Indexed OCR Text
Pages 201-220
فإن قلت: ما معنی کون غیر الصواب لهم؛ إذ لا خير فيه حتی یکون
لهم؟
قلت: معناه: صلاتكم لكم، وكذا ثواب الجماعة لكم.
قال: في ((شرح السنة)): فيه دليلٌ على أن مَن صلى بقوم مُحْدِثاً أن صلاة
القوم صحيحة، وعلى الإمام الإعادةُ، سواء كان الإمام عالماً أو جاهلاً.
(التَّيْمِيُّ): فيه جواز الصلاة خلف البَرِّ والفاجر إذا خِيفَ منه، وأن
الإمام إذا نقص شيئاً؛ لا تفسد صلاةُ من خلفه، إلا أن يَنْقُص فرضَ
الصلاة، فلا يجوز اتباعه(١).
١٨٣٩ - وَعَنْهُ ◌َهِ: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:
١١٠]، قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، يَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ
حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإسْلاَمِ.
* قوله تعالى: ((﴿كُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]،
قال: خير الناس للناس»:
(ك): أي: خيرُ بعض الناس لبعضهم، وأنفعُهم لهم مَن يأتي بأسير
مُقيّد في السلسلة إلى دار الإسلام، فيُسلم، وإنما كان خيراً؛ لأنه بسببه
صار مُسلماً، وحصل له أصلُ جميع السعادات الدُّنيوية والأخروية(٢).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٧٧).
(٢) المرجع السابق، (١٧ / ٥٩).
٢٠١
١٨٤٠ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِّلَ﴿ِ، قَالَ: ((عَجِبَ اللهُ تَّ مِنْ قَوْمِ
يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ» رواهُما البُخاريُّ.
معناهُ: يُؤْسَرُونَ، وَيُقَتَّدُونَ، ثُمَّ يُسْلِمُونَ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ.
• قوله تلفزي: ((عجب الله من قوم)):
(قض): صفات العباد إذا أطلقت على الله تعالى؛ أُريد بها غاياتُها، فغاية
المُتعجّب: الاستبشار بالشيء، والرِّضا به، واستعظامُ شأنه، والمعنى: عظّم
الله تعالى شَأْنَ قوم يُؤخذون عَنْوةً في السلاسل، فيدخلون في الإسلام،
فيصيرون من أهل الجنة، ورضي عنهم، وأحلَّهم محلَّ ما يُتعجّبُ منه.
وقيل: أراد بالسلاسل ما يُرادون به من قتل الأنفس، وسَبي الأزواج
والأولاد، وتخريب الديار، وسائر ما يُلجِئهم إلى الدخول في الإسلام،
وهو سبب دخول الجنة، فأقام المُسبَّب مُقَامَ السبب.
ويحتمل أن يكون المراد جَذَباتِ الحق التي يَجْذِبُ بها خالصة عباده
من الضلالة إلى الهُدى، ومن الهبوط في مَهَاوي الطبيعة إلى العُروج
بالدرجات العُلى إلى جنة المأوى(١).
(تو): ((يدخلون الجنة في السلاسل))؛ أي: يُؤتى بهم في السلاسل
والقُيود، وهم الأَسارى، ومراد الله منهم: أن يهديَهم سواء السبيل،
فيدخلون الجنة، فأُحِلَّ الدخولُ في الإسلام محلَّ دخول الجنة؛ لكونه
المُفْضِيَ بهم إلى الجنة.
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٦).
٢٠٢
١٨٤١ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَلِهِ، قَالَ: ((أَحَبُّ البِلاَدِ إلى اللهِ
مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ البِلاَدِ إلى الله أَسْوَاقُهَا)) رَوَاهُ مُسلمٌ.
* قوله {يَلى: «أحب البلاد إلى الله مساجدها)):
(ن): لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى، وأبغضُ البلاد
الأسواق؛ لأنها محَلُّ الغِشِ، والخِداع، والرِّياء، والأَيْمَان الكاذبة،
وإخلاف الوعد، والإعراض عن ذكر الله تعالى، وغير ذلك، والحبُّ
والبُغْضُ من الله تعالى: إرادتُه الخيرَ والشرّ، وفعل ذلك بمن أسعده
وأشقاه، والمساجد: محلُّ نزول الرحمة، والأسواق ضِدُّها (١).
