Indexed OCR Text

Pages 281-300

لَذَّتها، ولبعدها عن مواضع الأتفال والأذى(١).
(ق): ((النهس)) بالسين المهملة: أخذ اللحم بمُقدَّم الأسنان، وقد
يقال: أيضاً نهش بالمثلثة، حكاه الجوهريُّ، انتهى(٢).
انتهاس اللحم مُستحبٌّ؛ لأنه أقربُ إلى التواضع، ومخالفٌ لصنيع
الأعاجم والكفار؛ ولهذا عقَّبِه وَّه بقوله: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)).
وفي ((سنن أبي داود)) عن صفوانَ بن أُميّة قال: كنت آكل مع رسول
الله ◌ٌَّ، فَآكل اللحمَ بيدي من العظم، فقال: ((أدْنِ اللَّحْمَ مِنْ فِيكَ؛ فإنَّهُ
أَهْنَأُ وأَمْرَأ)(٣).
قوله : «أنا سيد الناس يوم القيامة»:
(ن): إنما قال ◌َّهل هذا تحدُّثاً بنعمة الله تعالى، وقد أمره الله تعالى
بهذا، ونصيحةً لنا بتعريفنا حقَّه ◌ِ.
وإنما خصَّ يوم القيامة مع كونه سيِّدَهم في الدنيا والآخرة؛ لارتفاع
السُّؤْدُد فيها، وتسليم جميعهم له، ولكون آدمَ وجميع أولاده تحت لوائه؛
كما قال تعالى: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمِّ لِلَّهِالْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]؛ أي: انقطعت
دواعي الملك في ذلك اليوم(٤).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٦٥).
(٢) انظر: ((المفهم)) (١ / ٤٢٦).
(٣) رواه أبو داود (٣٧٧٩)، ولفظه: ((أدن العظم)). وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٢١٩٤).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٦٦).
٢٨١

(ق): ((السيد)): هو الذي يَسُودُ قومَه؛ أي: يفوقهم بما جمع من
الخِصَال الحميدة؛ حيث يلجؤون إليه، ويُعَوِّلُونَ عليه في مُهِمَّاتهم.
قال :
وَإِنْ كُنْتَ للخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنَا
وقد تحقق كمالُ تلك المعاني كلُّها لنبينا محمد ◌ََّ في ذلك المَقام
الذي يحمده، ويَغْبِطُه فيه الأوَّلون والآخِرون، ويشهد بذلك النبيُّون
والمرسلون، وهذه حكمة عَرْضِ الشفاعة على خيار الأنبياء، فكلهم تبرّؤوا
منها، ودل على غيره، إلى أن بلغت محلَّها واستقرَّت في نِصَابها(١).
: قوله: ((في صعيد واحد، فينظرهم الناظر، ويسمعهم الداعي))،
وفي رواية لمسلم: ((فيُسْمِعُهم الدَّاعِي، ويَنْفُذُهم البَصَرُ»:
(ن): ((الصعيد)): هو الأرض الواسعة المستوية، و((ينفذهم)) بفتح
الياء وبالذال المعجمة، وقد روي ضمُّ الياء أيضاً، وروي بالمهملة أيضاً؛
أي: يحيط بهم الناظر، ولا يخفى عليه منهم شيء؛ لاستواء الأرض(٢).
(ق): معناه: أنهم مجتمعون مهتمون بما هم فيه، لا يخفى منهم
أحدٌ؛ بحيث إن دعاهم داعٍ؛ سمعوه، وإن نظر إليهم ناظرٌ؛ أدركهم،
ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العَرْض والحساب، أو أمرٍ
آخرَ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَى ءٍ ذُكُرٍ ﴾ [القمر: ٦](٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٦٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٧).
٢٨٢

