Indexed OCR Text

Pages 381-400

رَبِّ، قَالَ: رَبِّ! فَأَعْلَاَهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِين أَرَدْتُ؛
غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِبَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ
أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ» رواهُ مسلمٌ.
* قوله: ((وأخذوا أخذاتهم؟»:
(نه): هي بفتح الهمزة والخاء والذال المعجمتين؛ أي: نزلوا
منازلهم، انتھی(١).
فيكون قوله: ((أخذوا أخذاتهم)) بعد قوله: ((نزلوا منازلهم)) تأكيداً.
* قوله: ((هذا لك وعشرة أمثاله))(٢).
* قوله: «أولئك الذين أردت غرس کرامتهم بيدي»:
(ش): إنه تعالى خلق بعض الجِنان بيده، وغرسها بيده؛ تفضيلاً لها
على سائر الجنان، فهي سيدة الجنان، والله سبحانه يختار من كل نوع أعلاه
وأفضله، ثم جعل الله هذه الجنة لمَن خلقه بيده، وللأفاضل من ذُرِّته؛
اعتناء وتشريفاً، وإظهاراً لفضيلتهم، فهذه الجنة في الجنان كآدم عليه
السلام في نوع الإنسان(٣).
١٨٨٤ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿هِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ /٢٩).
(٢) كذا في الأصل بلا شرح.
(٣) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٧٣).
٣٨١

(إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً
الجَنَّةَ. رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْواً؛ فَيَقولُ اللهُ وَكَ لَهُ: اذْهَبْ
فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلَى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ:
يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلَأَى، فَيَقُولُ اللهُ وَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ،
فَيَأْتِيِها، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأى، فَيَرْجِعُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُها
ملَأَى! فَيَقُولُ الله وَّ لَهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا
وَعَشْرَةَ أَمْثَالِها، أَوْ: إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشْرَةٍ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ:
أَتَسْخَرُ بي، أَوْ تَضْحَكُ بي وأنتَ المَلِكُ؟)). قالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَكَانَ يَقُولُ: ((ذَلِكَ
أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً» متفقٌ عليهِ.
قوله: «أتسخر بي؟!)):
(ق): وفي رواية لمسلم: (أَتَسْتَهْزِئُ بي، وأنت ربُّ العَالَمِينَ؟!))(١).
يحتمل أن يكون هذا القول صدر من هذا الرجل عند غلبة الفرح علیه،
واستحقاقه إياه، فغلط كما غلط الذي قال: (أَنْتَ عَبْدِي وأنا رَبُّكَ)(٢).
ويحتمل أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من
الاستهزاء والسُّخرية بأعمالي، وقِلَّة احتفالي بها، فيكون هذا على جهة
(١) رواه مسلم (١٨٧ / ٣١٠).
(٢) رواه مسلم (٢٧٤٧ / ٧)، من حديث أنس ظـ
٣٨٢

﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وَمَكَرُواْ
المقابلة؛ كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهزِئُ
وَمَكَرَ اَللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٥٤](١).
(قض): وإنما ضحك رسول الله بَله؛ استعجاباً وسروراً بما رأى من
كمال رحمة الله، ولُطفِه على عبده المُذنب، وكمال الرِّضا عنه(٢).
١٨٨٥ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلْ قَالَ: ((إِنَّ
لِلمُؤْمِنِ في الجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا في
السَّمَاءِ سِتُّونَ ميلاً. للمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُ، فَلاَ
يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضاً» متفقٌ عليهِ.
((المِيلُ)): سِنَّةُ آلافِ ذِرَاع.
* قوله وَى: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة بيضاء)»:
(ن): ((الخيمة)): بيت مُربَّع من بيوت الأعراب، وفي عامة النسخ:
(مُجَوَّفة) بالفاء، وفي رواية السَّمَرْ قَنديِّ: (مُجَوَّبة) بالباء الموحدة، وهي
المثقوبة، وهي بمعنى المُجَوَّفة(٣).
* قوله: ((طولها في السماء ستون ميلاً)):
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٤).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٤١٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٥).
٣٨٣

