Indexed OCR Text

Pages 181-200

لأن كثرة البحث والسؤال عمَّا لم يذكر قد يكون سبباً لنزول التشديد فيه
بإيجاب أو تحريم، وهذا البحث مثل أن يُدقِّق الناظر فِكْرَه في وجود الفروق
المُستبعدة، فيفرق بين متماثلين بمُجرَّد فرق لا يظهر له أثرٌ في الشرع، مع
وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمُجرَّد الأوصاف
الطَّرْدية التي هي غير مناسبة، ولا يدل دليلٌ على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر
والبحث غير مَرْضيٍّ ولا محمود، ولعل هذا مُرادُ ابن مسعود بقوله: إياكم
والتنطُّعَ، إياكم والتعمُّقَ، وعليكم بالعَتيق؛ يعني: بما كانت عليه الصحابة.
ومما يدخل في النهي عن التعمُّق والبحث عنه أمورُ الغَيْب الخبرية
التي أُمِر بالإيمان بها، وبعضُها قد لا يكون له شاهدٌ في هذا العالم
المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحَيْرةَ
والشَّكَّ، وينتهي إلى التكذيب.
وهذا الحديث يجمع أحكام الدِّين كلَّها، قال أبو بكر بن السَّمْعانيِّ:
هذا الحدیث من أُصول الدِّين.
قال بعضُهم: ليس في أحاديث النبيِّ ◌َّهِ حديثٌ واحدٌ أجمعُ بإنفراده
الأصول الدِّين وفروعه من حديث أبي ثَعْلَبةَ؛ لأن مَن أدَّى الفرائض،
واجتنب المحارم، ووقف عند الحُدود، وترك البحثَ عمَّا غاب عنه؛ فقد
استوفى أحكامَ الفَضْل، وأوفى حُقوقَ الدِّين، انتهى شرحُ حديث أبي ثعلبة
مُلخَّصاً من كلام الحافظ ابن رجب الحنبليِّ رحمه الله(١) .
(١) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب الحنبلي (١ / ٢٨٤ -٢٨٦).
١٨١

١٨٣٣ - وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفِى ◌َ﴾، قالَ: غَزَوْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهَِّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَّأْكُلُ الجَرَادَ.
وفي روايةٍ: نأْكُلُ مَعَهُ الجَرَادَ. متفقٌ عليه.
* قوله: ((نأكل الجراد)):
(ن): فيه: إباحة الجراد، وأجمع المسلمون على إباحته، ثم قال
الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والجماهير: يَحِلُّ، سواء مات بذکاة، أو باصطياد
مسلم، أو مَجُوسيٍّ، أو مات حَتْفَ أَنْفِهِ، سواء قُطِعَ بعضُه، أو أُحدث فيه
سببٌ.
وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية : يحِلُّ إذا مات بسبب؛
بأن يُقطع بعضُه، أو يُسْلَق، أو يُقْلَى في النار حيّاً، أو يُشوى، فإن مات حَتْفَ
أَنَّفِهِ، أو في وعاء؛ لم يَحِلَّ(١).
(ق): الجمهور تمسّكوا بظاهر هذا الحديث، وبما ذكره ابنُ المُنذر:
أن أزواج النبيِّ نَ ﴿ كُنَّ يتهادَيْنَ الجرادَ فيما بينهن، وبما ذكره الدار قطني عن
ابن عمر: أن رسول الله وَّه قال: ((أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ: الحُوتُ والجَرَادُ،
ودَمَانِ: الكَبِدُ والطِّحَالُ))(٢)، على أنه لا يصِخُ؛ لأنه من رواية عبدالله،
وعبد الرحمن ابني زيد بن أَسْلَمَ، ولا يُحْتجُّ بحديثهما.
ومن الجمهور من رأى: أنها من صيد البحر، وعلى هذا: فيجوز
(١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٣ / ١٠٣).
(٢) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٤/ ٢٧١). وإسناده جيد. انظر: ((تخريج أحاديث
المشكاة» (٤٢٣٢).
١٨٢

