Indexed OCR Text

Pages 361-380

واعلم أن مبالغة الله تعالى في الترغيب فيه تدلُّ على عُلُوِّ شأنه،
و((التسنيم)): نهر بعينها في الجنة؛ من سَنَّمه: إذا رفعه؛ إما لأنه أرفعُ
شراب الجنة، وإما لأنه يأتيهم من فوق، على ما روي أنها تجري في الهواء
مُسَنَّمَةً، فتنصَبُّ في أوانيهم(١).
٠
١٨٨٠ - وَعَنْ جَابِرِ ◌َ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((يَأْكُلُ
أَهْلُ الجَنَّةِ فِيهَا، وَيَشْرَبُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، وَلا
يَيُولُونَ؛ وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشَاءٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ
التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ)). رواه مسلمٌ.
* قوله مي: ((يأكل أهل الجنة فيها ويشربون))، وفي ((المعجم الكبير))
للطبرانيِّ عن زيد بن أرقمَ قال: قال رجل من أهل الكتاب: يا أبا القاسم؛
تَزْعُم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: ((نعم))(٢).
(ن): مذهب أهل الإسلام قاطبة: أن أهل الجنة يأكلون فيها،
ويشربون، ويَتنعَّمون بذلك، وبغيره من مَلاذِّها، وأنواع نعيمها تنعُّماً دائماً
لا آخر له ولا انقطاعَ أبداً.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩٠/٣١ - ٩١).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٠٠٩). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)) (٣٧٣٩).
٣٦١

وأن تنعُّمَهم بذلك على هيئة تنقُّم أهل الدنيا، إلا ما بينهما من
التفاضل في اللذَّة والنَّفَاسة التي لا تشارك نعيمَ الدنيا إلا في التسمية،
وأصل الهيئة، وإلا في أنهم لا يبولون، ولا يَتغوَّطون، ولا يتمَخَّطون، ولا
يَبْصُقون، وقد دلت دلائل القرآن والسنة على أن نعيم الجنة دائمٌ لا انقطاعَ
له أبداً(١).
• قوله ◌َفي: ((ولكن طعامهم)):
(ط): أي: فَضْل طعامهم يندفع بالجُشَاء، والرَّشْح، و(الإلهام):
إلقاء الشيء في الرُّوع، ويختصُّ ذلك بما كان من جهة الله تعالى، وجهة
الملأ الأعلى.
وقوله: ((كما يلهمون النفس)) وارد على سبيل المُشاكلة؛ لأن المراد
به التنفّس، قال الراغب: في هذا الحديث إشارةٌ عجيبة؛ فإنه إذا أمكن أن
يأكل دودٌ أطعمة مستحيلة، فيُخْلِفَ جُشاءً طيباً، يبقى أطولَ مدة، فلا
يلحقه فساد؛ فكيف يُنكر أن يتناول أهل الجنة طعاماً مُعَرَّىّ من العُفونات
والاستحالات، فيُخْلَفُ منه مسك؟!
والذي يستبعده بعضُ الناس من ذلك هو أنهم يريدون أن يتصوَّروا
أبداناً متناولة لأطعمة لا استحالةَ فيها، ولا تغيير بها، ولا يكون فيها
فضولات، وتصوُّر ذلك مُحالٌ، وذلك أن التصوُّر هو إدراك الوَهْم خيالَ
ما أدركه من الحُسْن [الحسِّي]، وما لا يدرك الحسُّ جزءه ولا كلَّه؛ كيف
يمكن تصوُّرُه؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصوُّر ذلك؛ لما قال تعالى:
﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسُ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، ولما قال عليه الصلاة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٣ - ١٧٤).
٣٦٢