(ن): وفي رواية لمسلم: ((عَرْضُها سِتُّونَ مِيلاً)(١)، ولا معارضة بينهما،
فَعَرْضُها في مِسَاحة أرضها، وطولها في السماء؛ أي: في العُلُوِّ متساويان(٢).
١٨٨٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ ◌َ﴾، عَنِ النَّبِّلَهَ، قَالَ:
(إِنَّ في الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِئَةَ
سَنَةٍ مَا يَقْطَعُها)) متفقٌ عليه.
وَرَوَيَاهُ في ((الصَّحِيحَيْنِ) أيْضاً مِنْ روايةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
،
قالَ: ((يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلُّهَا مِئَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَمُهَا)).
* قوله: ((يسير الراكب الجواد المضمر)):
(ق): الرواية التي لا يعرف غيرها: أن ((الراکب) مرفوع فاعل ((یسیر))،
و((الجواد)) منصوب مفعوله، معناه: يُجري الراكبُ فرسَه السريع الذي قد
أُضْمِر هذه المُدَّةَ، فلا يقطعها.
وقيل: هي شجرة طوبى، معنى ((ظلها)): نعيمُها وراحتُها؛ من قولهم:
عَيْشٌ ظَلِيلٌ، وقيل: معنى (ظلها): ذَرَاها وناحيتُها وكَنَفُها؛ كما يقال: أنا في
ظلك؛ أي: في كَنَفِك وحَوْطِكَ، والذي أحوج إلى هذين التأويلين: أن الظلَّ
المُتعارفَ عندنا إنما هو وقايةٌ عن حَرِّ الشمس وأذاها، وليس في الجنة
(١) رواه مسلم (٢٨٣٨ / ٢٤)، من حديث أبي موسى الأشعري ـ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٥).
٣٨٤

شمسٌ، وإنما هي أنوارٌ متوالية لا حَرَّ فيها ولا قَرَّ، بل لذَّاتٌ مُتوالية، ونِعَمٌ
متتابعة(١).
(ش): قد أخبر سبحانه أن في الجنة ظلالاً، والظلال لابد أن تفيء
بما يقابلها، فيحتمل أن يجعل سبحانه أوراق الشجر ظلالاً، فرَبُّ الدنيا
والآخرة واحدٌ، وهو الخالق للأسباب والحِكَم، ولكنها تختلف(٢).
١٨٨٧ - وعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿، قالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ
أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ في الأُفُقِ
مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ؛ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْثَهُمْ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله!
تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: ((بَلَى، والَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ! رِجَالٌ آمَنُوا بِالله، وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ)) متَّفقٌ عَلَيْهِ.
* قوله ميلي: ((ليتراءون أهل الغرف من فوقهم)):
(ق): يعني: أن أهل السُّفْل من الجنة ينظرون إلى مَن فوقهم على
تفاوت منازلهم، فيقال: هذا منزل فلان، كما يقال: هذا المُشْتَري مثلاً، أو
الزُّهْرَة، أو المَرِّيخ(٣)، و((الدُّرِّيُّ)) سبق معناه في هذا الباب.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٣).
(٢) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ١٣١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٥).
٣٨٥

(ن): ((الغابر)): معناه الذاهب الماضي، الذي تدلَّى للغروب، وبَعُد
عن العيون.
وروي في غير ((مسلم)): (الغارب) بتقديم الراء(١)، وهو بمعنى ما
ذكرنا .
وروي (العازب) بالعين المهملة والزاي، ومعناه: البعيد في الأفق،
و کلها راجعة إلى معنى واحد.
وفي عامة النسخ: ((من الأفق))، قال القاضي: (من) هنا لابتداء
الغاية، ووقع في ((البخاري)): ((في الأفق)(٢).
قال بعضهم: هو الصواب، قال: وذكر بعضهم أن (من) في رواية
مسلم لانتهاء الغاية، وهو غير مُسلَّم، وقد جاء في رواية ابن ماهان: ((على
الأفق الغربي)»(٣).
(ش): في التمثيل به دون الكواكب المسامتة للرأس فائدتان:
إحداهما: بُعْدُه عن العيون.
والثانية: أن الجنة درجاتٌ بعضُها أعلى من بعض، وإن لم تُسامت
العُليا السُّفلى؛ كالبساتين الممتدة من رأس الجبل إلى ذيله(٤).
(ق): ((الغابر)) بالباء الموحدة: الذاهب، أو الباقي؛ لأنه من
(١) رواه البخاري (٦١٨٨)، من حديث سهل بن سعد ضـ
(٢) رواه البخاري (٣٠٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٦٩).
(٤) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٥٤).
٣٨٦