(ط): لعل تسمية المساجد والأسواق بالبلاد خُصوصاً تلميحُ إلى
قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَهُ الَِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُ إِلََّ نَكِدَأَ﴾
[الأعراف: ٥٨].
قال قتادة: المؤمن سمع کتاب الله تعالی بعقله، فوعاه، وانتفع به؛
كالأرض الطيبة أصابها الغيثُ، فأنبتت، والكافر بخلافه؛ وذلك لأن زُوَّار
المساجد: ﴿رِجَالٌ لَّا نُذْهِهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ ﴾
[النور: ٣٧] الآيةَ.
وقُصَّادُ الأسواق شياطينُ الجِنِّ والإِنْس من الغَفَلَةِ الذين غلبهم الحِرْصُ
والشَّرِهُ، وذلك لا يزيد إلا قرباً من الله، ومن أوليائه، وهذا لا يُورِثُ إلا دُؤَّاً
من الشيطان وحِزْبه، إلا مَن تعمَّد إلى طلب الحلال الذي يصون به دينه
وعِرْضَه، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ويجوز أن
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ١٧١).
٢٠٣
يُقدَّر مضافٌ، فيرجع الضمير في ((مساجدها))، و((أسواقها)) إليه؛ أي: أحب
بقاع البلاد مساجدها (١).
١٨٤٢ - وَعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ ﴿هُ مِنْ قَوْلِهِ، قَالَ: لاَ تَكُونَنَّ
إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلاَ آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فَإِنَّهَا
مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ. رواهُ مسلمٌ هَكَذا.
وَرَوَاهُ البَرْقَانِيُّ في ((صحيحه)) عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿: ((لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلاَ آخِرَ مَنْ
يَخْرُجُ مِنْهَا، فِيهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخَ)).
* قوله: «باض الشيطان فیھا وفرخ)) :
(نه): أي: اتخذها مَقَرّاً ومسكناً لا يفارقها؛ كما يلازم الطائر موضعَ
بَيْضِهِ وأفراخه (٢).
١٨٤٣ - وَعَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ سَرْجِسَ ﴾،
قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ﴿ِ: يَا رَسُولَ الله! غَفَرَ الله لَكَ، قَالَ:
((وَلَكَ))، قَالَ عَاصِمٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٢٥).
٢٠٤
نَعَمْ، وَلَكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [محمد: ١٩]. رَواهُ مُسلمٌ.
* قوله: ((غفر الله لك)»:
فدعاؤه ◌َّ له بقوله: ((ولك))، فظنَّ عاصمٌ أن هذا الاستغفار منه وَّل
خِصِّصَةٌ خُصَّ عبدالله بها، فسأله عن ذلك.
فقال عبدالله: إن استغفاره وَّهِ عامٌّ لجميع من مُنِح الإيمان من أُمَّته،
فيستفاد منه التحريضُ على التحلِّي بحِلْية الإيمان، والتحقُّق بحقائقه؛ فإن
مَن أوتي الإيمان؛ فقد فاز وأفلح كلَّ الفلاح.
ذكر ابن أبي الدنيا في كتاب ((حسن الظن بالله)) عن يحيى بن عمر بن
شداد التَّيْميِّ قال: قال لي سُفيان بن عيينة، وكنت طلبت الغزو، فأخفقت
وأنفقت ما كان معي، فأتاني حين بلغه خبري، وكان قد عرفني قبل ذلك
بطول مُجالسته، فقال لي: لا تأسَ على ما فاتك، واعلم أنك لو رزقت
شيئاً؛ لأتاك.
ثم قال لي: أبشر؛ فإنك على خير، تدري مَن دعا لك؟ قلت: ومَن
دعا لي؟ قال: دعا لك حَمَلَةُ العَرْش، قلتُ: دعا لي حملة العرش؟! قال:
نعم، ودعا لك نبيُّ الله نوحٌ، قلت: دعا لي حملة العرش، ودعا لي نبيُّ الله
نوح؟! قال: نعم، ودعا لك خليلُ الله إبراهيم، قال: قلت: دعا لي هؤلاء
كلهم؟! قال: نعم، ودعا لك محمدٌ وَّ، قلت: فأين دعاء هؤلاء لي؟
قال: في كتاب الله، أما سمعت قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ.