والسلام مخبراً عن الرب تعالى: ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ
رأَتْ، ولا أُذُنْ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبٍ بَشَرٍ))(١).
وجملة الأمر: يجب أن يكون معلوماً أن النقصانات منتفية عن
الجنة؛ لأنها من الأعدام، وليس في الجنة أعدام؛ إذ هي في غاية الكمال
والتمام(٢).
(ش): نصوص الكتاب والسنة مُتظاهرةٌ على أن لأهل الجنة فيها
الخبزَ، واللحمَ، والفاكهة، والحَلْواءَ، وأنواعَ الأشربة؛ من الماء، واللَّبَن،
والخمر، وليس في الدنيا ممَّا في الآخرة إلا الأسماء، وأما المسميات:
فبينهما من التفاوت ما لا يعلمه البشر.
فإن قيل : فأين يُشوى اللحم، وليس في الجنة نار؟!
أجاب بعضهم: بأنه يُشوى خارج الجنة، ثم يؤتى به إليهم، والصواب:
أنه يُشوى في الجنة بأسباب قدَّرها العزيز العليم لإنضاجه وإصلاحه؛ كما قدَّر
هناك أسباباً لإنضاج الثمر والطعام، على أنه لا يمتنع أن يكون فيها نارٌ تُصلِح
ولا تُفسِد شيئاً، وقد صحَّ عنه ◌ِوَّهِ أنه قال (([وقودٌ] مَجَامِرِ هِمُ الأُلُوَّةُ)(٣)، وهي
العُود، فأخبر أنهم يَتجمَّرون به؛ أي: يتبخَّرون بإحراقه؛ لتسطع لهم رائحتهُ،
فالأطعمة، والحَلْواء، والتجمُّر تستدعي أسباباً يَتِمُّ بها، والله سبحانه خالق
السبب والمُسبَّب.
ولذلك جعل لهم سبحانه أسباباً لتصرف الطعام من الجُشاء، والعَرَق
(١) رواه البخاري (٣٠٧٢)، ومسلم (٢٨٢٤) من حديث أبي هريرة ظ
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٧).
(٣) رواه البخاري (٣٠٧٤)، من حديث أبي هريرة عظته.
٣٦٣

الذي يفيض من جلودهم، فهذا سببُ إخراجه، وذلك سببُ إنضاجه،
ولذلك يجعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ ذلك الطعام، ويلطفه،
ويهيئه لخروجه رَشْحاً وجُشاءً.
وهو سبحانه خالق الأسباب والحِكَم، لكنها تختلف، ولهذا يقع
التعجُّب من العبد؛ لورود أفعاله سبحانه على أسباب غير الأسباب
المعهودة المألوفة، وربما حمله ذلك على الإنكار والكفر.
وذلك جهل مَخْضٌ، وإلا؛ فليست قدرته سبحانه قاصرةً عن أسباب
أُخرَ، ومُسيَّبات ينشئها الله فيها؛ كما لم تقصُر قدرتُه في هذا العالم
المشهود عن أسبابه ومُسبَّباته، وليس هذا بأهونَ عليه من ذلك.
ولعل النَّشْأةَ الأولى التي أنشأها الربُّ تعالى فيها بالعِيان والمُشاهدة
أعجبُ من النشأة الثانية التي وعدنا بها إذا تأمَّلها اللبيبُ.
ولعل إخراجَ هذه الفواكه والثمار من بين هذه التربة الغليظة، والماء،
والخشب، والنوى أعجبُ عند العقل من إخراجها من تربة الجنة، ومائها،
وهوائها، ولعل هذه الأشربةَ من بين فَرْث ودم، ومن قيء ذباب أعجبُ من
إجرائها أنهاراً في الجنة بأسباب أُخر، ولعل جريان بحار الماء بين السماء
والأرض على ظهور السحاب أعجبُ من جريانها في الجنة من غير أُخدود،
فُبُعداً لقوم لا يؤمنون(١).
* قوله {قلقي: ((يلهمون التسبيح)):
(ق): هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام؛ لأن الجنة ليست بمَحلِّ
(١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ١٣٠).
٣٦٤

تكليف، وإنما هي دار جزاء، وإنما هو عن تيسير وإلهام.
ووجه التشبيه في قوله: ((كما يلهمون النفس)): أن تنفُّسَ الإنسان لا
بد منه، ولا كلفة عليه، ولا مشقَّة في فعله، وآحاد التنفُّسات مكتسبةٌ
للإنسان، وجملتها ضرورية في حَقِّه؛ إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس،
فكذلك ذكرُ الله على ألسنة أهل الجنة.
وسِرُّ ذلك: أن قلوبهم قد تنوَّرت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتَّعت
برؤيته، وقد غمرتهم سَوَابِعُ نعمته، وقد عُمِّرت أفئدتُهم بمَحبَّته ومُخَاللته،
فألسنتُهم مُلازمة لذكره، ورهينةُ شُكْره؛ فإن مَن أحبَّ شيئاً؛ أكثر من
ذكره(١) .
١٨٨١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قَالَ
اللهُ تعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ
سَمِعَتْ، وَلَاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرِ، وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ
تَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» متفقٌ
عليه .
* قوله {قلفي حكاية عن الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين
رأت»:
(ط): ((ما)) هنا؛ إما موصولة، أو موصوفة، و((عين)) وقعت في سياق
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨١).
٣٦٥

