Indexed OCR Text

Pages 221-240

الحُمُر؟ فقال: ((إنَّما يَفْعَلُ ذلك الذين لا يَعْلَمُونَ)(١).
وقيل: كانت له من البغال دُلْدُل، وكانت شَهْباءَ، أهداها له
المُقَوقس، وبغلة أخرى يقال لها: فضة، أهداها له فَرْوةُ الجُذاميّ، وبغلة
شَهْباء، أهداها له صاحبُ أَيْلَةَ، وأخرى أهداها له صاحب دَوْمَةِ الجَنْدل.
وقد قيل: إن النَّجَاشِيَ أهدى للنبيِّ وَّهِ بغلةً، وكان يركبها(٢).
(ن): فإن قيل: ففي هذا الحديث قَبوله و لي هدية الكافر، وفي الحديث
الآخر: ((هَدَايا العُمَّالِ غُلُولٌ))(٣) مع حديث ابن اللُّْبِيَّة عاملِ الصدقات (٤).
وفي الحديث الآخر: أنه بَّ رَدَّ بعض هدايا المشركين، وقال: ((إنَّا لا
نَقْبَلُ زَبْدَ المُشْرِكِينَ))(٥)؛ أي: رِفْدَهم، فكيف يجمع بين هذه الأحاديث؟
قال القاضي: إن هذه الأحاديث ناسخة لقَبول الهدية.
وقال الجمهور: لا نسخَ، بل سببُ القَبول: أنه يَّ طمع في إسلام
المُهدي، فتألَّفه بذلك لمصلحة يرجوها للمسلمين.
ورَدَّ هدية مَن لم يطمع في إسلامه، ولم يكن في قَبولها مصلحةٌ؛
(١) رواه أبو داود (٢٥٦٥)، والإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٧٨) من حديث علي
نحوه. وهو حديث حسن كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (١ / ١٣٤).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٤٢٤)، من حديث أبي حميد الساعدي ظ
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٠٢١).
(٤) رواه مسلم (١٨٣٢ / ٢٦)، من حديث أبي حميد الساعدي ﴾
(٥) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٤/ ١٦٢)، من حديث عياض بن حمار ظـ
ـته .
وهو حديث صحيح كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة).
٢٢١

لأن الهدية توجب المَحبَّةَ والمَودَّة.
وأما غير النبيِّ ◌َّهِ من الولاة والعُمَّال: فلا يحِلُّ لهم قَبولُها لنفسه عند
جمهور العلماء، فإن قبلها؛ كانت فيئاً للمسلمين؛ لأنه لم يُهْدِها إليه إلا
لكونه إمامهم .
وإن كانت من قوم هو يحاصرهم؛ فهي غنيمةٌ، قال القاضي: وهذا
قول الأوزاعيِّ، ومحمد بن الحسن، وابن القاسم، وابن حبيب، وحكاه
ابنُ حبيب عمَّن لقيه من أهل العلم.
وقال آخرون: هي للإمام خاصَّة، وبه قال أبو يوسف، وأشهبُ،
وسُخنون.
وقال الطبريُّ: إنما ردَّ النبيُّ ◌َّ من هدايا المشركين ما علم أنه أُهدي
له في خاصَّة نفسه، وقبل ما کان خلاف ذلك مما فيه استئلافُ المسلمین،
قال: ولا يصح قولُ من ادعى النسخ.
قال: وحكم الأئمة بعده إجراؤها مُجْرى مال الكفار من الفَيْء
والغنيمة بحسَب اختلاف الحال، وهذا معنى: «هَدَايا العُمَّالِ غُلُولٌ))؛ أي:
إذا خَصُّوا بها أنفسَهم؛ لأنها لجماعة المسلمين بحكم الفَيْء والغنيمة .
قال القاضي: وقيل: إنما قبل النبيُّ ◌َِّ هدايا الكُفَّار من أهل الكتاب
ممَّن كان على النصرانية؛ كالمُقَوْقِس، وملوك الشام، فلا مُعارضة بينه وبين
قوله: ((لا نَقْبَلُ زَبْدَ المُشْرِكِينَ))، وقد أبيح لنا ذبائح أهل الكتاب
ومُناكحتهم، بخلاف عَبَدَةِ الأَوْثان.
قال أصحابنا: متى أخذ القاضي أو العامل هدية محرمة؛ لزمه ردُّها
إلى مُهديها، فإن لم يعرفه؛ وجب له أن يجعلها في بيت المال.
٢٢٢