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧]؟
٢٠٥
قال: فأين دعا لي نوحٌ نبيُّ الله؟ قال: أما سمعت: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ
وَلِوْ لِدََّّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِ مُؤْمِنًا وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ [نوح: ٢٨]؟
قلت: فأين دعا لي خليلُ الله إبراهيم؟ قال: أما سمعت قوله:
رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: ٤١]؟
قلت: فأين دعا لي مُحمَّدٌ بَّهَ؟ قال: فَهَزَّ رأسَهُ، ثم قال: أما سمعت
إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ [ محمد: ١٩]؟
فكان أطوعَ لله وأبرَّ بأُمَّته، وأَرْأَفَ بها، وأرحمَ مِنْ أن يأمره الله بشيء
فیهم، ثم لا يفعله(١).
١٨٤٤ - وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ ﴿ه، قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َلِ: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَاَم النُُّوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ
تَسْتَحِ، فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)) رواهُ البُخَارُّ.
* قوله {ل: ((إن مما أدرك الناس)):
(ط): (من) في ((مما)) ابتدائية، وهو خبر ((إن))، واسمه قوله: ((إذا لم
تستحي)) على تأويل أن هذا القول حاصل ممَّا أدرك الناسُ، والراجع إلى
(ما) محذوفٌ، و((الناس)) فاعل ((أدرك))، وعليه كلام الشيخ التُّورِبِشْتِيِّ؛
حيث قال: المعنى: أن مما بقي بين الناس فأدركوه من كلام الأنبياء،
ويجوز أن يكون فاعل (أدرك) ضميراً راجعاً إلى (ما)، و(الناس) مفعوله،
وعليه كلام القاضي؛ أي: ممَّا بلغ الناسَ من كلام الأنبياء المتقدمين أن
(١) انظر: ((حسن الظن بالله)) لابن أبي الدنيا (ص: ٩٢)، الحديث رقم (٧٩).
٢٠٦
الحياء هو المانع عن اقتراف القبائح، والاشتغال بمنهيات الشرع،
ومُسْتَهْجَنات العقل.
فمَن لم يَسْتَحْي من الله، ولا من الخلق؛ كان مطلقاً خليعَ العِذار [لا]
وازعَ له، ولا مانع من أن يفعل ما شاء.
وقوله: ((إذا لم تستحي)) الجملة الشرطية اسم (إن) على الحكاية(١).
(مظ): ((من كلام النبوة الأولى)) معناه: اتفاق كلام الأنبياء عليهم
السلام على استحسان الحياء، فما من نبي؛ إلا وقد ندب إليه، وبَعث
عليه، ولم يُنسخ فيما نسخ من شرائعهم، ولم يُبدَّل فيما بُدِّل منها؛ وذلك
أنه أمر قد عُلم صوابُه، وبان فضلُه، واتفقت العقول على حُسْنه، وما كان
هذا صفته؛ لم يَجُز عليه النسخ والتبديل.
وقيل: (النبوة الأولى) للإرشاد إلى اتفاق كلمة الأنبياء عليهم
السلام، وعلى استحسانه من أولهم إلى آخرهم(٢).
(حس): «فاصنع ما شئت» فيه أقاويل :
أحدها: أن معناه: الخبر، وإن كان لفظه لفظَ الأمر، كأنه يقول: إذا
لم يمنعك الحياءُ؛ فعلت ما شئت ممَّا تدعوك نفسُك إليه من القبيح، وإلى
هذا المعنى ذهب أبو عُبید.
ثانيها: أن معناه: الوعيد؛ كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَاشِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]؛
أي: اصنع ما شئت؛ فإن الله مُجازيك، وإليه ذهب أبو العباس.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٣١).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢٥٠).
٢٠٧
ثالثها: أن معناه: أن تنظر إلى ما تريد أن تفعلَه، فإن كان ذلك ممَّا لا
تستحي منه؛ فافعله، وإن کان مما تستحي منه؛ فدعه، وإليه ذهب أبو
إسحاق المروزيُّ.
وروی هذا جريرٌ عن منصور بإسناده، ثم قال جرير: معناه: أن یرید
الرجل أن يعمل الخيرَ، فيدعه حياءً من الناس، كأنه يخاف الرِّياء، يقول:
فلا يمنعك الحياءُ من المُضيِّ لما أردت.
فقال أبو عُبيد: هو شبيه بالحديث الآخر: ((إذا جَاءكَ الشَّيْطَانُ وأَنْتَ
تُصَلِّي، فقال: إنَّكَ تُرَائِي؛ فَزِدْها طُولاً)).