* قوله: ((وتدنو الشمس)»:
في ((صحيح مسلم)): ((تَدْنُو الشَّمْسُ يومَ القِيَامةِ من الخَلْقِ حتَّى تَكُونَ
منهم كمِقْدَارِ مِيلٍ))(١)، وقد سبق في (الباب الخمسين).
: قوله ويقي: ((من الهم والحزن والغم والكرب ما لا يطيقون))، قال
ابن أبي جَمْرة: يبقون مع شِدَّة هذه الأهوال على ما قد عُلم من الأحاديث
قَدْرَ ثلاث مئة سنة من أيام الدنيا، لا يأتيهم خبرٌ من السماء، ولا يعرفون
ماذا يُراد بهم، ثم يُلهِمُهم الله رَّ بطلب الشفاعة.
(ق): ((خلقك الله بيده)) ((اليد)) في كلام العرب تطلق على القُدْرة،
والنِّعمة، والمُلْك، والأَلْيَقُ هنا: حَمْلُها على القدرة، وتكون فائدة
الاختصاص لآدم: أنه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب، ولا واسطة
خلق، ولا أطوار قلبه فيها، ويحتمل أن يكون شرَّفه بالإضافة إليه، والتسليم
في المشكلات أسلم(٢).
(ن): ((إلى [ما قد] بلغنا)) بفتح الغين، هذا هو الصحيح المعروف،
وضبطه بعض الأئمة المتأخرين بالفتح والإسكان، وهذا له وجهٌ، لكن
المختار ما قدمناه؛ لما سبق قريباً: ((ألا ترون ما قد بلغكم؟))، ولو كان
بإسكان الغين؛ لقال: بلغتم.
والمراد بغضب الله: ما يظهر من انتقامه ممَّن عصاه، وما يرونه من أليم
(١) رواه مسلم (٢٨٦٤)، من حديث المقداد بن الأسود ت﴾.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٧). وهو الصواب الذي كان عليه سلف هذه
الأمة من التسليم والإيمان لِما ورد في هذا الباب، مع نفي التشبيه والتمثيل
والتعطيل والتأويل.
٢٨٣

عذابه، وما يشاهده أهل المَجْمَع من الأهوال التي لم يكن ولا يكون مثلُها،
ولا شك في أن هذا كلَّه لم يتقدَّم قبل ذلك اليوم مثلُه، فهذا معنى غَضَبِ الله؛
كما أن رِضَاه: ظهور رحمته ولُطفه بمَن أراد به الخير والكرامة(١).
* قوله: ((ألا ترون من يشفع لكم؟))، سبق معنى الشفاعة في (الباب
الثاني والثلاثين).
* قوله: ((نهاني عن الشجرة، فعصيت)):
(ن): اختلف في جواز المعصية على الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم، وقد لخّص القاضي مقاصدَ المسألة، فقال: لا خلاف أنهم معصومون
من كل كبيرة، وكذلك من الصغائر التي تُزْري بفاعلها، وتَحُطُّ منزلته، وتُسْقِطُ
مروءته .
واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر، فذهب معظمُ الفقهاء،
والمُحدِّثين، والمُتكلِّمين من السلف والخلف إلى جواز وقوعها منهم،
وحُجَّتُهم ظواهرُ القرآن والأخبار.
وذهب جماعةٌ من أهل التحقيق والنظر من الفُقهاء والمُتكلِّمين من
أئمتنا إلى عِصْمَتِهِم من الصغائر كعِصْمَتهم من الكبائر، وأن مَنْصِبَ النبوة
يَجِلُّ عن مُواقعتها، وعن مخالفة الله تعالى عمداً.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٦٨). وهذا على تأويل المتأخرين لصفات الله ◌َق،
ومذهب السلف: التسليم بكل ما جاء من صفات الله ◌ّت في الكتاب أو السنة؛
كالغضب والرضا والضحك والتعجب وغيرها، وإمرارها كما جاءت، ويكلون
علمها إلى الله تعالى، مع اعتقاد المعنى اللائق به سبحانه وتعالى، ومذهبهم في
ذلك أسلم وأعلم وأحكم، والله أعلم.
٢٨٤

وتكلموا على الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، وتأوَّلوها، وأن ما
ذكر عنهم من ذلك إنما هو فيما كان منهم على تأويل أو سهو، أو من إذن من
الله في أشياء أشفقوا من المُؤاخذة بها، وأشياء منهم قبل النبوة، وهذا هو
المذهب الحَقُّ؛ لما قدَّمناه، ولأنه لو صَحَّ ذلك منهم؛ لم يلزمنا الاقتداءُ
بأفعالهم، وإقرارهم، وكثير من أقوالهم، ولا خلاف في الاقتداء بذلك، [قال
القاضي](١): وقد بسطنا القولَ في هذا الباب في كتابنا ((الشفا»، وبلغنا فيه
المَبْلِغَ الذي لا يوجد في غيره، وانظر إلى هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء:
من أكل آدم عليه السلام من الشجرة ناسياً، ومن دعوة نوح عليه السلام على
قوم كفار، وقتل موسى عليه السلام لكافر لم يُؤمر بقتله، ومدافعة إبراهيم عليه
السلام الكفار بقول عَرَّض به هو فيه من وَجْهٍ صادقٌ، وهذه كلُّها في حق
غيرهم ليست بذنوب، لكنهم أشفقوا منها؛ إذ لم يكن عن أمر الله، وعَتِب
على بعضهم فيها بقَدْر منزلتهم من معرفة الله تعالى(٢).
(ق): تلك الأمور التي وقعت منهم، وعُوتبوا عليها يخِفُّ أمرُها
بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُوتب عليهم بالنسبة إلى مناصبهم، وعُلُوٌّ
أقدارهم؛ إذ يؤاخذ الوزير بما يُثاب عليه السائسُ، وقد أحسن الجُنيدُ
رحمه الله؛ حيث قال: حَسَنَاتُ الأبرار سيئاتُ المقربين، فهم وإن كان قد
شهدت النصوصُ بوقوع ذنوب منهم؛ [فلم يخل ذلك بمناصبهم، ولا قدح
في رتبتهم، بل](٣) تلافاهم الله تعالى، واجتباهم، وهداهم، ومدحهم،
(١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٥٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ٥٣).
(٣) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي.
٢٨٥