الأضداد، يقال: غَبَر: إذا ذهب، وغَبَر: إذا بقي؛ يعني: أن الكوكب حالَ
طلوعه وغروبه بعيدٌ عن الأبصار، فيظهر صغيراً؛ لبعده، و((الأفق)): ناحية
السماء، وهو بضم الفاء وبسكونها، كما يقال: عُشُر وعُشْر (١).
(تو): ((الغابر)) منهم مَن رواه بالهمز بعد الألف؛ من الغَوْر يريدون
انحطاطه في الجانب الغربيِّ، ولا شك أنه تصحيفٌ، وإنما هو الغابر؛ من
الغُبور؛ أي: الباقي في الأفق بعد انتشار ضوء الفجر.
(ط): تقييد الکوکب بالگُّرِّي، ثم بالغابر في الأفق من باب التمثيل
الذي وجهه مُنتزَعٌ من عدة أمور مُتوهَّمة في المُشبّه، شبه رؤية الرائي في
الجنة صاحبَ الغرفة برؤية الرائي الكوكبَ المُستضيء، الباقي في جانب
الشرق والغرب في الاستضاءة مع البُعْد.
فلو قيل: الغائر؛ لم يصِحَّ؛ لأن الإشراق يفوت عند الغُؤُور، اللهم
إلا أن يقدر المُسْتَشْرِف على الغُؤُور؛ كقوله تعالى: ﴿بَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق:
٢]؛ أي شارفن بلوغ أجلهن، لكن لا يصح هذا المعنى في الجانب
الشرقي، نعم؛ يجوزُ على التقدير؛ كقولهم:
مُتْقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَاً
عَلَفْتُه تِبْناً ومَاءَ بَارِداً
أي: طالعاً في الأفق من المشرق، وغابراً في المغرب.
فإن قلت: ما فائدة ذكر المشرق والمغرب، وهلا قيل: في السماء؛
أي: في كبدها؟!
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٥).
٣٨٧

قلت: لو قيل: في السماء؛ كان القَصْدُ الأولى بيانَ الرِّفعة، ويلزم منه
الْبُعْدُ، وفي ذكر المشرق والمغرب القَصْدُ الأولى البعدُ، ويلزم منه الرِّفعةُ،
وفيه شُبهة من معنى التقصير، بخلاف الأول؛ فإن فيه نوعَ اعتذار(١).
* قوله يقر: ((بلى والذي نفسي بيده)):
(ق): هكذا وقع [هنا هذا الحرف]، (بلی) التي أصلها حرف جواب
وتصديق، وليس هذا موضعَها؛ لأنهم لم يستفهموا، وإنما أخبروا أن تلك
المنازل للأنبياء، لا لغيرهم.
فجواب هذا ينبغي أن يكون (بل) التي هي للإضراب عن الأول،
وإیجاب المعنی للثاني، فكأنه تُسُومح فيها، فوضعت (بلی) موضع (بل)،
و((رجال)) مرفوع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم رجال، وفيه أيضاً
توسُّع، والمراد: آمنوا بالله حقَّ إيمانه وصدقوا المرسلين؛ أي: حقَّ
تصديقهم، وإلا؛ فكل من يدخل الجنة؛ فقد آمن بالله، وصَدَّق رسلَه،
ومع ذلك فهم متفاوتون في الدرجات والمنازل، وهذا واضح(٢).
١٨٨٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ:
(لَقَابُ قَوْسٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرِبُ))
متَّفقٌ عَلَيْهِ.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٦).
٣٨٨

* قوله : ((لقاب قوس أحدكم في الجنة)):
(ط): (القاب)، و(القيب) كالقَاد والقِيد، بمعنى: القَدْر، وعينه واو؛
لثلاثة أوجه: أن بنات الواو من المُعتلِّ العين أكثرُ من بنات الياء، وأن (ق
وب) موجودٌ دون (ق ي ب)، وأنه علامة يعرف بها المسافةُ بين الشيئين؛ من
قولهم: قَوَّبوا في هذه الأرض: إذا أَثَّروا فيها بمَوْطِئهم ومحَلِّهم.
(تو): الراجل يبادر إلى تعيين المكان بوضع قَوْسِه؛ كما أن الراكبَ
يبادر إليه برمي سَوْطه(١) .
وفي ((الصحيحين)): ((مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ منَ الدُّنْيا وما
فِيهَا)»(٢)، كأن من شأن الراكب إذا أراد النزول في منزل؛ أن يلقيَ سَوْطه قبل
أن ينزل، مُعْلِماً بذلك المكان الذي يريده؛ لئلا يسبقَه إليه أحدٌ.
*
١٨٨٩ - وَعَنْ أَنَسٍ ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ قَالَ: (إِنَّ في
الجَنَّةِ سُوقاً يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ، فَتَحْثُو في
وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْناً وَجَمالاً، فَيَرْجِعُونَ إِلى
أَهْلِيهِمْ، وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْناً وَجَمَالاً، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: واللهِ!
لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْناً وَجَمَالاً!)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
* قوله ريقيقى: ((إن في الجنة لسوقاً):
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٣).
(٢) رواه البخاري (٣٠٧٨)، من حديث سهل څ.
٣٨٩