إن قانون الشرع في معنى الحياء يحتاج إلى اكتساب ونية، فينبغي أن
يُحمل الحديث على هذا المعنى، فالقانون فيه: أنك إذا أردت أمراً، أو اكتسبت
فعلاً، وأنت بين الإقدام والإحجام فيه؛ فانظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان
ذلك مما لا تَسْتَحْبي فيه من الله تعالى، ولا من الناس وأنبيائه قديماً وحديثاً؛
فافعله، ولا تُبالٍ من الخلق، وإن استحییت من الخلق، وإن كان ممَّا يُسْتَخیی
فيه من الله تعالى ومنهم؛ فدعه، وإن لم يُسْتَخْيَ من الخلق فيه.
ومن ثَمَّ صرحٍ وَّه بقوله: ((إن ممَّا أدرك الناسُ من كلام النبوة
الأولى))، فدخل الحديثُ في جوامع الكلم، انتهى(١).
أنشد بعضُ الأدباء:
إذا لَمْ تَصُنْ عِرْضاً ولَمْ تَخْشَ خَالِقاً
وتَسْتَخِي مَخْلُوقاً فمَا شِئْتَ فَاصْنَعِ
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٣ / ١٧٤).
٢٠٨
ويروى عن ابن مسعود به قال: آخر ما نزل من القرآن قوله
تعالى: [ ... ](١)، وآخر ما نزل في التوراة: إذا لم تستحي؛ فاصنع ما شئت،
وآخر ما نزل في الإنجيل: شرُّ الناس مَن لا يبالي أن يراه الناس مُسيئاً،
وآخر ما نزل في الزَّبور: مَن يزرعِ خَيْراً؛ يَحْصُد غِبْطةً.
١٨٤٥ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((أَوَّلُ مَا
يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
* قوله لفر: ((أول ما يقضى)):
(ن): هذا لتعظيم أمر الدِّماء وتكثير خطرها، وليس هذا الحديث
مخالفاً لقوله وَّهِ: ((أَوَّلُ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ صَلاَتُه))(٢)؛ لأن ذلك في حق
الله، وهذا فيما بين العباد(٣).
(ق): هذا يدل على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظمُ من الدِّماء(٤).
(١) بياض في الأصل.
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٢٥)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٦٥).
وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٧٦) و(٣٧٧)
و(٢٤٣٥).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ١٦٧).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٢).
٢٠٩
١٨٤٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:
(خُلِقَتِ المَلاَئِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ
مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) رواهُ مسلمٌ.
* قوله : ((خلقت الملائكة من نور)):
(ق): أي: من أجرام مُضيئة نيِّرة، فكانوا خيراً مَخْضاً (١).
(ن): ((الجان)): الجن، و((المارج)): اللهب المختلط بسواد النار(٢).
(ق): فكانوا شرّاً مَحْضاً، والخير فيهم قليلٌ (٣).
وقوله: ((مما وصف لكم))؛ أي: من تراب صُيِّر طيناً، ثم فَخَّاراً،
و ((الفخار)): الطين اليابس، وفي الخبر: ((إن اللهَ تعالى لمَّا أَرادَ خَلْقَ آدمَ؛
أَمَرَ مَنْ قَبَضَ قَبْضَةً من جَميعِ أَجْزَاءِ تُرَابِ الأَرْضِ، فأخذَ مِنْ حَزْنِها
وسَهْلِها، وأَحْمَرِها وأَسْوَدِها، فجاء ولدُه كذلك)).
١٨٤٧ - وَعَنْهَا رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: ((كَانَ خُلُقُ نَبِيِّ الله وَله
القُرْآنَ» رواهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةٍ حَدِيثٍ طَويلٍ .
* قوله: «كان خلق نبي الله القرآن»:
(ن): معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدُّب بآدابه،
(١) المرجع السابق (٧/ ٣١٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١٢٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣١٥).
٢١٠
والاعتبار بأمثاله وقَصَصه، وتدبُّره، وحُسْن تلاوته، انتهى(١).
قال الإمام الغزاليُّ رحمه الله: أرادت عائشةُ رضي الله عنها مِثْلَ قوله:
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍَ ذِى الْقُرْبَ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
أَصَابَكٌ ﴾ [لقمان: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]،
وقوله تعالى: ﴿اَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وقوله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ اُلْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ اُلَّكَنِ ﴾ [الحجرات: ١٢]، الآياتِ الدالةَ على تهذيب الأخلاق
الذَّمِيمة، وتحصيل الأخلاق الحَمِيدة.