قال العلماء: ركوبه ﴾ البغلةَ في موطن الحرب، وعند اشتداد الباس
هو النهايةُ في الشجاعة والثبات؛ لأنه أيضاً يكون مُعْتَمَداً يرجع إليه
المسلمون، وتطمئنُ قلوبُهم بمكانه، وإنما فعل هذا عمداً، وإلا؛ فقد
كانت له ◌َ﴾ أفراسٌ معروفة.
ومما ذكره في هذا الحديث في شجاعته وَّ تقدُّمُه برَكْضٍ بغلته إلى
جمع المشرکین، وقد فرَّ الناس عنه.
وفي رواية: أنه نزل إلى الأرض حين غَشُوهُ(١)، وهذا مبالغة في
الثبات والصبر والشجاعة.
وقيل: فعل ذلك؛ مُواساةً بمَن كان نازلاً بالأرض من المسلمين،
وقد أخبرت الصحابة بشجاعته في جميع المواطن.
وفي ((صحيح مسلم)): إنَّ الشُّجَاعِ مِنَّا، الذي يُحاذي به، وإنهم كانوا
يتَّقون به(٢).
* قوله بيليفي: ((أي عباس! ناد أصحاب السمرة)):
(ن): هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرِّضوان، ومعناه: ناد أهلَ
بيعة الرضوان يوم الحديبية، انتهى(٣).
خصَّ أصحابَ السمرة بالنداء؛ إذ هم الذين شرح الله صدورهم،
(١) رواه مسلم (١٧٧٧ / ٨١)، من حديث سلمة ضـ
◌ُ .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٤)، والحديث رواه مسلم (١٧٧٦ / ٧٩)،
من حديث البراء ◌ُ
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٥).
٢٢٣

وبذلوا أنفسهم وأموالهم لله، ولم يبالوا بالخَوْض في غَمَرات الخُتُوف،
وعلموا أن الجنة تحت ظلال السُّیوف.
(ق): خصَّهم بالذِّكر؛ لأنهم كانوا بايعوه على أن لا يفِرُّوا، فلما
سمعوا النداء؛ تذكروا العهدَ، فارتجعوا رجعة واحدة(١).
* قوله: ((وكان العباس رجلاً صيتاً) :
(ن): ذكر الحازميُّ أن العباس كان يقف على سَلْع، فينادي غلمانه في
آخر الليل، وهم بالغابة، فيُسمِعُهم، قال: وبين سَلْع والغابة ثمانية أميال(٢).
(ق): لسرعة رَجْعَتِهِم واجتماعهم شبَّههم بعَطْفَة البقر على أولادها (٣).
(ن): هذا يدل على أن فرارهم لم يكن بعيداً، وأنه لم يحصل من
جميعهم، وإنما فتحه عليهم مَن في قلبه مرضٌ من مُسْلِمة أهل مكة
المُؤلفة، ومُشركيها الذين لم يكونوا أسلموا.
وإنما كانت هزيمتُهم فَجْأةً؛ لانصبابهم دفعة واحدة، ورَشْقِهِم
بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممَّن لم يستقرَّ الإيمانُ في قلبه، وممَّن
يتربَّص بالمسلمين الدَّوائرَ، وفيهم نساء، وصِبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم
أخِفَاؤُهم، فلما رشقوهم بالنَّبْل؛ وَلَّوا، فانقلبت أُولاهم على أُخراهم إلى
أن أنزل الله سَكِينَتَه على المؤمنين، كما ذكر في القرآن (٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦١٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦١٦/٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٥).
٢٢٤

: قوله: ((يا لبيك)):
(ط): المنادى محذوف؛ أي: يا قوم، كقوله تعالى: (ألا يا اسجدوا)(١).
* قوله: ((فاقتتلوا والكفار)» بنصب الراء، أي: مع الكفار.
(ق): الواو بمعنى (مع)، وهو أولى؛ لما يلزم في الضم من توكيد
الضمير المرفوع حين يعطف [عليه](٢).
* قوله: ((والدعوة في الأنصار)):
(ش): لما ناداهم العباس؛ توجَّه كلٌّ منهم يَؤُمُّ الصوتَ حتى ينتهيَ
إلى رسول الله وَ﴾، حتى إذا اجتمع إليه مئةٌ؛ استقبلوا الناسَ، فاقتتلوا،
فكانت الدعوة أوَّلَ ما كانت: يا للأنصار، ثم خَلُصَت آخراً، يا للخروج،
وكانوا صُبُراً عند الحرب، فأشرف رسول الله وَّ في ركابيه، فنظر إلى
مُجْتَلَدِ القوم، فقال: ((الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ))(٣)، انتهى (٤).
* قوله رقيق: ((هذا حين حمي الوطيس)):
(ق): يجوز في ((حين)) البناء على الفتح؛ لأنه مضاف إلى جملة مبنية،
ويجوز فيه الضم على أن يكون خبر المبتدأ، وهذا على نحو قول الشاعر:
على حِينَ عَاتَبْتُ المَشِيبَ على الصِّبا
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٧٦٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦١٦/٣).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٧/ ٢٩٨) من حديث شيبة بن عثمان
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٧٥٢).
(٤) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٣/ ٤٧١).
٢٢٥