النفي، فأفاد الاستغراق.
والمعنى: ما رأت العيون كلُّهن، ولا عينٌ واحدة منهن، والأسلوبُ
من باب قوله تعالى: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]،
فيحتمل نفيُ الرؤية والعين معاً، أو نفيُ الرؤية فحَسْبُ؛ أي: لا رؤيةً ولا
عينَ، أو لا رؤيةَ، وعلى الأول: الغرض منه نفيُ العين، وإنما ضُمَّت إليه
الرؤية؛ ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمرٌ مُحقَّق لا نزاعَ فيه، وبلغ في تحققه
إلى أن صار كالشاهد على نفي الصِّفة وعكسه(١).
* قوله: ((ولا خطر على قلب بشر)): هو من باب قوله تعالى: ﴿ یَوْمَ
لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ﴾ [غافر: ٥٢]، وقول الشاعر:
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ
أي: لا قلبَ ولا خُطورَ، فعلى الأول: ليس لهم قلبٌ يُخْطِرِ، فجعل
انتفاء الصفة دليلاً على انتفاء الذات؛ أي: إذا لم يحصل ثمرةُ القلب، وهو
الإخطار؛ فلا قلبَ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ أَوْ
أَلْقَى السَّمْعَ﴾ [قَ: ٣٧].
فإن قلت: لم خصَّ البشر هاهنا دون القرينتين السابقتين؟
قلت: لأنهم هم الذين ينتفعون بما أعدَّ لهم، ويهتمون بشأنه،
ويُخْطِرون ببالهم، بخلاف الملائكة، والحديث كالتفصيل لقوله تعالى:
﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]؛ فإنها نفت العلم،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥١).
٣٦٦

والحديث نفی طريق حصوله.
(الكشاف): فلا تعلم النفوس كلهن، ولا نفس واحدة منهن، لا مَلَكٌ
مُقْرَّب، ولا نبيُّ مرسل أيَّ نوع عظيم من الثواب أوحى الله لأولئك، وأخفاه
من جميع خلائقه، لا يعلمه إلا هو، ممَّا تقَرُّ به عيونُهم، ولا مزيدَ على هذه
العُدَّة، ولا مَطْمَحَ وراءها(١).
(حس): يقال: أقرَّ الله عينك، [ومعناه]: أبرد دمعتها لأن دمعة
الفرح باردةٌ، حكاه الأصمعيُّ، وقال غيره: معناه: بَلَّغك الله أُمنيتَك حتى
ترضى به نفسُك، وتقَرَّ عينُك، فلا تستشرف إلى غيره(٢).
(ط): فعلى الأول: من القَرِّ: البرد، والثاني: من القرار.
وفي قوله: ((أعددت)) دليلٌ على أن الجنة مخلوقة، ويَعْضُدُه سُكْنى
آدَمَ وحواء عليهما السلام الجنةَ، وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء
الغالبة اللاحقة بالأعلام؛ كالنجم، والثريا، والكتاب، ونحوهما؛ وذلك
أن الجنة كانت تطلق على كل بستان مُتكاثفٍ أغصانُ أشجارها، ثم غلبت
على دار الثواب، وإنما قال: (اللاحقة بالأعلام)؛ لكونها غيرَ لازمة للام،
وتحقيق القول: أنها منقولة شرعية على سبيل التغليب، وإنما تُغلَّب إذا
كانت موجودة معهودة، وكذلك اسم النار منقولة لدار العقاب على سبيل
الغَلَبة، وإن اشتملت على الزَّمْهَرِير، والمُهْل، والضَّريع، وغير ذلك،
ولولا ذلك؛ لما كان [يغني] عن طلب القُصور والحُور والوٍلْدان بالجنة،
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٥١٩).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٥ / ٢١٠).
٣٦٧

ولا عن طلب الوقاية من الزَّمْهَرير، والمُهْل، والضَّرِيع عن مطلق النار (١).
١٨٨٢ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ
الجَنََّ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّالذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوَْبٍ
دُرِّيَّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لاَ يَيُولُونَ، وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَتْقُلُونَ، وَلاَ
يَمْتَخِطُونَ. أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْعُهُمُ المِسْكُ، وَمَجامِرُهُمُ
الأَلُوَّةُ - عُودُ الطِّيبٍ -، أَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العَيْنُ، عَلَى، خَلْقِ رَجُلٍ
وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةٍ أَبِيِهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِراعاً في السَّمَاءِ)) متفقٌ عليهِ.
وفي روايةٍ للبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: ((آنيُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمْ
المِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ
اللَّحْمِ مِنَ الحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ، وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبُ
وَاحِدٍ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيَا)).
قَوْلُهُ: ((عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِد)) رواهُ بَعْضُهُمْ - ◌ِفَتْحِ الخَاءِ
وَإِسْكَانِ اللَّمِ -، وَبَعْضُهُمْ - بِضَمِّهِما-، وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ.
* قوله ◌َله: ((أول زمرة يدخلون الجنة))، عن أبي هريرة ﴿ه قال:
قال رسول الله وَ﴿: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَاني باب الجَنَّةِ الذي
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٢).
٣٦٨