قال الشيخ شهاب الدِّين عمر السُّهْرَ وَرْديُّ: قولها: (كان خلقه
القرآن) فيه سِرٍّ كبير غامض؛ وذلك لأن النفوس مجبولة على طبائعَ وغرائز
من البَهيمية، والسَّبُعية، والشيطانية، وأنه تعالى بعِظَم عنايته نزع نصيبَ
الشيطان منه صلوات الله عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَعْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الانشراح:
١]، ولحدیث انشراح الصدر.
وبعد هذا النزع بقيت للنفس الزكية النبوية بقايا صفات البشرية؛
رحمةً للخلق، فاستمَدَّت البقايا من الصفات؛ لظهورها فيه صلوات الله
عليه تنزيلَ الآيات المُحْكَمات بإزائها لقَمْعها؛ تأديباً من الله تعالى، رحمة
له خاصَّة، وللأُمَّة عامَّة، مُوزَّعاً نزولُ الآيات على الأيام والأوقات عند
ظهور الصِّفات، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَّلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ
وَنَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِتُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ﴾ [الفرقان: ٣٢]، فلما تحركت النفس
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٢٦).
٢١١
الشريفة عند كسر رَبَاعِيّه، وقال: ((كيف يفلح قوم خَضَبُوا وجهَ نبيهم؟))(١)
فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، فاكتسی القلب لباسَ
الاصطبار (٢).
فلما توزَّعت الآياتُ على ظهور الصفات؛ صَفَتِ الأخلاق النبوية
بالقرآن؛ ليكون خلقُه القرآنَ؛ ولهذا ورد: ((أنا أَنْسَى؛ لأسُنَّ»؛ تأديباً
لنفوس الأمة، وتهذيباً ورحمة.
ووجه آخر: أن قولها رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) إيماءٌ إلى
التخلُّق بأخلاق الله، فعبَّرت عن المعنى بقولها [(كان خلقه القرآن)]؛
استحياء من سُبُحَات الجلال، وستراً للحال بلُطف المقال، وهذا من وُفور
علمها، وکمال أدبها .
١٨٤٨ - وَعَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ
الله، أَحَبَّ الله لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ الله، كَرِهَ الله لِقَاءَهُ»، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ الله! أَكَرَاهِيَّةُ المَوْتِ؟ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ المَوْتَ! قَالَ: ((لَيْسَ
كَذَلِكِ، وَلَكِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ الله وَرِضْوَانِهِ وَجَنَتِهِ، أَحَبَّ
لِقَاءَ الله، فَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ. وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ الله
وَسَخَطِهِ، كَرِهَ لِقَاءَ الله، وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» رواه مسلمٌ.
(١) رواه ابن ماجه (٤٠٢٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٠٧٧)، من حديث
أنس بن مالك . وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح ابن ماجه)) (٣٢٥٣).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣٥٨).
٢١٢
* قوله : ((من أحب لقاء الله؛ أحب الله لقاءه)):
(ن): هذا الحديث يبين آخرُه أوَّلَه، ويُبيِّن المرادَ بباقي الأحاديث
المطلقة .
ومعنى الحديث: أن الكراهية المعتبرة هي التي تكون عند النَّزْع في
حالة لا تقبل توبة ولا غيرها، فحينئذ يُشَّر كل إنسان بما هو صائر إليه،
وبما أُعِدَّ إليه، وبما يكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت
ولقاء الله؛ ليُنقلوا إلى ما أُعِدَّ لهم، ويُحِبُّ لقاءَهم؛ أي: فيُجْزِلُ لهم العطاء
والكرامة.
وأهل الشَّقاوة يكرهون لقاء الله؛ لما علموا من سُوء ما ينتقلون إليه،
ويكره الله لقاءهم؛ أي: یبعدهم عن رحمته وکرامته، ولا یرید ذلك بهم،
وهذا معنى كراهته سبحانه وتعالى لقاءَهم، وليس معنى الحديث: أن سببَ
كراهة الله لقاءَهم كراهتُهم ذلك، ولا أن حُبَّه لقاء الآخرین حُبُّهم لذلك، بل
هو صفة لهم(١).