روي بالخفض والفتح، و((حمي)) استعر واتَّقد(١).
(ن): ((الوطيس)) بفتح الواو وكسر الطاء المهملة، قال الأكثرون: هو
شبه التُّور يُخبز فيه، ويُضرب مثلاً لشِدَّة الحرب التي يُشْبِهُ حرُّها حرَّه.
وقال آخرون: (الوطيس): هو النُّور نفسُه.
وقال الأَصْمعيُّ: هي حجارة مُدَوَّرةٌ إذا حَمِيَتْ؛ لم يقدر أحدٌ يَطَأُ
عليها .
ويقال: هو الضَّرَابُ في الحرب.
وقيل: هو الوَطْءُ الذي يَطِيسُ الناس؛ أي: يَدُقُّهم، وهذه اللفظة من
فصيح الكلام وبديعه الذي لم يُسمَعْ من أحد قَبْلَ النبيِّ ◌ََّ(٢).
(ق): ومنه تُلُقِّيَت فصُيِّرت مثلاً في الأمر إذا اشتد، ورميه ◌َّ في
وجوه الكفار بالتراب، وإصابة أَعْيُن جميعهم من أعظم معجزاته؛ إذ ليس
في قوة البشر إيصالُ ذلك إلى أَعْيُنهم، ولا تسع كفُّه ما يَعُمُّهم.
وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه بَّه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ
إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧].
وكذلك قوله: ((انهزموا ورب الكعبة)) قبل وقوع الهزيمة، من
مُعجزاته الخبرية؛ فإنه خبر عن الغَيْب(٣).
(ن): ذكر مسلم في رواية أخرى أنه قبض قَبْضَةً من تراب الأرض،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦١٦/٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦١٧).
٢٢٦

ثم استقبل بها وجوههم، فقال: ((شاهت الوجوه))(١)، فما خلق الله منهم
إنساناً إلا ملأ عينيه من تلك القبضة، وهذا فيه معجزتان؛ خبرية، وفِعْلية،
ويحتمل أنه وَ﴿ أخذ قَبْضَةً واحدة مخلوطة من حصىً وتراب(٢).
(ق): ((شاهت الوجوه) خبرٌ بمعنى الدعاء؛ أي: اللهم؛ شَوِّه وُجوهَهم،
والظاهر أنه خبر عمَّا يَخُل بهم من التشويه عند القتل والأسر والانتقام(٣).
* قوله: ((فما زال حدهم کلیلاً)):
(ن): هو بفتح الحاء المهملة؛ أي: ما زالت قُؤَّتُهم ضعيفةً(٤).
(ش): في هذا الحديث من الفقه: أن الإمام إذا سمع بقصد عدوه
له، وفي جيشه قُوَّةٌ ومَنَعَةٌ؛ لا يقعد ينتظرهم، بل يسير إليهم.
وفيه: أن من تمام التوكل استعمالَ الأسباب التي نصبها الله لمُسبَّبَاتها
قَدَراً وشَرْعاً؛ فإن رسول الله وَِّ، وأصحابه أكملُ الخلق توُّلاً.
وإنما كانوا يَلْقَون عدوَّهم، وهم مُتحصِّنون بأنواع السِّلاح، ودخل
رسول الله وَيهِ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ على رأسه، وقد أنزل الله عليه ﴿وَاَللَّهُ
يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسُِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكثير ممَّن لا تحقيقَ عنده، ولا رُسوخَ
في العلم يستشكل هذا، ويتكايس في الجواب تارة؛ بأن هذا فَعَلَه تعليماً
للأُمَّة، وتارة بأن هذا كان قبل نزول الآية.
(١) رواه مسلم (١٧٧٧ / ٨١)، من حديث سلمة ظ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٦١٧).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٧).
٢٢٧