تَدْخُل مِنْهُ أُمَّتي))، فقال أبو بكر : يا رسولَ الله؛ وَدِدْتُ أني كنت معك حتى
أنظر إليه، فقال رسول الله وَّهِ: ((أَمَا إِنَّكَ [يا] أبا بَكْرِ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ
مِن أُمَّتِي))، رواه أبو داود(١).
وعن ابن عباس ﴿﴾ قال: قال رسول الله وَله: ((أَوَّلُ مَنْ يُدْعى إلى
الجَنَّةِ الحَمَّادُونَ، الذين يَحْمَدُونَ اللهَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ))(٢).
وفي ((مسند أحمد)): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّهُ: ((عُرِضَ
عليَّ أَوَّلُ ثَلاثةٍ مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلونَ الجَنَّة، وأَوَّلُ ثَلاثةٌ يَدْخُلونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ
ثَلاثةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: فالشَّهِيدُ، وعَبْدٌ مَمْلُوٌ لا يَشْغَلُهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةٍ
رَبِّهِ، وفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وأَوَّل ثَلاثةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: فَأَمِيرٌ مُتَسلِّطٌ، وذُو
ثَرْوَةٍ مِن مَالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ، وفَقِيرٌ فَجُورٌ)) (٣).
وروى أحمدُ والطبرانيُّ عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله وَليته :
((هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فُقَراءُ
المُهَاجِرِينَ الذينَ تُتَّقَى بِهِمُ المَكَارِهُ، ويَمُوتُ أَحَدُهُمْ وحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ
لا يَسْتَطِيعُ لها قَضَاءَ، تَقُولُ المَلائِكَةُ: رَبََّا نَحْنُ مَلائِكَتُكَ، وخَزَنْتُكَ، وسُكَّانُ
سَمَاوَاتِكَ، لا تَدْخِلْهُمُ الجَنَّةَ قَبْلَنَا، فَيَقُولُ: عِبَادِي لا يُشْرِكُون بِي شَيْئاً، تُتَّقَى
بِهِمُ المَكَارِهُ، ويَمُوتُ أَحَدُهُمْ وحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لا يَسْتَطِيعُ لها قَضَاءَ، فِعِنْدَ
(١) رواه أبو داود (٤٦٥٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٧٤٥).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٣٠٣٣). وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٦٣٢).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٤٢٥). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)» (١٢٢١).
٣٦٩

ذلكَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بِابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، فِنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ))(١).
وعن أبي هريرة ظ به قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ باب
الجَنَّةِ، إلا أَنَّ امْرَأَةً تُبَادِرُنِي، فَأَقُولُ لها: مَا لَكِ أو ما أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ
قَعَدْتُ على يَتَامَى))(٢) .
وجه الجميع بين هذه الأحاديث: أن يقال: أول مَن يدخل الجنة من
الخلفاء الراشدين أبو بكر څ.
وأما ما رواه ابن ماجة عن أُبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله وَّةٍ:
(أَوَّلُ مَن يُصَافِحُهُ الحَقُّ عُمَرُ، وأَوَّلُ مَن يُسلِّمُ عَلَيْهِ، وأَوَّلُ مَن يَأْخُذُ بِيَدِهِ،
فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ»(٣): فهو حديثٌ مُنكرٌ جداً، قال الشيخ شمس الدين ابن
القيم: فيه داود بن عطاء، قال البخاريُّ: منكر الحديث، وقال الإمام
أحمد: داود بن عطاء: ليس بشيء.
وأول من يدخل الجنة من الذاكرين الله الحَمَّادون، ومن المجاهدين
الشُّهداءُ، ومن العبيد الذي لا يشغله رِقُّ الدنيا عن طاعة ربِّه، ومن الفُقراء
المُتعَفِّفُ ذو العِيال، ومن المهاجرين فُقَراؤُهم الذين تُتَّقَى بهم المَكارِهُ،
ومن النساء مَن قعدت على يتاماها، ولم تتزوَّج.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٦٨). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب» (٣١٨٣).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٦٥١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الترغيب
والترهيب)» (١٥١٢).
(٣) رواه ابن ماجه (١٠٤).
٣٧٠