قولها: ((كلنا نكره الموت)»:
(ق): هذا قول مَن ظَنَّ أنه قد عبّر عن الموت بلقاء الله توسُّعاً،
فأجيبت بما يقتضي أن لقاء الله بعد الموت، وقد نصَّ على ذلك في طريق
آخر، فقال: ((ولِقَاءُ الله بعدَ المَوْتِ»(٢).
وفي هذا الحديث ما يدُلُّ على أنه لا يخرج أحدٌ من هذه الدار حتى يعلم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٠).
(٢) رواه الحميدي في ((مسنده)) (٢٢٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٢١٣
ما له عند الله تعالى من خير أو شرٍّ، وقد قيل ذلك في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىفِی
الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ﴾ [يونس: ٦٤].
وهذه الكَراهِيَّةُ للموت هي الكراهة الطبيعية التي هي راجعة إلى
النَّفْرة عن المكروه والضَّرَر، واستصعاب ذلك على النفوس، فلا شكَّ في
وجدانها لكل أحد، غير أن مَن رزقه الله تعالى ذَوْقاً من محبته، أو انكشف
له شيءٌ من جمال حضرته؛ غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال:
عند أُزوف رِحلته، مخاطباً للموت وسگرته، کما قال معاذ: حبيبٌ جاء
على فاقة، لا أفلح اليوم مَنْ ندم، وكان يقول عند اشتداد السَّكَرات:
اختقني خَنْقَكَ، فوَحقُّكَ؛ إن قلبي لَيُحِبُّك، انتهى(١).
ذكر الإمام فخر الدِّين الرازيُّ في ((تفسيره)): أن إبراهيم عليه الصلاة
والسلام قال لمَلَك الموت وهو يقبض رُوحَه: هل رأيت خليلاً يُمِيتُ
خليلَه؟! فأوحى الله إليه: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟
فقال: يا مَلَكَ المَوْت؛ أما الآن: فاقبض(٢).
(نه): الموتُ مُعترضٌ من دون الغرض المطلوب، فيجب أن يصبر
عليه، ويحتمل مَشاقّه حتى يصل إلى الفوز باللقاء، وفي الحديث: ((المَوْتُ
قبل لقاء الله))(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٤٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٤ / ١٨٥).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٦٦).
٢١٤
١٨٤٩ - وَعَنْ أُمّ المُؤْمِنِينَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُبَيٍّ رَضِيَ الله عَنْهَا،
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ مُعْتَكِفاً، فَأَتَيُّتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ
قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، فَمَرَّ رَجُلاَنٍ مِنَ الأنْصَارِ
فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ◌َهِ، أَسْرَعَا، فَقَالَ رَّهِ: ((عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ
بِنْتُ حُبِيٍّ))، فَقَالاَ: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ في
قُلُوبِكُمَا شَرَّاً أَوْ قَالَ: شَيْئاً) متفقٌ عليه.
(ن): ((ليقلبني)) بفتح الياء؛ أي: يردني إلى منزلي، و((رسلكما))
بكسر الراء وفتحها، لغتان، الكسر أفصح وأشهر؛ أي: هَيْنَتِكُما في
المشي، فما هنا شيءٌ تکرهانه(١).
(ق): ((الرسل)) بكسر الراء: الرفق واللِّين، ومعنى ((سبحان الله)) في
أصلها: البراءة لله من السُّوء، لكنها قد كثر إطلاقها في التعجُّب والتفخيم، أو
الإنكار؛ كما في القرآن ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وكقوله ◌َّ :
((سُبْحَانَ اللهِ؛ إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ))(٢)، ومثله كثير، وهذا الموضع منها،
فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سُوء بنبيِّه ◌َلِّ؛
ولذلك قال في الرواية الأخرى: ((ومَن كُنتُ أَظُنُّ به، فلم أَكُنْ أَظُنُّ بكَ!))(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٥٧).
(٢) رواه البخاري (٢٨١)، من حديث أبي هريرة
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٠٤).
٢١٥
* قوله ومخلقي: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)):
(ن): قال القاضي وغيره: قيل: هو ظاهره، وأن الله تعالى جعل له قوة
على الجَرْي في باطن الإنسان مجاريَ دَمِه، وقيل: هو على الاستعارة؛ لكثرة
إغوائه ووَسْوَسَته في مَسامَّ لطيفة من البدن، فتصل الوسوسة إلى القلب(١).