ووقعت مسألة في مصر سأل عنها بعضُ الأمراء، وقد ذُكر له حديثُ
ذكره أبو القاسم بن عساكرَ في ((تاريخه الكبير)): أن رسول الله وَ لَه بعد أن
أهدت له اليهودية الشاةَ المسمومة [كان] لا يأكل طعاماً قُدِّم له حتى يأكلَ
منه مَن قدَّمه(١).
قالوا: وفي هذا أُسوة للملوك في ذلك، فقال قائل: كيف يُجمع بين
هذا، وبين قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]؟
فأجاب بعضُهم: بضَعْف الحديث، وبعضُهم : بأن هذا كان قبل نزول
الآية.
ولو تأمّل هؤلاء أن ضمانَ الله له العِصْمَةَ لا يُنافيه تعاطيه لأسبابها؛
لأغناهم عن هذا التكلُّف؛ فإن هذا الضمانَ له من ربِّه تعالى لا يناقض
احتراسه من الناس، ولا ينافيه؛ كما أن إخبار الله سبحانه وتعالى بأنه يُظهر
دينَه على الدِّين كُلِّه ويُعليه لا يُناقض أمرَه بالقتال، وإعدادِ القوة، والعُدَّة،
ورباط الخيل، والأخذ بالجِدِّ، والحَذَر، والاحتراس من عدوِّه ومُحاربته
بأنواع الحرب، والتورية.
وكان إذا أراد الغزوة؛ ورَّى بغيرها؛ وذلك لأن هذا إخبار من الله
سبحانه عن عاقبة حاله ومآله بما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها الله
بحكمته مُوجِباً لما وعد به من النصر والظَّفَر، وإظهار دينه، وغلبته لعدوه.
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٢/ ١٤٨)، من حديث عمار بن ياسر ◌َ الله.
ورواه أيضاً البزار في («مسنده)» (١٤١٣)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(٥/ ٢١): رواه البزار والطبراني ورجال الطبراني ثقات.
٢٢٨

وهذا كما أن الله سبحانه ضَمِنَ له حياته حتى يُبلِّغ رسالاتِه، ويُظهر
دينَه، وهو يتعاطى أسباب الحياة من المَأْكَل، والمَشْرَب، والمَلْبَس،
والمَسْكَن، وهذا موضعٌ يَغْلَطُ فيه كثيرٌ من الناس، حتى آلَ ذلك ببعضهم
إلى أن ترك الدعاء، وأنه لا فائدة فيه؛ لأن المسؤول إن كان قد قُدِّر؛ ناله
ولا بد، وإن لم يُقدَّر؛ لم ينله، فأُّ فائدة في الاشتغال بالدعاء؟ ثم تکایس
في الجواب؛ بأن قال: الدعاء عبادة.
فيقال لهذا الغالط: بقي عليك قسمٌ آخر، وهو الحقُّ؛ أنه قد قدر
مطلوبه بسبب إن تعاطاه؛ حصل له المطلوبُ، فإن عَطَّل السببَ؛ فاته
المطلوب، والدعاء من أعظم الأسباب في حصول المطلوب، وما مَثَلُ هذا
الغالط إلا مَثَلُ مَن يقول: إن كان الله قد قدر لي الشِّبَعَ؛ فأنا أشبع، أكلت أم
لم آكل، فما فائدة الأكل؟! وأمثال هذه التُّرَهات الباطلة المنافية لحِكْمَة الله
تعالی وشرعه(١).
١٨٥١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّنْ:
(أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الله طَيِّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّباً، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ
بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ تَعَالى: ﴿بَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَّتِبَتِ
وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقَالَ تَعَالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٣/ ٤٧٩).
٢٢٩

السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبٌّ! وَمَطْعَمُهُ
حَرَامٌ، وَمَشْرَبُّهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى
يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ!؟)) رواه مسلمٌ.
: قوله وال﴾: ((إن الله طیب))، هذا الحديث رواه الترمذي من حديث
سعد بن أبي وقَّاص، عن النبيِّ نَّهِ قال: ((إنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ،
نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُود))(١)، وفي إسناده مقال.
(ق): ((طيب))؛ أي: مُنزَّةٌ عن النقائص والخبائث، فيكون بمعنى
القُدُّوس.
وقيل: طيِّب الثناء، مُستَلَّذُّ الأسماء عند العارفين بها، وعلى هذا
طيِّبٌ من أسمائه الحُسنى، ومعدود في جملتها المأخوذة من السُّنَّة؛
كالجميل، والنظيف على قول مَن رواه.
والكسب الطيِّب في هذا الحديث: الحلال، وأصل الطيِّب: المُسْتَلَذُّ
بالطّبْعِ، ثم أطلق على المرغوب فيه بالشرع.
وإنما لا يقبل الله الصدقة من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمُتصدِّق،
وهو ممنوع من التصرُّف فيه، والتصدُّق به تصرُّفٌ فيه، فلو قُبلت منه؛ لزم أن
يكون مأموراً به، مَنْهياً عنه من وجه واحد، وهو مُحَالٌ، ولأن أكل الحرام
يُفْسِد القلوب، فتحرم الرِّقَّةَ والإخلاص، فلا تُقبل الأعمال.
وإشارة الحديث أنه لم يُقبل؛ لأنه ليس بطيِّب، فانتفت المناسبة بينه
(١) رواه الترمذي (٢٧٩٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٣٥٣٩).
٢٣٠

