ذمة رسول الله)) لا يستباح منه ما حرم عن المسلمين، وإنما ذكر ذمة
رسوله لیعلم أن له ذمتین فیمسك عن التعرض له بأبلغ الوجوه.
((فلا تخفروا الله في ذمته)) الضمير فيه لله أو للمسلم، والإخفار: إزالة
الخفرة، وهو العهد؛ يعني: لا تزيلوا عهد الله في حقِّ مَن في أمانه .
وبهذا قال أبو حنيفة: إذا صلى كافر بجماعة يحكم بإسلامه.
ثم هذه العصمة ثابتة له بشرط أن لا يكون عليه شيء من حقوق الإسلام،
أما إذا كانت فلا، وكذا من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا له ذمة الله،
ولكن بصفة النقصان من استيفاء قصاص نفس أو طرف أو قطع، ومن أخذ مالٍ
إذا غصب، إلى غير ذلك من الحقوق الإسلامية، فإنه إذا قُتل فلا قصاص فيه
ولا دية؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدٍُ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِرٌ فَتَحْرِرُ
رَقَّبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] جعل التحرير كل الجزاء(١).
١٢ - وعن أبي هريرة﴾ قال: أتى أعرابيُّ النبيَّ ◌َ﴿ فقال: دُلَِّي على
عَملٍ إذا عملتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال: ((تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتُقِيمُ الصَّلاةَ
المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصومُ رمضانَ»، فقال: والذي نفسي
بيدِهِ، لا أزيدُ على هذا، ولا أنقُصُ منه، فلما ولَّى قال النبيُّ وَّهِ: ((مَنْ سرَّهُ أنْ
ينظرَ إلى رجلٍ مِنْ أهلِ الجنَّةِ فلينظُرْ إلى هذا».
((وعن أبي هريرة ه أنه قال: أتى أعرابي النبي ﴿ فقال: دُلَّني)) بضم
الدال وفتح اللام: أمرٌّ من دلَّ يَدُلُّ: إذا أرشد؛ أي: أرشدني.
((على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال))؛ أي: النبي بَلّ ى: «تعبد الله)):
(١) في ((ت)): ((كالجزاء)) بدل ((كل الجزاء)).
٣٨

خبر بمعنى الأمر؛ أي: اعبده، وكذا ما عطف عليه، أو في تأويل المصدر
بتقدير: أن، فيكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك العمل أن تعبد الله؛ أي:
توحِّده.
((ولا تشرك به شيئاً)): جملة حالية؛ أي: غير مشرك به، المراد به التحذير
عن الرياء فإنه شرك خفي .
أو كما قالت اليهود والنصارى في حق عزير والمسيح، وإنما لم يذكر وَل
شهادة كونه رسول الله مع أن دخول الجنة لا يتحقق بدون الاعتراف برسالته وي؛
لأن السائل لعله كان مسلماً مقراً برسالته ويل# بدليل سؤاله عما يُدخل الجنة من
العمل، فذكر التوحيد يكون لشرفه وکونه أصلاً، أو لأن التوحید لا يعتبر بدونها
فذكره مغنٍ عن ذكرها.
((وتقيم الصلاة المكتوبة))؛ أي: المفروضة.
«وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت
إليه سبيلاً، قال))؛ أي: الأعرابي: ((والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا))؛ أي:
لا أزيد على هذا المذكور من عند نفسي شيئاً، ((ولا أنقص منه))، أو المعنى:
لا أزيد على هذا السؤال وأنقص في العمل مما سمعته، أو يكون الرجل وافداً
فيكون معناه: لا أزيد على ما أسمع في تبليغه ولا منه أنقص.
(«فلما ولى»؛ أي: أدبر وذهب.
((قال النبي ◌َله: من سره أن ينظر)) - فاعل (سر) - ((إلى رجل من أهل
الجنة)) والجملة شرطية وجواب الشرط: ((فلينظر إلى هذا)؛ أي: إلى هذا
الرجل.
وإنما حكم بكونه من أهل الجنة مع قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ومع قوله ◌َير: ((إنما الأعمال بالخواتم))؛ لأنه حصل
٣٩

له غلبة الظن بدوام الرجل على الخير، أو لعله علم ذلك بالوحي.
١٣ - عن سُفيان بن عبدالله الثَّقَفِي قال: قلتُ: يا رسولَ الله! قُلْ لي في
الإِسلام قولاً لا أَسألُ عنهُ أحداً غيركَ، قال: ((قُلْ: آمنتُ بالله، ثُمَّ اسْتَقِمْ)).
((عن سفيان بن عبدالله الثقفي ه أنه قال: قلت: يا رسول الله! قل لي
في الإسلام))؛ أي: فيما يكمل به الإسلام.
«قولاً))؛ أي: قولاً جامعاً لأصوله وفروعه أستغني به بحيث ((لا أسأل عنه
أحداً غيرك، قال: قل: آمنت بالله))؛ أي: اشهد بوحدانيته وصدِّقه في جميع
مأموراته .
(ثم استقم))؛ أي: الزم القيام على ذلك ممتثلاً أمر الله مجتنباً نهيه.
قيل: عطفُ الاستقامة على الإيمان بكلمة النزاخي دليل على أن الكفار
غير مكلَّفين بفروع الإسلام بل بأصوله فقط، فإذا آمنوا كلفوا بفروعه أيضاً.
وقيل: (ثم) هنا للتراخي الرتبي؛ لأن درجة الاستقامة قاصية لا ينالها
أحد، قال لي: ((شيبتني سورة هود))؛ لأنه أمر بالاستقامة فيها بقوله تعالى:
﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
*
*
١٤ - عن طلحة بن عُبيد الله ﴾ قال: جاءَ رجلٌ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسِ،
نسمعُ دَوَيَّ صوِه ولا نفقَهُ ما يقولُ، حَتَّى دنا، فإذا هو يسألُ عنِ الإِسلامِ، فقالَ
رسولُ اللهِ وَاءِ: ((خمسُ صلَواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ))، فقال: هلْ عليَّ غيرُهُنَّ؟
فقال: ((لا، إلاَّ أنْ تطوَّعَ»، قال: ((وصيامُ شهرِ رمضانَ»، قال: هلْ عليَّ غيرُه؟
قال: ((لا، إلاَّ أنْ تَطْوَّع))، قال: وذكرَ لهُ رسولُ اللهِوَ﴿ِ الزّكاةَ، فقالَ: هَلْ عليَّ
٤٠