وزَكَّاهم، صلواتُ الله وسلامه عليهم(١).
، قوله: ((أنت أول الرسل إلى أهل الأرض»:
(ن): قال الإمام أبو عبدالله المَازَرِيُّ: قد ذكر المُؤرِّخون أن إدريس
جَدُّ نوح عليهما السلام، فإن قام دليل على أن إدريس أُرسل أيضاً؛ لم
يصِحَّ قولُ النسَّابين: إنه قبل نوح؛ لإخبار النبي ◌َِّ عن آدمَ عليه السلام أن
نوحاً أولُ رسول بعث.
وإن لم يقم دليل؛ جاز ما قالوه، وصَحَّ أن يُحملَ أن إدريسَ عليه
السلام كان نبياً غیر مرسل.
قال القاضي: قيل: إن إدريسَ هو إلياسُ عليه السلام، وإنه كان نبياً
في بني إسرائيل، كما جاء في بعض الأخبار مع يُوشعَ بن نون، فعلى هذا:
سقط الاعتراض.
قال القاضي: وبمثل هذا سقط الاعتراض بآدم وشِيْث عليهما
السلام، ورسالتهما؛ فإن آدم إنما أرسل لبنيه، ولم يكونوا كُفَّاراً، بل أُمِر
بتعليمهم الإيمانَ، وطاعةَ الله تعالى، وكذلك خلفه شِيْثٌ بعده فيهم،
بخلاف رسالة نوح؛ فإنه أرسل إلى كُفَّار أهل الأرض.
قال القاضي: وقد رأيت أبا الحسن بن بَطَّال ذهب إلى أن آدمَ ليس
برسول؛ ليسلم من هذا الاعتراض، وحديث أبي ذَرِّ يَنُصُّ على أن آدم
وإدريس عليهما السلام رسولان(٢).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٥٥).
٢٨٦

(ق): (الشكور): الكثير الشكر، وهو من أبنية المُبالغة، وأصل
الشكر: الظهور، ومنه دابة شَكُور: إذا كان يظهر عليها من السَّمَن فوق ما
تأكله من العلف، وأَشْكَرَ الضرع: إذا ظهر امتلاؤه باللَّبَن، والسَّماء
بالمطر، فكأن الشاكر يُظهر القيامَ بحق المُنْعِم؛ ولذلك قيل: الشكور: هو
الذي ظهر منه الاعترافُ بالنعمة، والقيامُ بالخدمة، ومُلازمة الحُرمة(١).
* قوله: (اذهبوا إلى إبراهيم)) :
(ق): ((إبراهيم)) بالسريانية: هو الأب الرحيم، حكاه المُفسِّرون(٢).
سبق معنى الخُلَّة واشتقاقها في (الباب الخامس والعشرين).
قوله: «وإني کنت کذبت ثلاث كذبات)»:
(ق): منها قوله: في الكوكب: ﴿هَذَارَبٍِّ ﴾ [الأنعام: ٧٦]، قيل: كان
ذلك [في حال] الطُّفُولية، ثم لما تكامل نظره؛ قال: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى
فَطَرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩].
قلت: وهذا لا يليق بالأنبياء عليهم السلام؛ لأن الله تعالى خصهم
بكمال العقل، والمعرفة بالله، وسلامة الفطرة من أول نُشوئهم إلى تناهي
أمرهم؛ إذ لم يسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلهاً آخر، ولا ارتكب
شيئاً من قبائح أُمَمهم، ولو كان شيء من ذلك؛ لقَرَّعهم بذلك أُمَمُهم لمَّا
دَعَوْهُم إلى التوحيد، ولاحتَجُّوا عليهم بذلك.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٨).
(٢) المرجع السابق، (١ / ٤٢٩).
٢٨٧

وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام
الذي يُقصَد به التوبيخُ لهم، والإنكارُ عليهم، وحُذفت همزة الاستفهام؛
اتساعاً، كما قيل :
لِعَمْرُكَ ما أَدْرِي وإِنِّي لحَاسِبٌ
بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ
وقال آخر :
فَقُلْتُ وأَنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ
رَمَوْنِي وقَالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَغْ
أي: أُهُم هم؟!
وقيل: إنما قال ذلك على جهة الاحتجاج على قومه؛ تنبيهاً على أن
الذي یتغیر لا يصلح للرُبوبية.
ومنها: قوله لآلهتهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، إنما
قاله مُمَهِّداً للاستدلال على أنها ليست آلهةً، وقَطْعاً لقومه في قولهم: إنها
تضُرُ وتنفع.
وهذا الاستدلال والذي قبله يتحرر من الشرط المتصل؛ ولذلك أردف
على قوله: ﴿َبَّ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ قوله: ﴿فَسْثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ
يَنَطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وعند ذلك قالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءٍ يَنطِقُونَ﴾
[الأنبياء: ٦٥]، فقال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: ٦٦] الآيةَ،
فحقَّت كلمتُه، وظهرت حُجَّتُه.
ومنها قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] هذا تعريضٌ، وحقيقته: أنه
سَيَسْقَمُ، واسم الفاعل بمعنى المُسْتَقْبَل كثيرٌ، ومنها قوله لزوجته سارة حين
دخل على أرض الجَبَّار فسُئل عنها، فقال: (إنها أختي)، أراد في الإسلام.
٢٨٨

وعلى الجملة: فأوجُه الأمور واضحةٌ، وصِدْقُها معلومٌ، لكنَّ هَوْلَ
المَقام، وشِدَّةَ الأمر حمله على الخوف منها، وأيضاً؛ فلِيتبيَّنَ درجةُ من
يقول: ((نفسي نفسي)) من درجة من يقول: ((أمتي أمتي))(١).
* قوله: «اذهبوا إلی موسی)):
(ق): سُمِّي بذلك؛ لأنه وجد بين موشى بالعبرية؛ أي: الماء والشجر،
فَعُرِّب، والجمع مُوسَوْن بالواو في الرفع، وبالياء في النصب والجر عند
البصريين، وعند الكوفيين موسُون بضم السين، ومُوسِین بکسرها.
وقوله: ((فضلك الله برسالته وبكلامه)) إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿إِنِ
اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ولا خلاف بين أهل
السُّنَّة في أن موسى عليه السلام سمع كلامَ الله الذي لا يُشبه كلامَ البشر(٢).
(ن): هذا إجماعٌ من أهل السُّنَّة أن الله كلَّم موسى حقيقة كلاماً سمعه
من غير واسطة، ولهذا أُكِّد بالمصدر(٣).
* قوله: ((وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه))، سبق معناه في (الباب
الحادي والخمسين).
قوله: ((اذهبوا إلى محمد سافر)):
(ن): الحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤالَ آدم ومَن بعده، ولم
يُلْهَموا سؤالَ نبينا محمد بَّهِ: هي - والله أعلم -: إظهارُ فضيلة نبينا؛ فإنهم
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣١ - ٤٣٣).
(٢) المرجع السابق (١ / ٤٣٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٥٧).
٢٨٩

لو سألوه ابتداء؛ لكان يحتمل أن غيرَه يَقْدِرُ على هذا، ويُحصِّله.
وأما إذا سألوا غيره من رسل الله وأصفيائه، فامتنعوا، ثم سألوه،
فأجاب، وحصل غرضُهم: فهو النهاية في ارتفاع المنزلة، وكمال القُرْب،
وعَظيم الإدلال والأُنس.
وفيه: تفضيله وي على جميع المخلوقين من الرسل والملائكة؛ فإن
هذا الأمر العظيم - وهو الشفاعة العُظمى - لا يقدر على الإقدام عليه غيرُه.
قال القاضي عياضٌ: قول كل واحد من الأنبياء عليهم السلام:
(اذهبوا إلى غيري)، هذا يقولونه تواضُعاً وإكباراً لما يُسألونه.
قال: وقد يكون إشارةً من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعةَ، وهذا
المقامَ ليس له، بل لغيره، وكل واحد منهم يدُلُّ على الآخر حتى انتهى
الأمرُ إلی صاحبه.
قال: ويحتمل أنهم علموا أن صاحبَها محمدٌ وَِّ مُعيَّناً، وتكون إحالة
كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا محمد إليه،
قال: وفيه: تقديم ذوي الأسنان والآباء على الأبناء في الأُمور التي لها بالٌ.
وأما مُبادرة النبيِّ نَّهِ لذلك، وإجابتُه لرغبتهم: فلتحقَّقِهِ وَِّ أن هذه
الكرامةَ والمقامَ له ◌َِّ خاصَّةً(١).
* قوله: ((غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)):
(ن): قال القاضي: قيل: ((المُتقدِّم)): ما كان قبل النبوة، و((المُتأخِّر)):
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٥٦).
٢٩٠