وبين الطيِّب بذاته(١).
(قض): ((الطيب)): ضدُّ الخبيث، فإذا وصف به الله تعالى؛ أُريد أنه
مُنَزَّهُ عن النقائص، مُقَدَّسٌ عن الآفات والعُيوب، وإذا وصف به العبد
مطلقاً؛ أُريد أنه المُتعرِّي عن رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال، والمُتحلِّي
بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال؛ أُريد به کونُهُ حلالاً من خِيار المال.
ومعنى الحديث: أنه تعالى مُنَزَّةٌ عن العُيوب، فلا يقبل، ولا ينبغي أن
يُتقرَّب إليه إلا بما يناسبه في هذا المعنى، وهو خيار أموالكم الحلال؛ كما
قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُواْالْبِرَّحَقَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، انتهى(٢) .
قال الحافظ ابن رجب الحنبليُّ رحمه الله: قيل: إن المراد بالطيِّب
هنا أعمُّ من الأموال، والأعمال، والأقوال، والاعتقادات، فكل هذا ينقسم
إلى طيِّب وخبيث.
وقد قيل: [إنه يدخل] في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَاُلَّيِّبُ
وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾ [المائدة: ١٠٠]، ذلك كلُّه، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ
مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦]، ووصف الرسولَ ◌َ﴿ بأنه يحل الطيبات، ويحرم
الخبائث، ووصف الله المؤمنين بالطيب في قوله ﴿ الَّذِينَ تَقَّتُهُمُ الْمَلَئِكَةُ
طَيِِّينٌ ﴾ [النحل: ٣٢].
ومن أعظم ما يحصل به طِيبةُ الأعمال للمؤمن طِيبُ مطعمه، فبذلك
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٥٨).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٢١٠).
٢٣١

يزكو عملُه؛ فإن الحرام يُفْسِدُ العملَ، ويمنع قَبَولَه.
والمراد بالآيتين: أن الرُّسل وأُمَمَهم مأمورون بالأكل من الطيِّبات،
وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يُتقبّل مع الحرام؛ فهو مثال
لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام.
وقد خرج الطبرانيُّ بإسناد فيه نظرٌ عن ابن عباس قال: تُلِيت عند
رسول الله وَّهُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى الْأَرْضِ حَلَا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فقام
سعد بن أبي وَقَّاص، وقال: يا رسولَ الله؛ ادع الله أن يجعلني مُستجابَ
الدعوة، فقال له النبيُّ ◌َّهِ: ((أَطِبْ مَطْعَمَكَ؛ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والذي
نفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ إنَّ العَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرَامَ في جَوْفِهِ ما يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلٌ
أَرْبَعِينَ يَوْماً، وأَّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِن سُحْتٍ؛ فالنَّارُ أَوْلَى به))(١).
وفي ((مسند الإمام أحمد)) بإسناد فيه نظرٌ أيضاً: عن ابن عمر .
قال: ((مَنِ اشْتَرَى ثَوْباً بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ في ثَمِنِهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ؛ لم يَتَقَبَّلِ اللهُ لَهُ
صَلاةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ))، ثم أدخل إِصْبَعَه في أُذُنيه، وقال: صُمَّا إن لم أكن
سَمِعتُه من رسول الله وَيُ(٢).
ويروى من حديث عليٍّ ◌ُه مرفوعاً معناه أيضاً، خرّجه البزَّار وغيرُه
پاسناد ضعيف جداً(٣).
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٦٤٩٥). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٠٧١).
(٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢ / ٩٨). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (٨٤٤).
(٣) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (ص: ١٠٠).
٢٣٢