(ق): (السوق) يذكر ويؤنث، وسُمِّت سُوقاً؛ لقيام الناس فيها على
ساق، وقيل: لسَوْق الناس بضائعهم إليها، ويحتمل أن يكون سوق الجنة
عبارةً عن مُجْتَمع أهل الجنة، ومحلِّ تزاورهم، وسُمِّ سُوقاً بالمعنى
الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئاً حتى يحتاجوا إلى شرائه
من السُّوق.
ويحتمل أن يكون سُوقاً مشتملاً على محاسنَ، ومُشْتَهَيَات، ومُستَلَذَّات
تجمع هناك مرتبةً مُحسَّنةً كما تُجمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهلُ الجنة
ورأوها؛ فمن اشتهى شيئاً؛ وصل إليها من غير مُبايعة، ولا مُعاوضة، ونعيمُ
أهل الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كُلِّه، وخصَّ يوم الجمعة بذلك؛
لفضيلته، ولما خصَّه الله به من الفضائل، ولأنه يوم المزيد؛ أي: اليوم الذي
یُوفَی لهم ما وُعدوا به من الزيادة.
وأيام الجنة تقديرية؛ إذ لا ليل هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوارٌ
متوالية لا ظُلْمةً معها(١).
* قوله: «فتهب ريح الشمال)):
(ق): ((ربح الشمال)) في الدنيا: هي التي تأتي من دُبر القبلة من
ناحية الشام، وهي التي تأتي بلاد العرب بالأمطار، فهي عندهم أحسنُ
الرياح؛ فلذلك سُمِّي ريح الجنة بالشَّمال، وفيه لغات، يقال: شِمَال،
وشَمَال، وشَمْال، وشَأمَل، وشَمَل، وشَمُول، حكاها صاحب ((العين))،
ويقابلها الجَنوب.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٧).
٣٩٠

وقد سُمِّيت هذه الريح في حديث آخر بالمُثِيرة؛ لأنها تثير النعيم
والطّيبَ على أهل الجنة، انتهى(١).
روى الترمذيُّ في ((سننه)» مُغْرِباً عن عليٍّ بن أبي طالب څه قال: قال
رسول الله وَّهُ: ((إنَّ في الجَنَّةِ لَسُوقاً ما فِيها شِرَاءٌ ولا بَيْعٌ إلا الصُّوَرَ منَ
الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، فإذا اشْتَهِى الرَّجُلُ صُورَةً؛ دَخَل فِيهَا)(٢).
وعن سعيد بن المُسيَّب: أنه لقي أبا هريرة ﴿ه، فقال أبو هريرة:
أسأل اللهَ أن يجمع بيني وبينك في سُوق الجنة، فقال سعيد: أَوَفيها سُوقٌ؟!
قال: نعم، أخبرني رسول الله وَله: ((أن أَهْلَ الجَنَّة إذا دخلوها؛ نزلوها
بفَضْلِ أعمالهم، فيُؤْذَنُ لهم في مِقْدَار يوم الجُمُعة من أيام الدُّنيا، فيزورون
اللهَ تبارك وتعالى، فيُبُرِزُ لهم عرشَه، ويَتبدّى لهم في رَوْضَةٍ من رِیَاض
الجَنَّة، فيُوضَعُ لهم منابرُ من نُور، ومنابرُ من لُؤْلؤ، ومَنابرُ من زَبَرْجَد،
ومنابرُ من يَاقُوتٍ، ومنابرُ من ذهب، ومنابرُ من نِضَّة، ويَجْلِسُ أدناهم،
وما فيهم دَيِّيٍّ على كُثْبان المِسْك والكَافُور، ما يَرَوْن بأن أصحابَ الكراسيِّ
بأفضل منهم مَجْلِساً» .
قال أبو هريرة: وهل نرى ربَّا رَّ؟! قال: ((هل تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ
الشَّمْسِ والقَمَرِ ليلةَ البَدْر؟!)) قلنا: لا، قال: ((فَكَذَلِكَ لا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ
رَبِّكُم، ولا يَبْقَى في ذلك المَجْلِس أحدٌ إلا حَاضَرَهُ اللهُ مُحاضَرةً، حتَّى
يَقُولَ: يا فُلانُ بنَ فُلان؛ أَتَذْكُرُ يومَ فَعَلْتَ كذا وكذا؟ فيُذَكِّرُه ببعض غَدْرَاتِهِ
(١) المرجع السابق (٧ / ١٧٩).
(٢) رواه الترمذي (٢٥٥٠). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٩٨٢).
٣٩١