(ن): ((الزمرة)»: الجماعة (١).
* قوله: ((على صورة القمر)) :
(ق): ((الصورة)) بمعنى الصفة؛ يعني: أنهم في إشراق وجوههم على
صفة القمر ليلة تمامه وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سُمِّي القمر
بدراً، ومقتضى هذا: أن أنوار أهل الجنة متفاوتة بحسَب درجاتهم(٢).
(ط): أفرد المضاف إليه في قوله: ((على أشد كوكب))؛ ليفيد الاستغراق
في هذا النوع من الكواكب؛ يعني: إذا تقصيت كوكباً كوكباً؛ رأيتهم على أشدِّه
إضاءة(٣).
(ن): ((الدري)»: فيه ثلاث لغات: ضم الدال وتشديد الياء بلا همز،
والثانية: ضم الدال مهموز ممدود، والثالثة: بكسر الدال مهموز ممدود،
وهو الكوكب العظيم.
قيل : سُمِّي درياً؛ لبياضه كالُّرِّ، وقيل: الشبهه بالدرآ في كونه أرفعَ
النجوم؛ كالدُّرِّ أرفع الجواهر، وقيل: لإضاءته.
و((يتفلون)) بكسر الفاء وضمها، حكاهما الجوهري وغيره؛
أي: لا يبصقون، وفي رواية: ((لا ییزقون))، وکله بمعنىّ (٤).
(ق): إنما لم تصدر هذه الفضلات عنهم؛ لأنها أقذارٌ مُستخبئةٌ،
والجنة مُنزَّهةٌ عن مثل ذلك، بل يُستطاب ويستلذُّ ما يخرج من أبدانهم من
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٩).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٥).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٦٨).
٣٧١

الرشح، وهي التي عُبِّر عنها بالمسك.
وقد يقال: أيُّ حاجة إلى الامتشاط، ولا يتلبَّد شعرُهم، ولا يَتَّسخ؟!
وأيُّ حاجة إلى البَخور وريحُهم أطيبُ من المسك؟!
ويُجاب أن نعيم أهل الجنة ليس عن دفع [ألم اعتراهم]، فليس أكلُهم
وشُربهم وتطيِّهم عن جوع، وظمأ، ونَتَن، وإنما لذات مُتوالية، ونِعَمٌ
متتابعة، وحكمة ذلك: أن الله تعالى نَعَّمهم بنوع ما كانوا يتمتعون به في
الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله.
وقوله وَّهُ: ((مَجَامِرُهم الأَلُوَّةُ»، سبق في الحديث الأول من هذا
الباب: أن النار موجودة في الجنة للإصلاح المَحْض، ولا فساد فيها(١).
(نه): ((المجامر)): جمع مِجْمَر بالكسر، وهو الذي يوضع فيه النار
للبَخور، وبالضم هو الذي يُتبخَّر به، وأُعِدَّ له الجمر(٢).
(ط): المراد هو الأول، وفائدة الإضافة: أن الأَلُوَّةَ هي الوقود نفسه،
بخلاف المتعارف؛ فإن وَقودَهم غيرُ الأَلُوَّةِ(٣).
(ن): هي بفتح الهمزة وضم اللام: العُود الهنديُّ، و((رشحهم
المسك»؛ أي: عَرَقُهم(٤).
* قوله : ((أزواجهم الحور العين)):
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٩).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٢٩٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٦).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٢).
٣٧٢

(ش): ((الحور)): جمع حَوْرَاء، وهي المرأة الشابة، الحَسْناء، الجميلة،
البيضاء، شديدة سواد العین.
وقال مجاهد: ((الحَوْراء)): التي يَحَارُ فيها الطَّرْف من رقَّةً الجلد، وصفاء
اللون، وهذا من الاتفاق، وليست هذه اللفظ مشتقة من الحَيْرة، وأصل
الحَوَر: البياض، والصحيح: أن الحُور مأخوذ من الحَوَر في العَيْن، وهو
شِدَّة بياضها مع قوة سوادها، فهو يتضمَّن الأمرين، كذا في ((الصحاح)).
ولا تُسمَّى المرأة حَوْراءَ حتى تكون مع حَوَر عينها بيضاءَ الجسد.
و((العِين)) جمع عَيْناء، وهي العظيمة العين، والصحيح: أن العِين:
اللاتي جمعت أعينُهن صفاتِ الحُسْنِ والمَلاحة (١).
* قوله وخلفي: ((على خلق رجل واحد)):
(ن): ابن أبي شيبة یرویه بضم الخاء وإسكان اللام، وأبو كريب بفتح
الخاء وإسكان اللام، وكلاهما صحيح، وقد اختلف فيه رواةُ ((صحيح
البخاري))، ويُرجَّح الضم بقوله في الحديث الآخر: ((لا اخْتِلافَ بَيْنَهُم،
ولا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهم قَلْبٌ وَاحِدٌ))(٢)، ويُرجَّح الفتحُ بقوله ◌َّ﴿ في تمام
الحديث: ((على صُورة أبيهم آدم، أو على طوله))(٣)، وبقوله أيضاً: ((لا
يَمْتَخِطُونَ ولا يَتْفِلُونَ))(٤).
(١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ١٥٠).
(٢) رواه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٦)، من حديث أبي هريرة ظ
(٣) رواه البخاري (٣١٤٩)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٥)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٢)، والحديث رواه البخاري (٣١٤٩)،
ومسلم (٢٨٣٤ / ١٥)، من حديث أبي هريرة
٣٧٣