* قوله ويلي: ((إن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين)):
(تو): المعنى: أنه سوَّى بينهم في الخطاب بوجوب أكل الحلال،
و﴿َرَزَقْتَكُمَّ﴾ [الأعراف: ١٦٠] بمعنى مَلَّكناكم.
* ((ثم ذكر الرجل)):
(ط): يريد الراوي أن رسول الله وَلِهِ عَقَّب كلامَه بذكر الرجل
الموصوف؛ استبعاداً أن الله يقبل دُعاءَ آكلِ الحرام؛ لبُغْضه الحرامَ، وبُعد
مُناسبته عن جنابه الأقدس، فأوقع فعله على ((الرجل))، ونصبه، ولو حكى
لفظ رسول الله وَير؛ رفع (الرجل) بالابتداء، والخبر ((يطيل))، نحوَه أنشد
في ((الکشاف»:
وَجَدْنا في كِتَابٍ يَّنِي تَمِيمٍ
أَحَقَّ الخَيْلِ بالرَّكْضِ المُعَارُ
فإن قوله: (أحق الخيل)، إن رفع؛ كان على الحكاية، وإن نصب
کان مفعولاً لـ (وجدنا).
وقوله: ((أشعث أغبر)): حالان مترادفان من فاعل (يطيل)، وما يتلوهما
من الأحوال كلُّها متداخلات، فقوله: ((يمد يديه)): حال من ضمير (أشعث)،
وقوله: (یا رب)): حالٌ من فاعل (یمد)؛ أي: یمد یدیه قائلاً: يا رب.
وقوله: ((ومطعمه، وملبسه، وغُذِي)): حال من فاعل (قائلاً)، وكل
هذه الحالات دالَّةٌ على غاية استحقاق الداعي للإجابة، ودلت تلك الخَيْبةُ
على أن الصارف قويٌّ، والحاجزَ مانعٌ شديد(١).
(تو): أراد بالرجل الحاجَّ الذي أثَّر فيه السفرُ، وأخذ منه الجَهْد،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٠٩٦).
٢٣٣

وأصابه الشَّعَث، وعلاه الغَبْرةُ، فطَفِقٍ يدعو اللهَ على هذه الحالة، وعنده
أنها من مَظانٌّ الإجابة، فلا يُستجاب له، ولا يُعبأ بُؤسه وشَقائه؛ لأنه
مُلْتَبِسٌ بالحرام، صارفُ النفقةَ من غير حِلُّها.
(ط): فإذا كان هذا حالَ [الحاج] الذي هو في سبيل الله؛ فما بال
غيره؟! وفي معناه [أمر] المجاهد في سبيل الله؛ كما في الحديث: ((آخِذٍ
بِعِنَانِ فَرَسِه في سَبِيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَةٍ قَدَمَاهُ))(١).
(شف): (يطيل) محلُّه نصبٌ، صفة للرجل؛ لأن الجنس المُعرَّف
بمنزلة النكرة؛ کقوله:
ولَقَدْ أَمُرُّ على اللَّثِيمِ يَسُبُّني
(ق): ((يمد يديه إلى السماء)) عند الدعاء وهذا يدل على مشروعية
مَدِّ اليدين إلى السماء عند الدعاء(٢).
(ن): ((غُذِي)) بضم الغين وكسر الذال المعجمة المخففة(٣).
(ط): وفي نسخ ((المصابيح)) وقعت مُقيّدة بالتشديد (٤).
(شف): قوله: ((وغذي بالحرام)) بعد قوله: ((ومطعمه حرام))؛ إما لأنه
لا يلزم من كون المطعم حراماً التغذيةُ به، وإما تنبيهاً به على استواء حَالَيْه؛
أعني: كونه منفقاً في حال كِبَرَه، ومُنْفَقاً عليه في حال صِغَره في وصول الحرام
(١) المرجع السابق (٧ / ٢٠٩٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٠).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٠٩٧).
٢٣٤

إلى باطنه، فأشار بقوله: (مطعمه حرام) إلى حال كبره، وبقوله: (غذي
بالحرام) إلى حال صِغَره، وهذا دليلٌ على أنه لا ترتيبَ في الواو.
(ط): ذهب المُظْهِرُ إلى الوجه الثاني، ولعل العكس أولى؛ لأن
قوله: (وغذي) وقع حالاً، وهو فعل ماض، فلا بد من تقدير (قد)؛ ليقرب
التغذية إلی قول المُقدَّر في (یا رب) كما سبق.
وكذا قوله: ((ومطعمه، وملبسه)) حالان منه، وهما جملتان اسميتان
تدلان على الثبوت والاستمرار، كأنه يقول: يا رب، وقد قَرُبَ قولُه ذلك
بتغذيته بالحرام، وكذا حالُه أنه دائم الُعْم والُّبْس من الحرام.
وخصَّ من الأزمنة المستمرة زمانَ حال الدعاء، ومن المذكورين الطُّعْمَ
دون اللُّبْس؛ لأن الطعم أبلغُ من الُّبس، وفي هذا الزمان أشنعُ، وإنما قلنا:
أبلغ؛ لأنه يصير جُزْءَ المُغْتَذِي؛ ولذلك عدل عن الطُّعْم إلى التغذية.
وقوله: (ولذلك) يجوز أن تكون الإشارة إلى الرجل، وأن تكون إلى
کون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حراماً(١).
(شف): فيه: إيذانٌ بأن حِلَّ المَطْعَم والمَشْرَب ممَّا تتوقف عليه إجابةُ
الدعاء؛ ولهذا قيل: إن للدعاء جناحين: أكل الحلال، وصِدْق المقال.
(ق): ((أنى يستجاب لذلك؟!))؛ أي: كيف على جهة الاستبعاد،
ومعناه: أنه ليس أهلاً لإجابة دعائه، ويجوز أن يستجيب الله له تفضُّلاً
ولُطْفاً وكَرَماً، انتهى(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٠٩٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٠).
٢٣٥