للمحرم صَيْدُها من غير جزاء.
وأما مالك واللَّيْثُ: فرأيا أن الجراد من حيوان البَرِّ، فمَيْتَتُه مُحرَّمة؛
لأنها داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَهُ﴾ [المائدة: ٣]، ولم يصِحَّ
عندهم ((أُحِلَّت لنا مَيْتَتَانِ))، وقالا بمُوجَب حديث ابن أبي أَوْفى، وبما ذكره
ابن المنذر، بشرط الذكاة؛ إذ ليسا بنَصَّین، وإذا كان كذلك؛ فلا بُدَّ فيها من
ذكاة، إلا أن ذكاة كل شيء بحسَب ما يتأتى فيه، فرأى مالك: أنه لا بُدَّ فيها
من فِعْلٍ تموت بسببه(١).
(تو): رواية من روى: (نأكل معه الجراد) مُؤوَّل على أنهم أكلوه
وهم معه، فلم يُنْكِر عليهم، وهذا يدل على إباحته، ولو صرفه مُؤوِّلٌ على
الأكل؛ فإنه محتمل، وإنما رجَّحنا التأويلَ الأول؛ لخُلُوِّ أكثر الروايات من
هذه الزيادة، ثم لِما ورد في الحديث أن النبيَّ ◌ٍَّ لم يكن يأكل الجرادَ،
وذلك من حديث سُليمان بن صُرَد(٢) عن النبيِّي ◌َّ وقد سئل عن الجراد
فقال: ((أَكْثَرُ جُنُودِ الله، لا آَكُلُه ولا أُحَرِّمُهُ)) (٣).
فإن قيل: كيف يترك الحديث الصحيح بمثل هذا الحديث؟
قلنا: لم نتركه، وإنما أولناه؛ لما فيه من الاحتمال؛ کي يوافق سائر
الروايات، ولا نرُدُّ الحديثَ الذي أوردناه، وهو من الواضح الجَلِيِّ بما فيه
خفاء والتباس .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥/ ٢٣٧).
(٢) كذا في الأصل، والذي في كتب التخريج: أنه من حديث سلمان الفارسي عظته، وكذا
نقله الطيبي في ((شرح المشكاة)) (٢٨١٩/٩) عن التوربشتي.
(٣) رواه ابن ماجه (٣٢١٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٥٣٣).
١٨٣

(ط): التأويل الأول، وهو قوله: أكلوه وهم معه، بعيد؛ لأن المَعِيَّةَ
تقتضي المشاركة في الفعل، كما في قوله: غزونا مع رسول الله وَّر، وقد
صرَّح به صاحبُ ((الكشاف))، والرواية الخالية عنه مطلقة، فيحمل على
المُقيّد، وحديث سُليمانَ بن صُرَد(١) ضعَّفه مُحبي السُّنَّة(٢).
١٨٣٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((لا يُلْدَغُ
المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنٍ) متفقٌ عليهِ.
* قوله : ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)):
(ق): هذا مَثَلٌ صحيح، وقولٌ بليغ، ابتكره النبيُّ ◌َّهِ مِن فَوْره، ولم
يُسمع من غيره، وذلك أن أبا عزة بن عُمير الشاعر أخا مُصعب بن عُمير كان
يهجو النبيَّ ◌َِّ، ويُؤذيه، ويُؤذي المسلمين، فأمكن اللهُ منه يوم بدر، فأُخذ
أسيراً، وجيء به إلى النبيِّ ◌َّ﴿، فسأله أن يَمُنَّ عليه ولا يعود إلى شيء ممَّا كان
يفعله، فمَنَّ عليه النبيُّ نَّرَ، فأطلقه، فرجع إلى مكة وعاد إلى أشدَّ ممَّا كان
عليه، فلما كان يومُ أُحد؛ أمكن اللهُ منه، فأُسر، وأحضر بين يدي النبيِّ ◌َّ،
فسأله أن يمُنَّ عليه، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مرَّتين،
والله؛ لا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ أَبَدا))، فأمر بقتله.
وأصل هذا المثل: أن الذي يُلدغ من جُحْر لا يُعيد يدَه إليه أبداً إذا
كان فَطِناً حَذِراً، بل ولا لما يُشبهه، فكذلك المؤمن لكِيَاسَته، وفَطانته،
(١) فيه ما مر في التعليق السابق .
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢٨١٩/٩).
١٨٤