(ط): فعلى هذا: لا يكون (على صورة أبيهم آدم) بدلاً من قوله:
«علی خلق رجل واحد» بل يكون خبرَ مبتدأ محذوف.
فإذا قيل: الموصوف بالصفات المذكورة كلهم على خَلْق رجل
واحد؛ حَسُن الإبدال(١).
(ق): الضم أولى؛ لأنا إذا حملنا علیه؛ استفدنا منه فائدتین:
إحداهما: تساوي أخلاقهم في الحُسْن والكمال، لا تباغُضَ بينهم
ولا نَقْصَ.
والثانية: تساوي صُوَرهم الظاهرة، ولا يستفاد من الفتح، وحمل كلام
الشارع والفُصحاء على تكثير الفوائد أَوْلى؛ كما قررناه في الأصول(٢).
* قوله : ((ستون ذراعاً في السماء)):
(ق): أي: في الارتفاع، وكلُّ ما علاك؛ فهو سماء، ونعني بذلك:
أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خِلْقة أصلهم الذي هو آدم عليه السلام،
على صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة، وكان طولُه فيها ستين
ذراعاً في الارتفاع من ذراع نفسه، والله أعلم، ويحتمل أن يكون ذلك
الذراع مقدراً بأَذْرِ عَتِنا المُتعارفة عندنا(٣).
(ش): في ((مسند أحمد)): عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يخلّى:
(يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ جُرْداً، مُرْداً، بِيضاً، جِعَاداً، مُكَخَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلاثٍ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٢).
٣٧٤

وثَلاثِينَ، وهم على خَلْقِ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعاً في عَرْضٍ سَبْعَةِ أَذْرُع))(١).
وروى ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله إليه:
(يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ على طُولِ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعاً بذِرَاعِ المَلَكِ، على
حُسْنِ يُوسُفَ، ومِيلادٍ عِيسَى ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ سَنَةً، وعلى لِسَانِ مُحمَّدٍ،
جُرْدٌ، مُرْدٌ، مَكْحُولُونَ)(٢).
وفي هذا الطول والعَرْض والسِّنُّ من الحكمة ما لا يخفى؛ فإنه أبلغ
وأكمل في استيفاء اللذَّة وقُوَّتها؛ بحيث يصل في اليوم الواحد إلى مئة
عَذْرَاء، ولا يخفى التناسبُ الذي بين هذا الطول والعَرْض؛ فإنه إن زاد
أحدُهما على الآخر؛ فات الاعتدالُ، وتناسُبُ الخِلْقة، ويصير طولاً مع
دِقَّة، أو غِلَظاً معَ قِصَر، وكلاهما غيرُ متناسب.
وفي (مسند أحمد)): عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّهُ: ((إنَّ أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً مَنْ لَهُ منَ الحُور العِينِ الاثَْانِ
وسَبْعُونَ زَوْجَةٌ سِوَى أَزْوَاجِهِ مِنَ الدُّنْيا، وإنَّ الوَاحِدَةَ مِنْهُنَّ لَتَأْخُذُ مَفْعَدُها
قَدْرَ مِيلٍ منَ الأَرْضِ))(٣)، ورواه أبو يعلى المَوْصِليُّ أيضاً، وهو حديثٌ
مُنكر مخالفٌ الأحاديث الصحيحة؛ فإن طول ستين ذراعاً لا يحتمل أن
مقعد صاحبه قَدْرُ مِیل من الأرض.
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ٢٩٥). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)» (٣٧٠٠).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٢٠).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٥٣٧). وهو حديث منكر. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٦١٠٥).
٣٧٥