قال ابن رجب الحافظُ: قوله: ((ثم ذكر الرجل ... إلى آخره)) فيه
إشارةٌ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابتَه، وإلى ما يمنعُ
[منها]، والأول أربعة:
أحدها: إطالةُ السَّفَر بمجرده يقتضي إجابةَ الدعاء؛ كما في الحديث
(ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مِسْتَجَاباتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ))، فذكر منها: ((دَعْوةَ المُسافِر))(١)،
ومتى طال السفر؛ كان أقربَ إلى إجابة الدعاء؛ لانكسار النفس بطول السفر،
والغُرْبة، وتحمُّل المَشَاقُ، والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.
والثاني: حُصول التبدُّل في اللِّباس والهيئة بالشَّعَث، وذلك من
مقتضيات الإجابة أيضاً؛ كما في الحديث: ((رُبَّ أَشْعَتَ أَغْبَرَ ذِي ◌ِمْرَيْنِ،
مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ، لَوْ أَفْسَمَ على اللهِ؛ لأَبَّهُ)(٢).
ولمَّا خرج النبيُّ ◌َِّ للاستسقاء؛ خرج مُتَبذِّلاً، متواضعاً، مُتضرِّعاً(٣)،
وكان مُطَرِّفُ بن عبدالله قد حُبِسَ له ابنُ أخ، فلبس خُلْقَان ثيابه، وقال:
أَسْتَكِينُ لربِّي، لعله أن يُشفِّعني في ابن أخي.
الثالثة: مدُّ اليدين إلى السماء، وفي الحديث: ((إنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ،
(١) رواه أبو داود (٢/ ٨٩)، من حديث أبي هريرة ﴿ه. وهو حديث حسن. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٦٥٥).
(٢) رواه مسلم (٢٦٢٢)، من حديث أبي هريرة ﴿ه، دون قوله: ((ذي طمرین))، وقد
رواها الترمذي (٣٨٥٤)، من حدیث أنس .
(٣) رواه الترمذي (٥٥٨)، من حديث ابن عباس ظًا. وهو حديث حسن. انظر:
((تخريج أحاديث المشكاة)) (١٥٠٥).
٢٣٦

يَسْتَحْيِي إذا رفعَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ أن يَرُدَّهُما صِفْراً خَائِبَتَيْنِ))(١).
الرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يُطلب به
إجابةُ الدعاء.
وخرّج البزار من حديث عائشة مرفوعاً: ((إذا قالَ العَبْدُ: يَا رَبٌّ
أَرْبَعاً؛ قالَ اللهُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي، سَلْ تُعْطَ))(٢).
وخرج الطبرانيُّ من حديث سعد بن أبي خارجةَ أن قوماً شَكَوْا إلى
النبيِ نَّهِ قُحُوطَ المطر، فقال: ((اجْتُوا على الرُّكَبِ، وقُولوا: يا رَبِّ، یا
رَبِّ)) ورفع السبَّابةَ إلى السماء، فسُقُوا حتَّى أَحَبَّوْا أن يُرفعَ عنهم(٣).
وروي عن أبي الدرداء، وابن عباس: أنهما كانا يقولان: اسم الله
الأکبر : ربِّ ربِّ(٤).
وعن عطاء قال: ما قال عبدٌ: يا ربِّ خمسَ مرات؛ إلا نظر الله إليه،
فذكروا ذلك للحسن، فقال: أما تقرؤون القرآن؟ ثم تلا قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١].
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٢١١)، من حديث سلمان ﴿. وهو حديث
صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٦٣٥).
(٢) رواه البزار في («مسنده)) (١٨ / ١٣٠). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٢٦٩٣).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٩٨١). وهو حديث منكر. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (١٨١٣).
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (١٨٦٠).
٢٣٧