وحذره إذا وقع في شيء مما يضرُه في دينه ودنياه؛ لا يعود إليه.
والرواية المعروفة: ((لا يلدغ)) بضم الغين - وكذلك قرأته - على
الخبر، وهو الذي يشهد له سببُ الحديث ومَسَاقُه، وقد قيّده بعضُهم
بسكون الغين على النهي، وفيه بُعْدٌ(١).
(خط): رواية الخبر معناه: أن المؤمن الممدوح هو المُتيقّظ الحازم
الذي لا يُؤْتى من ناحية الغَفْلة، فيُخدعِ مَرَّةً بعد أُخرى، ولا يَفْطُنُ هو به.
وقيل: هو الخداع في أمر الآخرة دون أمر الدنيا.
ورواية النهي معناها: لا يُخدعنَّ المُؤْمنُ، ولا يُؤْتِيَنَّ من ناحية
الغفلة، فيقع في مكروه، وهذا يصلُح أن يكون في أمر الدنيا والآخرة،
انتھی(٢).
قال الترمذيُّ الحكيم في ((نوادر الأصول)): المؤمن إذا أصاب
الذنب؛ تألم قلبُه، وتلك هي لَدْغة المعصية، فلا يُلْدَغ من جُخْر واحد
مرتين؛ أي: أن هذا الأمر لدغه مرة، فأوجعه، فوجع ذلك تذكرةٌ له من
الغفلة حتى [لا] يقع فيه ثانية(٣).
(تو): أرى هذا الحديث لم يبلغ الخطابيَّ على ما كان عليه، وهو
مشهور عند أهل السِّيَر، وهذا السببُ يُضعِّف الوجه الثاني .
(ط): إذا ذهب إلى النهي؛ خُيِّل أنه وَّر لمَّا رأى من نفسه الزكية
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣١).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١١٨).
(٣) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (١ / ٢٨٢).
١٨٥

الميلَ إلى الحِلْم والعفو عنه؛ جرَّد منها مؤمناً كاملاً حازماً ذا شهامة، فنهاه
عن ذلك تأنيياً.
يعني: ليس من شِيمة المؤمن الحازم الذي يغضب الله، ويَذُبُ عن
دين الله، أن ينخدعَ من مثل هذا الغادر المُتمرِّد مرة بعد أخرى، فانته عن
حديث الحِلْم، وامض لشأنك في الانتقام منه، والانتصار من عدوِّ الله؛ فإن
مقام الغضب لله يأبى التحلم والعفو، وإلى هذا المقام ينظر قوله ملقى :
((الحَلِيمُ ذو عَثْرَةٍ، والحَكِيمُ ذو تَجْرِبَةٍ)) (١)، وأنشد النابغة في هذا المعنى:
ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إذا لَمْ يَكُنْ لهُ
بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرا
ولا خَيْرَ في أَمْرٍ إذا لم يَكُنْ لهُ
حَكِيمٌ إذا ما أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرا
ومن أوصافه ◌ِ ﴿ على ما روت أُمُّ المؤمنين الصِّدِّيقة بنت الصديق: ما
انتقم رسولُ اللهِ وَّ﴿ لنفسه في شيء قَطُّ، إلا أَن تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله، فينتقم لله
بها .
فظهر من هذا أن الحِلْمَ مطلقاً غيرُ محمود، كما أن الجُودَ كذلك.
وقد قيل :
فَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضعِ السَّيْفِ بالعُلا
مضِرٌّ كَوْضَعِ السَّيْفِ في مَوْضعِ النَّدَى
وفُهِم منه أن هناك مقاماً التحلُّم والتساهل فيه محمودٌ، بل مندوبٌ
(١) رواه الترمذي (٢٠٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري څه، وقال: حديث حسن.
١٨٦

إليه، وذلك مع المؤمنين من استعمال الحِلْم، والعفو، وخَفْض الجناح،
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، فيجتمع لهم لِينُ
الجانب مع الأولياء، والغِلْظة مع الأعداء، قال تعالى: ﴿أَشِدَاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
قال :
حَلِيمٌ إذا ما زَيَّنَ الحِلْمُ أَهْلَهُ
معَ الحِلْمِ فِي عَيْنِ العَدُوِّ مَهِيبٌ
وإذا ذُهب إلى مُجرَّد الإخبار؛ لم يكن هذا التأنيبُ والتعبير، فلم
يفهم منه أن التحلّم والتساهل في بعض المواضع مندوبٌ إليه؛ فإن الانتقام
والانتصار من أعداء الدِّين مأمورٌ به، فظهر من هذا أن القولَ بالنهي أَوْلى،
والمَقامَ له أدعى، وسلوك ما ذهب إليه الإمام الخطابيُّ أَوْضَحُ، وأَهْدَى،
وأحَقُّ أن يُتَّبِعَ وأَخْرَى، انتهى (١).
قال المَيْدانيُّ في ((الأمثال)): معناه: أن الشرع يمنع المؤمن من
الإصرار، فلا يأتي ما يستوجب به تضاعفَ العُقوبة، يُضرب لمن أُصيب
ونُكِبَ مرَّةً بعد أُخرى.
قاله النبي ◌َّ لأبي عَزَّة الشاعر؛ أي: لو كنت مؤمناً؛ لم تعد
لقتالنا(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٢٢٢).
(٢) انظر: ((مجمع الأمثال)) للميداني (٢ / ٢١٥).
١٨٧