في الدُّنيا، فيقول: بلى، أفلَمْ تَغْفِرْ لي؟ فَيَقُولُ: فمَغْفِرتي بلغت بك
مَنْزِلِتَكَ هَذِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ؛ إذ غَشِيَتْهُم سَحَابَةٌ من فوقهم، فَأَمْطَرَتْ
عَلَيْهِم طِيباً لم يَجِدُوا مثلَ رِيحِه شَيْئاً قَطُّ، قال: ثم يَقُول رَبُّنا تبارك
وتعالى: قُومُوا إلى ما أَعْدَدْتُ لَكُم من الكَرَامَةِ، فخُذُوا ما اشْتَهَيْتُم.
قال: فَيَأْتُونَ سُوقاً قَدْ حَقَّت بها المَلائِكَةُ، فيه ما لم تَنْظُرِ العُيونُ إلى
مِثْلِهِ، ولم تَسْمَع الآذَانُ، ولم يَخْطُرْ على القُلُوبِ، قال: فَيُحْمَلُ لنا ما
اشْتَهَيْنا، ليس يُباعُ فيه، ولا يشترى، وفي ذلك السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الجَنَّةِ
بعضُهم بعضاً، قال: فَيُقْبِلُ ذو المَنْزِلَةِ المُرْتَفِعة فيَلْقى من هو دونه، وما
فيهم دَنِيُّ، فَيَرُوعُه ما يرى الناسَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّاسِ والهَيْئَةِ، فما يَنْقَضِي آخرُ
حَدِيثِه حتَّى يَتمثَّلَ عليه أَحْسَنُ منه؛ وذلك أَنَّه لا ينبغي لأَحَدِ أن يَحْزَنَ فِيها،
قال: ثُمَّ نَنْصَرِفُ إلى مَنَازِلنا، فَيَلْقَانا أَزْوَاجُنا، فيَقُلْنَ: مَرْحباً وأَهْلاً بحِبِّنا،
لقد حِثْتَ وإنَّ بكَ من الجَمَال والطِّيبِ أفضلَ ممَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا
جَالَسْنا اليومَ ربَّا الجَبَّارَ وَق، وبِحَقِّنا أن نْقَلِبَ بِمِثْلِ ما انْقَلَبْنَا»، رواه
الترمذي وقال: غريب، ورواه ابن ماجَهْ عن هشام بن عمار(١).
*
١٨٩٠ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ◌َُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ:
(إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرَفَ في الجَنَّةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ في
السَّمَاءِ» متفقٌ عليهِ.
(١) رواه الترمذي (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٤٣٣٦). وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (١٧٢٢).
٣٩٢