إلى قوله: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ﴾ [آل عمران: ١٩٥](١).
ومن تأمَّل الأدعيةَ المذكورة في القرآن؛ وجدها غالباً تُفْتَتَح باسم الربِّ.
وأما ما يمنع إجابة الدعاء: فهو التوسع في الحرام أَكْلاً وشُرْباً ولُبْساً.
١٨٥٢ - وَعَنْهُ ﴿ه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ
يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ: شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)) رواهُ مسلمٌ.
((العَائِلُ)): الفَقِيرُ.
* قوله : ((ثلاثة لا يكلمهم الله))، سبق شرحه في (الباب الثاني
والسبعين).
*
١٨٥٣ - وَعَنْهُ ﴿هَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((سَيْحَانُ
وَجَيْحَانُ، وَالفُراتُ وَالنِيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ) رواهُ مسلمٌ.
* قوله : ((سيحان وجيحان)):
(ق): هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار بلاد الإسلام، فالنيل ببلاد
مصر، والفرات بالعراق، وسَيْحان وجَيْحان ببلاد خُراسان، ويقال:
(١) رواه أبو نعيم في «حلية الأولياء)) (٣/ ٣١٣).
٢٣٨

سَيْحُون وجَيْحُون(١).
(ن): ((سيحان وجيحان)) غير سَيْحُون وجَيْحُون، فجَيْحان نهر
المَصِّيصَة وسَيْحَانُ نهر أَذَنَةً، وهما نهران عظيمان جداً، أكبرهما جَیْحان،
فهذا هو الصواب في موضعهما.
وأما قول الجَوهريِّ: جَيْحان نهرٌ بالشام: فغلط، أو أنه أراد المجازَ
من حيث إنه ببلاد الأرمن، وهي مجاورة للشام.
وقال: صاحب ((نهاية الغريب)): سَيْحَان وجَيْحان نهران بالعواصم
عند المَصِّيصَة وطرسوس، واتفقوا كلهم على أن جَيْحُون بالواو نهرٌ وراءَ
خُراسان عند بَلْخ، واتفقوا على أنه غيرُ جَيْحان، وكذلك سَيْحُون غيرُ
سَيْحان(٢).
(قض): خص الأنهار الأربعة بالذِّكر؛ لعذوبة مائها، وكثرة منافعها،
كأنها من أنهار الجنة، ويحتمل أن يكون المراد التي هي أصول أنهار
الجنة، وسمّاها بأسامي الأنهار الأربعة التي هي أعظمُ أنهار الدنيا،
وأشهرُها، وأَعْذَبُها، وأَفْيَدُها عند العرب على سبيل التشبيه والتمثيل؛
ليعلم أنها في الجنة بمَثابتها .
وأن ما في [الدنيا] من أنواع المنافع والنعائم أُنْمُوذَجاتٌ لما يكون في
الآخرة، وكذا ما فيها من المَضارِّ المُرْدِيَة والمُسْتَكْرَهات المُؤْذِية(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٨٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٦).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٤٢٤).
٢٣٩

(ن): قال القاضي: كونُ هذه الأنهار من الجنة فيه تأويلان:
أحدهما: أن الإيمان يَعُمُّ ببلادها، وأن الأجسام المتغذية بمائها
صائرةٌ إلى الجنة.
والثاني - وهو الأصحُّ -: أنها على ظاهرها، وأن لها مادةً من الجنة،
والجنة مخلوقة موجودة اليوم عند أهل السنة، وقد ذكر مسلم في (كتاب
الإيمان) في حديث الإسراء: أن الفرات والنيل يخرجان من الجنة، وفي
((البخاري)): من أصل سِدْرَة المُنتهى(١).
(حس) في ((معالم التنزيل)): أن الله تعالى أنزل هذه الأنهار الأربعة
من الجنة، استودعها الجبال، وأَجْرَاها في الأرض، وذلك قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَ لْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ آلْأَرْضِّ﴾ [المؤمنون: ١٨](٢).
(ط): (سَيْحان)) مبتدأ، و((كل)) مبتدأ ثان، والتقدير: كلٌّ منها،
و (من أنهار الجنة)) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، فإذا أُريد
التشبيه؛ قُدِّر من جنس أنهار الجنة، والفرق بين الوجه الأول والثاني على
ما ذكره القاضي ناصرُ الدِّين: أن المُشبَّه في الأول: أنهارُ الدنيا، والمُشبَه
به: أنهارُ الجنة، ووجه التشبيه: السَّلَاسَةُ، والعُذُوبة، والهَضْمُ، والبركة.
وفي الثاني: على العكس، وعلى هذا: وجه التشبيه: المجاورة
والانتفاع، فسمى أنهار الدنيا بأنهار الجنة؛ لمجاورتها المؤمنين، والانتفاع
بها، و(من) في ((من أنهار الجنة)) على الوجه الرابع: يجوز أن تكون
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٧٧).
(٢) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (٣/ ٣٠٥).
٢٤٠