١٨٣٥ - وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ
عَلَى فَضْلٍ مَاءٍ بِالفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَابَعَ رَجُلاً
سِلْعَةً بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ
عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّ لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ
مِنْهَا، وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، لَمْ يَفِ)) متفقٌ عليهِ.
قوله ريخ: ((ثلاثة لا يكلمهم الله ... إلى آخره))، سبق شرحه في
(الباب الثاني والسبعين).
* قوله: ((رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل)):
(ن): لا شكّ في غِلَظ تحريم ما فعل وشِدَّة قبحه، فإذا كان مَن يمنع
فَضْلَ الماء الماشيةَ عاصياً؛ فكيف مَن يمنعه الآدميَّ المُحترمَ؟! (١)
(ق): جاء في ((صحيح البخاري)): ((يقول الله لمانع الماء: اليومَ
أَمْنَعُكَ فَضْلِي؛ كما مَنَعْتَ فَضْلَ ما لم تَعْمَل يَدَاكَ)) (٢).
و((ابن السبيل)) هذا: هو المسافر، و((السبيل)): الطريق، وسُمِّي
المسافر بذلك؛ لأن الطريق تُبْرِزُه وتظهره، فكأنها ولدته.
وقيل: سُمِّي بذلك؛ لملازمته إياه، كما يقال في الغُراب: ابن دَأْيَةَ،
المُلازمته دأيةَ البعيرِ الدَّبِرِ ؛ لِيَنْقُرَها.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١١٧).
(٢) رواه البخاري (٢٢٤٠)، من حديث أبي هريرة ◌ُه
١٨٨

و ((الفلاة)): القَفْر.
وقد أجمع المسلمون على تحريم مَنْع الماء على هذه الحالة؛ لأنه
مَنْعُ ما لا حقَّ له فيه من مُستَحِقِّه، وربما أتلفه، أو أتلف ماله وبهائمه، فلو
منعه هذا الماء حتى مات عطشاً؛ أُقِيدَ منه عند مالك، كما لو قتله بالجوع
أو بالسِّلاح(١).
* وقوله: «بایع رجلاً بسلعة»:
(ق): رويناه [((سلعة))] بغير باء، ورويناه بالباء، فعلى الباء: يكون
(بايع)) بمعنى: ساوم، كما جاء في الرواية الأخرى، وتكون الباء بمعنى
(عن)؛ كما قال الشاعر:
فإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي
بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
أي: عن النساء.
وعلى إسقاطها: يكون [معنى (بايع) باع فيتعدى بنفسه، و((سلعة))](٢)
مفعول (بایع)(٣).
* وقوله : ((حلف بالله لأخذها بكذا))؛ يعني: بذلك: أنه كذب،
فزاد في الثمن، وحلف على كذبه، وأخذ مالَ غيره ظلماً، فقد جمع بين
كبائر، فاستحق هذا الوعيد الشديد .
وتخصيصه بما بعد العصر يدلُّ على أن لهذا الوقت من الفَضْل والحُرمة
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٠٦).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٠٧).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
١٨٩

ما لیس لغيره من ساعات اليوم.
قلت: ويظهر لي أنه إنما كان ذلك؛ لأنه عقيب الصلاة الوسطى
- كما ورد النص عليه - ولمَّا كانت هذه الصلاة لها من الفَضْل وعظيم القَدْر
أكثرُ مما لغيرها؛ فينبغي لمُصلِّيها أن يظهر عليه عقيبها من التحفُّظ لدينه،
والتحرُّز على إيمانه، أكثرُ ممَّا ينبغي له عقيب غيرها؛ لأن الصلاة حقُّها أن
تنهى عن الفحشاء والمُنكر، كما في التنزيل؛ أي: تَحْمِل على الامتناع من
ذلك بما يحدُث في قلب المصلي بسببها من النور والانشراح، والخوف من
الله تعالى، والحياء منه، ولهذا أشار النبيُّ نَّه بقوله: ((مَنْ لم تَنْهَهُ صَلاَتُه
عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ؛ لم يَزْدَدْ منَ اللهِ إِلاَّ بُعْدا)(١).
فإذا كان هذا في الصلوات كلِّها؛ كانت الوُسطى بذلك أَوْلى، وحقُّها
من ذلك أكثرَ وأَوْفِى، فمَن اجترأ بعدها على اليمين الغَمُوس التي يأكل بها
مالَ الغير؛ كان إثمُه أشدَّ، وقلبُه أفسدَ، وهذا أَوْلى ممَّا قاله القاضي أبو
الفضل؛ فإنه قال: إنما كان لاجتماع ملائكة الليل والنهار في ذلك الوقت
لو جھین :
أحدهما: أن هذا المعنى موجودٌ في صلاة الفجر، فتبطل خُصوصية
العصر .
وثانيها: أن حضور الملائكة واجتماعَهم إنما هو في فعل هاتين
الصلاتين لا بعدهما، كما نصَّ عليه في الحديث بقوله: «تَقُولُ المَلائِكَةُ:
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١٠٢٥)، من حديث ابن عباس حظًا. وهو
حديث باطل. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢).
١٩٠

أَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وتَرَكْنَاهُمُ وهُمْ يُصَلُّونَ)(١).
وهذا يدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الملائكةَ لا يشاهدون من
أعمال العباد إلا الصلاة فقط، وبها يشهدون، فتدبّر ما ذكرتُه؛ فإنه الأنسبُ
الأسلم(٢).
* قوله: ((لا یبایعه إلا للدنيا»:
(ق): إنما استحق هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لم يَقُم لله تعالى بما
وجب عليه من البَيْعة الدِّينية؛ فإنها من العبادات التي تجب فيها النية
والإخلاص.
فإذا فعلها لغير الله؛ من دنيا يقصدها، أو غرَض عاجل؛ بقيت
عُهْدَتُها عليه؛ لأنه منافق مراءٍ غاشٌُّ للإمام وللمسلمين، غيرُ ناصح [لهم،
ومن كان هكذا؛ كان] مُثيراً للفتن بين المسلمين، يَسْفِك دماءهم، ويستبيح
أموالهم، ويَهْتِك بلادهم؛ لأنه إنما يكون مع مَن يُبلِّغُه إلى أغراضه، فيبايعه
لذلك، ويَنْصُره، ويغضب له، ويقاتل مُخالَفه، فينشأ من ذلك تلك
المفاسد .
وقد يكون هذا مخالفةً في بعض أغراضه، فيَنْكُث بيعتَه، ويطلب
هَلَكَتَهُ، كما هو حال أكثر هذه الأزمان؛ فإنهم قد عَمَّهم الغَدْرُ(٣).
وقوله: ((فإن أعطاه منها؛ وفى))، وهكذا الرواية ((وفى)) مخفف
الفاء، و((يف)) محذوف الواو والياء، مُخَفَّفاً، وهو الصحيح، يقال: وفى
(١) رواه البخاري (٥٣٠)، ومسلم (٦٣٢)، من حديث أبي هريرة ضـ
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٠٧).
(٣) المرجع السابق (١ / ٣٠٨).
١٩١

يفي وفاء، والوفاء ممدود: ضدُّ الغدر، وأما المشدد: فهو بمعنى توفية
الحق وإعطائه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَلَ﴾ [النجم: ٣٧]؛ أي:
قام بما كُلِّفه من الأعمال؛ كخِصَال الفطرة، وغيرها؛ كما قال تعالى:
﴿فَأَتَمَّهُنٌّ ﴾ [البقرة: ١٢٤](١).
١٨٣٦ - وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، قَالَ: ((بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ))،
قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْماً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟
قَالَ: أَبَيْتُ، قالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، (وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ
مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّ عَجْبَ الذَّنَبِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ، ثُمَّ يُنَزِّلُ اللهُ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً، فَيَتْبُونَ كَمَا يَنْبُتُ البَقْلُ)) متفقٌ عليه.
* قوله: ((ما بين النفختين» :
(ق): يعني: نفختي الصَّعْق والبَعْث، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ
فِي الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهٌ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨](٢).
قوله: ((أبيت)) :
(ن): معناه: أبيت أن أجزم بأن المراد أربعون يوماً، أو سنة، أو
شهراً، بل الذي أجزم [به] أنها أربعون مُجملةً، وقد جاءت مُفسَّرة من
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠٦).
١٩٢

رواية غيره في غير ((مسلم)): ((أربعون سنة))(١).
(ق): ويحتمل أنه كان عنده علمٌ وامتنع من بِّه؛ لأنه لا يُرْهِقُ إليه
حاجةٌ، ولا يتعلق به عمل(٢).
* قوله : ((ويبلى كل شيء من الإنسان)):
(ق): وفي رواية: (كُلُّ ابنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ))(٣)؛ أي: تُبُليه وتُصيِّره
إلى أصله الذي هو التراب، وهذا عامٌّ مخصوصٌ بقوله: ((إنَّ اللهَ حَرَّمَ على
الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِياءِ))(٤)، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((المُؤَذِّنُ
المُخْتَسِبُ كالمُتَشَخِّطِ فِي دَمِهِ، وإن مَاتَ لَمْ يُدَوِّدْ فِي قَبْرِهِ»(٥).
وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجسادَ الشهداء، والمؤذنين
المُحتسبين، وقد شُوهد هذا فيمن اطّلع عليه من الشهداء، فوجدوا كما
دُفنوا بعد أيام طويلة، كما ذكر في السِّيَر وغيرها(٦) .
(ن): ((عجب الذنب)) بفتح العين وإسكان الجيم: العظم اللطيف
الذي في أسفل الصُّلْب، وهو رأس العُصْعُص، وهو أول ما يُخلق من
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠٦).
(٣) رواه البخاري (٧٧٣)، من حديث أبي هريرة .
(٤) رواه أبو داود (١٠٤٧)، وابن ماجه (١٠٨٥)، من حديث شداد بن أوس
وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٤ / ٣٢).
(٥) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٥٥٤)، من حديث ابن عمر ﴿﴾. وهو
حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٨٥٢).
(٦) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧/ ٣٠٧).
١٩٣