(ط): عدی یجري)) بـ ((من)) على تضمين معنی التمگُّن؛ أي: يتمكن
من الإنسان في جريانه في عُروقه مجرى الدم، و((مجرى)) يجوز أن يكون
مصدراً ميمياً، وأن يكون اسمَ مكان، وعلى الأول تشبيهٌ، شَبَّه كيدَ الشيطان،
وجريانَ وساوسه في الإنسان بجريان دمه في عروقه وجميع أعضائه.
والمعنى: أن الشيطان يتمكّن من إغواء الإنسان وإضلاله تمكُّناً تاماً.
وعلى الثاني: يجوز أن يكون حقيقة؛ فإنا لا ننكر أن الله تعالى قادر
على أن يخلق أجساماً لطيفةً تسري في بدن الإنسان سريان الدم فيه؛ فإن
الشياطين مخلوقة من نار السَّمُوم، والإنسان من صَلْصَال وحَمَأْ مَسْنُون،
والصَّلْصَال فيه نارية، وبه يتمكَّن من الجريان في أعضائه.
يدل عليه ما رواه البخاريُّ تعليقاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَّه:
((الشَّيْطَانُ جَائِمٌ على قَلْبٍ ابن آدَمَ، فإذا ذَكرَ اللهَ؛ خَنَسَ، وإذا لم يَذْكُرْ؛
وَسْوَسَ)).
وأن يكون مجازاً؛ كما قال التُّورِبِشْتِيُّ: إن كيد الشيطان ووساوسه
تجري في الإنسان حيث يجري الدم في عُروقه وأَبْشَاره، فالشيطان إنما
يَسْتَحْوِذُ على النفوس، ويَنْفُثُ وساوسه في القلوب بواسطة النفس الأمَّارة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٥٧).
٢١٦
بالسُّوء، ومركبها الدم، ومنشأ قواها منه.
فعلاجه: سَدُّ المجاري بالجُوعِ والصَّوْم؛ لأنه يقمَعُ الهوى، ويردع
الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فالشِّبَعُ مَجْلَبَةٌ للآثام مَنْقَصَةٌ
للإيمان، مُشَوِّشَةٌ للأفكار (١).
(ن): في هذا الحدیث فوائد :
منها: بيان كمال شفقته وَله على أُمَّته، ومراعاته لمصالحهم، وصيانة
قلوبهم وجوارحهم، وكان بالمؤمنين رحيماً، فخاف ◌َّ أن يلقيَ الشيطان
في قلوبهما فيهلكا؛ فإنَّ ظَنَّ السُّوء بالأنبياء عليهم السلام كُفْرٌ بالإجماع،
والكبائر غير جائزة عليهم.
وفيه: أن مَن ظنَّ شيئاً من نحو هذا بالنبيِّ ◌َِّ؛ كفر.
وفيه: جواز زيارة المرأة لزوجها المُعتكف في ليل أو نهار، وأنه لا
يضرُّ اعتكافَه، لكن يُكره الإكثار من مُجالستها والاستلذاذ بحديثها؛ لئلا
يصير ذريعة إلى الوِقاع، أو إلى القُبلة ونحوها مما يضرُّ الاعتكاف(٢).
(ق): ولئلا يشتغل عمَّا دخل له من التفرّغ لعبادة الله تعالى، على أنه لا
يكره الخَلْوةُ مع أهله في مُعتَكَفِه، وإنما الممنوع المُباشرةُ، لكن هذا للأقوياء.
وأما مَن يخاف على نفسه غلبة الشهوة: فلا يجوز؛ لئلا يفسُدَ اعتكافهُ.
وقد کان کثیر من الفضلاء يمنعون دخول منازلهم في نهار رمضان؛
مخافةَ الوقوع فيما يفسد الصوم، أو يَنْقُص ثوابَه(٣).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٥٢١).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٥٦).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٥٠٤).
٢١٧
(ن): وفيه: جواز مشي المعتكف معها ما لم يخرج من المسجد،
وليس في الحديث أنه خرج من المسجد.
وفيه: استحباب التحرُّز عن التعرض لسوء ظنِّ الناس في الإنسان،
وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الواضحة، وأنه متى فعل ما يُنكر
ظاهرُه مما هو حقٌّ، وقد يخفى أن یبین حاله؛ ليدفع ظنَّ السوء فيه.
وفيه: الاستعداد للتحفُّظ من مكائد الشيطان؛ فإنه يجري في الإنسان
مجرى الدم(١).