عصمتُك بعدها.
وقيل: المراد ذنوب أُمَّته.
قلت: فعلى هذا: يكون المراد الغُفْرانَ لبعضهم، أو سلامتَهم من
الخلود في النار.
وقيل: المراد ما وقع منه وَّ من سَهْو وتأويل، حكاه الطبريُّ، واختاره
القُشيريُّ.
وقيل: ما تقدم لأبيك آدمَ، وتأخَّر من ذُنوب أُمَّتك، وقيل: المراد:
أنه مغفورٌ لك غیرُ مؤاخذ بذنب لو کان.
وقيل: هو تنزيهٌ له من الذنوب(١).
* قوله ◌َلي: ((فأنطلق، فآتي تحت العرش)):
(ق): هذا الانطلاقُ من النبيِّ وَّه إنما هو إلى جنة الفِرْدَوس التي هي
أعلى الجنة، وفوقها عَرْشُ الرحمن، كما جاء في الصحيح؛ بناء على أنه
لا محلّ هناك إلا الجنة والنار، وعلى أن العرش مُحيطٌ بأعلى الجنة، ولا
شكّ في أن دخول هذا المحلِّ الكريم لا بُدَّ فيه من استئذان الخَزَنة، وعن
هذا عبَّر بقوله: «فأستأذن على ربي)).
و((العرش)) في اللغة: الرفع، ومنه قوله: ﴿مَّعْرُ وشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ ﴾
[الأنعام: ١٤١]؛ أي: مرفوعات القُضْبان، قاله ابن عباس، ومرفوعات الحيطان
على قول غيره، ومنه سُمِّ السَّريرُ، وسَقْفُ البيت عرشاً، ويقال لِما يُستظلُّ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٥٧).
٢٩١

به: عَرْشٌ، وعَرِيشٌ، وإضافته إلى الله تعالى على جهة المُلْك، أو التشريف.
وفي هذا الحديث: أن المحامد كانت بعد السُّجود؛ لقوله: ((ثم يفتح
الله علي))، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام، فيحتمل أنه وَليه
أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كلِّه في قيامه وسجوده إلى أن أُسْعِفَ
فِي طَلِبَتِهِ(١).
* قوله: ((ثم قال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع
تشفع» :
(ن): قال القاضي: مذهب أهل السنة: جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها
سَمْعاً بصريح قوله: ﴿ يَوْمَيِذٍلَّا تَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ﴾ [طه:
١٠٩]، وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وأمثالها، وبخبر
الصادق صلوات الله وسلامه، وقد جاءت الآثار التي قد بلغت بمجموعها
التواترَ بصِحَّة الشفاعة في الآخرة لمُذنبي المؤمنين.
وأجمع السلف الصالح ومَن بعدهم من أهل السنة عليها، ومَنعت
الخوارج وبعضُ المعتزلة منها، وتعلَّقوا بمذاهبهم في تخليد أهل الكبائر من
المؤمنين في النار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَا شَفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَِّفِعِينَ﴾ [المدثر:
٤٨]، وبقوله: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]، وهذه
الآيات في الكفار.
وأما تأويلهم أحاديثَ الشفاعة بكونه في زيادة الدرجات: فباطلٌ، بل
هذا قسم من أقسام الشفاعة، وهي خمسة أقسام:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣٦).
٢٩٢