الآدمي، وهو الذي يبقى منه؛ ليُعاد تركيبُ الخلق عليه(١).
(ق): روى ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخُدْريٌّ، وذكر عَجْبَ
الذَّنَب، قيل: يا رسولَ الله؛ وما هو؟ قال: ((مِثْلُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ، ومنه
يَنْشَؤُونَ))(٢).
(مظ): المراد طول بقائه، لا أنه لا ییلی أصلاً؛ لأنه خلاف المحسوس،
وأنه ورد: ((أَوَّلُ ما يُخْلَقُ وَآخِرُ ما يَبْلَى)).
والحكمة فيه: أنه قاعدة بدن الإنسان، وأُسُّه الذي يُبنى عليه،
فبالحَرِيِّ أن يكون أصلبَ من الجميع، كقاعدة الجدار وأُسِّه، وإذا كان
أصلبَ؛ كان أطولَ بقاء، انتهى(٣) .
في ((صحيح مسلم)): ((إنَّ في الإِنْسَانِ عَظْماً لا تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَداً)(٤)،
وهذا يُؤيِّد ما ذكره النوويُّ.
* قوله ويقلقي: «ثم ينزل الله من السماء ماء» :
(ق): يعني به: بعد نفخة الصَّعْق ينزل هذا الماء الذي هو كمَنيٍّ
الرجال، فتتكون منه الأجساد بقُدرة الله تعالى، وعن ذلك عبَّر بقوله:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٩٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠٧)، والحديث رواه ابن حبان في ((صحيحه))
(٣١٤٠)، من حديث أبي سعيد الخدري ﴿ه. وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الترغيب والترهيب)) (٢٠٨٥).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٤٦٧).
څ .
(٤) رواه مسلم (٢٩٥٥ / ١٤٣)، من حديث أبي هريرة
١٩٤

((فينبتون كما ينبت البقل))، فإذا تهيأت الأجسام، وكمَلت؛ نُفخ في الصور
نفخةُ البَعْث، فخرجت الأرواح من المَحالِّ التي هي فيها.
قال بعضُهم: فتأتي کلُّ روح إلی جسدها، فیحییها الله تعالى، كلُّ ذلك
في لحظة؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، انتهى(١).
عن أبي مُرِّيَّةَ، [عن النبي ◌َّر]، أو عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ◌َّ-
قال: ((النَّفِخَانِ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيةِ، رَأْسُ أَحَدِهما بالمَشْرق، ورِجْلاهُ
بالمَغْرِبِ))، أو قال: ((رَأْسُ أَحَدِهِما بالمَغْرِبِ، ورِجْلاهُ بالمَشْرِقِ، يَنتُظِرُونَ
متى يُؤْمَرانِ أَنْ يَنْفُخَا فِي الصُّورِ، فِيَتْفُخَانِ))، رواه أحمد بإسناد جيد، هكذا
على الشَّكِّ في إرساله واتصاله، قاله المُنذِرِيُّ(٢).
وفي ((صحيح البخاري) في ترجمة بابٍ: عن ابن عباس عًُّا في قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُورِ﴾ [المدثر: ٨]: الصور، قال: و﴿الرَّاحِفَةُ﴾: النفخة
الأولى، و﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثانية(٣).
وعن أبي سعيد قال: ذكر رسول الله وَّه صاحبَ الصُّور، فقال: ((عَنْ
يَمِينِهِ جِبْرِيلُ، وعَنْ یَسَارِهِ مِیکائِيلُ))، رواه رَزِينٌ(٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٠٦).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٩٢). وهو حديث منكر. انظر: ((ضعيف
الترغيب والترهيب)) (٢٠٨٤).
(٣) رواه البخاري (٤٦٥١).
(٤) رواه أبو داود (٣٩٩٩)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٩)، وهو حديث ضعيف
كما ذكر محققو ((المسند)) (طبعة الرسالة) من حديث أبي سعيد الخدري
١٩٥