(ق): وإذا كان النبيُّ وَّهِ يَتَّقي مواقعَ التُّهَم مع قيام الأدلة القاطعة على
عِصْمَته؛ كان غيرُه أَوْلِی بذلك(٢) .
(ق): كانت غزوة حُنين بعد فتح مكة بأيام؛ وذلك أن مَكَّة فُتحت
لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة، وكانت وَقْعَةُ هَوَازِنَ يوم حُنين
في أول شوال من تلك السنة.
و((حنين)): موضع معروف، سُمِّ باسم رجل لازمه، يُصرف ولا
يُصرف، وأنشد في ((الصحاح)):
نَصَرُوا نِبِيَّهُمُ وشَدُّوا أَزْرَهُ
بِحُنَيْنَ يَوْمَ تَوَاكُلِ الأَبْطَالِ
والأغلب عليه الصَّرْف(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٥٦).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٥٠٥).
(٣) المرجع السابق (٣/ ٦١٣).
٢١٨
(ش): وتُسمَّى غزوة أَوْطَاس، وحُنين وأَوْطاس: موضعان بين مكة
والطائف، فسُمِّت الغزوة باسم مكانها، وتُسمَّى غزوة هَوَازن(١).
(ن): ((أبو سفيان)) هذا: هو ابنُ عمِّ رسول الله وَّةِ، اسمُهُ كُنْيُه.
وقيل: اسمُهُ المُغِيرةُ، وفي هذا عَطْفُ الأقارب بعضهم على بعض
عند الشدائد، وذَبُّ بعضهم عن بعض(٢).
١٨٥٠ - وَعَنْ أَبِ الفَضْلِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَ ﴾ه، قَالَ:
شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ يَوْمَ حُنَيَّنِ، فَلَزِمْتُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ
الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِوَّهِ، فَلَمْ نُقَارِقْهُ، وَرَسُولُ اللهَِِّ
عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ بَيْضَاءَ، فَلَمَّا النَّقَى المُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَلَّى
المُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللهِّهِ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ،
وَأَنَا آَخِذٌ بِلِجَامِ بَعْلَةِ رَسُولِ اللهِ، أَكُفُّهَا؛ إِرَادَةَ أَنْ لاَ تُسْرِعَ، وَأَبُّو
سُفْيَانَ آخِذُ بِرِكَابٍ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَيْ
عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ». قَالَ العَبَّاسُ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّاً -:
فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِيٍ: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَوَاللهِ! لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ
حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلاَدِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ
يَا لَبِيِّكَ، فَاقْتَلُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ:
(١) انظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (٣ / ٤٦٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١١٣).
٢١٩
يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ! یَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ! ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَني
الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِلَّهِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ
كَالمُتَطَاوِلٍ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: ((هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ))، ثُمَّ
أَخَذَ رَسُولُ اللهِهِ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الكُفَّارِ، ثُمَّ قَال:
(نْهَزَمُوا وَرَبٌّ مُحَمَّدٍ))، فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا القِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا
أَرَى، فَوَاللهِ! مَا هُوَ إلاَّ أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ
كَلِيلاً، وَأَمْرَهُمْ مُذْبِراً. رواه مسلمٌ.
((الوَطِيسُ)): التَّتُّورُ، وَمَعْنَاهُ: اشْتَدَّتِ الحَرْبُ.
وَقَوْلُهُ: ((حَدَّهُمْ)): هُوَ بِالحَاءِ المُهْمَلَةِ: أَي: بَأُسَهُمْ.
* قوله: ((ورسول الله وَ ل﴿ على بغلة له بيضاء)):
(ن): هذه البغلة هي التي أهداها له فَرْوة بن نُفَّاثة، بنون مضمومة ثم
فاء مخففة ثم ثاء مثلثة، اختلفوا في إسلامه، وعُمِّر عُمُراً طويلاً.
وقيل: أهداها له مَلِك أَيْلَةَ، واسمُه يُحَنَّةُ بن رُؤْبة، فالله أعلم،
ولا يعرف له وَّ بغلة سواها، وهي التي يقال لها: دُلْدُل(١).
(ش): أكثر مراكب النبيِّ وَّرِ الخيل، وأما البغال: فالمعروف أنه كان
عنده منها بغلة واحدة، أهداها له بعضُ الملوك، ولم تكن البغال مشهورةً
بأرض العرب، بل لمَّا أُهديت له البغلة؛ قيل له: ألا نْزِي الخيلَ على
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
٢٢٠