أولها: مُختصَّة بنبينا ◌َّ، وهي الإراحة من ھَوْل الموقف، وتعجيل
الحساب.
والثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت لنبينا وعَّارِ،
وقد ذكرها مُسلمٌ.
الثالثة: الشفاعة لقوم استوجبوا النار، فيشفع فيهم نبيُّنَا وَّهِ، ومَن
یشاء الله .
الرابعة: فيمَن دخل النار من المُذنبين، فقد جاءت الأحاديث
الصحيحة بإخراجهم من النار بشفاعة نبيِّنًا وَر، والملائكة، وإخوانهم من
المؤمنين، ثم يُخرِجُ الله كلَّ مَن قال: لا إله إلا الله؛ كما جاء في الحديث:
((لا يَبْقَى فِيها إلاَّ الكَافِرُونَ)).
الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه
لا ينكرها المُعتزلة، ولا ينكرون أيضاً شفاعةَ الحشر الأول، انتهى(١).
ذكر أبو عبد الله القُرطبيُّ في ((التذكرة)) نوعاً سادساً: وهو شفاعتُه وَه
في عمِّه أبي طالب أن يُخفَّف عذابُه، واستشهد عليه بما جاء في الصحيح:
(لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يومَ القِيامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحِ مِنْ نَرِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ
يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ»(٢).
وزاد غيره نوعاً سابعاً: وهو شفاعتُه ◌َ طير لجميع المؤمنين قاطبة في أن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٣٥).
(٢) انظر: ((التذكرة)) للقرطبي (ص: ٦٠٨)، والحديث رواه البخاري (٣٦٧٢)، من
حديث أبي سعيد الخدري ـ
٢٩٣

يُؤْذَنَ لهم في دخول الجنة؛ كما ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أنس: أن
رسول اللهِوَ﴿ قال: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيع في الجَنَّةِ))(١).
وقال في حديث الصُّور بعد مُرور الناس على الصراط: ((فإذا قَضَى
أَهْلُ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ؛ قالوا: مَنْ يَشْفَعُ لنا إلى رَبِّنا فنَدْخُلَ الجَنَّةَ»، وساق
الحديثَ إلى أن قال: ((عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ))، قال رسول اللهِلَّه: «فَيَأْتُونِي وَلِي
عِنْدَ رَبِّي ثَلاثُ شَفَاعَاتٍ، وُعِدْتُهُنَّ، فَأَنْطِلِقُ فَآتِي الجَنَّةَ، فَآخُذُ بحَلَقَةٍ
البَابِ، ثُمَّ أسْتَفْتِحُ، فَيُفْتَحُ لِي، فَأُحَيَّا ويُرحَّبُ بي، فإذا دَخَلْتُ فَنَظَرْتُ إلى
ربِّي ◌َّ؛ خَرَرْتُ لهُ سَاحِداً، فَيَأْذَنُ اللهُ لِي من حَمْدِهِ وَتَمْجِيدِهِ بِشَيْءٍ ما
أَذِنَ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ لِي: ارْفَعْ يا مُحمَّدُ، واشْفَعْ؛ تُشَفَّعْ،
فإِذا رَفَعْتُ رَأْسِي؛ قالَ اللهُ - وهو أَعْلَمُ -: ما شَأْنُكَ؟ فَأَقُولُ: يا رَبِّ؛
وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فِيَقُولُ اللهُ عَلَت:
قَدْ شَفَّعْتُكَ، وأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ»(٢).
وذكر نوعاً تاسعاً(٣): وهو شفاعتُه ◌َ﴿ في أقوامِ تساوت حسناتُهم
وسيّاتُهم، فَيَشْفَعُ فيهم؛ ليَدخلوا الجَنَّةَ.
وذكر الإسْنَويُّ في ((المهمات)) نوعين آخرين:
أحدهما: شفاعتُه لمَن مات في المدينة، وورد فيه حديثٌ أخرجه
الترمذيُّ وصحّحَهُ.
ثانيهما: نقل عن ((العروة الوثقى)) للقَزْوينيِّ: أن مِن شفاعته شفاعتَه
(١) رواه مسلم (١٩٦ / ٣٢).
(٢) رواه إسحاق بن راهويه في («مسنده)) (١٠).
(٣) ((تاسعاً) كذا في الأصل، فإما أنه سبق قلم، أو أن الثامن سقط من الأصل.
٢٩٤