١٨٣٧ - وَعَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ◌َهِ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ
القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ وَلجي
يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وقَالَ
بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ، قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ
عَنِ السَّاعَةِ؟))، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: ((إِذَا ضُبِّعَتِ
الأَمَانَةُ، فَانْتُظِرِ السَّاعَةَ))، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ
الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتُظِرِ السَّاعَةَ)) رَواهُ البُخاريُّ.
* قوله: ((بينما ◌َّ في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي)):
(بينما)) سبق معناه في (الباب الخامس)، و((الأعرابي)) في (الباب
الثاني).
(ك): معنى الحديث: جاء أعرابيٍّ وقتَ حديث الرسول وَّهـ
وقوله: ((يحدث)) خبر المبتدأ، وحُذف مفعولاه الأخيران، و((القوم)):
هم الرجال دون النساء، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَّرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا
مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن ◌ِسَآءٍ﴾ [الحجرات: ١١].
وقال الشاعر :
أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ
وقد يدخل النساء فيه على سبيل التبع؛ لأن قوم كل نبيِّ رجال ونساء،
وجمعه: أقوام، وجمع الجمع: أقاوم.
وقوله: ((متى الساعة؟))؛ أي: يوم القيامة، وقد سبق في (الباب
١٩٦

الخامس) بيانُ تسميتها بالساعة.
وقوله: ((سمع))؛ أي: رسول الله وَّيِ ما قال الأعرابيُّ، فكره سؤاله؛
ولهذا لم يلتفت إلى الجواب.
وقوله: ((حتى إذا قضى)) يتعلق بقوله: ((فمضى))، لا بقوله: ((لم
يسمع))، ولفظ ((فقال)) إلى هنا، جملة معترضة بالفاء، وذلك جائز.
فإن قلت: علام عطف ((بل لم يسمع))؛ إذ لا يصِحُّ أن يُعطفَ على ما
تقدَّم؛ إذ الإضراب إنما يكون عن كلام نفسه، بل لا يصِحُ عطفٌ أصلاً
على كلام غير العاطف؟!
قلت: لا نسلم امتناعَ صِحَّة العطف والإضراب بين كلام المتكلمين،
وما الدليل عليه سلَّمنا، لكن يكون الكل من كلام البعض الأول على طريقة
عطف التلقين، كأنه قال البعض الآخر للبعض الأول: قل: بل لم يسمع،
أو من كلام البعض الآخر؛ بأن يُقدَّر لفظ (سمع) قبله، كأنه قال: سمع،
بل لم يسمع.
وقوله: ((ها أنا)) مبتدأ، وخبره محذوف، وهو السائل، و(ها) حرف
تنبيه .
(الجوهريُّ): و(ها) قد تكون جوابَ النداء، تُمَدُّ وتُقْصَر، وأيضا
مقصور للتقريب، إذا قيل لك: أين أنت؟ فتقول: ها أنا ذا.
فإن قلت: هل يجوز تأخير الجواب عن السؤال فيما يتعلق بالدِّين؟
قلت: المسألة ليست مما يجب تعلُّمُها، بل هي ممَّا لا يكون العلم
بها إلا الله تعالى، ولئن سلَّمنا فلعل الذي كان ◌َّ مُشتغلاً به كان أهمّ منه،
أو لعله أخّره؛ انتظاراً للوحي، أو أراد أن يُتَمِّمَ حديثه؛ لئلا يختلط على
١٩٧

السامعین، أو أراد تعلیم فوائد:
منها: أنه يجب على القاضي والمُدرِّس والمُفتي تقديمُ الأسبق.
ومنها: أن من أدب التعلم أن لا يُسألَ العالمُ ما دام مشتغلاً بحديث
أو غيره؛ لأن من حق القوم الذين بدأ بحديثهم أن لا يُقطع عنهم حتى يُتِمَّه.
وفيه: الرِّفق بالمتعلم وإن جفا في سؤاله أو جهل؛ لأن النبيَّ ◌َّ لم
یؤنِّبه على سؤاله قبل إکمال حديثه.
وفيه: مراجعة العالم إذا لم يفهم السائل؛ لقوله: ((كيف إضاعتها؟)).
فإن قلت: السؤال إنما هو عن كيفية الإضاعة، والجواب هو
بالزمان، لا بیان الكيفية، فما وجهه؟
قلت: ذلك مُتضمِّن للجواب؛ إذ يلزم منه بيانُ أن كَيْفِيَّتها هي
بالتوسُّد المذكور.
فإن قلت: ((إذا)) هاهنا، هل يتضمَّن معنى المُجازاة أم لا؟
قلت: الظاهر لا، والفاء في ((فانتظر الساعة)) للتفريع، أو جواب
شرط محذوف؛ يعني: إذا كان كذلك؛ فانتظر الساعة.
قال ابن بَطَّال: وفيه: وجوبُ تعليم السائل، وقال: معنى ((إذا وسد
الأمر إلى غير أهله)): أن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده، وفرض عليهم
النصيحةَ لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدِّين النظرَ في أُمور الأئمة، فإذا قلدوا
غير أهل الدِّين؛ فقد ضيَّعوا الأمانة التي فرض الله عليهم.
وقد جاء عن النبي ◌َّهِ: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُؤْتَمَنَ الخَائِنُ))(١)،
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢/ ١٦٢)، من حديث عبدالله بن عمرو ظـ
١٩٨