* قوله ليفي: ((إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة)):
(ش): جمهور العلماء على أن درجات الجنة بعضُها أعلى من بعض
بالمسافة، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه.
وقال عبد الملك بن حبيب: بل الدرجات في المنزلة، والكرامة،
والحُظْوَةِ، دون العُلُوِّ، حكاه عنه يحيى بن إبراهيم الطُّلَيْطِليُّ في كتاب
(«سير الفقهاء)).
وأَظنُّ الذي حمله على هذا القول: أنها لو كانت درجاتٍ في العُلُوِّ؛
لنَّغَّصَ على الأدنى رؤيتُه درجةَ من فوقه، وعدم وصوله إليه، وتألَّم قلبُه
لذلك، والجَنَّهُ لا تنغيصَ فيها، وأيضاً؛ فإن ذُرِّةَ الرجل وزوجتَه يكونون معه
في الجنة، وإن لم يعملوا عملَه، فشاركوه في المكان، وامتاز عنهم بالمكانة،
والزُّلْفى، والحُظْوَة، ويدل عليه أن أزواجَ رسول الله بَّرِ معه في الغُرُفات
والمكان، وما اختصَّ به من القُرْب لا يشاركه فيه أحدٌ، وأن النبيَّ وَّ قال في
أشياءَ مَنْ عملها: ((كُنْتُ أنا وهُوَ في الجَنَّةِ كهاتين))(١).
والجواب عن التنغيص والتألُّم: أن الجنة دار خَرْق العوائد، والله
سبحانه يُرضي كلَّ عبد فيها بمنزلته؛ بحيث يُخيَّل إليه أنه أطيبُ أهل الجنة،
فكل أحد راض بنعيمه، مَشغولٌ بطِيب ما هو فيه عن الالتفات إلى غيره؛
ولهذا أهل الجنتين الفِضَّتين لا يُنْغِّصُ عليهم عيشَهم كونُهم ليسوا من أهل
الجنتين الذهبيتين، وأهل الجنة [الذين] يُمزج شرابُهم من التسنيم؛ أعلى
أشربة أهل الجنة لا يُنْغِّصُ عليهم شربُ المُقرَّبين له صِرْفاً، وكما أن مَن
يرى ربَّه في الأحيان لا يُنْغِّصُ عيشَه مَن يراه كلَّ يوم مرتين.
(١) رواه مسلم (٢٩٨٣ / ٤٢)، من حديث أبي هريرة له، في حق كافل اليتيم.
٣٩٣

ونظائر ذلك كثيرة في أهل الجنة، لا سيما إذا زار الأسفل الأعلى؛
كما جاء في حديث الأوزاعي المرسل: أن النبيَّ ◌َّهِ قال: ((يَزُورُ الأَعْلَوْنَ
الأَسْفَلِين، ولا يَزُور الأَسْفَلُونَ الأَعْلَيْنَ، إلا مَنْ كانَ يَزُورُ [في الله] في
الدُّنيا؛ فإنَّهُ يَزُورُ في الجَنَّة حيثُ شَاءَ)) (١)، فهذا إذا زارَ الأعلى، ورأى ما
هو فيه؛ لم ينقلب إلى منزله ساخطاً، بل راضياً مستبشراً، فرحانَ.
وقد وقع في الدنيا نظيرُ ذلك، فكثيرٌ من الناس مَن يزور المُلوك
والرُّؤساء، ویری ما هم فيه، وينقلبُ فرحانَ بزيارته، وحضور دعوته غیرَ
حاسد له، ولا مُتألُّم لما رآه، وأنه يُرى كلُّ إنسان راضياً بعقله، مع التفاوت
الذي بين العقول، فبعضُها يوازن عقلَ أُمَم من الناس، وبعضُها دون ذلك
بکثیر، وكلٌّ منهم راضٍ بعقله.
فكيف يُنكَر في دار النعيم أن يُرضيَ الله كلَّ عبد بما أعطاه؟! وهؤلاء
الرسل صلوات الله عليهم كلٌّ منهم راضٍ بمنزلته، مُغتبطٌ بها، مع تفاضل
بعضهم على بعض.
وأما كونُ ذرية الرجل وزوجته معه في الجنة في درجته: فذلك من
تمام إنعام الله عليه، وإحسانه إليه؛ فإن ذلك أقرُّ لعينه، وأسرُّ لقلبه، وهم
معه في الدرجة تبعٌ؛ كالخَدَم الذين يَخْدُمُونه من الولدان وغيرهم، والجنة
في الأصل له.
وأما قوله ◌َّ في كافل اليتيم والمرأة التي حبست نفسَها على يتاماها،
ونحوهما: إن أولئك معه في الجنة كهاتين، وأشار بإصبعيه، فهذه إشارةٌ إلى
(١) رواه ابن وهب في ((الجامع)) (١٦٠). عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن
النبي ◌َّل، وإسناده ضعيف لإرساله.
٣٩٤