لجماعة من الصّلحاء المؤمنين أن يُتجَاوزَ عنهم في تقصيرهم في العبادة.
(ن): قال القاضي: قد عرف بالنقل المستفيض سؤالُ السلف الصالح
شفاعةَ نبيِّنًا وَّةٍ، ورغبتهم فيها، وعلى هذا لا يُلتفتُ إلى قول مَن قال: إنه
يكره أن يسألَ الله تعالى أن يرزقه شفاعةَ النبيِّ وَّر؛ لكونها لا تكون إلا
للمذنبين؛ فإنها قد تكون كما قدمنا لتخفيف الحساب، وزيادة الدرجات.
ثم كل عاقل مُعترف بالتقصير، مُحتاج إلى العفو، غَيْرِ مُعْتَدٍ بعمله مُشْفِقٌ
أن يكون من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعوَ بالمغفرة والرحمة؛ لأنها
لأصحاب الذنوب، وهذا كلُّه خلافُ ما عرف من دعاء السَّلَف والخَلَف (١).
* قوله وَله: ((أدخل من أمتك من لا حساب عليهم)):
(ق): هذا يدلُّ على أنه شُفِّع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل
الموقف؛ فإنه لمَّا أُمر بإدخال مَن لا حساب عليه مِن أُمَّته؛ فقد شُرع في
حساب [من عليه حساب من] أُمَّته وغيرهم؛ ولذلك قال في الرواية
الأخرى: ((فَيُؤْذَنُ لَهُمْ، وتُرْسَلُ الأَمَانَةُ والرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنبَتِي
الصِّرَاطِ))(٢)، كما سبق في ([الباب] الخامس والعشرين).
وقوله: ((من لا حساب عليهم))؛ يعني به - والله أعلم -: السبعين ألفاً
الذين لا يَسْتَرْقُونَ ولا يَتطيّرون، وعلى ربهم يتوكلون؛ كما سبق في (الباب
السابع)، و((الباب الأيمن)): هو الذي على يمين القاصد إلى الجنة بعد
جواز الصراط، وكأنه أفضلُ الأبواب.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٣٦).
(٢) رواه مسلم (١٩٥)، من حديث حذيفة .
٢٩٥

وقوله: ((وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب»:
٠
(ق): يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حسابَ عليهم، وهو
الظاهر، ویکون معناه: أنهم لا يلجؤون إلى الدخول من الباب الأیمن، بل
من أيِّ باب شاؤوا، كما في حديث أبي بكر ◌َُ: هَلْ يُدعى أحدٌ من تلك
الأبواب كلُّها؟
قال ◌َليهِ: (([نعم]، وأَرْجُو أَنْ تَكُونَ منهم(١))، و[كما قال ◌َُّ] فِيمَن
أسبغ الوضوء وهلَّل بعده: ((أَدْخَلَهُ اللهُ مِن أيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شاءَ))(٢).
ويحتمل أن يعود إلى الأُمّة، وفيه بُعْدٌ.
و((المصراعان)): ما بين عَضَادَتَي البابين(٣).
(ن): ((المصراعان)) بكسر الميم: جانبا الباب، و((هجر) بفتح الهاء
والجيم: هي مدينة عظيمة من قاعدة البحرين.
قال الجَوهريُّ: ((هجر)): اسم بلد، مُذكَّر مصروفٌ، قال: والنسبة
إليه هَاجريٌّ على غير القياس.
قال أبو القاسم الزَّجَّاجيُّ: ((هجر)) يذكر ويؤنث.
قلت: وهجر هذه غير هجر المذكورة في الحديث: ((إذا بلغَ المَاءُ
قُلَّتَيْنِ من قِلاَلِ هَجَرَ))(٤)، تلك قرية من قرى المدينة، كانت القِلالُ تُصنع
(١) رواه البخاري (١٧٩٨).
(٢) رواه مسلم (٢٣٤ / ١٧)، من حديث عقبة بن عامر حظُه.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣٨).
(٤) رواه البيهقي في ((السنن)) (١ / ٢٦٣). وفي إسناده المغيرة بن سقلاب، وهو =
٢٩٦

بها، وهي غير مصروفة.
و((بصرى)) بضم الباء: مدينة معروفة بينها وبين دمشقَ نحوُ ثلاث
مراحل، وهي مدينة حَوْرَان، وبينها وبين مكَّةَ مسيرةُ شهر (١).
(ق): يحتمل أن يكون ذلك شَكّاً من بعض الزُّواة، ويحتمل أن
يكون تنويعاً، كأنه ◌َّ﴿ قال إذا رُئي ما بينهما؛ قدَّره راءٍ بكذا، وقدَّره آخرُ
بكذا، ويصِحُّ أن يقال: سلك بها مَسْلَك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن
شئتم بكذا، [وإن شئتم بكذا](٢).
١٨٦٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾، قَالَ: جَاءَ إِبْرَاهِيمُ ﴾. بِأُمّ
إِسْمَاعِيلَ وَبَائْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ البَيْتِ
عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ
أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِها مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَاباً فِیهِ
تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقاً، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ! أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتَّرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي
الذي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَاراً، وَجَعَلَ
= منكر الحديث. انظر: ((إرواء الغليل)) (٢٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٦٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٣٨).
٢٩٧

لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، قَالَتْ لَهُ: آللّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَتْ: إِذاً
لاَ يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ ﴿، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ
الثَِّيَّةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهِؤُلاء
الدَّعَوَاتِ، فَرَفَعَ بَدَيْهِ فَقَالَ: ﴿وَيَّنَا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ
ذِى زَوْعٌ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ
تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذلكَ المَاءِ. حَتَّى إِذَا نَفَدَ مَا في
السِّقَاءِ، عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ بَتَلَوَّى - أَوْ
قَالَ: يَلَبَّطُ -، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَّةً أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا
أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوَادِيَ
تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَداً؟ فَلَمْ تَرَ أَحَداً. فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا
بَلَغَتِ الوَادِيَ، رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسَانِ
المَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا،
فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحداً؟ فَلَمْ تَرَ أَحَداً، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
ـا: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا))،
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ◌َُ
فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى المَرْوَةِ، سَمِعَتْ صَوْتاً، فَقَالَتْ: صَهْ - تُرِيدُ:
نَفْسَهَا -، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضاً، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ
كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ
بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ المَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ،
وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ المَاءَ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ
٢٩٨

بَعْدَ مَا تَغْرِف، وفي روايةٍ: بِقَدْرِ مَا تَغْرِفُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ.
قَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ:
لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْناً مَعِيناً». قَالَ: فَشَرِبَتْ،
وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا المَلَكُ: لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَةَ؛ فَإِنَّ هَاهُنَا
بَيْاَ لِلَّهِ يَبْنِهِ هَذَا الْغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُضَبِّحُ أَهْلَهُ، وَكَانَ
البَيْتُ مُرْتَفِعاً مِنَ الأَرْضِ كَالرَّابِيَّةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ
يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ
جُرْهُمٍ، أَوْ: أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا
فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَّأَوْا طَائِراً عَائِفاً، فَقَالُوا: إِنَّ هَذا الطَّائِرَ لَيَدُورُ
عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الوَادِي وَمَا فيه ماءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيّاً، أَوْ
جَرِيَّيْنٍ، فَإِذا هُمْ بالماءِ. فَرَجَعُوا، فَأَخْبَرُوهُمْ، فَأَقْبَلُوا، وأُ
إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ المَاءِ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ، وَلكِنْ لا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َهَ: (( فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إسمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الأُنْسَ،
فَزَلُوا، فَأَرْسَلُوا إِلى أَهْلِهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُم، حَتَّى إِذا كَانُوا بِهَا
أَهْلَ أَبَاتٍ، وَشَبَّ الغُلامُ، وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُم
وأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ، زَوَّجُوهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ
إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبِرَاهِيمُ بَعْدَ ما تَزَوَّجَ إسمَاعِيلُ يُطالِعُ تَرِكِتَهُ، فَلَمْ
يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا - وفي
٢٩٩

رِوَايَةٍ: يَصِيدُ لَنَا -، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ
بِشَرِّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، وَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذا جَاءَ
زَوْجُكِ، اقْرَتِي عَلَيْهِ السَّلامَ، وَقُولي لَهُ يُغيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ
إسمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ أَنَسَ شَيْئاً، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ:
نَعَمْ، جَاءَّنَاَ شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَألني:
كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ
بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: غَيرْ
عَنْبَةَ بابِكَ. قَالَ: ذَكَ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الحَقِي
بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَيِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ ما
شاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَسَأَلَ
عَنْهُ. قَالَتْ: خَرجِ يَبْتَغِي لَنَا. قَالَ: كَيْفَ أنْتُم؟ وَسَأَلَهَا عن
عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فقالَتْ: نَحْنُ بخَيْرِ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلى الله
تَعَالَى، فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟
قَالَتِ: المَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالمَاءِ، قَالَ
النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ، دَعَا لَهُمْ
فِيهِ»، قالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّ لَمْ يُوافِقَاهُ.
وفي روايةٍ: فَجَاءَ فَقَالَ: أَيْنَ إِسْمَاعِيلُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ:
ذَهَبَ يَصِيدُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: أَلا تَنْزِلُ، فَتَطْعَمَ وَتَشْرَبَ؟ قَالَ: وَمَا
٣٠٠