والذي في «الصحيحين)): ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الجَنَّةَ، لَكُلِّ امْرِىءٌ مِنْهُمْ
زَوْجَتَانِ من الحُورِ العِينِ)»(١)، فكيف يكون لأدنى أهل الجنة جماعةٌ منهن؟!
وشَهْرُ بن حَوْشَب ضعَّفه جماعة، وإن وثقه بعضهم؛ فلا ريب إذا
انفرد بما يخالف ما رواه الثقات؛ لم يقبل(٢).
* قوله : ((لكل منهم زوجتان)):
(ق): يعني: أن أدنی من في الجنة درجةً له زوجتان؛ إذ ليس في
الجنة أعزب کما رواه مسلم(٣).
ومَن ارتفعت منزلته؛ فزوجاتهم على قدر درجاتهم، كما سيأتي من
قوله وَله: ((إنَّ في الجَنَّةِ دُرَّةً طُولُها سِتُّونَ مِيلاً في كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْها أَهْلٌ
لِلمُؤْمِنِ ما يَرَوْنَ الآخَرِينَ)).
وبهذا يعلم أن نوعَ النساء المشتمل على الحُور والآدميات في الجنة
أكثرُ من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثرُ من نسائهم؛ ولهذا قال
عليه السلام: ((أَقلُّ سَاكِنِي الجَنَّةِ النِّسَاءُ، وأَكْثَرُ سَاكِنِي جَهَنَّمَ النِّسَاءُ» (٤)؛
يعني : نساء بني آدم هنَّ أقلُّ في الجنة، وأكثرُ في النار (٥).
(ش): أما كونهن أكثرَ أهل النار: فلما في ((الصحيحين)) من قوله ◌َّه.
(١) رواه البخاري (٣٠٧٣)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٧)، من حديث أبي هريرة .
(٢) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ١٠٤).
(٣) رواه مسلم (٢٨٣٤ / ١٤)، من حديث أبي هريرة
(٤) رواه مسلم (٢٧٣٨ / ٩٥)، من حديث مطرف بن عبد الله ﴾.
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٠).
٣٧٦

((اطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ» (١).
وفي ((صحيح مسلم): ((يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ؛ تَصَدَّقْنَ، وأَكْثِرْنَ منَ
الاسْتِغْفَارِ؛ فإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ)(٢).
وأما كونهن أقلَّ أهل الجنة: ففي أفراد مسلم عن مُطرِّف بن عبدالله:
أنه کان له امرأتان، فجاء من عند إحداهما، فقالت الأخری: جئت من عند
فلانة؟ فقال: جئت من عند عِمْرانَ بن حُصَيْن، فحَدَّثنا أن رسولَ الله وَّه
قال: ((إنَّ أقلَّ سَاكِنِي الجَنَّةِ النِّسَاءُ)»(٣).
فإن قيل: فما تصنعون بالحديث الذي رواه أبو يعلى المَوصِليُّ عن
محمد بن كعب القُرَظيِّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة أن رسول
اللهِ وَّ، وهو في طائفة من أصحابه، فذكر حديثاً طويلاً، وفيه: ((فَيَدْخُلُ
الرَّجُلُ مِنْهُم على سِتِّينَ وسَبْعِينَ زَوْجَةً ممَّا يُنْشِئِ اللهُ، واثْنَتَيْنِ من وَلَدِ آدَمَ
لَهُمَا فَضْلٌ على مَن أَنْشَأَ اللهُ بِعِبَادَتِهِما لَهُ في الدُّنْيًا»؟!
قيل: هذا قطعة من حديث الصُّور الطويل، ولا يعرف إلا من حديث
إسماعيل بن رافع، وقد ضعَّفه أحمدُ، ويحيى، وجماعةٌ، ووثَّقه البخاريُّ،
لكن إذا روى مثلَ هذا ممَّا يخالف الأحاديث الصحيحة؛ لم يُلتفت إلى
روايته .
وأيضاً؛ فالرجل الذي روى عنه محمد بن كعب القُرَظيُّ لا يُدْرَى مَن
هو.
(١) رواه البخاري (٣٠٦٩)، ومسلم (٢٧٣٧ / ٩٤).
(٢) رواه مسلم (٧٩/ ١٣٢)، من حديث ابن عمر ـ
(٣) تقدم تخريجه.
٣٧٧