نفس الجنة، لا إلى الدرجة الخاصَّة؛ ولهذا قال: ((كُنتُ أنا وهو في الجَنَّةِ
كَهَاتَيْن))، ولم يقل: في الدرجة، وفرقٌ بين الأمرين، وأيضاً الوُسطى تفضل
على السَّبَّابة، وتعلوها، ولا تُساويها، فلعل المراد أنه رفيقي في الجنة،
وإن كنت أعلى درجةً منه؛ كما أن الإصبعين في كفِّ واحدة، وأحدهما
أعلى من الآخر، وبهذا يخرج الجواب عن قول ربيعة بن كعب للنبيٍّ وَلَّى:
أسألك مُرافقتَك في الجنة، قال: ((أَعِنِّي على نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)(١).
ومعلومٌ أن الخُلفاءَ الراشدين أفضل منه، وليسوا مع النبي ◌َّ في
درجته، والمُرافقة لا يلزم منها أن يكونوا كلَّهم في طبقة واحدة.
١٨٩١ - وَعَنْهُ ﴿﴾، قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ مَجْلِساً
وَصَفَ فيهِ الجَنَّةَ حَتَّى انْتُهَى، ثُمَّ قَالَ في آخِرِ حَدِيثِهِ: ((فِيهَا مَا لاَ
عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنُ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ))، ثُمَّ قَرَّأَ:
﴿ نَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ
مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧] روَاهُ البخاريُّ.
* قوله تعالى: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]؛ أي: فلا
يعلم أحدٌ عظمةَ ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المُقيم، لمَّا أَخْفَوْا
أعمالَهم؛ كذلك أخفى الله لهم من الثواب؛ جزاء وفاقاً؛ فإن الجزاء من
جنس العمل .
(١) رواه مسلم (٤٨٩ / ٢٢٦).
٣٩٥

قال الحسن: أخفى قومٌ عملاً، فأخفى الله لهم ما لم تر عينٌ، ولم
يخطُر على قلب بشر.
وفي ((مسند ابن أبي حاتم)): عن عامر بن عبد الواحد قال: بلغني أن
الرجل من أهل الجنة يَمْكُث في مكانه سبعين سنة، ثم يلتفت؛ فإذا هو
بامرأة أحسنَ ممَّا كان فيه، فتقول له: قد آن لك أن يكون لنا منك نصيبٌ.
فيقول: مَنْ أنتِ؟ فتقول: أنا من المزيد، فيَمْكُث معها سبعين سنةً،
ويلتفت؛ فإذا هو بإمرأة أحسنَ مما كان فيه، فتقول له: قد آن لك أن يكون
لنا منك نصيبٌ، فيقول: مَنْ أنت؟ فتقول: أنا التي قال الله تعالى: ﴿ فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧].
وقال سعيدُ بن جُبَيْر: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من
أيام الدنيا ثلاثَ مرات، معهم التُّحَفُ من الله تعالى من جَنَّات عَدْن ما ليس
في جَنَّاتهم، وذلك قوله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:
١٧ ]، ويُخبرون أن الله عنهم راضٍ.
وعن أبي اليمان الهَوْزني(١) أو غيره قال: الجَنَّةُ مئة درجة، أوَّلها:
درجةٌ فِضَّةٌ، وأرضُها فضة، ومساكنُها فضة، وترابها المِسْك، والثانية:
ذهبٌ، ومساكنُها ذهب، وأبنيتها ذهب، وترابها المِسْك، والثالثة: لؤلؤ،
وأرضها لؤلؤ، ومساكنُها لؤلؤ، وترابها المِسْكُ، وسبع وتسعون بعد ذلك
ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنُ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم تلا هذه
(١) في الأصل: ((الفزاري))، والتصويب من ((تفسير ابن كثير)) (١١/ ١٠٢)، و((تفسير
الطبري)) (١٨ / ٦٢٠)، و((تقريب التهذيب)) لابن حجر (ص: ٢٨٨).
٣٩٦

الآية: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ﴾ [السجدة: ١٧]، رواه ابن جرير(١).
١٨٩٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ رَسُولُ اللهِوَه
قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا،
فَلا تَمُوتُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِخُوا، فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ
تَشِبُّوا، فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا، فَلاَ تَبََّسُوا أَبَداً) رواهُ
مُسْلِمٌ.
* قوله القر: ((ينادي مناد)):
(ط): هذا النداء والبشارة ألذُّ وأشهى؛ لما فيه من السُّرور، وفي
عکسه أنشد المُتنبّ :
أَشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ
تَيَّقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُه انْتِقَالا (٢)
(قض): الجنة دار الثبات والقَرار، والتغيُّرُ لا يتطرَّق إليها، فلا يشوبُ
نعيمَها بؤسٌ، ولا يعتريه فسادٌ، ولا تغييرٌ؛ فإنها ليست دارَ الأضداد، ومحلَّ
الكون والفساد(٣).
(ن): ((تنعموا)) بفتح العين؛ أي: يدوم لكم النعيم، ((ولا تبأسوا))؛
(١) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (٢١ / ١٠٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٨).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٤٢٢).
٣٩٧