وهذا إنما يكون إذا غلب الجُهَّال، وضَعُف أهلُ الحق عن القيام به، نعوذ
بالله مما نحن فيه من ذلك(١).
* قوله : ((إذا ضيعت الأمانة)):
(قض): أخرج الجوابين مُخْرجَ الاستئناف؛ للتأكيد، ولأن السؤال
الأول لمَّا لم يكن [مما يمكن] أن يجيب عنه بجواب حقيقي يطابقه؛ فإن
تأقيت الساعة غَيْبٌ لا يعلمه مَلَكٌ مُقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرسل = عدل عن
الجواب إلى ذكر ما يدل على المسؤول عنه دلالة ما من أَمَارتها، وسلك في
الجواب الثاني مسلك الأول؛ ليتَّسِق الكلام(٢).
و((التوسيد)) في الأصل: أن يجعل للرجل وسادة، ويُسنده إليها، ثم
استعمل في تفويض الأمر وإسناده إلى غيره، وإنما دل ذلك على دُُوِّ
الساعة؛ لإفضائه إلى اختلال الأمر، ووَهَن الدِّين، وضعف الإسلام.
(تو): معناه: أن يلي الأمرَ مَنْ ليس له بأهل، فيُلقى له وِسادةُ المَلِك،
وأراد بالأمر الخلافة، وما ينضمُّ إليها؛ من قضاء، وإمارة، ونحوهما.
و((الوسد)): أخذ من الوسادة، يقال: وَسدته الشيء بالتخفيف فتوسَّده:
إذا جعله تحت رأسه، ولفظة (إلى) فيها إشكالٌ؛ إذ كان من حقه أن يقال:
وُسِّد الأمر لغير أهله، فلعله أتى بها؛ ليدل على إسناد الأمر إليه، وأكبر
ظَنِّي أني وجدت في بعض الروايات: ((إذا أُسْنِدَ الأمرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ)(٣).
= وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٣٢١١).
(١) انظر: ((الكواكب الدراري) للكرماني (٢ / ٤ -٦).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٣٤٨).
(٣) رواه البخاري (٦١٣١)، من حديث أبي هريرة ظ﴾.
١٩٩

(ط): في قوله: ((فانتظر)) تنبيهٌ على أن قوله: ((إذا ضيعت الأمانة))
ليس إبّانَ الساعة، بل من أماراتها، فلا تكون (إذا) شرطية حينئذ، وإنما دل
ذلك على دُكُرُّ الساعة؛ لأن تغيُّر الوُلاة وفسادَهم مُستلزمٌ لتغيُّرِ الرَّعِيَّة، وقد
قيل: الناسُ على دِين مُلوكهم(١).
١٨٣٨ - وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ
أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ)) رواهُ البُخاريُّ.
• قوله : ((يصلون)) :
(ك): أي: الأئمة ((لكم))؛ أي: لأجلكم، فإن أصابوا في الأركان،
والشرائط، والسُّنن؛ فلكم.
فإن قلت: الثواب لا يختصُّ بالمأموم، بل للأئمة أيضاً.
قلت: بيان كونه لهم مفروغٌ عنه لا يحتاج إلى ذكر؛ إذ معلومٌ أن مَن
أتی إلی طاعة؛ فثوابها له.
وقوله: ((عليهم))؛ أي: عقابُها عليهم؛ لأن (على) تستعمل في
الشرِّ، و(اللام) في الخير.
فإن قلت: الخطأ عقابُه مرفوعٌ عن المُكلَّفين، فكيف يكون عليهم؟
قلت: الخطأ هاهنا في مقابلة الإصابة، لا في مقابلة العمد، والذي
في مقابلة العمد: هو المرفوع، لا ذلك.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١/ ٣٤٣٧).
٢٠٠