وقد روى أحمد في ((مسنده)) عن عمرو بن العاص قال: كنا معَ النبيِّ وَله
بِمَرِّ الظَّهْران؛ فإذا نحن بغِرْبان كثيرة فيها غُرَابٌ أَعْصَمُ أَحْمَرُ المِنْقَار
والرِّجلين، فقال رسول الله وَّه: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ منَ النِّسَاءِ إلاَّ مِثْلُ هذا
الغُرَابِ فِي هَذِهِ الغِرْبَان))(١).
(نه): ((الغراب الأعصم)): هو الأبيض الجناحين، وقيل: الأبيض
الرِّجلين، أراد قِلَّةً مَنْ يدخل الجنة من النساء؛ لأن هذا الوصف في الغربان
قليلٌ عزیز.
وفي حديث آخر: ((المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ))، قيل:
يا رسول الله؛ وما الغُرابُ الأَعْصَمُ؟ قال: ((الذي إِحْدَى رِجْلَيْهِ بَيْضَاءُ» (٢).
وفي حديث آخر: ((عَائِشَةُ فِي النِّسَاءِ كالْغُرَابِ الأَعْصَمِ فِي الْغِرْبَانِ)»(٣).
(ط): الظاهر أن التثنية في قوله وير: ((لكل منهم زوجتان)) للتكرير
لا للتحديد؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّارْجِعِ الْبَصَرَكَرَّنَنِ﴾ [الملك: ٤]، انتهى (٤).
يؤيده حديث الصور الذي سبق قريباً، وما رواه ابن ماجه عن أبي أمامة
قال: قال رسول الله وَله: ((ما مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُه اللهُ الجَنَّةَ؛ إلا زَوَّجَهُ اللهُ اثْنَيْنِ
(١) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٨٦)، والحديث رواه الإمام أحمد في
«المسند» (٤ / ١٩٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ٤٦٦).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧٨١٧)، من حديث أبي أمامةعته. وهو
حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٨٠٢).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٢٤٩).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٥).
٣٧٨

وسَبْعِينَ زَوْجةً، اثْنَتَيْنِ من الحُورِ العِينِ، وسَبْعِينَ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ما
مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ؛ إلا ولَهَا قُبُلٌ شَهِيٍّ، ولَهُ ذَكَرٌ لا يَنْثَنِي))، قال هشام بن خالد:
(من ميراثه)؛ يعني: رجالاً دخلوا النار، ورثت أهلُ الجنة نساءَهم؛ كما
وُرِثت امرأةُ فرعون(١).
وذكر بعض العلماء في الجمع بين الحديثين وجهاً آخر، فقال: إنهن
أكثر أهل النار، ثم يخرج مَن يخرج منهن بالشفاعات، أو بمَحْض فضل
الله، فيَصِرْنَ إلى الجنة، حتى يَكُنَّ أكثرَ أهلها .
(ن): قوله: ((لكل منهم زوجتان))، قال القاضي: ظاهره أن النساء
أكثر أهل الجنة.
وفي الحديث الآخر: أنهن أكثر أهل النار، قال: فيخرج من مجموع
هذا أن النساء أكثر أولاد آدم، قال: وهذا كلُّه في الآدميات، وإلا؛ فقد جاء
أن للواحد من أهل الجنة من الحُور العددَ الكثير(٢).
* قوله: ((يرى مخ سوقهما من وراء اللحم)) :
(ق): وصف صفاء لحم الساقين؛ أي: يرى المخ؛ كما يرى السِّلْكُ
في جوف الدُّرّة الصافية(٣).
(ط): ((من الحسن)) تتميمٌ؛ صوناً من توقُّم ما يتصور في تلك الرؤية ممَّا
(١) رواه ابن ماجه (٤٣٣٧). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة))
(٤٤٧٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨١).
٣٧٩

يَنْفِرُ عنه الطبع، و((الحسن)): هو الصَّفاء، ورِقَّة البشرة، ونُعومة الأعضاء (١).
* قوله ويلقي: «يسبحون الله بكرة وعشياً):
(ق): أوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات(٢).
(ط): المراد به الدَّيْمُومة، كما تقول العرب: أنا عند فلان صباحاً
ومساءً، لا يقصد الوقتين المعلومين، بل الدَّيْمُومة، انتهى(٣).
سبق في أوائل هذا الباب: أن هذا التسبيحَ ليس عن تكليف وإلزام،
إنما هو عن تيسير وإلهام.
١٨٨٣ - وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﴿هِ، عَنْ رَسُولِ اللهَِِّ،
قَالَ: ((سَأَلَ مُوسَى ◌َّهِ رَبَّهُ، مَا أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةَ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُو
رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، فَيَقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّة،
فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذاتِهِمْ؟
فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟
فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ،
ومِثْلُهُ، فَيَقُولُ في الخَامِسَةِ: رَضِيِتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةَ
أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨١).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٥٦).
٣٨٠