أي: يصيبكم بأسٌ، وهو شِدَّةُ الحال، وهو البأس، والبُؤس، والبَأساء،
والبُؤْسَی بمعنىٌ(١).
١٨٩٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ ﴾: أَنَّ رَسُول اللهرَُّ
قَال: (إِنَّ الله ◌َ يَقُولُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ! فَيَقُولُونَ:
لَّيْكَ رَبََّا وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ في يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيْتُمْ؟
فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَاَ نَرْضَى يَا رَبَّنَا، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَاَ مالِمْ تُعْطِ أَحَداً
مِنْ خَلْقِكَ؟! فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ:
وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلا
أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدَاً) متفقٌ عليهِ.
* قوله تعالى: ((أحل لكم رضواني)):
(ق): أي: أوجب لكم رضائي، فلا يزول عنكم أبداً دائماً، لا انقطاعَ
له بوجه من الوجوه، وقد أكد ذلك بقوله: ((فلا أسخط عليكم بعده))(٢).
(ن): معناه: أُنزِلُه بكم، قاله القاضي، و(الرضوان) بكسر الراء
وضمها قُرِىء بهما في السَّبع(٣).
(غب): ((الرضوان)): الرضا الكثير، ولمَّا كان أعظمُ الرِّضا رضا الله
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٦٨).
٣٩٨

تعالى؛ خُصَّ لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى، قال تعالى :
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَنٍ﴾ [التوبة: ٢١]، وقال: ﴿وَرِضْوَنٌ مِّنَ
اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقال: ﴿يَتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩](١).
ولفظ البخاري: ((أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي)(٢).
(ك): ((أحل)): من الإحلال، بمعنى الإنزال، أو بمعنى الإيجاب،
يقال: أحله الله عليه؛ أي: أوجب، وحَلَّ أمرُ الله عليه؛ أي: وجب، وهذا
كما قال تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢](٣) .
(ط): الحديث [مأخوذٌ] من قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ﴾ إلى قوله: ﴿وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ
أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] (٤).
(الكشاف): أي: أكبر من ذلك کلُّه؛ لأن رضاه سببُ كل فوز وسعادة،
ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمَه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب؛
لأن العبد إذا علم أن مولاه راضٍ عنه؛ فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم،
وإنما يتهنَّأُ له برضاه، كما يتنغَّصُ عليه بسُخْطِه، ولم يجد لها للَّةً وإن
عَظُمَتْ(٥).
وأكبر أصناف الكرامة رؤية الله تعالى، ونَكَّر ﴿وَرِضْوَنٌ﴾ في التنزيل؛
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٩٧).
(٢) رواه البخاري (٦١٨٣)، من حديث أبي سعيد الخذري
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤٩/٢٣).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٦٠).
(٥) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٢٧٦).
٣٩٩

إرادة التقليل؛ ليدل على أن شيئاً يسيراً من الرضوان خيرٌ من الجنان وما
فيها .
قال صاحبُ ((المفتاح)): والأنسب أن يحمل على التعظيم، و﴿أَكْبَرُ﴾
على مُجرَّد الزيادة مبالغة؛ لوصفه بقوله: ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾؛ أي: رضوان عظيم
يليق أن يُنسبَ إلى مَن اسمُه الله مُعطي الجزيل، وما لا يُكْتَنَهُ كُنْهُه، ومن عطاياه
الرؤية، وهي أكبر أصناف الكرامة، فحينئذ یناسب معنی الحدیث، إلا أنه حيث
أضافه إلى نفسه، وأبرزه في صورة الاستعارة، وجعل الرضوان كالوفود النازلة
على المَلِك الأعظم، ويؤيد هذا التأويل ما ورد في الحديث: ((يقول الله تبارك
وتعالى لأهل الجنة: تريدون شيئاً أزيدكم؟)) إلى قوله: ((فَيَرْفَعُ الحِجَابَ،
فِيَنْظُرُونَ إِلى وَجْهِ اللهِ تعالى، فمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ منَ النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ»،
فحينئذ لا يصِحُّ أن يقال في الآية: ورُؤيةٌ قليلة من الله أكبرُ.
١٨٩٥ - وَعَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ الله ﴿هِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
رَسُولِ الله ◌َّهِ، فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
رَبَّكُمْ عِيَاناً كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» متفقٌ
علیهِ .
* قوله ريج: ((إنكم سترون ربكم عياناً))، سبق في (الباب الحادي
عشر بعد المئة).
٤٠٠